الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس: أعلام النثر:
1-
محمد عبده 1849-1905م:
حياته وآثاره:
وُلد محمد عبده في سنة 1849 في قرية "حصة شبشير" من قرى مديرية الغربية، ويقال: إن أباه هاجر إليها من بلدته الأصلية "محلة نصر"، وهي إحدى قرى مديرية البحيرة؛ وذلك فرارًا من ظلم الحكام حينئذ، ولم يلبث أن عاد إليها مع زوجته وابنه، وكان له زوجات غيرها وأبناء آخرون.
ويظهر أنه كان من وجهاء قريته، يدل على ذلك مسلكه في تعليم ابنه، فإنه أحضر له معلمين في منزله علموه القراءة والكتابة، وحفظ على أيديهم القرآن الكريم، وفي الوقت نفسه نشَّأه على ركوب الخيل وحب الفروسية. ولما بلغت سنه الثالثة عشرة حمله إلى بلدة طنطا إحدى مراكز التعليم الديني في هذا الوقت، فجود القرآن على بعض القراء المشهورين، ومكث في ذلك عامين، ثم انتظم في المعهد الديني بين طلابه، وظل فيه عامًا ونصف عام لم يفتح الله عليه فيهما بشيء.
ولم يكن ذلك لغباء فيه، فقد كان فطنًا ذكيًّا؛ وإنما كان بسبب عقم التعليم الديني حينئذ في الأزهر وملحقاته بطنطا وغير طنطا، إذا انتهى هذا التعليم إلى طريقة ملتوية شديدة الالتواء، فيها يعقَّد كل شيء. وكان أول ما يدرس في النحو "شرح الكفراوي على متن الآجرومية"، وعبثًا حاول محمد عبده أن يفهم
شيئًا مما يقوله شيخه، فقد رآه يبدأ بكلمة "بسم الله الرحمن الرحيم" البسيطة السهلة، فلا يفهمها كما هي؛ بل يثير مع الكفراوي شارح الكتاب بعض المشكلات حولها، فهي تعرب على تسعة أوجه، ويأخذ الشيخ في توجيه هذه الإعرابات قبل أن يعرف الطلاب شيئًا عن النحو وعن تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف.
وضاق محمد عبده بهذه الطريقة العقيمة في التعليم، ورجع إلى قريته، فزوجه أبوه، وحاول أن يرجعه إلى سيرته في التعليم الديني. وصدع لأمر أبيه وأعدَّ عدة الرحيل، ولكن بدلًا من أن يذهب إلى طنطا ذهب إلى أخوال أبيه، وكانوا يقيمون في قرية قريبة من قريته. وتصادف أن كان بينهم شخص يسمى "درويش خضر" تقلب في البلاد حتى وصل إلى ليبيا، وهناك تعرَّف على الشيخ السنوسي وتلقَّى عنه تعاليمه، وهي تلتقي إلى حد كبير مع تعاليم الوهابية. وأنس محمد عبده لهذا الخال المتصوف أو هذا الشيخ، وأخذ يقرأ معه بعض رسائل صوفية، وجد فيها القبس الذي كان يفتقده.
وتبدل محمد عبده بتأثير هذا الشيخ من صبي عابث إلى فتى جاد، يحس إحساسًا عميقًا كأن عليه رسالة في الحياة: أن يَهْدي الناس إلى الطريق المستقيم في الدين. ورحل إلى طنطا، فتلقى على الشيوخ بها بعض الدروس، ولم يلبث أن تحول إلى الأزهر، يعب من علومه الدينية واللغوية. وفي نهاية كل عام كان يعود إلى بلدته، فيجد الشيخ درويش في انتظاره؛ لينفخ في روحه. وكان واسع الأفق، فكان يسأله: هل تعلمت المنطق؟ هل تعلمت الحساب والهندسة؟ وكان في الأزهر عالم عظيم من علمائه يسمى الشيخ حسن الطويل يُعْنَى بإلقاء محاضرات في الفلسفة والهيئة، فانتظم محمد عبده بين تلاميذه.
وتصادف أن نزل مصر سنة 1871 السيد جمال الدين الأفغاني، يحمل في صدره وعلى لسانه دعوته للنهوض بالإسلام والمسلمين ضد الاستعمار والمستعمرين، وكانت مصر قد أخذت تتحرك، وأخذ الرأي العام فيها يتكون، وأخذ الناس يشعرون أن حقوقهم مسلوبة، سلبها إسماعيل وأسرته، وكانت مساوئ السياسة
المالية التي سار عليها هذا الحاكم أخذت تتضح للجميع، فقد فُرضت على البلاد الرقابة المالية والمراقبة الثنائية.
لذلك كله بدأت الجذوة الوطنية تتقد في النفوس، وكان جمال الدين من أكبر من أمدوا نارها بالحطب الجزل من الخطب والمحاضرات في المقاهي وفي منزله. وكان يُلقي في هذه المحاضرات دروسًا في الكلام والتصوف والفلسفة الإسلامية، فتعرف عليه محمد عبده، وأعجب به جمال الدين إعجابًا شديدًا، حتى أصبح أهم مريديه. لقد كان مريدًا للشيخ درويش، فدفعه إلى اجتياز العقبات الأولى التي صادفته في أول تعلمه بطنطا، واليوم يصبح مريدًا لفيلسوف إسلامي كبير، يعد من حيث تأثيره في العالم الإسلامي في أثناء القرن الماضي في صف الأحرار العالميين؛ إذ لم يترك بلدًا إسلاميًّا حل فيه إلا ألقى في أرضه البذور لثورات وطنية عارمة على حكامه المستبدين الفاسدين.
ويُعْجَبُ الفيلسوف الكبير -أو بعبارة أدق: الثائر الكبير- بالشيخ الصغير محمد عبده؛ إذ وجد فيه ذكاء نادرًا، وروحًا متحمسة للإصلاح في جميع الميادين السياسية والدينية والاجتماعية التي كان يصول فيها ويجول، ودفعه كغيره من تلاميذه ومريديه إلى الكتابة في هذه الشئون بالصحف؛ حتى يتنبه الناس ويفيقوا من غفلتهم وسباتهم الطويل. وكتب محمد عبده في صحيفة الأهرام، وكانت أسبوعية، فلفت الأنظار إليه وإلى آرائه الإصلاحية.
وتخرج في الأزهر سنة 1877، فكان يلقي فيه بعض الدروس في المنطق والعقائد، وألف حينئذ حاشية على شرح لكتاب يسمى "العقائد العضدية"، وهي تدل على تضلعه في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، ووالى مقالاته في الأهرام، وأخذ يدرس لطلابه كتاب "تهذيب الأخلاق" لابن مسكويه، ويقرأ في بيته كتابًا مترجمًا في "تاريخ تمدن الممالك الأوربية". ثم عين مدرسًا للتاريخ في مدرسة دار العلوم وللعربية في مدرسة الألسن، وكان يدرس في الأولى "مقدمة ابن خلدون".
وتطورت الأمور فعُزِلَ إسماعيل، ورأت بطانة توفيق أن يخرج جمال الدين
الأفغاني من مصر لما يؤجج من ثورة في النفوس، وأُقيل محمد عبده من وظيفته لاتفاقه مع جمال الدين في مبادئه، وخاصة أنهما كانا يطالبان بالإصلاح السياسي. غير أن مقاليد الحكم تحولت إلى رياض "باشا" وكان يعطف على محمد عبده، فأسند إليه تحرير "الوقائع المصرية" جريدة الحكومة الرسمية، فنهض بها مع طائفة من تلاميذه على رأسهم سعد زغلول، فلم يقف بها عند تقرير الوقائع والأخبار الحكومية؛ بل جعلها صحيفة إصلاحية تتناول بالنقد وزارات الحكومة، وتبث دعوات مختلفة إلى الحرية والبر بالفقراء والأعمال الخيرية وتطهير الإسلام من البدع والخرافات، كما تبث دعوات سياسية تهدف إلى خير الجماعة ومصلحتها الوطنية وقيام حكومة شورية.
ولما قامت الثورة العرابية كان من المناهضين لها في أول الأمر لما كان يخشى من عواقبها؛ ولكنه لم يلبث -حين رأى التدخل الأجنبي لإحباطها- أن انضم إليها وأصبح من زعمائها. ويقال: إنه هو الذي وضع صيغة اليمين التي أقسمها ضباط الجيش على رفض هذا التدخل، وهو الذي تولى حَلِفَهم. ولما أخفقت الثورة حوكم مع زعمائها، فحُكم عليه بالنفي ثلاث سنين خارج القطر، فقصد إلى بيروت، وتصدَّر فيها للتدريس، إلا أن أستاذه جمال الدين استدعاه إلى باريس، فلبَّى دعوته. وهناك أصدرا في مارس سنة 1884 صحيفة "العروة الوثقى" وأخذ محمد عبده يطلق منها قذائفه السياسية والإصلاحية إلى مصر والأقطار الإسلامية، وأقضَّ ذلك مضاجع إنجلترا وفرنسا، فقضتا على الصحيفة بعد صدور بضعة أعداد منها. وعاد إلى بيروت كما عاد إلى التدريس، فشرح "مقامات بديع الزمان الهمذاني" و"نهج البلاغة" وألف رسالته المشهورة في "التوحيد" أو علم الكلام وأصوله، وتفسير جزء "عم" وشرح البصائر في المنطق.
وتولى الوزارة رياض "باشا"، وكان يقدره حق قدره، فعمل على صدور العفو عنه، ويقال: إن الإنجليز عاونوه في ذلك، فعُفِي عنه وعاد إلى وطنه في سنة 1888، وتقلب في مناصب القضاء، حتى أصبح مستشارًا بمحكمة
الاستئناف، ثم عين مفتيًا للديار المصرية في سنة 1899، وظل في هذه الوظيفة إلى وفاته.
وأخذ بعد عودته يُعْنَى بالإصلاح الديني والاجتماعي، فكان يكتب في ذلك مقالات مختلفة بالمقتطف والأهرام والمنار "صحيفة تلميذه ومريده الشيخ رشيد رضا"، وكان يدرس للأزهريين وتلاميذه المختلفين كتابي عبد القاهر الجرجاني في البلاغة:"دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة". وألقى كثيرًا من المحاضرات في تفسير القرآن الكريم تفسيرًا يتمشى وروح العصر، وأطلق لنفسه في هذا التفسير حريتها، فلم يتقيد فيه بأحد من قبله. ومما يذكر له أنه حاول إصلاح الأزهر وطرق التعليم فيه وعمل على أن يجمع طلابه بين علوم الدين والعلوم العصرية، وأيضًا مما يذكر له عمله على إنشاء الجمعية الخيرية الإسلامية، وجمعية إحياء الكتب العربية. وكانت قد هبَّت في أواخر القرن الماضي عاصفة من الغرب ضد الإسلام وتعاليمه، فوقف كثيرًا من مقالاته على تصحيح آراء القوم والرد عليها، ومقالاته ضد "هانوتو" معروفة.
ولا نبالغ إذا قلنا: إنه أكبر مصلح ديني عرفته الأمم الإسلامية في عصرها الحديث، فقد كان واسع الأفق بصيرًا بتعاليم الإسلام وغاياته السامية، وكان يدعو دعوة جريئة إلى تحرير الفكر من كل تقليد، وأن نفهم الدين على طريقة السلف في عصر الصحابة والتابعين الأولين قبل أن يظهر الخلاف بين المذاهب الإسلامية المختلفة. وكان يعجب بالمعتزلة وآرائهم؛ لأنه رآهم متحررين في أفكارهم. وقد دعا أيضًا إلى العلم الحديث، فالدين الصحيح لا يخالف العلم وحقائقه الثابتة؛ بل إنه يدعو إلى البحث في أسرار الكون واكتشاف قوانينه، وكان ذلك يُعَد في عصره ثورة على الدين ورجاله الذي رانَ عليهم غير قليل من الجمود.
وكان بعد منفاه يهادن الإنجليز، مثله مثل كثير من المصريين الذين يئسوا من خروجهم، وربما كان ذلك زَلته الوحيدة؛ ولكن من غير شك كان ينشد الحرية الفكرية، وظل يجاهد من أجلها طوال حياته، وهو بحق
يعد في طليعة زعمائنا المصلحين، وخاصة في الدين، والملاءمة بينه وبين التقدم العقلي الحديث.
2-
مقالاته:
لعل محمد عبده خير مَن يصور لنا تطور نثرنا في القرن الماضي بتأثير الصحف والاطلاع على بعض آثار الغربيين، فإنه تعلم الفرنسية في منفاه، وكان قبل أن يُنْفَى كثير القراءة لما تُرجم في عصره من كتب مختلفة.
وبدأ حياته الأدبية منذ أن كان طالبًا في الأزهر، فقد كتب في صحيفة الأهرام سنة 1876 مجموعة من المقالات. ومن يقرؤها يلاحظ أن دائرة اطلاعه متوسطة؛ بحكم ثقافته المحدودة. وليس ذلك فحسب، فإنه يكتب بلغة السجع المعروفة على نحو ما نرى في هذه القطعة من مقالة له عنوانها "الكتابة والقلم" يقول:
"لما انتشر نوع الإنسان في أقطار الأرض، وبَعُد ما بينهم في الطول والعرض، مع ما بينهم من المعاملات، ومواثيق المعاقدات، احتاجوا إلى التخاطب في شئونهم، مع تنائي أمكنتهم، وتباعد أوطانهم، فكان لسانُ المرسِل إذ ذاك لسانَ البريد، وما يدرك هل حفظ ما يبدئ المرسل وما يعيد، وإن حفظ هل يقدر على تأدية ما يريد، بدون أن ينقص أو يزيد، أو يبعد الغريب أو يقرب البعيد. فكم من رسول أعقبه سيف مسلول، أو عنق مغلول، أو حرب تخمد الأنفالس، وتعمر الأرماس، ومع ذلك كان خلاف المرام، ورمية من غير رام
…
فالتجئوا إلى استعمال رقم القلم، ووكلوا الأمر إليه فيما به يتكلم".
وواضح أنه في هذا التاريخ لم يكن يملك وسائل الكتابة الطبيعية للتعبير عما في نفسه؛ لأن هذه الوسائل في ذلك الوقت لم يكن يملكها أحد من المصريين،
غير أن اتصاله بالكتب القديمة وبمثل مقدمة ابن خلدون التي كان يدرسها لطلاب دار العلوم نبهه إلى أن وراء هذه اللغة المعقدة الملتوية لغة سهلة مرنة على أداء المعاني بدون صعوبات السجع وما يتصل به. فلما وُكل إليه في سنة 1880 تحرير الوقائع المصرية لجأ مباشرة إلى الأسلوب المرسل الطبيعي الذي يؤدي المعاني بدون عناء.
ولم يكتفِ بذلك؛ بل أخذ يعمل على نشر هذا الأسلوب بين تلاميذه الذين كانوا يكتبون معه من أمثال سعد زغلول، كما أخذ يشجع الصحف على احتذائه والضرب على قوالبه، وفي الوقت نفسه كان ينتقد من يكتبون فيها، ويطلب إلى أصحابها أن يختاروا من يحسن الكتابة بالأسلوب الجديد. وفتَح في الوقائع صفحات أدبية واجتماعية وسياسية، يكتب فيها هو وتلاميذه، وكأنه يريد أن يضع بين الكُتَّاب النموذج الأدبي الجديد الذي ينبغي أن يتوفروا عليه. وقد أخذ يرقى بلغة المخاطبات الرسمية في دواوين الحكومة بما ينشر منها على وجه صحيح، وكانوا في دواوين الحكومة يتخاطبون حينئذ "بضرب من ضروب التأليف بين الكلمات رَثٍّ غير مفهوم، ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم لا في صورته ولا في مادته".
فتحريره الوقائع كان خطوة كبيرة في سبيل الرقي بلغة المخاطبات الحكومية وبلغة الصحافة، فقد خرج بها من أسلوب السجع والفواصل وأنواع الجناس والبديع إلى أسلوب مرسل حر، لا يضيق بالمعاني، ولا يضيق به القراء.
وكان الإصلاح الاجتماعي هو المحور الذي يدور عليه ما يكتبه في الوقائع، فكان يدعو إلى تأسيس الجمعيات الخيرية، ويبحث في بعض مشاكل التعليم، وينتقد من يأخذون من المدنية الغربية بقشورها الإباحية، ويدعو إلى نبذ الخرافات في الدين والتعاون على مصالح المعيشة. ونراه -مع طلائع الثورة العرابية سنة 1881- يكتب ثلاث مقالات في الشورى ووجوب الأخذ بالنظام النيابي المعروف عند الغربيين، ومن قوله في أولى هذه المقالات:
"معلوم أن الشرع لم يجئ ببيان كيفية مخصوصة لمناصحة الحُكَّام ولا طريقة
معروفة للشورى عليهم، كما لم يمنع كيفية من كيفياتها الموجبة لبلوغ المراد منها. فالشورى واجب شرعي، وكيفية إجرائها غير محصورة في طريق معين. فاختيار الطريق المعين باقٍ على الأصل من الإباحة والجواز كما هو القاعدة في كل ما لم يرد نص بنفيه أو إثباته. غير أنا إذا نظرنا إلى الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو "كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يَفْرِقون رءوسهم، فسدل النبي ناصيته، ثم فَرَق بعد" نُدِبَ لنا أن نوافق في كيفية الشورى ومناصحة أولياء الأمر الأمم التي أخذت هذا الواجب نقلًا عنا وأنشأت له نظامًا مخصوصًا، متى رأينا في الموافقة نفعًا ووجدنا منها فائدة تعود على الأمة والدين، وإلا اخترنا من الكيفيات والهيئات ما يلائم مصالحنا ويطابق منافعنا ويثبِّت بيننا قواعد العدل وأركانه؛ بل وجب علينا إذا رأينا شكلًا من الأشكال مجلبة للعدل أن نتخذه ولا نعدل عنه إلى غيره، كيف وقد قال ابن قيم الجوزية ما معناه: إن أمارات العدل إذا ظهرت بأي طريق كان، فهناك شرع الله ودينه، والله تعالى أحكم من أن يخص طرق العدل بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منه وأبين. فتألف من مجموع هذا أن الشورى واجبة، وأن طريقها مُناط بما يكون أقرب إلى غايات الصواب وأدنى إلى مظان المنافع ومجالبها. على أنها إن كانت في أصل الشرع مندوبة فقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان تجعلها عند مسيس الحاجة إليها واجبة وجوبًا شرعيًّا. ومن هنا تعلم أن نزوع بعض الناس إلى طلب الشورى ونفورهم من الاستبداد ليس واردًا عليهم من طريق التقليد للأجانب
…
بل ذلك نزوع إلى ما هو واجب بالشرع، ونفور عما منعه الدين، وقبحه العلماء، وشهدوا من آثاره المشئومة ما عرفوا به قبح سيرته ووخامة عقباه".
وهذه القطعة من المقال تصور لك ما حدث من تطور في أسلوب محمد عبده، فقد أصبح أسلوبًا طبيعيًّا، وهو أسلوب يعتمد على جزالة اللفظ، بالضبط كما كان يعتمد أسلوب البارودي في الشعر على رصانة الكلمات
ومتانتها، وكأن ما حدث في الشعر حدث نظيره في النثر، فقد عادت اللغة إلى حريتها وطلاقتها، ولم تعد ترزح تحت معوقات السجع والبديع.
وفي القطعة ما يدل على اتساع أفق محمد عبده، فهو يعرض مسألة الشورى، وأنها نظام عُرف عند الغربيين من المسيحيين عرضًا طريفًا من جهة الإسلام، وما جاء في نصوصه من إباحة الأخذ عن الأمم الأجنبية، ما دام فيما نأخذ مصلحة من مصالح الجماعة. ويقرر قاعدة كبرى هي جواز تغير الأحكام بتغير الزمان. وما يزال يناقش المسألة حتى ينتهي إلى أن الشورى واجبة. وتتردد في المقال اصطلاحات الفقهاء من كلمات الأصل والجواز والندب والوجوب، وهذا طبيعي لكاتب أزهري يبحث المسألة من الوجهة الدينية.
ونلقاه بعد ذلك في باريس على صفحات "العروة الوثقى" وقد اتسع تفكيره واشتعلت روحه، فهو ثائر ثورة عنيفة، يدعو إلى اتحاد المسلمين في بقاع الأرض ضد عدوان المستعمرين، ويحثهم على أن يلتزموا أصول دينهم ويدفعوا قوة الغرب الباطشة بقوة عزيمتهم وبما يتخذون من عُدة وسلاح. وأخذ يثبت أن الإسلام لا يتعارض مع المدنية والفكر العصر الحديث.
وحاول منذ نزوله في فرنسا أن يتعلم اللغة الفرنسية؛ ولكنه لم يتقنها إلا بعد عودته وبعد اشتغاله في مصر بالقضاء. وهو في هذه الفترة من حياته يحقق لنفسه ثقافة واسعة؛ فقد أمعن في قراءة الآداب الفرنسية، كما أمعن في قراءة آثارنا القديمة ذات الأسلوب الحر الطليق، وكوَّن لنفسه أسلوبًا قويًّا جزلًا، كثير المعاني والأفكار. ونراه يكتب مقالات ضافية في الرد على من يتهجمون على الإسلام مثل "هانوتو" الفرنسي وغيره، كما يكتب مقالات ورسائل في دعواته الإصلاحية، وخاصة في شئون الدين وتطيره من الخرافات. وكان يفسر القرآن الكريم فيحاول الوصل بين آياته وبين التقدم العقلي الحديث.
والحق أنه كان مفكرًا من طراز ممتاز، وإليه يرجع الفضل في تأسيس حركة التجديد الديني الذي نرى آثارها اليوم في العالم الإسلامي جميعه؛ إذ كان يرى العودة إلى منابع الدين الأولى، كما كان يرى أن يتخلص رجال الدين من