الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منها لم تذكر فيه بالذات بل بالعرض والمذكور فيه بالذات ما أشرنا إليه مما لا يوجد إلا فيه ولا يصل إلى فهمها إلى من يلتف به.
فإن قلت: قد كانت العلماء في الصحابة والتابعين وأتباع التابعين من أكابر المجتهدين ولم يكن هذا العلم حتى جاء الشافعي وصنف فيه فكيف تجعله شرطا في الاجتهاد؟
قلت: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين به بطباعهم كما كانوا عارفين النحو بطباعهم قبل مجئ الخليل وسيبويه فكانت ألسنتهم قويمة وأذهانهم مستقيمة وفهمهم لظاهر كلام العرب ودقيقه عتيد لأنهم أهله الذي يؤخذ عنهم وأما بعدهم فقد فسرت الألسن وتغيرت الفهوم فيحتاج إليه كما يحتاج إلى النحو.
شروط المجتهد
واعلم أن كمال رتبة الاجتهاد تتوقف على ثلاثة أشياء:
أحدها: التأليف في العلوم التي يتهذب بها الذهن كالعربية وأصول الفقه وما يحتاج إليه من العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ بحيث تصير هذه العلوم ملكة الشخص فإذ ذاك يثق بفهمه لدلالات الألفاظ من حيث هي هي وتحريره تصحيح الأدلة من فاسدها والذي نشير إليه من العربية وأصول الفقه كانت الصحابة أعلم به منا من غير تعلم وغاية المتعلم منا أن يصل إلى بعض فهمهم وقد يخطئ وقد يصيب.
الثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه مخالف لها أو موافق.
الثالث: أن يكون له منة الممارسة والتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك وما يناسب أن يكون حكما له في ذلك المحل وإن لم يصرح به كما أن من عاشر ملكا ومارس أحواله وخبر أموره إذا سئل عن رأيه في القضية الفلانية يغلب على ظنه ما يقوله فيها وإن لم يصرح له به،
لكن بمعرفته بأخلاقه وما يناسبها من تلك القضية فإذا وصل الشخص إلى هذه الرتبة وحصل على الأشياء الثلاثة فقد حاز رتبة الكاملين في الاجتهاد ولا يشترط العلم بأحوال الرواة من حيث هو فإن الصحابة كانوا مجتهدين ولم يحتاجوا إلى ذلك وإنما الذين بعدهم يحتاجون إلى ذلك في إيقاع الاجتهاد لا في حصول الصفة لهم وذاك العلم بمواقع الإجماع والاختلاف وكان محل الكلام على هذا في أواخر الكتاب ولكنا تعجلناه هنا1.
ومن المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة أما الأول فبطباعهم وأما الثاني والثالث فلمشاهدتهم الوحي ومعرفتهم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم.
ولما كان الفقه مستندا إلى الكتاب والسنة ويحتاج الفقيه في أخذه منهما إلى قواعد جمعت تلك القواعد في علم وسميته "أصول الفقه" وهي تسمية صحيحة مطابقة لتوقف الفقه عليها وتلك القواعد منها ما لا يعرف إلا من الشرع ومنها ما يعرف من اللغة بزيادة على ما تصدى له النحاة واللغويون فالذي لا يعرف إلا من الشرع إثبات كون الخبر الواحد حجة وكون الإجماع حجة والقياس حجة وكثير من المسائل التي تذكر فيه والذي يعرف من اللغة ما يذكر فيه من دلالات الألفاظ اللغوية وما فيه من علم الكلام ونحوه فاقتضاه انجرار الكلام إليه وتوقف فهم بعض مسائل هذا العلم عليه.
وهأنا أبتدئ في شرح هذا الكتاب مستعينا بالله تعالى وذلك في يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وإلى الله أتضرع وأنا أسأل أن ينفع به بمنه وكرمه إنه قريب مجيب.
1 ما ذكره الشارح هنا هو نبذة سريعة ومجملة عن شروط المجتهد، ولكن البيضاوي عقد للاجتهاد باباً خاصاً في الكتاب السابع من كتاب "المنهاج" ذكر فيه اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم –وموقف العلماء منه، وكذا الصحابة رضي الله عنهم في حضرته – صلى الله عليه وسلم أو في غيبته، وشروط الاجتهاد، وحكمه، والأمور التي يجري فيها الاجتهاد وغير ذلك. فليراجع تفصيل ما أجمله الشارح في أواخر الكتاب. وبالله التوفيق.
اهـ. محققه.