الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى معنى كالجائز يتعدى من مكان إلى مكان فيكون إطلاق لفظ المجاز على المعنى للمصطلح مجازا في المرتبة الثانية حقيقة عرفية.
وقوله اللفظ المستعمل قد عرفت شرحهما فيما سبق.
وقوله في معنى غير موضوع له يخرج الحقيقة ويقتضي أن المجاز غير موضوع وكان الأحسن أن يزيد بوضع أول.
وقوله يناسب المصطلح أشار به إلى فوائد.
إحداها: أن يشمل الحد كل مجاز من شرعي وعرفي عام وخاص ولغوي فإن الاصطلاح أعم من أن يكون بالشرع أو العرف أو اللغة.
والثانية: أن ينبه على اشتراط العلاقة في المجاز.
والثالثة: أن يحترز عن العلم المنقول مثل بكر وكلب فإنه ليس بمجاز لأنه لم ينقل لعلاقة والله أعلم.
قال وفيه مسائل:
المسألة الأولى: وجود الحقيقة اللغوية والعرفية
…
الأولى: الحقيقة اللغوية موجودة وكذا العرفية العامة كالدابة ونحوها والخاصة كالقلب والنقض والفرق والجمع.
الحقيقة متعددة بلا خلاف وإلى ما تتعدد فيه اختلاف فقال قائلون إلى ثلاثة اللغوية والعرفية بنوعيها والشرعية.
واقل آخرون الأوليين فقط وقد علمت من هذا الاتفاق على إمكان اللغوية والعرفية وأما الوجود فلا نزاع في وجود اللغوية وكيف ولا شك في وجود ألفاظ مستعملة في معان وذلك إن كان بالوضع فقد حصل الغرض وإلا فيلزم أن يكون مجازا فيها وهو باطل لأن شرط المجاز حصول المناسبة الخاصة بين الموضوع الأصلي والمعنى المجازي وذلك لا يمكن إلا بعد ثبوت الموضوع الأصلي.
وأما العرفية فاعلم أولا أن اللفظة العرفية هي التي نقلت عن موضوعها
الأصلي إلى غيره بعرف الاستعمال وهي منقسمة إلى خاصة وعامة بحسب الناقلين فإن كان الناقل طائفة مخصوصة سميت خاصة وإن كانت عامة الناس سميت عامة وقد ذهب الأكثرون إلى وقوع العرفية العامة وهي على قسمين.
أحدهما: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام لم يخصص بالعرف العام ببعض أنواعه كلفظ الدابة فإنه موضوع لكل ما يدب على وجه الأرض وخصصها العرف العام بذات الحوافر.
وثانيهما: أن يكون الاسم في أصل اللغة قد وضع لمعنى ثم كثر استعماله فيما له نوع مناسبة وملابسة بحيث لا يفهم المعنى الأول كالغائط فإنه موضوع في الأصل للمكان المطمئن من الأرض التي تقضى فيها الحاجة غالبا وأطلقه العرف على الخارج المستقذر من الإنسان كناية عنه باسم محله لنفرة الطباع عن التصريح به وأما الخاصة فلا نزاع في وقوعها إذ هو معلوم بالضرورة بعد استقراء كلام الطوائف من ذوي العلوم والصناعات التي لا يعرفها أهل اللغة كالقلب والنقض والجمع والفرق في اصطلاح النظار وستعرف معاني هذه الأمور في كتاب القياس إن شاء الله تعالى.
قال واختلف في الشرعية فمنع القاضي وأثبت المعتزلة مطلقا والحق أنها مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأة وإلا لم تكن عربية فلا يكون القرآن عربيا وهو باطل لقوله تعالى: {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا} ونحوه.
الحقيقة الشرعية هي اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع وأقسامها الممكنة أربعة:
الأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى.
والثاني: أن يكونا غير معلومين لهم.
الثالث: أن يكون اللفظ معلوما لهم والمعنى غير معلوم.
الرابع: عكسه والمنقولة الشرعية من هذه الأقسام إنما هي الأول والثالث فالمنقولة الشرعية أخص من الحقيقة الشرعية ثم من المنقولة ما نقل إلى الدين وأصوله كالإيمان والإسلام والكفر والفسق ويخص بالدينية فهي إذن أخص من المنقولة الشرعية.
فإن قلت فهذه الأقسام الممكنة هل هي واقعة كلها تفريعا على القول بالحقيقة الشرعية؟
قلت قال صفي الدين الهندي الأشبه وقوعها أما الأول فهو كلفظ الرحمن لله فإن هذا اللفظ كان معلوما لهم وكذا صانع العالم كان معلوما لهم بدليل قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 1 لكن لم يضعوه لله تعالى ولذلك قالوا ما نعرف الرحمن إلى رحمان اليمامة حين نزل قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} 2.
وأما الثاني: فهو كأوائل السور عند من يجعلها اسما لهذا أو للقرآن فإنها ما كانت معلومة على هذا الترتيب ولا القرآن ولا السور.
وأما الثالث فكلفظ الصلاة والصوم وأمثالها فإن هذه الألفاظ كانت معلومة لهم ومستعملة عندهم في معانيها المعلومة ومعانيها الشرعية ما كانت معلومة لهم.
وأما الرابع: فهو كلفظ الأب فإنه قيل إن هذه الكلمة لم تعرفها العرب ولذلك قال عمر رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} 3 هذه الفاكهة فما الأب ومعناه كان معلوما لهم بدليل أن له اسما آخر عندهم نحو العشب هذا كلام صفي الدين الهندي إذا عرفت الحقيقة الشرعية فنقول أما إمكانها فقد نقل جماعة الاتفاق عليه وأبو الحسين البصري لما حكى في المعتمد عن قوم من المرجئة أنهم نفوا الحقائق الشرعية قال ونقض عللهم يدل
1 سورة الزخرف آية: 87.
2 سورة الاسراء آية: 110.
3 سورة عبس آية: 31.
على أنهم أحالوا ذلك وأما وقوعها فذهبت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء إليه مطلقا وقالوا نقل الشارع هذه الألفاظ من الصلاة والصيام وغيرهما من مسمياتها اللغوية وابتدأ وضعها لهذه المعاني فليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها وأنكره القاضي أبو بكر مطلقا وزعم أن لفظ الصلاة والصوم وغيرهما في الشرع مستعمل في المعنى اللغوي وهو الدعاء والإمساك لكن الشارع شرط في الاعتداد بهما أمورا أخر نحو الركوع والسجود والكف عن الجماع والنية فهو منصرف بوضع الشرط لا بتغير الوضع وشدد النكير على مخالفيه وقال قد تبعهم شرذمة من الفقهاء الحائدين عن التحقيق وما راموا مرامهم بيد أنهم زلوا عن سواء الطريق وذهب إمام الحرمين والغزالي والإمام وأتباعه منهم صاحب الكتاب إلى التفصيل فاثبتوا من المنقولات الشرعية ما كان مجازا لغويا كما في الحقائق العرفية دون ما ليس كذلك بل كان منقولا عنها بالكلية وهذا معنى قول المصنف مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأة أي لم تستعمل في المعنى اللغوي ولم يقطع النظر عنه حالة الاستعمال بل استعملت في هذه المعاني لما بينها وبين المعاني اللغوية من العلاقة فالصلاة مثلا لما كانت في اللغة عبارة عن الدعاء بخير قال الشاعر:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا
…
يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاعتمضي
…
نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
كانت بالمعنى اللغوي جزءا منها بالمعنى الشرعي لاشتمال ذات الأركان على الدعاء فكان إطلاقها على المعنى الشرعي من باب التسمية للشيء باسم بعضه وهو مجاز لغوي اشتهر وصار بالاشتهار حقيقة شرعية وكذلك الصوم فإنه في اللغة الإمساك قال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة
…
تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
وفي الشرع اسم للإمساك عن الطعام والشراب مع انضمام أمور أخر إليه وكذا الحج فإنه في اللغة القصد قال الشاعر:
واشهد من عرف حلولا كثيرة
…
يحجون سب الزبرقان المزعفرا
فإن ابن السكيت1 يقول يكثرون الاختلاف إليه وهو في الشرع اسم للمناسك المعروفة من جملتها القصد وكذلك سائر الأسماء الشرعية وذهب الآمدي إلى التوقف في المسألة.
فائدة قال الشيخ أبو إسحاق هذه أول مسألة نشأت في الإعتزال وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين أي جعلوا الفسق منزلة متوسطة بين الكفران والإيمان لما علموا أن الإيمان في اللغة التصديق والفاسق موحد مصدق.
فقالوا هذه حقيقة الإيمان في اللغة ونقل في الشرع إلى من لم يرتكب شيئا من المعاصي فمن ارتكب شيئا منها خرج عن الإيمان ولم يبلغ الكفر ثم اختار الشيخ أبو إسحاق أن الإيمان يبقى على موضوعه في اللغة وأن الألفاظ التي ذكرناه من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك منقولة قال وليس من ضرورة النقل أن يكون في جميع الألفاظ وإنما يكن على حسب ما يقوم عليه الدليل ورأيت في كتاب تعظيم قدر الصلاة للإمام الجليل محمد بن نصر عن أبي عبيد أنه استدل على أن الشارع نقل الإيمان عن معناه اللغوي إلى الشرعي بأنه نقل الصلاة والحج ونحوهما إلى معان أخر.
قال فما بال الإيمان وهذا يدل على تخصيص محل الخلاف بالإيمان وهو الذي وقع فيه النزاع في مبتدأ ظهور الاعتزال قوله: وإلا لم تكن عربية استدل على ما اختاره بأنه لو كانت تلك الألفاظ موضوعات مبتدأة لم تكن عربية والملازمة ظاهرة وإذا كانت غير عربية يلزم أن يكون القرآن غير عربي
1 هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف ابن السكيت إمام في اللغة والأدب أصله من خوزستان بين البصرة وفارس.
من كتبه إصلاح المنطق الألفاظ والأضداد القلب والإبدال شرح المعلقات وغير ذلك كثير.
وفيات الأعيان 2/309 الأعلام 9/255.
لوقوعها فيه وذلك باطل لقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} 1 ونحوه كقوله تعالى: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} 2 فدل على أنها عربية أعني الصلاة والصيام والحج ونظائرها وهذا فيه نظر لأنه لا يبطل إلا مذهب المعتزلة فقط وقد رد إمام الحرمين على القاضي بأن حملة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة ومساق ما ذكره أن المسمى بالصلاة الدعاء فحسب وليس الأمر كذلك.
قال قيل المراد بعضه فإن الحالف على ألا يقرأ القرآن يحنث بقراءة البعض قلنا معارض بما يقال أنه بعضه قيل تلك كلمات قلائل فلا تخرجه عن كونه عربيا كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية قلنا يخرجه وإلا لما صح الاستثناء قيل يكفي في عربيتها استعمالها في لغتهم قلنا تخصيص ألفاظ باللغات بحسب الدلالة قيل منقوض بالمشكاة والقسطاس والإستبراق والسجيل قلنا وضع العرب فيها وافق لغة أخرى.
اعترضت المعتزلة على الدليل الذي أورده في الكتاب بأربعة وجه:
الأول: أن الآية لا تدل على أن القرآن كله عربي بل على أن بعضه عربي لأن القرآن يطلق على مجموعه وعلى كل جزء من أجزائه ويصدق صدق المواطئ على جزئياته ويدل على هذا أن الحالف على ألا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه وأجاب بأن ما استدللتم به من صورة الحلف وإن دل على أن المراد بالقرآن البعض فهو معارض بقولنا إلا آية والسورة بعض القرآن فإنه لو أطلق القرآن على ذلك حقيقة لم يكن لإدخال البعض معنى وأيضا فبعض الشيء غير الشيء وإذا تعارضا تساقطا وسلم ما ذكرناه من الدليل.
وأعلم أن ما ذكره المصنف من الحنث في هذه الصورة تبع فيه الإمام وليس كما ذكر فالذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه في الأم ونقله
1 سورة يوسف عليه السلام آية: 2.
2 سورة فصلت آية: 44.
الرافعي عنه خلاف ذلك وقد رأيت نصه في الأم في الجزء السابع من باب جامع الترتيب.
قال رضي الله عنه ما نصه ولو قال رجل لعبد له متى مت وأنت بمكة فأنت حر ومتى مت وقد قرأت القرآن فأنت حر فمات السيد والعبد بمكة وقد قرأ القرآن كله كان حرا وإن مات وليس العبد بمكة أو مات ولم يقرأ القرآن كله لم يعتق هذا لفظه.
وقال الشيخ أبو حامد في التعليقة إذا قال لعبده إذا قرأت القرآن فأنت حر لم يعتق إلا بقراءة الجميع وكذا قال المحاملي في التجريد هذا هو المذهب في المسألة ولا يعرف ما يخالفه.
الوجه الثاني: إنا لا نسلم أنه يلزم من كون تلك الألفاظ غير عربية ألا يكون القرآن عربيا فإن تلك كلمات قلائل فلا يخرج القرآن عن كونه عربيا كما أن الألفاظ العربية القليلة إذا وقعت في قصيد فارسية لا تخرجها عن كونها فارسية وأجاب بأنها تخرجه عن كونه عربيا والكلمات القلائل تخرج القصيدة عن أن تكون فارسية والدليل على ذلك صحة الاستثناء ذلك أن تقول القصيدة فارسية إلا موضع كذا منها.
الوجه الثالث: أنه يكفي في كون هذه الألفاظ عربية استعمال العرب لها من حيث الجملة وحينئذ فاستعمال الشارع لها في غير المعنى اللغوي لا يخرجها عن ذلك وأجاب بأن المقدار غير كاف في كونها عربية لأن تخصيص الألفاظ باللغات بحسب دلالتها على معانيها فإن كانت دلالتها من جهة لغة العرب كانت عربية وإلا فلا وشك أن تلك الألفاظ لا تدل على معانيها من تلك الحيثية.
واعلم أن المصنف لم يرتب هذه الاعتراضات الثلاث على الوجه اللائق فإن مقتضى النظم الطبيعي تقدم هذا الثالث ثم الإتيان بالثاني ثم بالأول فيقال لا نسلم أنها غير عربية بل يكفي استعمالها عندهم سلمنا لكن لا
تخرج القرآن عن كونه عربيا لقلتها سلمنا ولكن ذلك غير ممتنع لأن المراد من قوله تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيّاً} هو البعض.
الوجه الرابع: أنه لو صح ما ذكرتم لزم ألا يشتمل القرآن على لفظ غير عربي وليس كذلك فإن المشكاة فيه وهي عجمية وكذا القسطاس والإستبرق والسجيل والمشكاة الكوة التي لا تنفذ والقسطاس بالرومية الميزان والإستبرق بالفارسية الديباج الغليظ والسجيل الحجر من الطين وأجاب بأنا لا نسلم أن هذه الألفاظ غير عربية بل غايته أن وضع العرب فيها وافق لغة أخرى كالصابون والتنور وأن اللغات فيها متفقة.
تنبيه: عرفت من هذا أن المصنف يختار أن المعرب لم يقع في القرآن وقد تبع الإمام في ذلك وهو الذي نصره القاضي في كتاب التقريب ونص عليه الشافعي في الرسالة في باب البيان الخامس فقال ما نصه وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب إلى السلامة فقال منهم قائل إن في القرآن عربيا وأعجميا والقرآن يدل على أنه ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب ووجدنا قائل هذا القول ومن قبل ذلك منه تقليدا له وتركا للمسألة له عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم هذا نصه ونقل عن ابن عباس وعكرمة وقوعه وهو الذي اختاره ابن الحاجب واستدل عليه بإجماع النحاة على أن إبراهيم لا ينصرف للعلمية والعجمية وذلك لا يجديه شيئا إذا كان محل الخلاف مقصورا على أسماء الأجناس غير شامل للأعلام.
قال صفي الدين الهندي وهو الذي يجب أن يكون.
قال وعورض بأن الشارع اخترع معاني فلا بد لها من ألفاظ قلنا كفى التجوز.
قد عرفت ما طعنت به المعتزلة في مقدمات الدليل الذي احتج به المصنف وما أجيبوا به وقد انتقلوا الآن إلى المعارضة بوجهين:
أحدهما: وهو إجمالي أن الشارع اخترع معاني لم تكن متعلقة قبل الشرع
بل حدث تعلقها بعده فوجب أن يوضع لها اسم لأنها من جملة المعاني التي تمس الحاجة إلى التعبير عنها وهي الأسامي التي تطلق عليها كالصلاة والحج لا مدخل للعرب في إطلاقها عليها إذ وضع الألفاظ مسبوق بتعلق المعاني وهم لم يتعلقوها قبل الشرع ولا خطرت لهم ببال.
وأجاب بأنه إن عنيتم بقولكم ما يعقلوها ولا خطرت لهم لا من حيث المجموع ولا من حيث الجزء فممنوع فإنهم تعقلوها من حيث الجزء كما في الصلاة وإن عنيتم أنه لم يخطر لهم من حيث المجموع فمسلم ولكن لا نسلم أنه لا مدخل للعرب حينئذ فيها فإنه يكون من باب إطلاق الجزء على الكل وهو أحد أنواع المجاز والتجوز كاف هنا لحصول المقصود الذي هو الإفهام به.
قال وبأن الإيمان لغة هو التصديق وفي الشرع فعل الواجب لأنه الإسلام وإلا لم يقل من مبتغيه لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} ولم يجز استثناء المسلم من المؤمن وقد قال تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 1 والإسلام هو الدين لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} 2 والدين فعل الواجبات لقوله تعالى: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 3.
قلنا في الشرع تصديق خاص وهو غير الإسلام والدين فإنهما الانقياد والعمل الظاهر ولهذا قال تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} 4 وإنما جاز الاستثناء لصدق المؤمن على المسلم بسبب أن التصديق شرط صحة الإسلام.
الوجه الثاني: من وجهي المعارضة وهو تفصيلي وتقريره أن الإيمان في اللغة هو التصديق وفي الشرع فعل الواجبات فتكون الحقيقة الشرعية بمعنى أنها حقائق مبتدأة واقعة وهو المدعى.
1 سورة الذريات آية: 35 36.
2 سورة آل عمران آية: 19.
3 سورة البينة آية: 5.
4 سورة الحجرات آية: 14.
أما المقدمة الأولى: فبالنقل عن أئمة اللغة ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} أي بمصدق لنا
وأما الثانية فلأن الإيمان هو الإسلام والإسلام هو الدين والدين هو فعل الواجبات فالإيمان فعل الواجبات إنما قلنا إن الإيمان هو الإسلام لوجهين
أحدهما: أنه لو لم يكن كذلك لم يكن مقبولا من مبتغيه لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .
والثاني: أنه تعالى استثنى بعض المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ولولا الاتحاد لما صح الاستثناء لأن الاستثناء إخراج بعض الأول.
فإن قلت أين الإستثناء وليس هنا إلا لفظة غير وهي ظاهر في الوصفية قلت هي هنا بمعنى إلا لأنه لو كانت على ظاهرها لكان التقدير فما وجدنا فيها المغاير لبيت المؤمنين أنه فيكون المنفي إذ ذاك بيوت الكفار وهو باطل لأنه وجد فيها بيوتهم فتقرر أنه استثناء مفرغ فيحتاج إلى تقدير شيء عام منفي يكون هو المسنثنى منه ولا بد من تقيد ذلك العام بكونه من المؤمنين وإلا يلزم انتفاء ثبوت الكفار وقد عرفت بطلانه فيكون تقدير الآية والله أعلم فما وجدنا فيها أحدا من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين أي منهم ويكون قد أوقع الظاهر موقع المضمر وإنما قلنا الدين إن الإسلام هو الدين لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} وإنما قلنا الدين فعل الواجبات لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} أي دين الملة المستقيمة وقوله ذلك عائد إلى جميع ما تقدم ذكره فوجب أن يكون الكل مسمى بالدين.
قوله قلنا في الشرع إلى آخره هذا هو الجواب عن هذا الوجه الثاني وتقريره أن يقال لا نسلم أن الإيمان في الشرع هو الإسلام وإنما الإيمان في الشرع عبارة عن تصديق خاص وهو تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع ما علم مجيئه بالضرورة وهو بهذا الاعتبار غير الإسلام وغير الدين فإنهما في اللغة الانقياد
وفي الشرع العمل الظاهر وهذا هو التحقيق في انفصال الإسلام عن الإيمان وإن كان كل منهما شرطه الشارع في الاعتبار بالآخر فإن الإسلام عبارة عن التلفظ ولا يعتبر به ما لم يساعده القلب بالاعتقاد والإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ولا يكفي ما لم يتلفظ بالشهادتين إذا أمكنه ذلك ويدل على انفصال الإسلام عن الإيمان صريح قوله تعالى في حق المنافقين: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} 1 أي والله أعلم إن الذي وقع منكم ليس بإيمان حتى تقولوا نحن مؤمنون وإنما هو إسلام لأنه فعل ظاهر من غير تصديق بالقلب فلا تقولوا آمنا بل قولوا أسلمنا لأنه هو الذي وقع منكم
فإن قلت وقع من المنافقين إسلام
قلت وقع منهم الإسلام باللسان الذي هو غير معتبر شرعا ويجوز أن يقال لم يقع منهم إسلام ويجعل تصديق القلب ركنا في الإسلام شرعا لا شرطا ولكن يعضد الأول قوله تعالى: {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} قوله: وإنما جاز الاستثناء جواب عن قولهم لو غاير الإيمان الإسلام لم يجز الاستثناء المسلم من المؤمنين وتوجيهه أن يقال استثناؤه منه لا يدل على أنه هو وإنما بدل على أنه يصدق عليه كقول القائل ملكت الحيوان إلا الفرس فالحيوان غير الفرس لأنه أعم والأعم من حيث هو مغاير للأخص ومع ذلك فقد استثنى منه لصدق الحيوان إذا عرفت هذا فالصدق حاصل في المؤمن مع المسلم لأن شرط صحة الإسلام الذي هو التصديق وهذا مسوغ لاستثناء المسلم من المؤمن لأنه كلما صدق المسلم صدق المؤمن لكونه شرطه ولا ينعكس بدليل من كان مؤمنا تاركا للأفعال الظاهرة فصحة الاستثناء ثابتة لصدق المؤمن على المسلم ولا يلزم كون المسلم مؤمنا أن يكون الإسلام هو الإيمان فإن الكاتب ضاحك والكتابة غير الضحك والنزاع إنما هو الإسلام مع الإيمان لا في المسلم مع المؤمن ولقائل أن يقول الإيمان على هذا شرط صحة الإسلام والاعتداد به لا شرط وجود الإسلام فلا يلزم أن ينتفي الإسلام بانتفاء الإيمان إلا أن يجعلوا
1 سورة الحجرات آية: 14.
الإيمان شرطا في صدق الإسلام لا في صحته أو ركنا في الإسلام وما دللتم على شيء منهما وقد نجز القول في المسألة ولم يذكر المصنف متمسك القاضي أبي بكر ومن متمسكاته أن القرآن مشتمل على هذه الألفاظ فلو كانت حقائق شرعية لكانت غير عربية لفقدان وضع العرب إياها لهذه المعاني فيلزم خروج القرآن عن كونه عربيا بكليته وقد قررتم بطلانه وجواب هذا يعلم مما سبق ومنها لو كانت حقائق شرعية لفهمناها الشارع قبل تكليفنا بها وإلا يلزم أن يكون كلفنا بما لا نفهمه ولا آحاد تدل على وقوع ذلك فضلا عن التواتر.
وأجيب عن هذا بأنه لا يلزم من تفهيم الشارع أن ينقل بتواتر ولا آحاد لجواز حصول التفهم بالقرائن والله أعلم.
وقد علمت بما سبق أن الإيمان في الاصطلاح عبارة عن تصديق الرسول بكل ما جاء به وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن رضوان الله عليه وقال أكثر السلف وعليه بعض المعتزلة والخوارج إنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان وفيه مذاهب أخر كثيرة ليس هذا محلها ورام السهيلي التفرقة بين الإيمان والتصديق من وجهين قررهما:
أحدهما: أن التصديق لا بد وأن يكون في مقابله خبر صادق وقد يكون عن نظر وفكر فإذا نظرت في الصنعة وعرفت بها الصانع آمنت به لم تكن به مصدقا بخبر إذ لا خبر هناك فإذا جاء الخبر كنت به مصدقا ونحن نقول في جواب هذا إن الصنعة لما عرفتنا الصانع كانت مخبرة بلسان الحال فلم يكن التصديق إلا في مقابلة خبر واقع بلسان الحال فإن قال التصديق لا يكون إلا في مقابلة خبر بلسان المقال قلنا من أين لك هذا التقييد.
الثاني: أن التصديق قد يكون بالقلب وأنت ساكت تقول سمعت الحديث فصدقته والإيمان لا بد من اجتماع اللفظ مع العقد لغة وشرعا لتعديه بالباء ونحو ذلك ونحن نجيب عن هذا بأن اللفظ شرط في صحة الإيمان لا ركن منه كما علمت فيما تقدم ويدل عليه مع قوله تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} قولوا أسلمنا إجماع الأمة على أن من عرف الله بقلبه وعجز عن التلفظ بالشهادتين كان مؤمنا فائزا وبالله التوفيق.
قال فروع الأول النقل خلاف الأصل إذ الأصل بقاء الأول ولأنه يتوقف على الأول ونسخه ووضع ثان فيكون مرجوحا.
هذه مسائل مفرعة على جواز النقل.
الأول: أنه على خلاف الأصل بمعنى أنه إذا دار اللفظ بين احتمال النقل واحتمال عدمه كان احتمال عدمه أرجح لوجهين:
أحدهما: أن الأصل في الوضع الأول المنقول عنه البقاء إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان.
والثاني: أن النقل يتوقف على ثلاثة أشياء الوضع الأصلي ثم نسخه ثم وضع ثان وعدم النقل لا يتوقف إلا على واحد وما كان متوقفا على أمور كان مرجوحا بالنسبة إلى المتوقف على أمر واحد.
قال الثاني: الأسماء الشرعية الموجودة المتواطئة كالحج والمشترك كالصلاة الصادقة على ذات الأركان وصلاة المصلوب والجنازة والمعتزلة سموا أسماء الذوات دينية كالمؤمن والفاسق.
هذا الفرع في أن الشارع هل نقل الأسماء والأفعال والحروف أم نقل البعض دون البعض.
فنقول أما الأسماء فقد وجد النقل فيها وقد قدمنا انقسامها إلى متباينة ومترادفة ومتواطئة ومشتركة ومشككة فلينظر في واحد واحد أما المتباينة ة فقد وجدت كالصوم والصلاة وأهمل في الكتاب ذكر هذا القسم لوضوحه.
وأما المترادفة فقد أهمل ذكرها أيضا فقال الإمام الأظهر أنها لم توجد لأنها ثبتت على خلاف الأصل فتتقدر بقدر الحاجة وتابعه صاحب التحصيل.
وقال صفي الدين الهندي الأظهر أنها وجدت وهذا هو الصحيح لوجد أن الواجب والفرض وهما مترادفان عند الشافعي رضي الله عنه والإمام يوافق على ذلك والإنكاح والتزويج عند الشافعي أيضا وأما المتواطئة فموجودة أيضا ومثل لها المصنف بالحج فإنه يطلق على الإفراد والتمتع والقرآن وهذه الثلاثة
مشتركة في الماهية وهي الإحرام والطواف والوقوف والسعي وأما المشترك فاختلفوا في وقوعها وجزم المصنف بوقوعها.
قال الإمام وهو الحق لأن لفظ الصلاة مستعمل في معاني شرعية لا يجمعها جامع لأن لفظها يتناول ما لا قراءة فيها كصلاة الأخرس وما لا سجود فيه ولا ركوع كصلاة الجنازة وما لا قيام فيه كصلاة القاعد والصلاة بالإيماء على مذهب الشافعي رضي الله عنه وهي التي عبر عنها في الكتاب بصلاة المصلوب فإنه لا شيء من ذلك فيها وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك هذا كلام الإمام.
قال الهندي وهو ضعيف لأن كون الفعل واقعا بالتحرم والتحلل منه مشترك بين تلك الصلوات فلم لا يجوز أن يكون مدلولها قال والأقرب أنها متواطئة بالنسبة إلى الكل إذ التواطؤ خير من الاشتراك ثم ذكر الهندي أن الأشبه وقوع المشتركة ومثل لها بإطلاق الطهور على الماء والتراب وعلى ما يدبغ به كان ذلك ليس باشتراك معنوي إذ ليس بينها معنى مشترك يصلح أن يكون مدلول اللفظ ولقائل أن يقول لم اكتفيت بالتحلل والتحرم في الصلاة قدرا مشتركا ولم تكتف باشتراك الماء والتراب وآلة الدباغ في إزالة المانع قدرا مشتركا.
وأما المشككة فالظاهر وقوعها أيضا وقد أهملها المصنف في الكتاب وهي كالفاسق بالنسبة إلى من فعل الكبيرة الواحدة ومن فعل الكبائر العديدة فإن تناوله للثاني بطريق أولى.
قوله والمعتزلة أي أن المعتزلة لما أثبتوا الحقائق الشرعية قسموها إلى أسماء الأفعال وأسماء الذوات المشتقة من تلك الأفعال فالأول كالصوم والصلاة والثاني كاسم الفاعل مثل زيد مؤمن واسم المفعول مثل زيد مقروء عليه وأفعل التفضيل نحو أفضل من عمرو وسموا هذا القسم بالدينية تفرقة بينه وبين الأول وأن اشتراك الكل عندهم في كونه شرعيا هكذا نقل الإمام وتبعه صاحب الكتاب وفيه نظر فإن المنقول عن المعتزلة أن الدينية هي الأسماء المنقولة شرعا إلى أصل الدين كالإيمان والكفر.
وأما الشرعية فكالصلاة والصوم كذا عزاه إليهم طائفة منهم القاضي وإمام الحرمين والغزالي فقال إمام الحرمين:
قالت المعتزلة الألفاظ تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها الألفاظ الدينية وهي الإيمان والكفر والفسق فهي عندهم منقولة إلى قضايا في الدين فالإيمان في اللسان التصديق والكفر من الكفر وهو الستر والفسق الخروج وهذا الذي ذكروه في قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا دينا وليس كافرا أيضا وإنما هو فاسق.
والقسم الثاني: الألفاظ اللغوية وهي القارة على قوانين اللسان.
والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية وهي الصلاة والصوم وأخواتها فهي مستعملة في فروع الشرع هذا لفظه في البرهان وهو الذي ذكره في كتاب التلخيص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي وكذلك أورده الغزالي وهذا هو التحقيق في نقل مذهب القوم.
قال والحروف لم توجد والفعل يوجد بالتبع تقدم الكلام في الاسم وأما الحرف فلم يوجد واستدل عليه الإمام بالاستقراء.
وأما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء ووجد بطريق التبعية لأن الفعل صغة تدل على صدور المصدر من الفاعل فالمصدر إن كان شرعيا كالصلاة كان الفعل أيضا كذلك كصلى وإن كان لغويا كان مثله فيكون الفعل شرعيا أمر حصل بالعرض لا بالأصالة وكلام المصنف مصرح بأن الحرف لم يوجد لا بطريق الأصالة ولا بطريق التبعية والحق مساواته للفعل فإن نقل متعلق معاني الحروف من المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية مستلزم لنقلها أيضا فلا فرق في ذلك بين الفعل والحرف كما في أنواع المجاز.
فائدة قد تقرر أن الألفاظ هي المستعملة من الشارع أما الأسماء وهي على قسمين منها ما وضعه بإزاء الماهيات الجعلية وذلك معروف كالصلاة وأمثالها ومنها الأسماء المتصلة بالأفعال وسنذكرها إن شاء الله مع الفعل.
وأما الفعل والحرف فقد علمت أن التحقيق فيهما أنهما مستويان والفعل ينقسم إلى ماض وأمر ومضارع والأسماء المتصلة بالأفعال ثمانية المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل واسم الزمان واسم المكان واسم الآلة أما الفعل المضارع فلم يستعمل في الشرعية في شيء أصلا إلا لفظ أشهد في الشهادة فإنها تعينت ولم يقم غيرها مقامها وكذا في اللعان سواء قلنا إنه يمين أو شهادة أو فيه شائبتان ويجوز في اليمين في أقسم بالله وأشهد ولا يتعين ولا مدخل له في الإنشاءات.
وأما الفعل الماضي فيعمل في الإنشاءات خلا الشهادة واللعان فمن الإنشاءات التي يعمل به فيها العقود كلها والطلاق وأما فعل الأمر فهو مسألة الإيجاب والاستحباب في العقود والطلاق وفي الوكالة لو أتى بصيغة أمر نحو بع واشتر.
قال بعض الأصحاب هنا لا يشترط القبول بخلاف ما إذا أتى بصيغة عند نحو وكلتك والصحيح لا فرق وفعل الأمر يعمل به في كل موضع يعمل بالماضي على الصحيح.
وأما اسم الفاعل ففي الطلاق في قوله: أنت طالق ويعمل به في الضمان.
وأما اسم المفعول فيستعمل الطلاق والعتق والوكالة ويقرب من هذا أنت حرام وأنت حر وأنت علي كظهر أمي.
وأما المصدر فقد استعمل في الطلاق في قوله: أنت الطلاق وهل هو صريح أو كناية فيه خلاف ولا يبعد جريان مثل ذلك في العتق والنظر في هذا الفصل طويل ولعلنا نستوعبه في كتابنا الأشباه والنظائر فإن الشيخ صدر الدين ابن المرحل رحمه الله تعالى ذكر هذا في كتابه الأشباه والنظائر وكتابنا كالتهذيب لكتابه أتمه الله تعالى.
قال الثالثة صيغ العقود كبعث إنشاء إذ لو كان إخبار وكان ماضيا أو حالا لم يقبل وإلا لم يقع وأيضا إن كذبت لم تعتبر وإن صدقت
فصدقها أما بها فيدور أو بغيرها وهو باطل إجماعا وأيضا لو قال للرجعية طلقتك لم يقع كما لو نوى الإخبار.
صيغ العقود والفسوخ مثل بعت واشتريت وتزوجت وطلقت وفسخت ونحو ذلك لامرأته في أنها إخبارات عن أمور واقعة في الزمن الماضي وقد تستعمل في الشرع أيضا للإخبار كما لو صدر البيع من إنسان ثم قال بعت مريدا إخبار عما صدر منه في الزمان الماضي أما إذا استعملت هذه الألفاظ لإحداث أحكام لم تكن قبلها فهل هي إخبارات باقية على وضعها اللغوي أم إنشاءات نقلها الشارع إلى إنشاءات المخصوصة ذهب الأكثرون إلى الثاني وهو ما قطع به المصنف.
وقالت الحنفية إنها إخبارت عن ثبوت الأحكام فمعنى قولك بعت الإخبار عمار في قلبك فإن أصل البيع هو التراضي ووضعت لفظة بعت للدلالة على الرضا فكأنه أخبر بها عما في ضميره فيقدر وجودها قبيل اللفظ للضرورة وغاية ذلك أن يكون مجازا وهو أولى من النقل هذا تحرير مذهبهم فافهمه واستدل الأصحاب على كونه إنشاء بدلائل:
أحدها: أن اللفظ لو كان إخبارا لكان إما عن ماض أو حال أو مستقبل والأولان باطلان وإلا يلزم ألا يقبل الطلاق التعليق لأن التعليق توقف وجود الشيء على شيء آخر والماضي والحال قد وجدا فلا يقبله لكن اللازم منتف لقبوله التعليق إجمالا وإن كان عن مستقبل لم يقع لأن قوله: طلقتك إذن بمنزلة قوله: ستصيرين طالقا والطلاق لا يقع بذلك.
وثانيها: لو كانت هذه الصيغ إخبارات لكانت إما كاذبة أو صادقة فإن كانت كاذبة فلا اعتبار بها وإن كانت صادقة فصدقها إما أن يحصل بنفسها أي يتوقف حصوله على حصول الصيغة أو يحصل بغيرها إن كان الأول لزم الدور لأن كون الخبر صدقا وهو بعتك مثلا موقوف على الخبر عنه وهو وقوع البيع فلو توقف المخبر عنه وهو الوقوع وجود على المخبر وهو بعتك لزم الدور وإن كان الثاني وهو أن يحصل الصدق بغيرها فهو باطل بالإجماع منا ومنهم على عدم الوقوع عند عدم هذه الصيغة
وثالثهما: ان الزوج لو قال لرجعيته في عدتها طلقتك ونوى الإخبار عما مضى لم يقع قطعا وإن لم ينو شيئا أو نوى الأشياء وقع بالاتفاق فلو كان إخبارا لم يقع كما نوى به الإخبار.
فائدتان إحداهما: قال القرافي في الفروق الإنشاء ينقسم إلى متفق عليه ومختلف فيه فالجمع عليه أربعة أقسام:
الأول: نحو قولنا أقسم بالله لقد قدم زيد ونحوه فإن مقتضى هذه الصيغة أنه أخبر بالفعل المضارع سيكون منه قسم في المستقبل فكان ينبغي ألا يلزمه كفارة بهذا القول لأنه وعد بالقسم لا قسم كقول القائل سأعطيك درهما لكن لما وقع الاتفاق على أنه بهذا اللفظ أقسم وأن موجب القسم يلزمه دل ذلك على أنه أنشأ به القسم لا أنه أخبر عن وقوعه في المستقبل وهذا أمر اتفق عليه في الجاهلية والإسلام ولذلك لا يحتمل التصديق والتكذيب ولا يدخله شيء من لوازم الخبر.
قال ولذلك نقول فيه من أحاط به من فضلاء النحاة الخبر القسم جملة إنشائية يؤيد بها جملة خبرية.
الثاني: الأوامر والنواهي.
الثالث: الترجي والتمني والعرض مثل ألا تنزل عندنا فتصيب خيرا.
والتحضيض وصيغته أربع هلا وألا ولوما ولولا.
الرابع: النداء نحو يا زيد اختلف النحاة فيه هل فيه فعل مضمر تقديره أنادي زيدا أو الحرف وحده مفيدا للنداء؟
قلت وقد خطأ الإمام في التفسير الكبير في أوائل البقرة من فسر قولنا يا زيد أنادي زيدا من وجوه:
منها أن أنادي زيدا خبر يحتمل التصديق والتكذيب ويا زيد لا يحتملها.
ومنها أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبا منادى في الحال بخلاف أنادي زيدا.
ومنها أن يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبا بهذا الخطاب بخلاف أنادي زيدا فإنه لا يمتنع أن يخبر إنسانا آخر بأني أنادي زيدا.
ومنها أن أنادي زيدا إخبار عن النداء والإخبار عن النداء غير النداء والنداء هو قولنا يا زيد فإذا هو غيره.
ولقائل أن يقول حاصل هذه الأوجه ترجع إلى يا زيد إنشاء وقولنا أنادي زيدا خبر ونحن نمنع أن قولنا أنادي زيدا الذي هو بمعنى يا زيد خبر وإنما هو إنشاء.
نعم الخبر أنادي زيدا الذي ليس هو بهذا المعنى.
قال القرافي وأما المختلف فيه هل هو إنشاء أو خبر فهو صيغ العقود كما تقدم.
الثانية ذكر القرافي في التفرقة بين الإنشاء والإخبار وجوها:
أحدها: أن الخبر يقبل التصديق والتكذيب ولا كذلك الإنشاء.
والثاني: أن الخبر تابع لثبوت مخبره في زمانه كيف ما كان ماضيا أو حالا أو مستقبلا والإنشاء متبوع لمتعلقه فيترتب بعده.
والثالث: أن الإنشاء سبب لثبوت متعلقه الذي هو مسببه عقيب آخر حرف أو مع آخر حرف إلا أن يمنع مانع وليس الخبر سببا متعلقا بمخبره وإنما هو مظهر فقط.
خاتمة قال القرافي في الفروق مما يتوهم أنه إنشاء وليس كذلك الظهار في قول القائل لامرأته أنت علي كظهر أمي يعتق الفقهاء أنه إنشاء للظهار كقوله أنت طالق وأن البابين سواء في الإنشاء.
قال وليس كذلك ثم أطال في الدلالة على أنه خبر واستند إلى قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا
اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} 1
فكذبهم الله تعالى في ثلاثة مواطن بقوله ما هن أمهاتهم وأن قولهم منكر وأنه زور والإنشاء لا يدخله التصديق والتكذيب واعتضد أيضا بالإجماع على تحريم الظهار.
قال ولا سبب لتحريمه إلا انه كذب وإنما يكون الكذب في الإخبار وأورد على نفسه الطلاق الثلاث حيث كان إنشاء مع كونه محرما وأجاب بأن المحرم إنما هو الجمع بين الطلقات الثلاث لا لفظ الطلاق وأمعن الكلام فيما حاوله والذي نقوله في ذلك إن القول القائل أنت علي كظهر أمي يحتمل أن يريد به الخبر المحض ويحتمل أن يريد به أن يجعلها كذلك والظاهر أن المراد الثاني وهو الإنشاء ولكن الشرع ألغي حكمه ولما ألغاه وكان مقصود الناطق به تحقيق معناه الخبري سماه الشرع زورا ويناظر هذا من بعض الوجوه.
قوله أنت علي حرام قصد به إنشاء التحريم والشرع لم يرتب مقتضاه من الحرمة فهذان الإنشاءان لم يرتب الشرع عليهما مقتضاهما الذي قصده المتكلم بل جعل المرتب على الأول أنه إن عاد وجبت الكفارة وحرم الوطء حتى يكفر والمرتب على الثاني حكم اليمين من التكفير وغير هذين الإنشاءين من الطلاق والبيع والنكاح ونحو ذلك إذا أنشأه المكلف رتب الشرع عليه المقتضى الذي اقتضاه كلام المكلف فصارت الإنشاءات على قسمين:
أحدهما: ما اعتبره الشرع وأذن فيه فيفيد كما أراده المنشيء ويترتب عليه حكمه.
والثاني: ما لم يأذن فيه الشرع ولم يعتبره ولكن رتب عليه حكما آخر وهو الظهار والتحريم.
قال والذي أيده الله تعالى وينبغي أن يسمى هذا الإنشاء الثاني باطلا.
1 سورة المجادلة آية: 2.