الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: تقسيم الألفاظ
…
الفصل الثاني في تقسيم الألفاظ
قال الفصل الثاني في تقسيم الألفاظ دلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة وعلى جزئه تضمن وعلى لازمه الذهني التزام.
تقسيم دلالة اللفظ تقسيم للفظ فلذلك صح ذكر تقاسيم دلالة الألفاظ في فصل تقاسيم الألفاظ والدلالة معنى يعرض للشيء بالقياس إلى غيره ومعناه كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر وهي تنقسم إلى لفظية وغير اللفظية قد تكون وضعبة كدلالة وجود المشروط على وجود الشرط وقد تكون عقلية كدلالة الأثر على المؤثر والعكس مثل دلالة الدخان على النار وبالعكس وليس الكلام إلا في اللفظية وللإحتراز عن هذين القسمين أشار في الكتاب بقوله دلالة اللفظ ثم إن اللفظية تنقسم إلى أقسام ثلاثة عقلية كدلالة الصوت على حياة صاحبه وطبيعية كدلالة أح أح على وجع الصدر ووضعية وهي المرادة هنا فلو أن المصنف قال دلالة اللفظ الوضعية لكان أحسن على أن الإمام قال الوضعية هي دلالة المطابقة وأما الباقيتان فعقليتان لأن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من المسمى إلى لازمه ولازمه إن كان داخلا فيه فهو التضمن أو خارجا فهو الالتزام وهذا واضح لا إشكال فيه وقال بعضهم دلالة التضمن لفظية أيضا وهو ضعيف فإن الحكم عليها بذلك إن استند إلى أن الجزء مفهوم من اللفظ ومتلقى بواسطته فدلالة الالتزام كذلك وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فهو باطل أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز فكذلك اللازم وإن كان لأجل دخول الجزء في المسمى وخروج اللازم عنه فهو تحكم محض ثم هذه الدلالة عبارة عن
كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالما بالوضع وإنما قلنا إنها عبارة عن كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه ولم نقل إنها نفس الفهم كما قال ابن سينا1 لأن الدلالة نسبة مخصوصة بين اللفظ والمعنى ومعناها صفة تجعل اللفظ يفهم المعنى ولهذا يصح تعليل فهم المعنى من اللفظ بدلالة اللفظ عليه والعلة غير المعلول وإذا كانت الدلالة غير فهم المعنى من اللفظ لم يجز تفسيرها به إذا عرفت ذلك فنقول الدلالات اللفظية منحصرة في المطابقة والتضمن والالتزام لأن اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له أو لا والأول المطابقة كدلالة البيت على المجموع المركب من السقف والجدار والأس.
والثاني: إما أن يكون على جزء مسماه أولا والأول دلالة التضمن كدلالة البيت على الجدار فقط والثاني أن يكون خارجا عن مسماه وهي دلالة الالتزام كدلالة الأسد على الشجاعة.
واعلم أن ذلك إنما يتصور في اللازم الذهني وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ سواء كان لازما في الخارج أيضا كالسرير والارتفاع من الأرض إذ السرير مهما وجد في الخارج فهو مرتفع أم لم يكن لازما في الخارج كالسواد إذا أخذ بقيد كونه ضدا للبياض فإن تصوره من هذه الحيثية يلزم تصور البياض فهما متلازمان في الذهن وليسا بمتلازمين في الخارج بل متنافيين ولا يتصور ذلك في اللازم الخارجي فقط كالسرير مع الإمكان فإنه مهما وجد السرير في الخارج فهو ممكن ضرورة وقد يتصور السرير ويذهل عن إمكانه وإذا عرفت هذا علمت أن قوله: وعلى لازمه الذهني غير مستقيم لإيهامه وجود الدلالة مع اللزوم الخارجي وهو باطل وبهذا التقسيم تعرف حد كل واحد منها.
تنبيهات الأول قال الإمام هذا اللزوم شرط لا سبب وقرر القرافي هذا بأن الشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته
1 هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن سينا صاحب التصانيف المشهورة في الطب والفلسفة توفي في همذان سنة 428 هـ.
الأعلام للزركلي 1/250.
فاحترز بالقيد الأول من المانع وبالثاني من السبب وبالثالث من مقارنة وجوده للسبب فإنه يحصل الوجود ولكن ليس لذات الشرط بل لوجود السبب والسبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته فالقيد الأول احتراز عن الشرط والثاني عن المانع والثالث عن مقارنة وجوده فقدان الشرط فلا يلزم الوجود أو مقارنة عدمه إخلاف سبب آخر فلا يلزم العدم وذلك ليس لذاته بل لأمر خارج والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته فالقيد الأول احتراز من السبب والثاني من الشرط والثالث من مقارنة عدمه عدم السبب فيلزم العدم لكن لا لذاته بل لعدم السبب وإذا اتضحت هذه الحقائق فالملازمة الذهنية يلزم من عدمها العدم لأن اللفظ إذا أفاد معنى غير مستلزم لآخر لا ينتقل الذهن لذلك الآخر إلا بسبب منفصل فيكون إفادته مضافة لذلك المنفصل لا للفظ فلا يكون فهمه دلالة للفظ بل أثرا للمنفصل فلا يلزم من وجود الملازمة وجود الدلالة عند عدم الإطلاق فإن الملازمة في نفس الأمر والفهم معدوم من اللفظ إذ اللفظ معدوم فهي حينئذ شرط والإطلاق هو السبب.
فإن قلت هذا التقرير بعينه يتقرر في اللفظ فإنه يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود الدلالة إذا فقدت الملازمة فيمكن أن يقال الإطلاق شرط والملازمة سبب فلم لا عكستم أو سويتم؟
قلت الإطلاق قد يستقل بالدلالة في المطايقة والتضمن فيثبت له السببية والملازمة لم تستقل في صورة فيترجح الإطلاق على الملازمة الذهنيه بوجوده في الصورتين.
الثاني: في التقسيم الذي ذكره مناقشات من وجوه:
منها أن قوله تمام ليس بجيد لأنه إن لم يحترز به عن شيء فهو زيادة بلا معنى وإن احترز به عن جزء المسمى فليس جزء المسمى نفس المسمى وكذا فعل ابن الحاجب حيث قال كمال مسماه وكان ينبغي أن يقول على مسماه.
ومنها أن اللفظ جنس بعيد لدخول المستعمل والمهمل فيه وهو مجتنب في الحدود فكان ينبغي أن يقول دلالة القول كما فعله شيخنا أبو حيان في مختصراته في تعريف الكلمة معترضا على من ذكر اللفظ بما قلناه.
ومنها كان ينبغي أن يقول في المطابقة من حيث هو تمامه وفي التضمن من حيث هو جزؤه وفي الالتزام من حيث هو لازمه ليحترز به عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه مثل وضع الممكن للعام والخاص فإنه يصير به للفظ المسمى علة جزئه دلالتان دلالة تضمن باعتبار الوضع الأول ومطابقة باعتبار الوضع الثاني فقد يدل على بعض المسمى دلالة مطابقة باعتبار الوضع الثاني فلا بد وأن يقول من حيث هو كذلك وليحترز به أيضا عن المشترك بين اللازم والملزوم كالشمس بين القرص والضوء المستفاد منه وهكذا فعل صاحب التحصيل وأما الإمام فلم يقيد دلالة المطابقة وقيد الباقيتين قال القرافي وهو قيد لم يذكره أحد ممن تقدمه وإنما اكتفى المتقدمون بقرينة التمامية والجزئية واللازمية قال فيقال له إن كانت هذه القرائن كافية فيلزم الاستغناء عن هذه القيود في الدلالات الثلاث وإلا فيلزم الاحتياج في الثلاث فما وجه تخصيص التضمن والالتزام فإنا نقول في المطابقة كما يمكن وضع العشرة للخمسة يمكن وضعها للخمسة عشر أيضا فيصير لها على العشرة دلالتان مطابقة باعتبار الوضع الأول وتضمن باعتبار الثاني الثالث جميع ما تقدم في دلالة اللفظ أما الدلالة باللفظ فهي استعمال اللفظ إما في موضوعه وهو الحقيقة أو غير موضوعه لعلاقة وهو المجاز والباء في قولنا الدلالة باللفظ للسببية والاستعانة لأن اللافظ يدلنا على ما في نفسه بإطلاقه اللفظ فإطلاق اللفظ آلة للدلالة كالقلم للكتابة والقدوم للنجارة والفرق بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ من وجوه.
أحدها: المحل فمحل دلالة اللفظ القلب ومحل الدلالة باللفظ اللسان.
وثانيها: من جهة الوجود فكلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ ولا يوجد دلالة اللفظ في الألفاظ المجملة والأعجمية.
وثالثها: من جهة الأنواع فدلالة اللفظ ثلاثة أنواع المطابقة والتضمن والالتزام وللدلالة باللفظ نوعان الحقيقة والمجاز.
ورابعها: من جهة السببية فالدلالة باللفظ سبب ودلالة اللفظ مسبب عنها.
وخامسها: من جهة الموصوف فدلالة اللفظ صفة للسامع باللفظ صفة للمتكلم.
قال واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى فمركب وإلا فمفرد.
هذا تقسيم آخر للفظ باعتبار التركيب والإفراد وذلك لأنه إن دل جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه فهو المركب سواء كان التركيب إسناد مثل قام زيد وزيد قائم أو تركيب مزج مثل خمسة عشر أم تركيب إضافة مثل غلام زيد وقد أورد بعض الفضلاء على هذا حيوان ناطق إذا جعل علما لإنسان فإنه مفرد مع أن جزأه يدل على جزء معناه فمنهم من قبل هذا الإيراد وقال الصواب أن يزاد في الرسم المذكور حين هو جزء ومنهم من رده وقال دلالة اللفظ على المعنى متعلقة بإرادة اللافظ فيما يتلفظ به ويراد به معنى ما ويفهم عنه ذلك المعنى يقال إنه دال عليه وما سوى ذلك المعنى مما لا يتعلق به إرادة اللافظ لا يقال إنه دال عليه وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه موضوعا له بحسب تلك اللغة أو لغة أخرى وحينئذ لا يرد الحيوان الناطق نقضا لأن المتلفظ به حال كونه علما لا يقصد شيئا من جزأيه بقيد الوحدة وإنما يقصد بمجموع اللفظين الشخص المسمى به فلا فرق حينئذ بينه وبين عبد الله العلم في ذلك.
قوله وإلا فمفرد أي وإن لم يكن جزؤه على جزء المعنى فهو المفرد.
فإن قلت الزاي مثلا من زيد لا تدل على جزء المعنى فوجب ألا يكون زيد قائما مركبا.
قلت أجاب الجاربردي شارح الكتاب بأن جزأه لا يفيد العموم فلا
يجب أن يدل كل جزء من أجزائه على جزء من أجزاء المعنى وهو ضعيف لأن جزأه مفرد مضاف والمختار في ذلك إفادة العموم بل الحق أن المراد بجزئه ما صار به اللفظ مركبا كزيد وحده وقائم وحده.
فإن قلت الزاي مثلا جزء الجزء وجزء الجزء جزء.
قلت صحيح ولكن المفهوم من إطلاق الجزء جزء الأصل الذي ليس هو جزء الجزء والأمر في مثل هذا قريب.
قال والمفرد إما ألا يستقل بمعناه وهو الحرف أو يستقل وهو الفعل إن دل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة وإلا فاسم.
بدأ بعد تقسيم اللفظ إلى المفرد والمركب بأقسام المفرد لتقدمه على المركب بالطبع وتقسيم المفرد يقع من وجوه:
منها ما هو باعتبار أنواعه وهو تقسيمه إلى الاسم والفعل والحرف ووجه انحصاره في هذه الثلاثة أن اللفظ المفرد إما ألا يستقل بالمفهومية فهو الحرف أو يستقل فإما أن يدل بهيئته أي بحالته التصريفية على أحد الأزمنة الثلاثة الماضي والحال والاستقبال فهو الفعل أو لا يدل فهو الاسم سواء لم يدل على زمان أصلا كالسماء والأرض وزيد أو دل لكن لا بهيئته بل بذاته كالصبوح والغبوق وأمس والآن والمستقبل.
قال كلي إن اشترك معناه متواطيء إن استوى ومشكك إن تفاوت وجنس إن دل على ذات غير معينة كالفرس ومشتق إن دل على ذي صفة معينة كالفارس.
هذا تقسيم الاسم فنقول هو إما كلي وإما جزئي وذلك لأنه إما ألا يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه أو يمنع والأول الكلي وهو تارة يقع فيه الشركة كالحيوان وتارة لا يقع إما مع الإمكان كالشمس أو مع الاستحالة كالآلة وبهذا يعلم أن قول المصنف إن اشترك معناه ليس بجيد وأنه كان الأحسن أن يقول إن قبل معناه الشركة ثم الكلي يمكن تقسيمه من وجهين:
أحدهما: وإليه أشار بقوله ومتواطئ أو مشكك لأنه إن كان حصول معناه في أفراده الدهنية والخارجية على التسوية كالإنسان إذ كل فرد من الأفراد لا يزيد على الآخر في الإنسانية فهو المتواطئ وإن لم يكن على السوية بل كان في بعض أفراده أقدم أو أولى أو أشد فهو المشكك وسمى بذلك لكونه يشكك الناظر هل هو متواطؤ لوحدة الحقيقة فيه أو مشترك لما بينهما من الاختلاف وذلك كالبياض الذي هو الثلج أشد منه في العاج وكالوجود فإن معناه واحد في أشياء كثيرة مع اختلافه في تلك الأشياء فإن وجود الجوهر أقدم من وجود العرض والموجود بالذات أولى من الموجود بالغير والوجود القار أقوى وأشد من غير القار كالحركة مثلا وتجتمع هذه الأنواع من الاختلاف بالنسبة إلى الخالق والمخلوق.
فإن قلت الأبيض مثلا إذا أطلق على الثلج فإما أن يكون استعماله فيه مع ضميمة تلك الزيادة أو لا فإن لم يكن فهو المتواطئ وإن كان فهو المشترك فإذن لا الحقيقة لهذا القسم المسمى بالمشكك.
قلت كذا أورده ابن التلمساني ونحن نقول المتواطئ أن يضع الواضع للقدر المشترك بقيد عدم الاختلاف في المحال مع اختلاف المحال في أمور من غير جنس المسمى كامتياز أفراد الإنسان بالذكورة والأنوثة وهذا معنى قولهم المتواطئ ما استوى محاله والمشكك أن يضع للقدر المشترك بقيد الاختلاف في المحال بأمور من جنس المسمى كأجزاء النور في الشمس واستحالة التغير في الواجب فاشترك القسمان في أن الوضع في كل منهما للقدر المشترك وافترقا بقيديهما.
الوجه الثاني الكلي إما جنس أي اسم جنس أو مشتق لأنه إما أن يدل على الماهية وهو اسم الجنس كالإنسان والفرس أو على موصوفية الماهية بصفة دون خصوصية الماهية وهو المشتق فإنه لا يدل على خصوصية الماهية بل على اتصافها بالمصدر كالأسود مثلا فإنه يدل على ذات متصفة بالسواد وأما على جسمية الذات فلا.
هذا تقرير ما ذكر وقوله في اسم الجنس إنه ما يدل على ذات غير معينة كالفرس منتقض بعلم الجنس فإنه دال على ذات عين معينة فإنك تقول رأيت ثعالة أي ثعلبا مع أنه ليس باسم جنس بل علم جنس يعامل في اللفظ معاملة الأعلام.
فإن قلت وما الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس مع أن كلا منهما يصدق على ما لا يتناهى ومسماه كلي؟
قلت المختار في التفرقة بينهما أن علم الجنس هو الذي يقصد به تمييز الجنس من غيره من غير نظر إلى أفراده واسم الجنس ما يقصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على أفراده حتى إذا أدخلت عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى علم الجنس كذا ذكره والدي أحسن الله إليه في الفرق بينهما.
قال ويستنتج منه أن علم الجنس لا يثنى ولا يجمع لأنه إنما يثنى ويجمع الأفراد.
فائدة اعلم أنا إذا قلنا على الإنسان حيوان وأنه كلي فهنا اعتبارات ثلاثة:
أحدها: أن يراد به الحصة من الحيوانية التي شارك باعتبارها الإنسان غيره وهذا يقال له الكلي الطبيعي وتارة يراد به أنه غير مانع من الشركة وهذا هو الكلي المنطقي وتارة يراد به الأمران أعني الحيوانية التي وقعت بها الشركة مع كونها غير مانعة وهذا هو الكلي العقلي فالأول موجود في الخارج لأنه جزء من الإنسان الموجود وجزء الموجود موجود.
والثاني: لا وجود له في الخارج لاشتماله على ما لا يتناهى ومنهم من زعم أنه موجود في الخارج.
والثالث: في وجوده في الخارج أيضا اختلاف والظاهر أنه لا وجود له أيضا لاشتماله على ما لا يتناهى وزعم أفلاطون أنه موجود في الأعيان وأن الإنسان الكلي موجود في الخارج.
قال جزئي إن لم يشترك هذا مقابل لقوله كلي أي الذي لا يشترك في معناه كثيرون هو الجزيء.
وإن شئت قلت الجزيء ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه كزيد العلم مثلا.
قال علم إن استقل ومضمر إن لم يستقل الجزيء إما علم أو مضمر لأنه إما أن يستقل في دلالته على المعنى الجزئي فهو العلم كزيد وإما ألا يستقل في ذلك بل يحتاج إلى قرينة تكلم أو خطاب أو غيبة فهو المضمر كأنا وأنت وهو هذا شرح ما أورده وفيه مناقشات من وجوه.
أحدها: أن هذا التقسيم كله في الاسم وقد قدم أن الاسم هو الذي يستقل فكيف يقسم ما يستقل إلى ما لا يستقل.
الثاني: أن عجم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة والأسماء الموصولة وغيرها وليست مضمرات.
الثالث: أن عدم الاستقلال قد جعله أولا رسما للحرف فإن أراد بالاستقلال ذاك فالاعتراض لائح وإن أراد غيره فليبينه.
الرابع: أنه أهمل في تقسيم الكلي إلى اسم جنس ومشتق ذكر علم الجنس كما عرفت.
الخامس: أنه جعل المضمر من أقسام الجزئي ولقائل أن يقول وحدة المضمر بالنوع لا بالشخص فإن أنت مثلا معناه المخاطب المذكر الفرد من غير تعين فيصح إطلاقه على من كان كذلك والناس مختلفون في أن المضمر جزئي أو كلي وحجة المصنف في جعله جزئيا أن الكلي نكرة والمضمرات أعرف المعارف.
قال تقسم آخر اللفظ والمعنى إما أن يتحدا وهو المنفرد أو يتكثرا وهي المتباينة تفاصلت معانيها كالسواد والبياض أو تواصلت كالسيف والصارم والناطق والفصيح أو تكثر اللفظ واتحد المعني وهي المترادفة أو بالعكس فإن
وضع للكل كالعين فمشترك وإلا فإن نقل لعلاقة واشتهر في الثاني سمي بالنسبة إلى الأول منقولا عنه وإلى الثاني منقولا إليه وإلا فحقيقة ومجاز.
هذا تقسيم ثان للفظ وهو باعتبار وحدته ووحدة مدلوله وتعددهما وينقسم بهذا الاعتبار إلى أربعة أقسام وذلك لأنك إذا نسبت اللفظ إلى المعنى فإما أن يتحدا أو يتكثرا أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى أو بالعكس فأما الأول وهو أن يتحدا ومثاله لفظة الله فإنها واحدة ومدلولها واحد ويسمى هذا بالمنفرد لانفراد لفظه بمعناه وهو ينقسم إلى كلي وجزئي على ما مر في التقسيم السابق.
أو ما الثاني: وهو أن يتكثر اللفظ والمعنى فهي الألفاظ المتباينة كالإنسان والفرس وغير ذلك من الألفاظ المختلفة الموضوعة لمعان مختلفة وحينئذ إما أن يمتنع اجتماعها كالسواد والبياض أو لا يمتنع بأن يكون بعضها اسما للذات وبعضها اسما للذات إذا اتصفت بصفة خاصة كالسيف والصارم فإن السيف اسم للذات والصارم للسيف القاطع كما قاله الجوهري1 في الصحاح وغيره وقد يجتمعان في سيف واحد أو يكون بعضها اسما للصفة وبعضها اسما لصفة الصفة كالناطق بالفعل والفصيح فإن الناطق بالفعل صفة للإنسان وقد لا يكون فصيحا فالأولى التي لا يمكن اجتماعها هي المسماة بالمتباينة المتفاصلة لتفاصل معانيها بالذات.
والثانية: التي لا يمتنع اجتماعها هي المسماة بالمتابينة المتواصلة لتواصل معانيها وقد بينا أنها على نوعين.
وأما القسم الثالث وهو أن يكون اللفظ كثيرا والمعنى واحدا فهي الألفاظ
1 هو إسماعيل بن حماد الجوهري من أئمة اللغة أشهر كتبه الصحاح أصله من فاراب ودخل العراق صغيرا وسافر إلى الحجاز فطاف البادية وهو أول من حاول للطيران حيث صنع جناحين من خشب وربطهما بحبل وصعد سطح داره ونادى في الناس لقد صنعت ما لم أسبق إليه وسأطير الساعة فاجتمع الناس إليه فتأبط الجناحين ونهض بهما فخانه اختراعه فسقط إلى الأرض قتيلا.
وكان ذلك في سنة 393 هـ الأعلام 1/309، 310.
المترادفة كالإنسان والبشر الواحد سواء كانت من لغة واحدة أو من لغات مختلفة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في فصل الترادف.
وأما الرابع: وهو أن يكون اللفظ واحدا والمعنى كثيرا فلا يخلو إما أن يكون قد وضع للكل أي لكل واحد من تلك المعاني أو لا والأول المشترك كالمعين لمدلولاتها المتعددة.
والثاني: وهو ألا يوضع لكل واحد بل لمعنى ثم ينقل إلى غيره فإما أن ينقل لعلاقة أو لا فإن لم ينقل لعلاقة وقد أهمله المصنف فهو المرتجل كذا قال الإمام.
قال القرافي وفيه نظر لأن المرتجل في الاصطلاح هو اللفظ المخترع الذي لم يتقدم له وضع وإن نقل لعلاقة فإما أن يشتهر في الثاني فإن اشتهر في الثاني كصلاة سمى بالنسبة إلى المعنى الأول منقولا عنه وبالنسبة إلى المعنى الثاني منقولا إليه إما شرعيا أو عرفيا عاما أو خاصا بحسب اختلاف الناقلين كما سيتبين لك إن شاء الله تعالى في حد المجاز وإن لم يشتهر في الثاني كالأسد فهو حقيقة بالنسبة إلى الأول أعني الحيوان المفترس مجاز بالنسبة إلى الثاني وهو الرجل الشجاع هذا تقرير ما في الكتاب والنظر فيه من وجوه:
منها اشتراطه المناسبة في المنقول وهو غير شرط ألا ترى أن كثيرا من المنقولات لا مناسبة بينها وبين المنقول عنها كالجوهر إذ هو في اللغة الشيء النفيس وفي اصطلاح المتكلمين قسيم العرض.
وأما قول الأصفهاني إن قيامه بنفسه نفاسة فهو إن صح ودفع صحة التمثيل بالجوهر لا يدفع أصل الدعوى.
ومنها أن كلامه يقتضي أن المجاز لا يشتهر وهو مردود بل رب مجاز أشهر من الحقيقة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح.
ومنها أن كلامه ناطق بأن المجاز موضوع وسوف يأتي ما يخالفوه إن شاء الله تعالى.
ومنها أنه يقتضي أن المجاز يوضع لا لعلاقة إذ قال وإلا فحقيقة ومجاز أي وإن لم يوضع لعلاقة فحقيقة ومجاز وليس كذلك إذ لا بد من العلاقة في المجاز ويمكن أن يجاب عن هذا بأن قوله لعلاقة إنما ذكر لتحقيق معنى النقل لا لتنويعه أي لا يتحقق النقل ولا يعتبر إلا بالعلاقة لكن يتعين على هذا أن يكون قوله وإلا فحقيقة ومجاز معطوفا على قوله: واشتهر أي وإن لم يشتهر فمجاز ويجيء الإيراد الثاني.
قال والثلاثة الأول المتحدة المعنى نصوص وأما الباقية فالمتساوي الدلالة مجمل والراجح ظاهر والمرجوح مؤول.
الثلاثة الأول المتحدة اللفظ والمعنى والمتكثرة اللفظ والمعنى والمتكثرة اللفظ دون المعنى نصوص لأن لكل لفظ منها فردا معينا لا يحتمل غيره وهذا هو المعنى بالنص سمى به لارتفاعه على غيره من الألفاظ في الدلالة من قولهم نصت الظبية جيدها إذا رفعت ومنه منصة العروس وقد يطلق النص على ما يدل على معنى قطعا ويحتمل غيره كصيغ العموم في الجموع فإنه لا بد لها من ثلاثة ويحتمل الزيادة وقد جمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رضي الله عنه في شرح العنوان الاصطلاحات في النص فقال هي ثلاث:
أحدها: ألا يحتمل اللفظ إلا معنى واحدا.
الثاني: اصطلاح الفقهاء وهو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور.
قلت وهو الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب القياس كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله تعالى.
الثالث: اصطلاح الجدليين فإن كثيرا من متأخريهم يريدون بالنص مجرد لفظ الكتاب والسنة وقد احترز في الكتاب بقوله المتحدة المعنى عن العين والقرء فإنها متباينة مع أنها ليست بنصوص لأن كل لفظ منها مشترك بين معان وكذلك المترادفة الألفاظ قد تكون مشتركة كلفظة العين والناظر.
قوله وأما الباقية أي متحدة اللفظ متكثرة المعنى وإنما قال الباقية وأراد.
القسم الرابع: لأن تحته أقساما عدة كالمشترك والمنقول عنه وإليه والحقيقة والمجاز وحاصل هذا أن هذا القسم إما أن تكون دلالته على كل واحد من المعاني على السوية فهو المجمل أو لا فإن كانت دلالته على بعض المعاني أرجح فالطرف الراجح ظاهر والمرجوح مؤول لأنه يؤول إلى الظهور عند مساعدة الدليل له.
قال والمشترك بين النص والظاهر المحكم وبين المجمل والمؤول المتشابه.
لا شك في اشتراك النص والظاهر في رجحان الإفادة وإنما النص راجح لا يحتمل غيره والظاهر راجح يحتمل والقدر المشترك بينهما من الرجحان يسمى المحكم لإحكام عبارته وإتقانه فالمحكم جنس لنوعين النص والظاهر ومقابلهما المجمل والمؤول فإنهما اشتركا في أن كلا منهما يفيد معناه إفادة غير راجحة إلا أن المؤول مرجوح والمجمل ليس مرجوحا بل مساويا والقدر المشترك بينما من عدم الرجحان يسمى بالمتشابه فالمتشابه جنس لنوعين المجمل والمؤول وأصل هذا الاصطلاح مأخوذ من قوله: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} 1.
قال تقسيم آخر مدلول اللفظ إما معنى أو لفظ أو مركب مستعمل أو مهمل نحو الفرس والكلمة وأسماء الحروف والخبر والهذيان.
اللفظ المفرد باعتبار حقيقة مدلوله ينقسم إلى خمسة أقسام لأن مدلوله إما معنى أو لفظ والأول قد تقدم الكلام فيه من كونه كليا أو جزئيا.
والثاني: إما أن يكون اللفظ الذي هو مدلوله مفردا أو مركبا وكل منهما إما أن يكون مهملا أو مستعملا الأول كالفرس فإنه لفظ مدلوله معنى.
والثاني: نحو الكلمة فإنها مدلوله لفظ مفرد مستعمل وهو الاسم والفعل والحرف وقد عرفت في التقسيم السابق وجه انحصار انقسام الكلمة في الاسم والفعل والحرف وأجمعت النحاة على انحصارها في ذلك.
1 سورة آل عمران: آية 7.
قال شيخنا أبو حيان رحمه الله وحكى لنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخنا عن صاحبه أبي جعفر بن صابر أنه كان يذهب إلى أن ثم رابعا وهو الذي نسميه نحن اسم فعل وكان يسميه خالفة إذ ليس هو عنده واحدا من هذه الثلاثة.
والثالث: كأسماء حروف التهجي فذلك مدلوله لفظ مفرد مهمل ألا ترى أن حروف جلس لم توضع لمعنى مع أن كلا منها قد وضع له اسم فللأول الجيم وللثاني اللام وللثالث السين.
فإن قلت فيكون قول الأستاذ لتلميذه قل أب ت عبثا إذ لا معنى لهذه الألفاظ.
قلت لما كانت آلة يتوصل باجتماعها على الترتيب المعتبر إلى الكلام المفيد لم يكن تعليمها عبثا.
والرابع: كلفظ الخبر فإن مدلوله لفظ مركب مستعمل نحو قام زيد.
والخامس: أن يكون المدلول لفظا مركبا مهملا.
قال الإمام والأشبه أنه غير موجود لأن التركيب إنما يصار إليه لغرض الإفادة فحيث لا إفادة لا تركيب قال صفي الدين الهندي وهذا حق إن عني بالمركب ما يكون جزؤه دالا على جزء المعنى حين هو جزؤه وإن عني به ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه أو ما يكون مؤتلفا من لفظتين كيف كان التأليف وإن لم يكن لشيء من أجزائه دلالة فهو باطل.
أما الأول: فمثل عبد الله إذا كان علما فإن اسم العلم يدل عليه وهو لفظ مركب على هذا التقدير غير دال على المعنى المركب.
وأما الثاني: فكلفظ الهذيان فإنه يدل على المركب من مهملتين أو من لفظة مهملة ومستعملة وهو غير دال على المعنى المركب أما إن أراد أنه لا يدل على معنى أصلا وأراد باللفظ المركب المعنى فينتقض بالثاني دون الأول انتهى والمصنف حاول ذلك فخالف الإمام ومثل الهذيان كما قررناه فإنه لفظ موضوع للمهمل المركب كما عرفت.
قال والمركب صيغ للإفهام شرع في تقسيم المركب ولا ريب فيما ذكر من أن المتكلم إنما صاغ المركب من المفردات ليفهم ما في ضميره.
قال فإن أفاد بالذات طلبا فالطلب للماهية استفهام وللتحصيل مع الاستعلاء أمر ومع التساوي التماس ومع التسفل سؤال وإلا فمحتمل التصديق والتكذيب خبر وغيره تنبيه ويندرج فيه الترجي والتمني والقسم والنداء.
المركب تارة يفيد طلبا بالذات أي بالوضع وإن شئت قلت إفادة أولية وطورا يفيد غير ذلك فإن أفاد طلبا بذاته فإن كان الطلب لماهية في الذهن وأحسن من هذه العبارة أن يقول طلب ذكر ماهية الشيء فهو الاستفهام كقولك ما هذا ومن هذا وإن كان لتحصيل أمر ما من الأمور فإن كان مع الاستعلاء فأمر كقول المتعاظم المستعلي لآخر افعل كذا سواء كان مع الاستعلاء عاليا في نفس الأمر أم لم يكن وإن كان مع التساوي كقول القائل لمماثله افعل كذا فهو التماس وتسمية التساوي بالالتماس اصطلاح خاص كما قال ابن دقيق العيد في شرح العنوان وإن كان من التسفل كقول من يجعل نفس دون المطلوب منه فهو سؤال سواء كان دونه في نفس الأمر كقول الداعي رب اغفر لي أو لم يكن وإن لم يفد بالذات طلبا فإما أن يحتمل التصديق والتكذيب أو لا.
القسم الأول: أن يحتملها فهو الخبر وزعم قوم أن تعبير المصنف ومن وافقه بالتصديق والتكذيب أحسن من قول غيره الصدق والكذب لأن من الأخبار ما لا يحتمل إلا الصدق كخبر الصادق وما لا يحتمل إلا الكذب كقول من قال الواحد نصف العشرة مع احتمال تصديق ذي المكابرة وقولنا الواحد نصف الإثنين ويحتمل التكذيب من الكفار والمعاند وهذا عندي غير مرضي فإن الحكم على الخبر من حيث هو والخبر من حيث هو خبر محتمل لذلك وسقوط أحد الاحتمالين في بعض الأفراد لخصوصية ومزية لا يخرج احتمال ماهية الخبر من حيث هي لمحتملاتها ثم إن التصديق والتكذيب عبارة عن الإخبار بكون الكلام صدقا أو كذبا فتعريفه به دور.
فإن قلت التصديق والتكذيب والصدق والكذب نوعان للخبر والنوع إنما يعرف بعد معرفة الجنس فلو عرف الجنس به لزم الدور.
قلت أجاب القرافي بأن الحد هو شرح ما دل اللفظ الأول عليه بطريق الإجمال لأن من سمع لفظ إنسان وجهل مسماه يقال له هو الحيوان الناطق فإن كان جاهلا بالحيوان الناطق فسد الحد لأن الحد بالمجهول لا يصح فتعين أن يكونا معلومين له ومتى كانا معلومين فمن علم الحيوان والناطق فقد عرف الإنسان لأنه ليس شيئا غيرهما فعلمنا أن كان عارفا بحقيقة الإنسان وإنما كان جاهلا بمسمى اللفظ على التفصيل وكان يعلمها من حيث الإجمال جاز أن يكون السائل عالما بمدلول لفظ الصدق والكذب وجاهلا بمدلول لفظ الخبر فيبين له مدلول لفظ الخبر بمدلول لفظ الصدق والكذب.
قال ولا يقال العلم بالنوع يستلزم العلم بالجنس لاستلزام العلم بالمركب العلم بالمفرد لأن الجهل هنا إنما وقع من وضع لفظ الخبر للخبر لا في نفس الخبر ولا تنافي بين العلم بالخبر والجهل بوضع لفظه له فإن المرء قد يعلم حقيقة ولا يعلم اسمها.
فإن قلت الصدق والكذب ضدان يستحيل اجتماعهما فلا يقبل محلهما إلا أحدهما أم هما معا فلا وإذا كان المحل لا يقبل إلا أحدهما المتعين في الحد صيغة أو التي لأحد الشيئين دون الواو التي للشيئين معا هو الذي ارتضاه إمام الحرمين وقال من قال الصدق والكذب أوهم اتصالهما بخبر واحد فإذا ردد ونوع فقال ما يدخله الصدق أو الكذب فقد تحرز.
قلت ما ذكرناه هو الصواب وذلك لأنه لا يلزم من تنافي المقبولين تنافي القبولين ألا ترى أن الممكن قابل للوجود والعدم ولو وجد أحد القبولين دون الآخر للزم من نفي ذلك القبول ثبوت استحالة ذلك المقبول فإن كان ذلك المستحيل هو الوجود لزم كون الممكن مستحيلا وإن كان مستحيلا هو العدم
لزم كون الممكن واجب الوجود فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن بتنافى القبولان فيتعين الواو وإنما الشبهة التي وقعت لإمام الحرمين التباس القبولين بالمقبولين وإنه يلزم من يقدر اجتماع المقبولين بقدر اجتماع القبولين وليس كذلك ولذلك نقول كل جسم قابل لجميع الأضداد وقبولاتها كلها مجتمعة له وإنما المتعاقبة على سبيل البدل هي المقبولات لا القبولات فتأمل ذلك.
فإن قلت لم سمى الأصوليون ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبارا معظمها أوامر ونواهي؟
قلت أجاب القاضي بوجهين:
أحدهما: أن حاصل جميعها آيل إلى الخبر فالمأمور به في حكم المخبر عن وجوبه وكذا القول في النواهي والسر فيه أنه صلى الله عليه وسلم ليس آمرا على سبيل الاستقلال وإنما الآمر حقا الله تعالى وصيغ الأمر من المصطفى عليه السلام في حكم الإخبار عن الله تعالى.
والثاني: أنها سميت أخبارا لنقل المتوسطين وهم يخبرون عمن يروي لهم ومن عاصر النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغه أمر لا يقول أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أمرنا نقلول فالمنقول إذا استجد اسم الخبر في المرتبة الثانية إلى حيث انتهى.
القسم الثاني: ألا يحتمل التصديق والتكذيب فهو تنبيه ويندرج في التنبيه لا على وجه الحصر التمني مثل ليت الشباب يعود.
والترجي والقسم والنداء وأمثلتهن معروفة.
فإن قلت ما الفرق بين الترجي والتمني؟
قلت الترجي لا يكون في المستحيلات والتمني يكون في المستحيلات وفي الممكنات وأما لفظ الكتاب فقوله بالذات احتراز عما يفيد الطلب باللازم كقولك أنا طالب منك أن تذكر لي حقيقة الإنسان فإنه لا يسمى استفهاما أو أن تسقيني الماء إذ لا يسمى أمرا أو ألا تفعل كذا فإنه لا يسمى نهيا بل هذه إخبارات وكذلك الأقسام الباقية من التمني والترجي القسم والنداء كلها
تفيد الطلب باللازم وعلى كلامه اعتراضات منها أنه اشترط في حقيقة الأمر الاستعلاء وذلك مذهب زيفه في باب الأوامر كذا أورده بعض الشراح وسنبين في كتاب الأوامر إن شاء الله وجه صحة كلامه وعدم اضطرابه ومنها أنه جعل التساوي قسيما للاستعلاء والتسفل وإنما هو قسيم للعول والنزول لأن الاستعلاء جعل الطالب نفسه عاليا ولا يلزم من ذلك كونه عاليا في نفس الأمر والتسفل عكسه.
ومنها أن قوله: وللتحصيل مع الاستعلاء أمر وإن أراد به تحصيل الفعل الذي ليس بكف فالتقسيم غير حاصل لخروج طالب الكف بالنهي عنه وإن أراد تحصيل الفعل مطلقا كفا كان أو غيره لزم دخول النهي في حد الأمر وهما حقيقتان مختلفتان وقد يقول من ينصره بدخول النهي في حقيقة الأمر وأن مغايرتها مغايرة العام والخاص لا مغايرة المتباينين بناء على أن الأمر هو ما يطلب به فعل سواء كان الفعل كفا أم غير كف والنهي ما يطلب به فعل خاص وهو الكف.
خاتمة قال القرافي في الفروق اعتقد جماعة من الفقهاء من قولنا في حد الخبر إنه المحتمل للصدق والكذب أو هذين الاحتمالين مستفادان من الخبر بالوضع اللغوي وأن الوضع اللغوي اقتضى له ذلك قال وليس كذلك بل لا يحتمل الخبر من حيث الوضع إلا الصدق لإجماع ذوي اللسان على أن معنى قولنا قام زيد حصول القيام في الزمان الماضي ولم يقل أحد إن معناه صدور القيام أو عدمه ولقائل أن يقول لا نسلم أن مدلول قولنا قام زيد حصول القيام وإنما مدلوله الحكم بحصول القيام وذلك يحتمل الصدق والكذب والله أعلم.