الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: في أحكام الحكم
المسألة الأولى: الواجب المعين والمخير
…
الفصل الثالث في أحكام الحكم وفيه عدة مسائل
الأولى الواجب المعين والمخير
"الفصل الثالث في أحكامه وفيه مسائل الأولى الوجوب قد يتعلق بمعين وقد يتعلق بمبهم من أمور معينة كخصال الكفارة ونصب أحد المستعدين للإمامة وقالت المعتزلة الكل واجب على معنى أنه لا يجوز الإخلال بالجميع ولا يجب الإتيان به خلاف في المعنى وقيل الواجب معين عند الله تعالى دون الناس ورد بأن التعين يحيل ترك ذلك الواحد والتخيير يجوزه وثبت اتفاقا في الكفارة فانتفى الأول قيل يحتمل أن المكلف يختار المعين أو يعين ما يختاره أو سقط بفعل غيره وأجيب عن الأول بأنه يوجب تفاوت المكلفين فيه وهو خلاف النص والإجماع وعن الثاني بأن الوجوب محقق قبل اختياره وعن الثالث بأن الآتي بأيهما آت بالواجب إجماعا قيل إن أتى بالكل معا فالامتثال أما بالكل فالكل واجب أو بكل واحد فيجتمع مؤثرات على أثر واحد أو بواحد غير معين ولم يوجد أو بواحد معين وهو المطلوب وأيضا الوجوب معين فيستدعي محلا معينا وليس الكل ولا كل واحد وكذا الثواب على الفعل والعقاب على الترك فإذا الواجب واحد معين وأجيب عن الأول بأن الامتثال بكل واحد وتلك معرفات وعن الثاني بأنه يستدعي أحدها لا بعينه كالمعلول المعين المستدعي علة من غير تعيين وعن الآخرين بأنه يستحق ثواب وعقاب أمور لا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها".
قوله في أحكامه يعني في أحكام الحكم وذكر في هذا الفصل سبع مسائل
والإمام ذكرها بعينها في باب الأوامر في القسم الثاني منه في المسائل المعنوية وجعل المسائل الثلاث الأولى في أقسام الوجوب لأنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معين ومخير وبحسب وقت المأمور ينقسم إلى مضيق وموسع وبحسب المأمور ينقسم إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية وجعل المسائل الأربع الأخيرة في أحكام الوجوب ولو فعل المصنف كذلك كان أحسن وكأن عذره في ذلك المخير والموسع وفرض الكفايةف مما وقع الكلام فيه وفي تحقيق عروض ذلك الواجب فحسن البحث في أن الوجوب هل له ذلك أو لا وهو حكم وبعد ثبوت هذا الحكم تصير الثلاثة المذكورة أقساما للوجوب الذي هو قسم من أقسام الحكم فصح كل من الاعتبارين وقوله بمعين يعني معين النوع وإلا فالتعيين بالشخص لا يتعلق الوجوب به لأن الشخص دخل في الوجود وما دخل في الوجود لا يصح التكليف به لمراده المعين المعلوم المتميز وقوله وقد يتعلق بمبهم إشارة إلى أن المختار أو الواجب لا بعينه ونقل القاضي إجماع سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه خلافا لكثير من المعتزلة وقوم من نوابذ الفقهاء المعينين لهم على بدعتهم في قوله أن الكل واجب وحرر بعض المتأخرين معنى الإبهام في ذلك فقال إن متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها وعندي زيادة تحرير أخرى وهو أن القدر المشترك يقال على المتواطئ كالرجل فلا إبهام فيه فإن حقيقته معلومة متميزة عن غيرها من الحقائق ويقال على المبهم بين شيئين أو أشياء كأحد الرجلين والفرق بينهما أن الأول لم يقصد فيه إلا الحقيقة التي هي مسمى الرجولية.
والثاني: قصد فيه أخص من ذلك وهو أحد الشخصين بعينه وإن لم يعين وولذلك سمي مبهما لأنه أبهم علينا أمره والأول لم يقل أحد بأن الوجوب يتعلق بخصوصياته كالأمر بالإعتاق فإن مسمى الإعتاق ومسمى الرقبة متواطئ كالرجل فلا يتعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين ولا على التخيير ولا يقال فيه واجب مخير ولا يأتي فيه الخلاف وأكثر أوامر الشريعة من ذلك.
والثالث: متعلق بالخصوصيات فلذلك وقع الخلاف فيه وأجمعت الأمة على إطلاق الواجب المخير عليه ولا منافاة بين ما قلناه وما حكيناه عن بعض المتأخرين من تعلق الوجوب بالقدر المشترك لكن ما قلناه زيادة وهي تبيين أن ذلك القدر المشترك أخص منظور فيه إلى الخصوصيات وقول المصنف من أمور معينة إنما قيد بقوله معينة لأنها إذا كانت غير معينة فإما أن يقع التكليف بالقدر المشترك بينها من غير نظر إلى الخصوصيات فذلك لا يسمى إيهاما بل هو كالإعتاق على ما سبق وليس كلامنا فيه وإما أن ينظر إلى الخصوصيات كما ذكرناه في غير الإبهام فيستحيل لعدم العلم بها ونحن مرادنا هنا بالمعينة المعلومة المتميزة فلذلك قيد بقوله المعينة ليبين صورة المسألة وخصال الكفارة يعني كفارة اليمين وهي الإعتاق والإطعام والكسوة فإنها يخير فيها وكذا ما هو على التخيير من كفارات الحج وقوله ونصب أحد المستعدين للامامة يعني إن خلا الوقت عن إمام وهناك جماعة يجب نصب واحد وكذا قال غيره وهو صحيح إلا أنه من القسم الأول الذي قلنا إن الوجوب فيه متعلق بالقدر المشترك من غير نظر إلى الخصوصيات كاعتاق رقبة فينبغي ألا يمثل به وجماعة من أصحابنا ومن المعتزلة ذكروا أمثلة من الواجب المخير بين القسمين جميعا والصواب ما قدمته نعم في أهل الشورى الذي جعل عمر رضي الله عنه الأمر فيهم ونحوه يتعلق الأمر بأعيانهم فيحسن أن يكون مثالا للواجب المخير وقول المعتزلة إن الكل واجب على المعنى المذكور مأخذهم فيه أن الحكم يتبع الحسن والقبح فإيجاب شيء يتبع لحسنه الخاص به فلو كان واحد من الثلاثة واجبا والاثنان غير واجبين لخلا اثنان عن المقتضى للوجوب فلا بد أن يكون كل واحد لخصوصه مشتملا على صفة تقتضي وجوبه وكل منهما يقوم مقام الآخر فيوصف كل منهما بالوجوب والتخيير معا.
وتحقيق هذا الكلام إنما ينتج أن المشتمل على الحسن المقتضي للوجوب هو أحدها لا خصوص كل منها فلذلك كان معنى كلامهم إيجاب أحدها على الإبهام وإنما قصدوا الفرار من لفظ يوهم أن بعضها واجب وبعضها ليس بواجب وأنه لا يخير بين الواجب وبين غيره وأصحابنا لا يراعوان الحسن والقبح ويجوزون التخيير
بين ما يظن أن فيه مصلحة وبين ما لا مصلحة فيه ومع ذلك لم يقولوا بوجوب واحد معين وإنما قالوا بوجوب أحدها من غير تعيين لأنه مدلول لفظ الأمر ومدارهم في إثبات الأحكام فإذا نظرنا إلى مجرد ذلك لم يكن فرق في المعنى بين مذهب أصحابنا ومذهب المعتزلة وبذلك صرح طوائف منا ومنهم وتبعهم المصنف وإذا دققنا البحث وقررنا ما قدمناه من الفرق بين أن يراد مع القدر المشترك الخصوصيات أولا أمكن أن يقال في خصال الكفارة احتمالان:
أحدهما: أن يكون الواجب القدر المشترك بين الخصال.
والثاني: أن يكون كل خصلة واجبة على تقدير ألا نفضل عنها وكل من الاحتمالين يمكن أن يقرر على مذهبنا ومذهبهم والأقرب إلى الكلام الفقهاء الثاني وبه يفترق الحال بينه وبين إعتاق رقبة فإن الثابت فيه الأول لا غير وقول المصنف فلا خلاف في المعنى قد علمت أنه يمكن تمشيته ويمكن التوقف فيه لظهور معنيين يمكن أن يذهب إلى كل منهما ذاهب والأوفق بقواعد المعتزلة الأول وهو تعلق الوجوب بالقدر المشترك لا غير حتى يكون هو الموصوف بالحسن وبقواعدنا يصح ذلك وغيره وهو الأقرب إلى كلام الفقهاء وهو المختار وإن يكن بين المعنيين تباعد لكن يظهر أثره في أمور منها أنه إذا فعل خصلة يقال على ما اخترناه إنها الواجب وأما على المعنى الآخر فينبغي أن يقال إن الواجب تأدى بها لا أنها هي الواجب.
وقوله: قيل الواجب معين عند الله دون الناس هو قول ترويه المعتزلة عن أصحابنا ويرويه أصحابنا عن المعتزلة واتفق الفريقان على فساده وعندي أنه لم يقل به قائل وإنما المعتزلة تضمن ردهم علينا ومبالغتهم في تقرير تعلق الوجوب بالجميع ذلك فصار معنى يرد عليه وأما رواية أصحابنا عن المعتزلة فلا وجه له لمنافاته قواعدهم.
وقوله: رد بأن التعيين يحيل ترك الواحد أي لأن الواجب لا يجوز تركه والتخيير يجوزه أي يجوز الترك ضرورة فلازم التعيين ولازم التخيير لا يجتمعان فالملزومان وهما التعيين والتخيير لا يجتمعان لأنهما لو اجتمعا لاجتمع لازمهما لأنه
يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم والتخيير ثابت بالإتفاق في الكفارة فانتفى التعيين.
وقوله: قيل يحتمل أن المكلف يختار المعين أو يعين ما يختاره أو يسقط بفعل غيره يعني وعلى كل من الاحتمالات الثلاثة لا يتنافى التعيين والتخيير أما في الأول فلأن التعيين في نفس الأمر والتخيير في الظاهر وأما الثاني فلأن التخيير قبل الاختيار والتعيين بعده وأما الثالث فلأنا نمنع أن الواجب لا يجوز تركه مطلقا بل هو الذي لا يجوز تركه بغير بدل.
وقوله: وأجيب عن الأول بأنه يوجب تفاوت المكلفين فيه أي إذا اختار بعضهم الإطعام وبعضهم الكسوة وبعضهم الإعتاق يكون الواجب على كل منهم ما اختاره معينا عند الله وهو خلاف الإجماع لإجماع العلماء على أن حكم الله في كفارة اليمين واحد بالنسبة إلى الجميع وعن الثاني بأن الوجوب تحقق قبل اختياره وإلا لما أثم بتركه فإما أن يكون معينا أو مخيرا إن كان معينا عاد الكلام وإلا بطل قولهم وعلى الثالث أن الآتي بأيها آت بالواجب لأنه في ضمنه وعلى كل التقديرين لا يكون الواجب خارجا عنه فلا يسقط بفعل غيره وليس كالسنة المجزئة عن الفرض ولا كالبدل المجزئ عن المبدل.
وقوله: قيل إن أتى بالكل معا يعني دفعة واحدة إما بنفسه إن أمكن ذلك أو بوكلاء فالامتثال إما بالكل أي المجموع فالمجموع واجب ومن ضرورته وجوب كل واحد وإن كان الامتثال بكل واحد فيجتمع مؤثرات على أثر واحد وهو محال لأن المؤثر التام يستغني به الأثر عن غيره مع احتياجه إليه فلو اجتمع مؤثران على أثر واحد لاحتاج إليهما واستغنى عنهما ويلزم أن يقع بهما وإن لا يقع بهما فيجتمع النقيضان وإن كان الامتثال بواحد غير معين فغير المعين لا وجود له لأن كل موجود معين كما أن ما ليس بمعين ليس بموجود لأنه عكس نقيضه ولما بطلت هذه الأقسام الثلاثة تعين الرابع وهو أن الامتثال بواحد معين وهو المطلوب لأن ما وقع به هو المأمور به وأيضا الوجوب صفة الواجب وهو صفة معينة فلا بد أن يكون موصوفها معينا وليس المجموع ولا
كل واحد ولا واحدا غير معين لما سبق فثبت أنه معين وأيضا إذا أتى بالجميع فإن أثيب ثواب الواجب على المجموع أو على كل فرد أو على غير معين لزم ما سبق فلا يثاب إلا على واحد معين وأيضا إذا تركت الجميع إن عوقب على المجموع أو على كل واحد أو على واحد معين لزم ما سبق فلا يعاقب إلا على ترك واحد معين فهذه أربعة أدلة استدل بها القول المردود.
وقوله: وأجيب عن الأول بأن الامتثال بكل واحد وتلك الخصال معرفات لا مؤثرات فلا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد وأما المعرفات فيجوز اجتماعها على الشيء كافراد العالم للصانع وهذا الجواب يحتمل أمرين أن يكون المقصود منه الرد على الاستدلال فقط من غير بيان ما يعتقده من أن الامتثال بماذا وكأنه يقول دليلك لا ينتج أن الواجب واحد معين لاحتمال أن يكون الواجب كل واحد ويكون الامتثال بكل واحد ولا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد وهذا إذا فسرنا الامتثال بفعل الواجب يلزم عليه أن ما يقع به الامتثال واجب ويكون الجواب على هذا جدليا والجواب التحقيقي أن الامتثال بواحد لا بعينه وهو موجود في ضمن كل واحد.
الثاني: أن يكون جوابا تحقيقيا فإن الامتثال معناه إما فعل يتضمن مثل المأمور به إذا جعلناه افتعالا من المثل الذي هو الشبه وإما الانتصاب والقيام لأداء المأمور به إذا جعلناه من مثل على وزن ضرب أي انتصب وعلى كلا التقديرين لا يستلزم أن يكون الممتثل به هو الواجب بل أن يكون الواجب يحصل به ولا شك أن الواجب حاصل في هذه الصورة بكل واحد لتضمنه له وقصده فيكون الامتثال بكل واحد وبالمجموع أيضا لتضمنه الواجب وهذا واحد لا بعينه أو يكون الإمتثال بكل واحد وكل واحد واجبا على معنى ما قدمناه عن الفقهاء فيصير جوابا تحقيقيا على المذهبين وفي الوجه الأول هو جواب جدلي على المذهبين.
وقوله: بواحد غير معين ولم يوجد جوابه أن غير المعين له معنيان:
أحدهما: المقيد بقيد عدم التعيين وهذا هو الذي لم يوجد.
والثاني: أخذه لا بقيد عدم التعيين وهذا موجود في ضمن المعين وهو المقصود هنا فقولك ولم يوجد ممنوع وهذا جواب تحقيقي على المعنى المتفق عليه في المذهبين وقوله بواحد معين وهو المطلوب وعللناه بأن ما وقع الامتثال به هو الواجب يتوجه عليه منع لما قدمناه في تفسير الامتثال وقوله عن الثاني يعني الوجوب وصفه معين فيستدعي محلا معينا فإنه يستدعي أحدها لا بعينه كالحرارة وهي معلول معين يستدعي إما الشمس وإما النار فهي علة غير معينة.
واعلم أن المعين يطلق على الشخص وليس هو المراد هنا في الطرفين ويطلق على المعلوم التمييز فإنه له تعين بوجه ما ويطلق على أحدها أيضا أنه يتعين بهذا الاعتبار ويطلق على ما ليس بينه وبين غيره إبهام فأحدها بهذا التفسير غير معين والوجوب معين فلذلك جرى البحث ولا يلزم أن يكون المحل مساويا للحال في ذلك وقوله عن الآخرين يعنى الثواب والعقاب بأنه مستحق ثواب أمور ولا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها يعني ثواب واجبات مخيرة وهو أزيد من ثواب بعضها سواء اقتصر عليه أو ضم إليه نفلا آخر أو نقص من ثواب الواجبات المعينة ولكل منها رتبة من الثواب عند الله تعالى وكذا العقاب إذا تركها يستحق فالعقاب على ترك مجموع أمور كان المكلف مخيرا بين ترك أي واحد شاء منها بشرط فعل الآخر.
وقال بعضهم: في الثواب والعقاب إنه يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابا ويستحق على الترك عقاب أدونها عقابا فأما ما قاله في العقاب فيظهر اتجاهه وما قاله في الثواب مراده به الثواب على الواجب وما عداه تطوع يثاب عليه ثواب التطوع وبهذا يعلم أن الخلاف في الثواب خلاف في أنه إذا فعل الجميع ما الذي يقع واجبا وحكي القاضي قولا ثالثا أن الذي يقع واجبا هو العتق لأنه أعظم ثوبا لأنه أنفع وأشق على النفس وأرد عليه بأنه قد لا يكون كذلك ويحتمل عندي قول رابع وهو أنه لا يثاب ويعاقب إلا على أحدها لأنه الواجب على قولهم وهذا الخلاف شبيه بالخلاف فيما إذا طول الطمأنينة في الصلاة أو مسح جميع الرأس في الوضوء هل يقع الجميع واجبا أولا ويعلم أن
محل الأقوال الأربعة إذا فعل الجميع أما قيد الفعل فليس إلا ما قدمناه من أحدها والجميع.
"فرع": إذا باع قفيزا من صبرة فالمعقود عليه قفيز لا بعينه يعني القدر المشترك بين أقفزة الصبرة وقالوا إن معناه كل واحد منها على البدل كما قالوا في خصال الكفارة وعندي أنه كعتق الرقبة وقد تقدم تحريره وإذا اختار المشتري واحدا منها لا يقول إنه كان معينا بل يعين فيه إبهامه وكذا إذا دعت المرأة إلى تزويجها من كفؤين زوجت من أحدهما كالمستعدين للإمامة وإذا طلق إحدى امرأتيه أو أعتق إحدى عبديه فهو كخصال الكفارة سواء والاختصاص للطلاق والعتق بواحد معين فإذا اختار تعين ما يختاره.