الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورجح بعض الشافعية تحريمه، والمشهور عند متقدميهم كغيرهم الكراهة فقط" (1) .
قلت:
فالحاصل أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، بل يمكن الجمع بينها بأن الغسل في الخلوة عرياناً جائز إذا لم يكن أحد بمقربة منه. وما ورد من إطلاق في حديث بهز من قوله "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس" دال على الاستحباب والأفضلية، لأن التستر أقرب للحياء، والتكشف في الخلوة فيه تعويد على التكشف عند الناس، فإذا اعتاد المسلم التستر في الخلوة، وهاب التكشف فيه، واستحيا منه؛ فإنه أحرى أن يستحي عند الناس. وإلا فإن الله سبحانه وتعالى يعلم ويرى ويحيط بالإنسان في جميع أحيانه، وعلى كل حالاته.
وما ذهب إليه النووي من إباحة التكشف في حالة الحاجة فحسن، لما فيه من رفع المشقة وإزالة العنت مع أمن المحذور. وبهذا يدرأ التعارض، ويزول الإشكال.
…
والله أعلم.
الباب الخامس
باب السواك.
وفيه مبحث:
حكم السواك للصائم
.
اهتم الإسلام بطهارة أتباعه، وتفقدهم في سائر أحوالهم، حاثاً إياهم على التطهر والنظافة والنقاء، فهم خير أمة أخرجت للناس.
ومن ألون حرصه وعنايته أن حثهم على تنظيف أسنانهم وصيانتها من كل قذر وريح خبيث، واختار لهم بحكمته وخبرته المسواك، وهو أنفع ما على الأرض لأسنانهم وأفواههم، ودعاهم إلى استعماله، وهو شجر طيب الريح يحوي أكمل المواد وأنفعها للسان واللثة.
وقد اعتنى العلماء -رضوان الله ورحمته عليهم أجمعين- في بعض أحكامه ومسائله، وذلك لوجود أحاديث فهم بعضهم منها ما لم يفهمه الآخر، فذهب كل إلى ما فهم، واختلفوا في استنباط الحكم من هذا الحديث، فهذا يأخذ به، وذاك يتركه، وهذا يحمله الوجوب وذاك يحمله على الندب، وليس هذا يعنينا في بحثنا هذا، وإنما الذي نعنى هنا؛ هو إيراد الأحاديث التي تتعارض في ظاهرها، ويشكل على القارئ فهمها، أو الجمع بينها، أو ترجيح بعضها على بعض.
(1) فتح الباري (1/386) .
ومن المسائل التي اختلف فيها لأجل ما يظهر من تعارض أحاديثها؛ مسألة حكم السواك للصائم.
فقد ذهب قوم إلى أنه جائز ولا يكره، بل يستحب للصائم كغيره، واستدلوا بأحاديث، منها:
1-
"رأيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم".
2-
"من خير خصال الصائم السواك".
كما ذهب آخرون إلى أنه يكره للصائم أن يتسوك، واستدلوا بأحاديث، منها:
"إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة".
ذكر ما استدل به على إباحة السواك للصائم:
الحديث الأول:
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ. زَادَ مُسَدَّدٌ مَا لَا أَعُدُّ وَلَا أُحْصِى"(1) .
الحديث الثاني:
عن عائشة –رضي الله عنها قالت: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: "مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ "(2) .
ذكر ما استدل به على كراهة السواك للصائم بعد العشي:
عن علي قال: "إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالْعَشِيِّ إِلا كَانَت نُورًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(3) .
وجه التعارض:
(1) أخرجه أبو داود (2/307)، والترمذي (3/95) وقال: حديث حسن، وأحمد (3/445، 446) ، والبيهقي (4/272) ، والطيالسي، والدارقطني (2/202) ، والبخاري تعليقا بصيغة التمريض (4/158) ، وضعفه الألباني (إرواء الغليل1/107) ،والحديث ضعيف كما قال الأئمة.
(2)
أخرجه ابن ماجة (1/536) ، والدارقطني (2/203) ، والبيهقي (4/272) ، ضعفه ابن حجر (التلخيص الحبير 1/79)، قلت: وهو حديث ضعيف.
(3)
أخرجه الدارقطني (2/204) ، والبيهقي (4/204) ، والطبراني في الكبير (4/99 رقم 3608) ، والدولابي (4/394 رقم 975) وضعف الحديث الألباني في الإرواء1/ 106، قلت: الحديث ضعيف.
إن من يقرأ في هذه الأحاديث: "رأيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم"، و "من خير خصال الصائم السواك"؛ يجدها تدل على أن الصائم يجوز له أن يستاك في أي وقت شاء، سواء كان الاستياك بالغداة أو كان بالعشي.
ومن يقرأ حديث "استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي"؛ يجد أنه ينهى الصائم عن السواك بالعشي –أي المساء-، وهذان معنيان مختلفان، وقد تكلم العلماء فيها.
أقوال العلماء في درء التعارض:
1-
قال ابن عبد البر: "اختلف الفقهاء في السواك للصائم، ورخص فيه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وابن علية، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير، ورويت الرخصة فيه عن عمر وابن عباس، وليس عن واحد منهم فرق بين أول النهار وآخره ولا بين السواك الرطب واليابس، وحجة من ذهب هذا المذهب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة"، ولم يخص رمضان ولا غيره. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستاك وهو صائم.
وقال الشافعي: أحب السواك عند كل وضوء بالليل والنهار وعند تغير الفم، إلا أني أكرهه للصائم آخر النهار من أجل الحديث في خلوف فم الصائم. وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وروي ذلك عن عطاء ومجاهد. وأما السواك الرطب فيكرهه مالك وأصحابه، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة، ورخص أبو حنيفة وأصحابه وجماعة، وروي ذلك عن ابن عمر وقال ابن علية في السواك: سنة للصائم والمفطر، والرطب فيه واليابس سواء، لأنه ليس بمأكول ولا مشروب. وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن السواك للصائم فقال: ما بينه وبين الظهر ويدعه بالعشي، لأنه يستحب له أن يفطر على خلوف فيه. وعن مجاهد وعطاء أنهما كرها السواك بالعشي للصائم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (1) .
(1) التمهيد (19 / 58) .
2-
قال ابن القيم –رحمه الله بعد أن ذكر أحاديث المنع من السواك: "لو احتج عليه بعموم قوله –صلى الله عليه وسلم: "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (1) ، لكانت حجة، وبقوله –صلى الله عليه وسلم: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" (2) ، وسائر الأحاديث المرغبة في السواك من غير تفصيل، ولم يجيء في منع الصائم منه حديث صحيح"(3) .
(1) متفق عليه، رواه البخاري (1/374) ، ومسلم (3/142) .
(2)
أخرجه النسائي (1/10) وفي الكبرى (1/64) ، وابن خزيمة (1/70) ، وابن حبان (3/348) ، وأحمد (6/74، 62، 124، 146، 232) ، وصححه الأرنؤوط، والبيهقي في الصغرى (1/26) ، وفي الكبرى (1/34) ، وفي المعرفة (1/76) ، والطبراني في الأوسط (1/91) ، والحميدي (1/67) ، وابن أبي شيبة (1/156) وأبو يعلى (8/73) ، وإسحاق (2/385) ، وابن المنذر في الأوسط (1/492) ، وأبو نعيم في أحبار أصفهان (6/482) ، ورواه البخاري تعليقاً عن عائشة بصيغة الجزم (4/158) ، وصححه الألباني في الإرواء (1/105) .
(3)
تهذيب معالم السنن (3/241) .
3-
قال المباركفوري حاكيا مذهب من كره السواك آخر النهار: "واحتجوا على ذلك بأن في الاستياك آخر النهار إزالة الخلوف المحمود بقوله –صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (1) ، وأجيب بأن الخلوف- بضم الخاء المعجمة على الصحيح- تغير رائحة الفم من خلو المعدة، وذلك لا يزال ذلك بالسواك، قال ابن الهمام: "بل إنما يزيل أثره الظاهر عن السن من الاصفرار، وهذا لأن سبب الخلوف خلو المعدة من الطعام، والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب. ولهذا روي عن معاذ مثل ما قلنا. روى الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل: أتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم، قلت: أي النهار أتسوك؟، قال: أي النهار شئت، غدوة وعشية، قلت: إن الناس يكرهونه عشية ويقولون: إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم قال: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فقال: سبحان الله! لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لابد لفي الصائم خلوف وإن استاك.
وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدا، ما في ذلك من الخير شيء، بل إنما فيه شر، إلا من ابتلي ببلاء لا يجد منه بدا. (2) انتهى. قلت: إسناد هذا الأثر جيد كما صرح به الحافظ في التلخيص الحبير" (3) .
قلت:
بعد النظر في الأحاديث السابقة التي يتوهم تعارضها، تبين لي ما يلي:
1-
أنها أحاديث ضعيفة، لا تسلم من مقال، لذا لم يحتج بها العلماء العارفون بالحديث.
(1) متفق عليه، رواه البخاري (4/103) ، ومسلم (8/29، 30) ، وغيرهما.
(2)
14/473
(3)
تحفة الأحوذي (2/47) .