الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَرْعٌ:
لَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْأَذَانِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَأَقَامَ، جَازَ. لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ، أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِأَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ، بَلْ يُعِيدَهُمَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ رِدَّتَهُ تُورِثُ شُبْهَةً فِي حَالِهِ، وَلَوِ ارْتَدَّ فِي خِلَالِ الْأَذَانِ، لَمْ يَصِحَّ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ فِي الرِّدَّةِ.
فَإِنْ أَسْلَمَ وَبَنَى عَلَيْهِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَطُلِ الْ
فَصْلُ
جَازَ الْبِنَاءُ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ: وَقِيلَ: قَوْلَانِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْبِنَاءَ، فَفِي بِنَاءِ غَيْرِهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي خِلَالِ الْأَذَانِ.
فَصْلٌ
فِي صِفَةِ الْمُؤَذِّنِ وَآدَابِهِ.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا ذِكْرًا، وَإِذَا نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَذَانِ إِنْ كَانَ عِيسَوِيًّا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ.
وَلَا يَصِحُّ أَذَانُ السَّكْرَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَصِحُّ أَذَانُ مَنْ هُوَ فِي أَوَّلِ النَّشْوَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْمَرْأَةِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، لِلرِّجَالِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَأَمَّا أَذَانُهَا لِنَفْسِهَا، أَوْ جَمَاعَةِ نِسَاءٍ، فَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَيَصِحُّ أَذَانُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ (الشَّامِلِ) وَ (الْعُدَّةِ) وَغَيْرِهِمَا: يُكْرَهُ أَذَانُ الصَّبِيِّ، مَا لَمْ يَبْلُغْ. كَمَا يُكْرَهُ أَذَانُ الْفَاسِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا آدَابُهُ: فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا، فَإِنْ أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ مُحْدِثًا، أَوْ
جُنُبًا، كُرِهَ، وَصَحَّ أَذَانُهُ، وَالْكَرَاهَةُ فِي الْجُنُبِ أَشَدُّ، وَفِي الْإِقَامَةِ أَشَدُّ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَيِّتًا، حَسَنَ الصَّوْتِ، وَأَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ. مِنْ مَنَارَةٍ أَوْ سَطْحٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَأَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَهُوَ: الثِّقَةُ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْأَذَانَ فِيهِمْ، إِذَا وُجِدَ، وَكَانَ عَدْلًا صَالِحًا لَهُ، وَأَنْ يُصَلِّيَ الْمُؤَذِّنُ، وَمَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الْأَذَانِ.
ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتٍ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ، وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، وَأَنْ يُجِيبَ كُلَّ مِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا، فَيَقُولُ: مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي جَمِيعِ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَإِلَّا فِي كَلِمَتِيِ الْإِقَامَةِ. فَيَقُولُ: أَقَامَهَا اللَّهُ، وَأَدَامَهَا، وَجَعَلَنِي مِنْ صَالِحِي أَهْلِهَا، وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، وَفِي وَجْهٍ، يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ.
فَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةٍ، أَوْ ذِكْرٍ، اسْتُحِبَّ قَطْعُهُمَا لِيُجِيبَ، وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ، لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَفْرُغَ، فَإِنْ أَجَابَ، كُرِهَ عَلَى الْأَظْهَرِ، لَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إِنْ أَجَابَ بِمَا اسْتَحْبَبْنَاهُ؛ لِأَنَّهَا أَذْكَارٌ. فَلَوْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، أَوِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ.
قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، تَبْطُلُ. صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَجَابَ فِي خِلَالِ الْفَاتِحَةِ، وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ مَحْبُوبَةٍ.
قُلْتُ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُجِيبِ، أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ عَقِبَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَنْ سَمِعَ أَذَانَ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ،
وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دَعَاتِكَ: فَاغْفِرْ لِي، وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَأَنْ يَتَحَوَّلَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لِلْإِقَامَةِ.
فَرْعٌ:
الْأَذَانُ وَالْإِمَامَةُ كِلَاهُمَا فِيهِ فَضْلٌ، وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ.
وَالثَّانِي: الْأَذَانُ، وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَالرَّابِعُ: إِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ، وَجَمَعَ خِصَالَهَا، فَهِيَ أَفْضَلُ، وَإِلَّا، فَالْأَذَانُ. قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَالْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمَسْعُودِيُّ.
قُلْتُ: كَذَا رَجَّحَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ (الْمُحَرَّرِ) الْإِمَامَةَ، وَالْأَصَحُّ: تَرْجِيحُ الْأَذَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي (الْأُمِّ) عَلَى كَرَاهَةِ الْإِمَامَةِ، فَقَالَ: أُحِبُّ الْأَذَانَ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ) وَأَكْرَهُ الْإِمَامَةَ لِلضَّمَانِ وَمَا عَلَى الْإِمَامِ فِيهَا، هَذَا نَصُّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْجَمْعُ فبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ كَجٍّ، فَقَالَ: الْأَفْضَلُ لِمَنْ صَلَحَ لَهُمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْأَذَانَ لِقَوْمٍ وَالْإِمَامَةَ لِآخَرِينَ.
قُلْتُ: صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْبَغَوَيُّ، وَصَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِ جَمْعِهِمَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الْأَصَحُّ: اسْتِحْبَابُهُ، وَفِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ فِي التِّرْمِذِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ التَّطَوُّعُ بِالْأَذَانِ، فَإِنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ رَزَقَةُ الْإِمَامُ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ، وَهُوَ خُمُسُ خُمُسِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، وَكَذَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا لِلْمَصَالِحِ، وَإِنَّمَا يَرْزُقُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَعَلَى قَدْرِهَا.
وَلَوْ وَجَدَ فَاسِقًا يَتَطَوَّعُ وَأَمِينًا لَا يَتَطَوَّعُ، فَلَهُ أَنْ يَرْزُقَ الْأَمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ وَجَدَ أَمِينًا يَتَطَوَّعُ وَأَمِينًا أَحْسَنَ مِنْهُ صَوْتًا لَا يَتَطَوَّعُ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَرْزُقَهُ؟ وَجْهَانِ:
قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: نَعَمْ، وَالْقَفَّالُ: لَا.
قُلْتُ: قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَصَحُّ إِنْ رَآهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً، لِظُهُورِ تَفَاوُتِهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَسَاجِدُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُ النَّاسِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، رَزَقَ عَدَدًا مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ، يَحْصُلُ بِهِمِ الْكِفَايَةُ، وَيَتَأَدَّى الشِّعَارُ، وَإِنْ أَمْكَنَ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجْمَعُ وَيَرْزُقُ وَاحِدًا.
وَالثَّانِي، يَرْزُقُ الْجَمِيعَ، لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ الْمَسَاجِدُ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ، بَدَأَ بِالْأَهَمِّ، وَهُوَ رِزْقُ مُؤَذِّنِ الْجَامِعِ وَأَذَانُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَيَجُوزُ لِلْوَاحِدِ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ، لَا حَجْرَ فَيُرْزَقُ كَمْ شَاءَ، وَمَتَى شَاءَ، وَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْأَذَانِ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَلِآحَادِ النَّاسِ مَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ، وَمَنْ أَذَّنَ لَهُ: وَلَا يَجُوزُ لِآحَادِ النَّاسِ: وَإِذَا
جَوَّزْنَا لِلْإِمَامِ الِاسْتِئْجَارَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ حَيْثُ يَجُوزُ الرِّزْقُ خِلَافًا وَوِفَاقًا. قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) وَإِذَا اسْتَأْجَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى بَيَانِ الْمُدَّةِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتُؤَذِّنَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوِ اسْتَأْجَرَ وَاحِدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ، فَفِي اشْتِرَاطِ بَيَانِ الْمُدَّةِ وَجْهَانِ:
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الِاشْتِرَاطُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْإِقَامَةُ تَدْخُلُ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْأَذَانِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْإِقَامَةِ إِذْ لَا كُلْفَةَ فِيهَا، بِخِلَافِ الْأَذَانِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِصَافِيَةٍ عَنِ الْإِشْكَالِ.
فَرْعٌ:
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ، وَمِنْ فَوَائِدِهِمَا: أَنْ يُؤَذِّنَ أَحَدُهُمَا لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى اثْنَيْنِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى أَرْبَعَةٍ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنِ اسْتِحْبَابِ عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ، وَأَنْكَرَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَقَالُوا: إِنَّمَا الضَّبْطُ بِالْحَاجَةِ وَرُؤْيَةِ الْمَصْلَحَةِ. فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى الِاقْتِصَارَ عَلَى اثْنَيْنِ لَمْ يَزِدْ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا تَرَتَّبَ الْأَذَانَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَرَاسَلُوا، بَلْ إِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ تَرَتَّبُوا فِيهِ، فَإِنْ تَنَازَعُوا الِابْتِدَاءَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا أَذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِهِ.
وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَقَفُوا مَعًا وَأَذَّنُوا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ اخْتِلَافُ الْأَصْوَاتِ إِلَى تَهْوِيشٍ. فَإِنْ أَدَّى، لَمْ
يُؤَذِّنْ إِلَّا وَاحِدٌ. فَإِنْ تَنَازَعُوا، أُقْرِعَ، وَأَمَّا الْإِقَامَةُ، فَإِنْ أَذَّنُوا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا، إِنْ كَانَ هُوَ الْمُؤَذِّنُ الرَّاتِبُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ. إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ الرَّاتِبِ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الرَّاتِبَ أَوْلَى، وَالثَّانِي: الْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَلَوْ أَقَامَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ مِنْ لَهُ وِلَايَةِ الْإِقَامَةِ اعْتُدَّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ، وَعَلَى الشَّاذِّ: لَا يُعْتَدُّ بِالْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ السَّابِقِ بِالْأَذَانِ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْطُبَ وَاحِدٌ وَيُصَلِّيَ آخَرُ.
أَمَّا إِذَا أَذَّنُوا مَعًا، فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى إِقَامَةِ وَاحِدٍ، وَإِلَّا أُقْرِعَ، وَلَا يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ إِلَّا وَاحِدٌ، إِلَّا إِذَا لَمْ تَحْصُلِ الْكِفَايَةُ بِوَاحِدٍ.
وَقِيلَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمُوا مَعًا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى التَّهْوِيشِ.
فَرْعٌ:
وَقْتُ الْأَذَانِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْمُؤَذِّنِ، لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مُرَاجَعَةِ الْإِمَامِ، وَوَقْتُ الْإِقَامَةِ مَنُوطٌ بِالْإِمَامِ، وَإِنَّمَا يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ بِإِشَارَتِهِ.
فَرْعٌ.
ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ هُنَا أَنْسَبُ.
قَالَ: صَلَاةُ الصُّبْحِ تَخْتَصُّ بِالْأَذَانِ بِأُمُورٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَذَانِهَا عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ، وَذَكَرَ فِي (الْبَيَانِ) وَجْهًا: أَنَّهُ إِنْ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدٍ بِالْأَذَانِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَمْ يُقَدَّمْ أَذَانُهَا؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ، وَهَذَا غَرِيبٌ.
ثُمَّ فِي وَقْتِ جَوَازِ التَّقْدِيمِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا: يُقَدَّمُ فِي الشِّتَاءِ لِسَبْعٍ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ، وَفِي الصَّيْفِ: لِنِصْفِ سَبْعٍ، وَهَذَا الضَّبْطُ، تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ.
وَالثَّانِي: يَدْخُلُ بِذَهَابِ وَقْتِ
الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ، وَهُوَ ثُلْثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُهُ.
وَالثَّالِثُ: وَقْتُهُ النِّصْفُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ.
وَالرَّابِعُ: جَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لَهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَاعْتَبَرَ السَّبْعَ مُطْلَقًا تَقْرِيبًا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَاعْتَمَدَ مَنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ حَدِيثًا بَاطِلًا مُحَرَّفًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الْإِقَامَةُ لِلصُّبْحِ، فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِلَا خِلَافٍ، وَيُسَنُّ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلصُّبْحِ مَرَّتَيْنِ، فَيُؤَذِّنَ أَحَدُ الْمُؤَذِّنِينَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْآخَرُ بَعْدَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَرَّةٍ قَبْلَ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَبَعْضِهَا بَعْدَهُ، وَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الصُّبْحِ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
قُلْتُ: بَقِيَتْ فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالْأَذَانِ. يُكْرَهُ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ. قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : لَوْ زَادَ فِي الْأَذَانِ ذِكْرًا، أَوْ زَادَ فِي عَدَدِهِ، لَمْ يَفْسُدْ أَذَانُهُ. قَالَ غَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ الْمُؤَذِّنُ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِنَفَسِ وَاحِدٍ، وَأَمَّا بَاقِي الْأَلْفَاظِ، فَيُفْرِدُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِصَوْتٍ لِطُولِ لَفْظِهَا بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ.
قَالَ صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) : وَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ مَطِيرَةٌ، أَوْ ذَاتُ رِيحٍ وَظُلْمَةٍ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: إِذَا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ. فَإِنْ قَالَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ فَلَا بَأْسَ.
وَكَذَا قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَاسْتَبْعَدَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ، وَلَيْسَ هُوَ بِبَعِيدٍ، بَلْ هُوَ الْحَقُّ وَالسُّنَّةُ.
فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْأَذَانِ، فِي (الْأُمِّ) : وَقَدْ ثَبَتَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ. إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَقُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ. فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ ! فَقَدَ
فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي؛ يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْأَعْمَى مُؤَذِّنًا وَحْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ، لَمْ يُكْرَهْ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ، وَيُكْرَهُ قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَلَوْ لُقِّنَ الْأَذَانُ صَحَّ، وَلَوْ أَذَّنَ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُنَاكَ مَنْ يُحْسِنُ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ.
وَلَوْ قَالَ: اللَّهُ الْأَكْبَرُ صَحَّ، وَتَرْكُهُ فِي السَّفَرِ أَخَفُّ مِنَ الْحَضَرِ، وَتَرْكُ الْمَرْأَةِ الْإِقَامَةَ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِ الرَّجُلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
وَهُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْفَرِيضَةِ، إِلَّا فِي شِدَّةِ خَوْفِ الْقِتَالِ الْمُبَاحِ، وَسَائِرِ وُجُوهِ الْخَوْفِ، وَشَرْطٌ لِصِحَّةِ النَّافِلَةِ، إِلَّا فِي الْخَوْفِ، وَالسَّفَرِ الْمُبَاحِ.
وَالْعَاجِزُ كَالْمَرِيضِ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَجِّهُهُ، وَالْمَرْبُوطُ عَلَى خَشَبَةٍ، يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَ، وَلَا يَجُوزُ فِعْلُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ خَافَ انْقِطَاعًا عَنْ رُفْقَتِهِ لَوْ نَزَلَ لَهَا، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَلَا تَصِحُّ الْمَنْذُورَةُ، وَلَا الْجِنَازَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا فِي التَّيَمُّمِ.
فَرْعٌ:
شَرْطُ الْفَرِيضَةِ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيهَا مُسْتَقِرًّا. فَلَا تَصِحُّ مِنَ الْمَاشِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَلَا مِنَ الرَّاكِبِ الْمُخِلِّ بِقِيَامٍ أَوِ اسْتِقْبَالٍ، فَإِنِ اسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ الْأَرْكَانَ فِي