الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن كنت يقظى تحدث معي، وإن كنت نائمة اضطجع) للراحة من تعب القيام.
والشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول، ولا منافاة بين قول عائشة: كان يصلّي جالسًا، وبين نفي حفصة المروي في الترمذي: ما رأيته صلّى في سبحته قاعدًا حتى قبل وفاته بعام، فكان يصلّي في سبحته قاعدًا لأن قول عائشة: كان يصلّي جالسًا لا يلزم منه أن يكون صلّى جالسًا قبل وفاته بأكثر من عام، لأن كان لا تقتضي الدوام، بل ولا التكرار على أحد القولين عند أهل الأصول.
ولئن سلمنا أنه صلّى قبل وفاته بأكثر من عام جالسًا فلا تنافي، لأنها إنما نفت رؤيتها، لأن وقوع ذلك في الجملة.
قال في الفتح: ودل حديث عائشة على جواز القعود في أثناء صلاة النافلة لمن افتتحها قائمًا، كما يباح له أن يفتتحها قاعدًا ثم يقوم، إذ لا فرق بين الحالتين، ولا سيما مع وقوع ذلك منه، صلى الله عليه وسلم في الركعة الثانية، خلافًا لمن أبى ذلك. واستدل به على أن من افتتح صلاته مضطجعًا ثم استطاع الجلوس أو القيام أتمها على ما أدت إليه حاله.
بسم الله الرحمن الرحيم
19 - كتاب التهجد
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا بإثباتها في غير رواية أبي ذر.
1 - باب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ، وَقَوْلِهِ عز وجل:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ}
(باب التهجد) أي: الصلاة (بالليل) وأصله ترك الهجود، وهو النوم. قال ابن فارس: المتهجد: المصلي ليلاً. وللكشميهني: من الليل، وهو أوفق للفظ القرآن، (وقوله عز وجل بالجر، عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة، وبالرفع على الاستئناف: ({ومن الليل}) أي: بعضه ({فتهجد به}) أي: اترك الهجود للصلاة: كالتأثم والتحرج، والضمير للقرآن ({نافلة لك}) [الإسراء: 79]. فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، خصصت بها من بين أمتك.
روى الطبراني بإسناد ضعيف، عن ابن عباس: أن النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته.
لكن صحّح النووي أنه نسخ عنه التهجد، كما نسخ عن أمته قال: ونقله الشيخ أبو حامد عن النص، وهو الأصح، والصحيح.
ففي مسلم عن عائشة ما يدل عليه. أو فضيلة لك، فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحينئذ فلم يكن فعل ذلك يكفر شيئًا. وترجع التكاليف كلها في حقه عليه الصلاة والسلام قرة عين وإلهام طبع، وتكون صلاته في الدنيا مثل تسبيح أهل الجنة في الجنة، ليس على وجه الكلفة، ولا التكليف وهذا كله مفرع على طريقة إمام الحرمين.
وأما طريقة القاضي حيث يقول: لو أوجب الله شيئًا لوجب، وإن لم يكن وعيد، فلا يمتنع
حينئذ بقاء التكاليف في حقه، عليه الصلاة والسلام، على ما كانت عليه، مع طمأنينته، عليه الصلاة والسلام. من ناحية الوعيد، وعلى كلا التقديرين فهو معصوم، ولا عتب ولا ذنب.
لا يقال: إنه لم يأمره أن يستغفر في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3].
ونحوه إلا مما يغفره له، لأنا نقول استغفاره تعبد على الفرض، والتقدير، أي: أستغفرك مما عساه أن يقع لولا عصمتك إياي.
وزاد أبو ذر في رواية تفسير قوله تعالى: {فتهجد به} أي: اسهر به.
1120 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ". قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ» . قَالَ سُفْيَانُ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. [الحديث 1120 - أطرافه في: 6317، 7385، 7442، 7499].
وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا سليمان بن أبي مسلم) المكي الأحول (عن طاوس) هو ابن كيسان أنه (سمع ابن عباس، رضي الله عنهما، قال):
(كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا قام من الليل) حال كونه (يتهجد) أي: من جوف الليل، كما في رواية مالك، عن أبي الزبير، عن عائشة (قال) في موضع نصب خبر كان أي: كان عليه الصلاة والسلام، عند قيامه من الليل متهجدًا يقول. وقال الطيبي: الظاهر أن قال، جواب إذا، والجملة الشرطية خبر كان.
(اللهم لك الحمد، أنت قيم السنوات والأرض ومن فيهن) وفي رواية أبي الزبير المذكورة، قيام بالألف، ومعناه: والسابق والقيوم، معنى واحد.
وقيل: القيم: معناه القائم بأمور الخلق، ومدبرهم، ومدبر العالم في جميع أحواله، ومنه قيم
الطفل. والقيوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به. قال التوربشتي: والمعنى: أنت الذي تقوم بحفظها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه، تؤتي كلامًا به قوامه، وتقوم على كل شيء من خلقك بما تراه من تدبيرك، وعبّر بقوله:
من، في قوله: ومن فيهن، دون: ما، تغليبًا للعقلاء على غيرهم.
(ولك الحمد، لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، نور السماوات والأرض) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر:"ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض" بزيادة: أنت، المقدرة في الرواية الأولى، فيكون قوله فيها: نور: خبر مبتدأ محذوف، وإضافة النور إلى السماوات والأرض للدلالة على سعة إشراقه، وفشوّ إضاءته وعلى هذا فسر قوله تعالى:{اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} أي منوّرهما يعني: أن كل شيء استنار منهما واستضاء. فبقدرتك وجودك، والأجرام النيرة بدائع فطرتك، والعقل والحواس خلقك وعطيتك.
قيل: وسمي بالنور لما اختص به من إشراق الجلال، وسبحات العظمة التي تضمحل الأنوار دونها، ولما هيأ للعالم من النور ليهتدوا به في عالم الخلق. فهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه، بل هو المستحق له المدعوّ به {وللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} وزاد في رواية أبوي ذر، والوقت، والأصيلي: ومن فيهن.
({ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض}) كذا للحموي، والمستملي، وفي رواية الكشميهني: لك ملك السماوات والأرض، والأوّل أشبه بالسياق، (ولك الحمد، أنت الحق) المتحقق وجوده.
وكل شيء ثبت وجوده وتحقق فهو حق، وهذا الوصف للرب جل جلاله بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره، إذ وجوده بذاته لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، ومن عداه ممن يقال فيه ذلك فهو بخلافه.
(ووعدك الحق) الثابت المتحقق، فلا يدخله خلف ولا شك في وقوعه، وتحققه، (ولقاؤك حق) أي: رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع، أو لقاء جزائك لأهل السعادة والشقاوة.
وهو داخل فيما قبله. فهو من عطف الخاص على العام، وقيل: ولقاؤك حق، أي: الموت، وأبطله النووي.
(وقولك حق) أي: مدلوله ثابت (والجنة حق، والنار حق) أي كل منهما موجود (والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق،) أي: يوم القيامة.
وأصل الساعة الجزء القليل من اليوم أو الليلة، ثم استعير للوقت الذي تقام فيه القيامة، يريد فيه القيامة، يريد أنها ساعة خفيفة، يحدث فيها أمر عظيم.
وتكرير الحمد للاهتمام بشأنه، وليناط به كل مرة معنى آخر، وفي تقديم الجار والمجرور إفادة التخصيص، وكأنه عليه الصلاة والسلام، لما خص الحمد بالله، قيل: لم خصصتني بالحمد؟ قال: لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات إلى غير ذلك.
فإن قلت: لم عرّف الحق في قوله: أنت الحق، ووعدك الحق، ونكر في البواقي؟
قال الطيبي عرفها للحصر، لأن الله هو الحق الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال، قال لبيد:
ألَا كل شيء ما خلا الله باطل
وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره.
وقال السهيلي: التعريف للدلالة على أنه المستحق لهذا الاسم بالحقيقة، إذ هو مقتضى هذه الأداة.
وكذا: في وعدك الحق، لأن وعده كلامه، وتركت في البواقي لأنها أمور محدثة، والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وبقاء ما يدوم منه علم بالخبر الصادق لا من جهة استحالة فنائه.
وتعقبه في المصابيح بأنه يرد عليه قوله في هذا الحديث: وقولك حق، مع أن قوله كلامه القديم فينظر وجهه. اهـ.
قال الطيبي: وهاهنا سر دقيق، وهو: أنه صلى الله عليه وسلم لما نظر إلى المقام الإلهي، ومقربي حضرة الربوبية، عظم شأنه، وفخم منزلته، حيث ذكر النبيين. وعرفها باللام الاستغراقي، ثم خص محمدًا صلى الله عليه وسلم، من بينهم، وعطفه عليهم، إيذانًا بالتغاير، وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به، فإن تغير الوصف بمنزلة التغير في الذات.
ثم حكم عليه استقلالاً بأنه حق، وجرده عن ذاته كأنه غيره، وأوجب عليه تصديقه.
ولما رجع إلى مقام العبودية ونظر إلى افتقار نفسه، نادى بلسان الاضطرار في مطاوي الانكسار:
(اللهم لك أسلمت) أي انقدت لأمرك ونهيك (وبك آمنت) أي: صدقت بك وبما أنزلت (وعليك توكلت) أي: فوّضت أمري إليك (وإليك أنبت): رجعت إليك مقبلاً بقلبي عليك (وبك) أي: بما آتيتني من البراهين والحجج (خاصمت) من خاصمني من الكفار، أو بتأييدك ونصرتك قاتلت (وإليك حاكمت) كل من أبى قبول ما أرسلتني به.
وقدم جميع صلاة هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادة