الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِنَّهُم حملُوا جثته إِلَى مراكش فدفنت بهَا قبلي جَامع الْمَنْصُور بروضة السعديين وقبره شهير بهَا إِلَى الْآن وَمِمَّا نقش على رخامة قَبره هَذِه الأبيات
(حَيّ ضريحا تغمدته رحمات
…
وظلت لحده مِنْهَا غمامات)
(واستنشقن نفحة التَّقْدِيس مِنْهُ فقد
…
هبت من الْخلد لي مِنْهَا نسيمات)
(بَحر بِهِ كورت شمس الْهدى فكست
…
من أجلهَا السَّبْعَة الْأَرْضين ظلمات)
(يَا مهجة غالها غول الردى قنصا
…
وأثبتت سهمها فِيهَا المنيات)
(دكت لموتك أطواد الْعلَا صعقا
…
وَارْتجَّ من بعْدك السَّبع السَّمَوَات)
(وشيعت نَعشك المزجى إِلَى عدن
…
من الملائك ألحان وأصوات)
(يَا رَحْمَة الله عاطيه سلاف رضَا
…
تَدور مِنْهَا عَلَيْهِ الدَّهْر كاسات)
(قضى فَوَافَقَ فِي التَّارِيخ مِنْهُ حلى
…
دَار إِمَام الْهدى الْمهْدي جنَّات)
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَسيرَته
كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ يلقب من الألقاب السُّلْطَانِيَّة بالمهدي وَنَشَأ فِي عفاف وصيانة وعني بِالْعلمِ فِي صغره وَتعلق بأهدابه فَأخذ عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ وَبلغ فِيهِ دَرَجَة الرسوخ حَتَّى كَانَ يُخَالف الْقُضَاة فِي الْأَحْكَام وَيرد عَلَيْهِم فتاويهم فيجدون الصَّوَاب مَعَه وَقع ذَلِك مِنْهُ مرَارًا وَله حواش على التَّفْسِير وَذَلِكَ مِمَّا يدل على غزارة علمه
وَقَالَ فِي الْمُنْتَقى كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ رحمه الله أديبا متفننا حَافِظًا حَدثنِي شَيخنَا أَبُو رَاشد أَنه كَانَ ممتع المجالسة والمذاكرة نقي الشيبة عَظِيم الهيبة مَا رَأَيْت بعد شَيْخي أبي الْحسن عَليّ بن هَارُون أحفظ مِنْهُ للمقطعات الشعرية وَكَثِيرًا مَا ينشد
(النَّاس كالناس وَالْأَيَّام وَاحِدَة
…
والدهر كالدهر وَالدُّنْيَا لمن غلب)
وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ فهما جدا حَافظ لصحيح البُخَارِيّ ويستحضر مَا للنَّاس عَلَيْهِ وَيَقُول فِي شرح ابْن حجر مَا صنف فِي الْإِسْلَام مثله عَارِفًا بالتفسير وَغَيره وَكَانَ يحفظ ديوَان المتنبي عَن ظهر قلب وَكَانَ يحض على
الْمُشَاورَة وَيَقُول لَا سِيمَا فِي حق الْمُلُوك وينشد قَول المتنبي
(وَمن جهلت نَفسه قدره
…
رأى غَيره مِنْهُ مَا لَا يرى)
وَكَانَ يَقُول يَنْبَغِي للْملك أَن يكون طَوِيل الأمل فَإِن طول الأمل وَإِن كَانَ لَا يحسن من غَيره فَهُوَ مِنْهُ صَالح لِأَن الرّعية تصلح بطول أمله وَكَانَ يَقُول من طول أمله أَخذ تلمسان وسبتة وَغَيرهمَا انْتهى
وَقَوله إِنَّه كَانَ يحفظ ديوَان المتنبي سَببه مَا ذكره فِي الدوحة قَالَ أَخْبرنِي الْوَزير الْمُعظم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف قَالَ لما غدرت قَبيلَة المنابهة بجد السُّلْطَان الْمَذْكُور وأنجاه الله من غدرتهم عرف الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الله ابْن عمر بذلك فَكتب إِلَيْهِ يَقُول أَيْن أَنْت من قَول أبي الطّيب المتنبي
(غاض الْوَفَاء فَمَا تَلقاهُ فِي عدَّة
…
وأعوز الصدْق فِي الْإِخْبَار وَالْقسم)
قَالَ فعكف السُّلْطَان الْمَذْكُور على ديوَان المتنبي حَتَّى حفظه كُله وَلم يعزب عَنهُ بَيت وَاحِد اه وَابْن عمر الْمَذْكُور هُوَ أحد أَشْيَاخ السُّلْطَان الْمَذْكُور وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عمر المضغري الْفَقِيه الفرضي الحاسب فَقِيه درعة وعالمها وَكَانَ قد وَفد على السُّلْطَان الْمَذْكُور أَيَّام كَونه بالسوس وَلما عَاد إِلَى درعة سَأَلَهُ فقهاؤنا كَيفَ وجدت أهل السوس فَقَالَ وجدت فقهاءهم على ضَعِيف الفتاوي وفقراءهم على عَظِيم الدعاوي وعامتهم على كثير الْمسَاوِي
وَمن أَشْيَاخ السُّلْطَان الْمَذْكُور الإِمَام الشهير شيخ الْجَمَاعَة بالصقع السُّوسِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عُثْمَان الثاملي ذكره فِي الْمُنْتَقى وَأثْنى عَلَيْهِ وَمن أشياخه عَلامَة فاس ومحققها أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد اليستني أَخذ عَنهُ علوما مِنْهَا التَّفْسِير قَالَ المنجور وَكنت أَنا قارئه بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله الشَّيْخ الْمَذْكُور وَكَانَ شَدِيد الْمحبَّة لَهُ قَالَ وَلما
توفّي الْفَقِيه الْمَذْكُور وَذَهَبت مَعَ وَلَده صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي توفّي بهَا لنخبر السُّلْطَان بوفاته وَجَدْنَاهُ يقْرَأ ورده بحمام المريني فَخرج السُّلْطَان إِلَيْنَا وَهُوَ يبكي بِصَوْت عَال يفزع من سَمعه حَتَّى رَأينَا مِنْهُ الْعجب وَمَا سكت إِلَّا بعد مُدَّة لما كَانَ يعلم مِنْهُ من صِحَة الدّين والنصح لخاصة الْمُسلمين وعامتهم وَحضر جنَازَته وَكَانَت وَفَاته رحمه الله سنة تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وللسلطان الْمَذْكُور عدَّة أَشْيَاخ غير هَؤُلَاءِ
وَمن وزرائه الرئيس أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي بكر آصناك الحاحي وَأَبُو عمرَان مُوسَى بن أبي جمدي الْعمريّ وَغَيرهم
وَمن قُضَاته بفاس أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الخصاصي وبمراكش أبوالحسن عَليّ بن أبي بكر السكتاني رحم الله الْجَمِيع
وَكَانَ للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ عدَّة أَوْلَاد نجباء وَمن أنجبهم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالحران الْقَتِيل على تلمسان وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه وَأَبُو مَرْوَان عبد الْملك الْغَازِي وَأَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة ولوا الْأَمر بعد أَبِيهِم وَمِنْهُم الْوَزير أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر وَتُوفِّي فِي حَيَاة أَبِيه سنة تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة
وَفِي نشر المثاني أَنه قتل مخنوقا بِأَمْر أَخِيه عبد الله الْغَالِب بِاللَّه سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة فَالله أعلم وَمِنْهُم عُثْمَان وَعبد الْمُؤمن وَعمر وَغَيرهم
قَالَ المنجور فِي فهرسته حضرت يَوْمًا مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عد الله الشَّيْخ وَقد حضر عِنْده أَوْلَاده الصناديد الْأُمَرَاء الْمولى مُحَمَّد الحران وَالْمولى عبد الْقَادِر وَالْمولى عبد الله فَدخل شَيخنَا الإِمَام أَبُو عبد الله اليستني فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم حول أَبِيهِم أنْشد بَيت تَلْخِيص الْمِفْتَاح
(فَقلت عَسى أَن تبصريني كَأَنَّمَا
…
بنى حوالي الْأسود الحوارد)
فأعجب ذَلِك السُّلْطَان وَأَوْلَاده رَحْمَة الله عَلَيْهِم