الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
انْتِقَاض ولي الْعَهْد مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَأْمُون على أَبِيه الْمَنْصُور وَمَا آل إِلَيْهِ أمره فِي ذَلِك
كَانَ الْمَأْمُون كَمَا تقدم ولي عهد أَبِيه الْمَنْصُور وَكَانَ خَلِيفَته على فاس وأعمالها سَائِر مُدَّة أَبِيه وَكَانَ للمنصور اعتناء تَامّ بِهِ واهتمام بِشَأْنِهِ حَتَّى قيل إِن الْمَنْصُور كَانَ لَا يخْتم على صندوق من صناديق المَال إِلَّا قَالَ جعل الله فَتحه على يَد الشَّيْخ رَجَاء أَن يقوم بِالْأَمر بعده فَلم يساعد الْقدر وَخرج الْأَمر كَمَا قَالَ الْقَائِل
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ
…
تجْرِي الرِّيَاح بِمَا لَا تشْتَهي السفن)
فأساء الْمَأْمُون السِّيرَة وأضر بالرعية
قَالَ اليفرني وَكَانَ فسيقا خَبِيث الطوية مُولَعا بالعبث بالصبيان مدمنا للخمر سفاكا للدماء غير مكترث بِأُمُور الدّين من الصَّلَاة وشرائطها وَلما ظهر فَسَاده وَبَان للنَّاس عواره نَهَاهُ وَزِير أَبِيه الْقَائِد أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم السفياني عَن سوء فعله فَلم ينْتَه وَاسْتمرّ على قبح سيرته فَأَعَادَ عَلَيْهِ اللوم فلح فِي مذْهبه وَلما أَكثر عَلَيْهِ من التقريع سقَاهُ السم فَكَانَ فِيهِ حتف الْقَائِد الْمَذْكُور وَمِمَّا أنكر عَلَيْهِ أَنه قبض على كَاتب أَبِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عِيسَى وَهُوَ مؤلف كتاب الْمَمْدُود وَالْمَقْصُود من سناء السُّلْطَان الْمَنْصُور ووظف عَلَيْهِ أَمْوَالًا وابتزه ذخائره حَتَّى كَانَ مِمَّا أَخذ مِنْهُ ثَمَانُون حسكة مذهبَة وَمِائَة تخت من الملف الْمُخْتَلف الألوان فَلَمَّا كثرت قبائحه وترددت الشكايات لِأَبِيهِ كتب إِلَيْهِ لينكف عَن غيه وينزجر عَن خبثه فَمَا زَاده التحذير إِلَّا إغراء فَلَمَّا رأى الْمَنْصُور أَنه لم يكترث بأَمْره وَلم ينزجر عَن قبائحه عزم على التَّوَجُّه إِلَى فاس بِقصد أَن يمكر بِهِ ويؤدبه بِمَا يكون رادعا لَهُ فَسمع الشَّيْخ بذلك فَجمع عساكره وهيأ جنده وَدفع الْمُرَتّب لأَصْحَابه وَكَانَ عدد جَيْشه فِيمَا قيل اثْنَيْنِ وَعشْرين ألفا كلهم بكساوى الملف وَالْحَرِير
على أحسن شارة وأكمل زِيّ وعزم أَنه إِن بلغه خُرُوج أَبِيه من مراكش أَن يتَوَجَّه فِي أَصْحَابه إِلَى تلمسان ويستجير بِالتّرْكِ فَلَمَّا بلغ الْمَنْصُور مَا عزم عَلَيْهِ الشَّيْخ من الذّهاب إِلَى تلمسان تخلف عَن الْخُرُوج من مراكش وَكتب إِلَى الشَّيْخ يلاطفه ويأمره أَن لَا يفعل وولاه سجلماسة ودرعة وتخلى لَهُ عَن خراجهما وَقَالَ لَهُ قد سوغتكه وَلَا أطالبك فِيهِ وَمرَاده بذلك أَن تسكن نفرته وَيرجع إِلَيْهِ عقله فأظهر الشَّيْخ امْتِثَال الْأَمر وَخرج يؤم سجلماسة فَمَا انْفَصل عَن فاس بِشَيْء يسير حَتَّى نَدم وَرجع إِلَيْهَا وَعَاد لما كَانَ عاكفا عَلَيْهِ فَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور أَعْيَان مراكش وعلمائها فنصحوه ووعظوه وخوفوه سخط وَالِده وَحَذرُوهُ عَاقِبَة العقوق وَلم يألوا جهدا فِي نصحه فوجوده مَشْغُول الْقلب عَن نصيحتهم مغمور الذِّهْن بِخِلَاف قَوْلهم إِلَّا أَنه أظهر الرُّجُوع عَمَّا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ من الْفِرَار عَن أَبِيه وأقصر فِي الظَّاهِر عَن بعض تِلْكَ الْمسَاوِي فَرجع الْوَفْد إِلَى الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِنَّه قد تَابَ وَحسنت حَاله واطمأنت نَفسه وَأَنه وَاقِف عِنْد الْأَمر وَالنَّهْي فَلم يطمئن الْمَنْصُور لقَولهم وَقَالَ لَهُم لَعَلَّ هَذَا إطفاء لنار الشحناء وَكذب لإِصْلَاح الْبَاطِن وصمم على الْمَكْر بالشيخ فَكتب إِلَيْهِ كتابا طَويلا يلومه فِيهِ على بعض الْأَشْيَاء وَفِي ضمن ذَلِك تسكين خاطره حَتَّى يبغته على حِين غَفلَة وَنَصّ الْكتاب
من عبد الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف الحسني أيد الله أوامره وظفر عساكره إِلَى ولدنَا وَولي عهدنا الْأَمِير الْأَجَل الْأَفْضَل الْأَكْمَل الْأَعَز بَابا الشَّيْخ وصل الله كمالكم وسنى من خير الدَّاريْنِ آمالكم وَسَلام عَلَيْكُم ورحمه الله أما بعد فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم من حَضْرَة مراكش حاطها الله وَلَا جَدِيد إِلَّا مَا عوده مَوْلَانَا من الْخَيْر لله الْحَمد وَله الْمِنَّة هَذَا وَالَّذِي أوجبه أسعدكم الله وكلاكم أَنه بلغنَا أَنكُمْ قد استخدمتم هُنَاكُم جمَاعَة من أَوْلَاد طَلْحَة كأولاد أخي عَليّ بن مُحَمَّد وَأخي عَليّ بن مُلُوك وَغير هَؤُلَاءِ وَأَنَّك قد فرضت لَهُم فِي أعطياتهم نَحْو خَمْسَة آلَاف وَإِلَى هَذَا أَي مصلحَة ظَهرت لَك فِي اسْتِخْدَام هَؤُلَاءِ الْقَوْم حَتَّى تتحمل كلفة فرض هَذِه الْفُرُوض بل مَا
فِي ذَلِك إِلَّا الْفساد الْبَين لِأَن هَذَا الَّذِي تعرضتم لَهُ لَا يَفِي بِهِ الْمغرب وَلَا يقوم مَعَه بكم شَيْء وَمَسْأَلَة هَؤُلَاءِ أَوْلَاد طَلْحَة إِن كنت رَأَيْت استخدامنا وَأَرَدْت تقليدنا فِي ذَلِك واقتفاء سيرتنا فِيهِ فَاعْلَم أَن بَيْننَا وَبَيْنكُم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فرقا من وُجُوه مِنْهَا إِن مراكش لَيست كفاس وَإِن خدمتهم هُنَا لبعدهم عَن بِلَادهمْ لَيست كخدمتهم هُنَاكَ وَأَيْضًا هَؤُلَاءِ النَّاس أَنا أعرفهم وَكنت فِي بِلَادهمْ وَهَذِه الْخدمَة كَانُوا قد طلبوها مني وَأَنا هُنَاكَ فوعدتهم إِذْ لَا يمكنني وَأَنا ببلادهم إِلَّا مساعفتهم فَلَمَّا جاؤوا الْيَوْم وطالبونا بالوعد لم يُمكن إِلَّا الْوَفَاء لَهُم بِهِ فَعَلَيهِ شرطنا عَلَيْهِم مراكش وسكناها وعَلى هَذَا الشَّرْط استخدمناهم وَمَعَ هَذِه الْوُجُوه كلهَا والاعتبارات فقد نَدِمت وَالله على استخدامهم غَايَة الندامة وَكنت فِي ذَلِك على خطأ إِذا كَانَ الأولى إِن كُنَّا حاسناهم وتركناهم فِي الْخدمَة وَأما أَنْت فَفِي مندوحة عَن هَذَا كُله لِأَنَّهُ لَا وعد لَك سَابق حَتَّى يلزمك الْوَفَاء بِهِ ويمكنك أَن تحيلهم على إذننا ومشورتنا فنكفهم عَنْك بِالشّرطِ الَّذِي شرطنا عَلَيْهِم من الْخدمَة هُنَا بمراكش وسكناها وعَلى هَذَا الشَّرْط استخدمنا مِنْهُم من استخدمنا وَإِلَى هَذَا فَالَّذِي نؤكد بِهِ عَلَيْك أَن تنقصهم من الْخدمَة وَلَا تستخدم مِنْهُم حَتَّى فَارِسًا وَاحِدًا أصلا من الَّذين ذكرنَا لَك وَمن غَيرهم من كَافَّة أَوْلَاد طَلْحَة وأمرناك أَن تتنصل لَهُم فِينَا وَتقول لَهُم إِن السُّلْطَان مَنَعَنِي من استخدامكم هُنَا وتقرأ عَلَيْهِم كتَابنَا الْوَاصِل إِلَيْكُم صُحْبَة هَذَا لتتفادى مِنْهُم وَلَكِن الْجفَاء مَعَ هَذَا كُله لَا تظهره بل تحسن اللِّقَاء بهم وتواليهم بِإِظْهَار الْبشر وَالْقَبُول وَبَاب الطمع تسده دونهم
وَالَّذِي شقّ علينا أعظم من هَذَا كُله واستنكرناه وَلم نجد صبرا عَلَيْهِ هُوَ مَا وجدناهم قد اطلعوا عَلَيْهِ أَعنِي أَوْلَاد طَلْحَة عَليّ بن مُحَمَّد وَغَيره من أحوالكم وأخباركم وألفيناهم قد توصلوا من ذَلِك إِلَى مَا لم يتَوَصَّل إِلَيْهِ أحد من كبار خدامكم أهل بِلَادنَا وخواص أهل بساطنا لِأَن أهل بِلَادنَا أحباء مَا لَهُم بحث إِلَّا فِي مصَالح أنفسهم هَؤُلَاءِ إِنَّمَا ينتقدون ويبحثون عَن الْغرَّة وعورات المملكة فَإِذا بكم تتخذونهم بطانة وأصدقاء وتطالعونهم بأحوالكم
وأموركم مَعَ أَن الْقَوْم لَا زَالُوا بِبِلَاد الْعَدو وَبَين أظهرهم وَمَا يطلعون عَلَيْهِ تحْتَاج تقطع وتجزم بِأَن التّرْك قد اطلعوا عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ شاهدوه ووقفوا بِأَنْفسِهِم عَلَيْهِ وَأَيْضًا لَو كَانُوا أصدقاء وَلَا يُرِيدُونَ بِنَا إِلَّا خيرا فالقوم عرب لَا يتحفظون على مَا يطلعون عَلَيْهِ وَلَا يفهمون مَا يحسن إخفاؤه وَلَا إبداؤه وَلَا يتمالكون قولا وَلَا نطقا وَبِالْجُمْلَةِ فقد أَحْرَقَتْنَا هَذِه الْمَسْأَلَة وتفطرت لَهَا أكبادنا وَصَارَت قُلُوبنَا مِنْهَا مطعونة وَمَا عنْدكُمْ علم بِأَن النَّاس كَانُوا يتحفظون فِي أقل الْأُمُور أَن يطلع عَلَيْهَا الْأَجَانِب وَإِن كَانُوا أحب من كل محب وَأقرب من كل قريب وَهل مَا عنْدكُمْ علم بِأَنا أخانا بَابا مَنْصُور كَانَ عرض لَهُ غَرَض ضَعِيف جدا أَرَادَ أَن يَطْلُبهُ من أخينا بَابا عبد الله وَحضر فِي الْمجْلس مَنْصُور بن المزوار فَلم يرد بَابا مَنْصُور لفطنته أَن يذكر ذَلِك حَتَّى يشاور من بإزائه لِئَلَّا يكون عيب فِي ذكر ذَلِك بمحضره فَعَلَيهِ شاور الْقَائِد دحو بن فرج كَانَ بإزائه فَقَالَ لَهُ هَذَا رجل براني فَلَا تطلب شَيْئا قدامه على أَن مَنْصُور بن المزوار هَذَا كَانَ مَعَ أسلافنا من أقرب مَا إِلَيْهِم من خَواص الخدام أهل بساطنا محبَّة وقربا لِأَنَّهُ أسلف مَعَهم خدمَة عَظِيمَة فقد كَانَ عدوا للترك وَبَينه وَبينهمْ أَرْوَاح وَحضر مَعَ أخينا بَاب حمو الحران جَمِيع مَا كَانَ فِي تِلْكَ الْبِلَاد أَيَّام استيلائه على الْمغرب الْأَوْسَط ثمَّ مَعَ بَابا عبد الْقَادِر كَذَلِك وَشرب مَعَهم الحلوة والمرة وَلما جَاءَ من تلمسان جَاءَ بأولاده مِنْهَا راحلا كَمَا جَاءَ مِنْهَا بَابا عبد الله بأولاده وكما جَاءَ مَعَهم خدامنا أهل تِلْكَ الْبِلَاد وَمَا زَالَ على الْخدمَة وَالْوَفَاء حَتَّى حصلت لَهُ يَد عَظِيمَة مَعَ أسلافنا وناهيك بِمن بلغ إِلَى أَن قلدوه حَاضِرَة تازا ثمَّ بِلَاد الفحص الَّتِي لَا تُعْطى كلتاهما إِلَّا لأَقْرَب الخدام الموثوق بمحبتهم وَخدمَتهمْ وقربهم وَمَعَ بُلُوغه إِلَى هَذَا الْمبلغ كُله محبَّة وصداقة وهجرة وانقطاعا حَتَّى انه فِي دُخُول صَالح رَئِيس مَدِينَة فاس رَحل بأولاده مَعَ السُّلْطَان إِلَى هُنَا كَمَا فعل أهل هَذِه الْبِلَاد وَحين دَخَلنَا نَحن من جِهَة الشرق لفاس رحلوا أَيْضا مَعَ صَاحب الْجَبَل إِلَى مراكش وَلَا يعدوا أنفسهم من هَذَا الْجَانِب أبدا فِي الحَدِيث الْقَدِيم ثمَّ إِن النَّاس استبعدوا أَن يطلبوا أقل الْمسَائِل بمحضره وَقَالُوا إِنَّه
براني فضلا عَن هَؤُلَاءِ الَّذين مَا زَالُوا إِلَى الْيَوْم فِي بِلَاد الْعَدو يباكرونه ويراوحونه فَإِذا بكم تَنْزِلُونَ مَعَهم إِلَى أَن تطالعوهم على أُمُوركُم ويتوصلوا إِلَى الْمعرفَة بأحوالكم فَمَا تمالكنا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَلَا وجدنَا عَلَيْهَا صبرا وَمن جملَة الْأُمُور الَّتِي غاظتنا وَقُلْنَا كَيفَ يتَوَصَّل الرجل البراني إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأُمُور أَن عَليّ بن مُحَمَّد كَانَ يتَكَلَّم يَوْمًا مَعنا وَأخذ يثني عَلَيْكُم فِي نجدتكم وصبركم عِنْد الشدَّة وسخائكم عِنْد الْحَاجة ثمَّ قَالَ إِلَّا أَن الْخَيل لَيست عِنْده لَا فِي الْحَرَكَة الأولى وَلَا فِي الثَّانِيَة لِأَن الْقَبَائِل أهل الْخَيل امْتَنعُوا من الْحَرَكَة مَعَه وَهِي الَّتِي غاظتني وَقلت كَيفَ يتَوَصَّل الرجل البراني إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأُمُور حَتَّى أننا مَا وجدنَا إِلَّا الرَّد عَلَيْهِ وَعكس مَا عرفنَا أَنهم اعتقدوه وَقُلْنَا اللَّهُمَّ نِسْبَة التَّقْصِير إِلَيْكُم وَلَا اعْتِقَادهم خلو الْبِلَاد من الْخَيل لأننا فهمنا مِنْهُم ذَلِك وَلِهَذَا أَجَبْته وَقلت لَهُ إِن ولدنَا لم يعطهم شَيْئا وَأعْطى من لَا يسْتَحق من ضعفاء القواد المعروفين بِأَكْل المَال وَعدم المخزنية وَلَو أعْطى تِلْكَ الْقَبَائِل لحشرها عَلَيْهِ لِأَن أَوْلَاد مُطَاع عِنْدهم من الْخَيل نَحْو الثَّلَاثَة آلَاف وَعند أَوْلَاد أبي عَزِيز نَحْو ألف وَنصف وَعند الغربية وَعند أَوْلَاد عمرَان وَعند عَبدة وَعند الشياظمة وَعند أَوْلَاد أبي رَأس وَعند أَحْمَر وَعند المنابهة أهل سايس وَعند المنابهة أَصْحَاب عمر بن مُحَمَّد عبو وَجعلت أعدد لَهُ قبائل السوس وقبائل مراكش وأحصي لَهُ خيلهم بِمَا بَهته وَقلت لَهُ لَو أنصفهم لحرك مِنْهُم مَعَه سِتَّة عشر ألفا أَو أَكثر وَيكون قد مَلأ بهم تِلْكَ الْبِلَاد وسال عَلَيْهَا من سيل العرم لَا فِي الْحَرَكَة لأولى وَلَا فِي الثَّانِيَة وَلَو وَجه إِلَيْهِم المحركين وَالرُّمَاة لأتوه أَيْضا بِلَا خلاص وَإِلَى هَذَا نوصيكم على الْمُحَافظَة من أُولَئِكَ النَّاس وَمن رفع الْحجاب لَهُم عَن أُمُوركُم والاطلاع على أحوالكم وَعدم الْغَفْلَة عَن أَمْثَال هَذَا وَاعْلَم أَن من جملَة مَا بلغنَا أَيْضا أَن الْخَلْط رجعُوا كلهم رُمَاة على يَد مصطفى باشا مَعَ حَدِيث عَهدهم بِالْفَسَادِ وَالْخلاف وَكُنَّا انتشبنا مَعَهم بالعودات فَإِذا بهم الْيَوْم بالمدافع وعدة النَّار وَهل هَذَا يجوز عَلَيْكُم حَتَّى تسمحوا فِيهِ مَعَ أَن هَذِه الْمسَائِل لَيست بغائبة عَنْكُم سمعتموها بِالسَّمَاعِ فَقَط وَلَا طَوِيلَة عهد حَتَّى
تنساها بالْأَمْس شاهدت وباشرت وَرَأَيْت فَمَا الَّذِي أنساك فعلهم وَمَا زَالَ جرحهم الْآن لم يبرأ لِأَن خُرُوج الْقَائِد مُؤمن الْخَارِج الْآن مَا كَانَ إِلَّا إِلَيْهِم والآن نؤكد عَلَيْك أَن تنقصهم من الْخدمَة وَلَا تسمع لمصطفى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقد سمعنَا أَيْضا أَن قواد الْفساد الَّذين عنْدكُمْ من أَوْلَاد حُسَيْن قد صَارَت جُمْلَتهمْ من بَاب الْخَمِيس إِلَى دَار الدبيبغ وكأنكم نسيتم أَيْضا مَا عمل أَوْلَاد حُسَيْن بالْأَمْس دون بعد من النهب وأضرموا من الْفساد فِي الْبِلَاد حَتَّى ينزلُوا تِلْكَ الْمنَازل وَإِلَى هَذَا فساعة وَصله إِلَيْكُم تقبض على قواد الْفساد هَؤُلَاءِ خُصُوصا أَحْمد بن عبد الْحق من أَوْلَاد يحيى بن غَانِم الَّذِي كَانَ أَبوهُ حاجبا عِنْد المريني فَهُوَ أصل الْفساد ثمَّ لَا تتْرك لقبائلهم جنَاحا وَاحِدًا وزد للقائد مُؤمن بن مُلُوك ألف رام ليستوفي لكم الْغَرَض فِي هَؤُلَاءِ وأمثالهم من كل مَا تَأمره بِهِ لِأَن بَقَاء الرُّمَاة هُنَالك مَا فِيهِ إِلَّا الِاشْتِغَال بِالْفَسَادِ فِي الْمَدِينَة فتحتاج أَن تتولاهم بِالْقَتْلِ كل يَوْم بَاطِلا فَكَانَ خُرُوجهمْ إِذْ ذَاك دفعا لمضرتهم وجلبا للْمصَالح بهم وَحَتَّى الْكَاتِب اللَّائِق بأمثالكم ورسائلكم لم يكن عنْدكُمْ لِأَن كتبكم تَأتي بِخَط سَالم وَهُوَ غير عَارِف بالإنشاء وَتارَة بِخَط الكريني وَهُوَ جَاهِل مَعَ أَنَّك لما كنت خليفتنا وَولي عهدنا كنت بصدد أَن يكْتب لَك كل أحد لَا صَاحب الجزائر وَلَا صَاحب تونس وَحَتَّى صَاحب التّرْك وَصَاحب النَّصَارَى وكل من يكْتب لنا من مُلُوك الأَرْض بصدد أَن يكْتب لَك فتحتاج حِينَئِذٍ إِلَى من يحسن الْجَواب عَنْك لكل من يكْتب إِلَيْك وَيكون أَيْضا مِمَّن يوثق بِهِ فِي الْمُحَافظَة على أسراركم وَإِلَى هَذَا فَلَا بُد من تعْيين قَائِد الْمحلة وحاجب وَكَاتب سرك وَصَاحب مشورك وَصَاحب الْمَظَالِم كَمَا هُنَا هُوَ عندنَا السَّيِّد عَليّ بن سُلَيْمَان وَاعْلَم أَن مِمَّا تحْتَاج أَن ننبهك عَلَيْهِ مَسْأَلَة القواد الَّذين يُرِيدُونَ أَن يحملوك أثقال أَوْلَادهم مثل مَا فعلت فِي أَوْلَاد الْقَائِد بركَة وإخوتهم الَّذين استخدمتهم وَجعلت لَهُم خَمْسمِائَة أُوقِيَّة فنؤكد عَلَيْك أَن لَا تستخدم مِنْهُم أحدا فَمَا أعطيناه سلا إِلَّا ليرْفَع فِيهَا أَوْلَاده وَإِخْوَته وَكَذَلِكَ
الحكم فِي أَمْثَاله مِمَّن أعطيناه عملا وقلدناه قيادة وَمن جملَة من نحذرك من استخدامهم فِي الرماية أهل الْجبَال من أهل الصحفة وَالدِّينَار فَلَا تستخدموا مِنْهُم أحدا وَإِلَّا فاعلموا أَنكُمْ مَا أردتم حِينَئِذٍ أَن يغرموا لكم وَلَا يعطوكم شَيْئا وَإِن أردتم الْخدمَة فهاهم أهل هَذِه الْبِلَاد مثل أهل السوس وَأهل درعة وَأهل مراكش فَكل مَا تستخدمون من هَؤُلَاءِ فَلَا عَلَيْكُم وَإِذا لم يكن من هَؤُلَاءِ وَكَانَ ولابد من غَيرهم فَمن أهل فاس سكان الْحَاضِرَة وَأما من عداهم فَلَا على أَن الرُّمَاة أهل السوس هَا هِيَ عندنَا كَثِيرَة فَكل مَا تُرِيدُ مِنْهُم عرفنَا نبعثهم إِلَيْك ونضيفهم إِلَى خدمتك ونؤكد عَلَيْك أَن تكْتب بِجَوَاب هَذِه الْأُمُور كلهَا فصلا فصلا مَعَ الْمَمْلُوك الْحَامِل لهَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله ولابد ولابد وَهَذَا مُوجبه إِلَيْكُم وَالله يحرس بمنه علاكم وَالسَّلَام وَفِي مهل جُمَادَى الأولى من عَام أحد عشر وَألف اه
ثمَّ لم يلبث الْمَنْصُور أَن بعث إِلَى وَلَده زَيْدَانَ وَكَانَ خَلِيفَته على تادلا يَأْمُرهُ أَن يُرْسل مائَة من الفرسان على طَرِيق تاقبلات وكل من وجوده قَاصِدا للغرب من نَاحيَة مراكش يردونه وَأرْسل مَوْلَاهُ مَسْعُود الدوري على طَرِيق سلا يفعل مثل ذَلِك وَخرج الْمَنْصُور من مراكش فِي اثْنَي عشر ألفا أَوَائِل جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى عشرَة وَألف وجد السّير فَلم يمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى نزل بالدوح مَوضِع قريب من فاس وَالشَّيْخ فِي جَمِيع ذَلِك لَا شُعُور لَهُ بِخُرُوج أَبِيه وَلَا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ فَبعث يَوْمًا عيونه يرصدون لَهُ من قدم من مراكش ويكشفون عَن الْخَبَر فَمَا راعهم إِلَّا الأباطح تسيل بأعناق الْجِيَاد وأفواه الشعاب تقذف بالجيوش من بطُون الأودية والوهاد لأَنهم كَانُوا قد عميت عَلَيْهِم الأنباء بِقطع الْمَنْصُور للسابلة فَرَجَعُوا إِلَى الشَّيْخ مُسْرِعين والرعب يفت فِي أعضادهم ويطفئ جذوة عزائمهم فقصوا عَلَيْهِ مَا دهمهم وَأَخْبرُوهُ بِمَا رَأَوْا فَعلم أَنه محاط بِهِ فَلم يُمكنهُ إِلَّا الْفِرَار فَركب من حِينه وفر إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ الصَّالح أبي الشتَاء من بِلَاد فشتالة قرب نهر ورغة وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الشتَاء قد توفّي قبل ذَلِك سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة كَمَا فِي
الْمرْآة فَنزل بالزاوية وَمَعَهُ بطانته وَأَصْحَاب دَخلته من الْأَحْدَاث وقرناء السوء فَبلغ خَبره الْمَنْصُور فَبعث إِلَيْهِ الباشا جؤذرا مَعَ الْقَائِد مَنْصُور النبيلي وَحلف لَهما بأغلظ الْأَيْمَان إِن لم يأتياه بِهِ ليمكرن بهما ويجعلهما عِبْرَة فذهبا إِلَيْهِ فَامْتنعَ من الدُّخُول فِي يدهما وانعزل فِي أَصْحَابه حَتَّى ناوشوه الْقِتَال وتراموا بالنبال ثمَّ قبضوا عَلَيْهِ وَأتوا بِهِ إِلَى الْمَنْصُور فِي خبر طَوِيل فَأمر بِهِ إِلَى مكناسة فسجن بهَا
وَدخل الْمَنْصُور دَار الْملك من حَضْرَة فاس الْجَدِيد وشكر الله على مَا أولاه من الظفر والنصر من غير إِرَاقَة دم وَتصدق فِي ذَلِك بأموال عَظِيمَة وَكتب بذلك إِلَى وَلَده أبي فَارس خَلِيفَته على مراكش يُعلمهُ بِمَا كَيفَ الله لَهُ من الظفر والنصر وَنَصّ الْكتاب
إِلَى ولدنَا الْأَجَل الأرضى الْأَكْمَل الأسعد الأصعد الأمجد الأسمى الْأَسْنَى بَابا أبي فَارس وصل الله كمالكم وسنى بمنه آمالكم وَسَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَبعد فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم أسعدكم الله من محلتنا السعيدة بالمستقى وَلَا شَيْء إِلَّا مَا جرت بِهِ الأقدار وَحكم بِهِ الْفَاعِل الْمُخْتَار وَمَا جَاءَ بِهِ من عجائب الدَّهْر اللَّيْل وَالنَّهَار وَهِي قَضِيَّة أخيكم الَّتِي ثارت إِلَيّ بهَا صروف الدَّهْر من مكمني وطلعت عَليّ من مأمني إِلَّا أَن الله تَعَالَى بصنعه الْجَمِيل كفانا أَولا ثمَّ شفانا آخرا لله الْحَمد دَائِما وَالشُّكْر واظبا وَشرح ذَلِك أسعدكم الله ووقاكم السوء إِن الْحَال كَانَ انْتهى فِي معالجة أمره الَّذِي تجاوزنا فِي وُجُوه الْخَيْر إِلَيْهِ حد الاستقصا وأتينا فِي محاولة استصلاحه من أَحْوَال السياسة المرجوة النجح بِمَا لَا يُحْصى إِلَى مَا كُنَّا سوغناه من ولَايَة سجلماسة بخراجها وخراج درعة وأبحنا لَهُ التَّوَجُّه إِلَيْهَا بجملته وَجمعه رَجَاء أَن تسكن بالانتباذ إِلَيْهِمَا نفرته وتطمئن نَفسه ويثوب إِلَيْهِ قلبه الطَّائِر ويراجعه أنسه الحائر فأظهر أَولا التَّوَجُّه إِلَيْهِمَا ونهض مرتحلا عَن فاس موريا بالقدوم عَلَيْهِمَا ثمَّ بدا لَهُ على الْحِين فكر رَاجعا إِلَى فاس ورجونا أَن يكون قد ذهب عَنهُ النفار والشماس وثاب لنَفسِهِ السّكُون والاستئناس فَإِذا بِهِ قد انطوى بِرُجُوعِهِ على خلاف مَا أظهر فأبدى مَا أضمر فَمَا كَانَ إِلَّا أَن
طَرَأَ عَلَيْهِ خبر نزولنا بالدوح فَلم يَتَمَالَك أَن أقلع لَيْلَة الْخَمِيس خَامِس عشر شهر تَارِيخه إقلاعا أزعجه من الدَّار فريدا وطارت بِهِ النفرة إِلَى أَن حل بزاوية الشَّيْخ أبي الشتَاء وحيدا فتلاحق بِهِ من جَيش رماته اليكشارية ومتفرقة سماسرة الْفِتَن وطلائع الشؤم والمحن جمع عَظِيم وَعدد من كثرته لَا يريم فبادرت حِينَئِذٍ بتجهيز جؤذر باشا من غير إغفال فِي خَمْسمِائَة صبائحية وَمَعَهُ الْقَائِد مُؤمن بن مُلُوك فِي خَمْسمِائَة فَارس ثمَّ أردفناه ببعوث أخر تألبت إِلَيْهِ وتناثلت عَلَيْهِ تناهز الْأَلفَيْنِ ورماة بَابا زَيْدَانَ حفظه الله فأحدقت بِهِ من كل الْجِهَات وملكوا عَلَيْهِ الفجاج والثنيات وَنحن مَعَ ذَلِك خلال هَذِه الْأَحْوَال لم نهمل مُقَابلَة نفرته بالتسكين وَمَا يخشن من أَحْوَاله بالتليين بإرسال المرابطين تجاهه بمواثيق تهنيه وعهود تؤنسه وتقرب أمانيه رَجَاء أَن يثوب إِلَيْهِ ثائب استبصار أَو يخْطر لَهُ خاطر إقلاع عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وإقصار وقرناء السوء المتلاحقون بِهِ من جَيْشه يقدحون للشر نَارا ويزينون لَهُ عقوقا ونفارا فدهمتهم حِينَئِذٍ عساكرنا المظفرة بِاللَّه فِي مَصَافهمْ دونه ودارت بَين الْفَرِيقَيْنِ حَرْب عَظِيمَة فخمدت النَّار من وَقت الظّهْر إِلَى الْعَصْر فأظهر الله تَعَالَى فِئَة الْحق على فِئَة الْبَاطِل وَقضى بِمَا جرى بِهِ الْقَضَاء المحتوم الحكم الْعَادِل وكتبناه إِلَيْكُم وَقد حصل فِي القبضة كَمَا سبق بِهِ الْقَضَاء وَالْقدر وَجعل بمَكَان الِاحْتِيَاط عَلَيْهِ من مكناسة فَكَانَت مَشِيئَة الله فِي ذَلِك من إِحْدَى الْعَجَائِب العبر وعرفناكم أسعدكم الله لتستشعروا صنع الله فِي هَذِه الداهية الَّتِي فَجئْت بهَا الْأَيَّام ودهمت والغاشية الَّتِي اعتكرت وادلهمت وتقدروا مَا صنع الله فِي ذَلِك من حسن الْعَاقِبَة حق قدره وتشكروه فَهُوَ الجدير بجميل حمد كل لِسَان وشكره ونسأله تَعَالَى أَن يجعلكم فِي حيّز الْكِفَايَة وجانب الْوِقَايَة حَتَّى لَا تساؤوا بقريب مَأْمُون وَلَا بِبَعِيد مظنون وَفِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء الموفي عشْرين من جُمَادَى الأولى عَام أحد عشر وَألف اه
ثمَّ إِن أم الشَّيْخ وَاسْمهَا الخيزران بعثت إِلَى أَعْيَان مراكش الَّذين قدمُوا مَعَ الْمَنْصُور ترغب إِلَيْهِم فِي أَن يشفعوا لولدها عِنْد أَبِيه ويعتذروا عَنهُ بِمَا يزِيل مَا فِي بَاطِنه عَلَيْهِ فتقدموا إِلَى الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِن الشَّيْخ قد
صلحت حَالَته وَتَابَ مِمَّا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ وَأَنه نَدم على مَا فرط مِنْهُ فَقَالَ لَهُم اذْهَبُوا إِلَى مكناسة واختبروا أمره كَافِيا وانظروا هَل رَجَعَ عَن أباطيله وتنصل من أضاليله فَلَمَّا أَتَوْهُ وجدوه أَخبث مِمَّا تَرَكُوهُ وعاينوا مِنْهُ من القبائح مَا يقصر عَن وَصفه اللِّسَان فَلَمَّا جَلَسُوا إِلَيْهِ فِي محبسه لم يسألهم إِلَّا عَن أَصْحَاب بطانته وقرناء السوء من أهل غيه وَلم يظْهر الأسف إِلَّا على تِلْكَ الْعِصَابَة ورآهم أهل الْإِصَابَة
وَكَانَ من الْأَعْيَان الَّذين وجههم الْمَنْصُور أَولا وآخرا أَوْلَاد الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي وَأَوْلَاد الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله بن ساسي وَأَوْلَاد الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن بكار وَغَيرهم فَلَمَّا رجعُوا إِلَى الْمَنْصُور من مكناسة سَأَلَهُمْ عَن الْخَبَر فَنَافَقَ بَعضهم وَقَالَ وَجَدْنَاهُ تَائِبًا نَادِما على مَا صدر مِنْهُ وَتكلم بعض أَولا د الشَّيْخ ابْن ساسي فَقَالَ لَا وَالله لَا داهنت فِي حق الله وَلَا واجهت الْأَمِير بالخديعة إِن ولدك لَا نَأْذَن لَك أَن تؤمره على اثْنَيْنِ وَلَا تحكمه على عِيَال الله فَإنَّا وَجَدْنَاهُ خَبِيث الطوية قَبِيح السريرة لم ينْدَم على مَا فرط مِنْهُ فَسكت الْحَاضِرُونَ وَلم يتَكَلَّم أحد فَقَالَ لَهُم الْمَنْصُور افتوني فِي أَمر هَذَا الْوَلَد فَلم يجبهُ أحد إِلَّا باشاه عبد الْعَزِيز بن سعيد الوزكيتي فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ الرَّأْي أَن تقتله فَإِنَّهُ لَا ينجبر أمره وَلَا يُرْجَى صَلَاحه وَقد رَأَيْت مَا صنع فَلم يعجب الْمَنْصُور ذَلِك وَقَالَ كَيفَ أقتل وَلَدي ثمَّ بعث إِلَى مكناسة يَأْمر بالتضييق على الشَّيْخ وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ فِي ذَلِك ثمَّ خرج الْمَنْصُور فَنزل بمحلته فِي ظهر الزاوية قَاصِدا مراكش بعد أَن اسْتخْلف ابْنه زَيْدَانَ على فاس وأعمالها وَقد كَانَ كتب إِلَى وَلَده أبي فَارس خَلِيفَته على مراكش برسالة أَجَابَهُ فِيهَا عَمَّا كتب بِهِ إِلَيْهِ فِي شَأْن الوباء الَّذِي ظهر بالسوس ومراكش هَل يفر مِنْهُ أم لَا وَنَصهَا
من عبد الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله الإِمَام الْخَلِيفَة الْمَنْصُور بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الشريف الحسني أيد الله بعزيز نَصره أوامره وظفر عساكره وأسعد بمنه موارده ومصادره إِلَى ولدنَا الْأَجَل الْأَفْضَل الْأَكْمَل الْأَعَز الأبر الأسعد الأمجد الأرضى بَابا أبي فَارس وصل الله تَعَالَى عنايتكم
ووالى بمنه رعايتكم وَسَلام عَلَيْكُم ورحمه الله أما بعد فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم من حضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه الْمَدِينَة الْبَيْضَاء حاطها الله عَن الْخَيْر والعافية وَنعم الله المتوافية لله الْحَمد وَله الْمِنَّة وَأَنه اتَّصل بعلي مقامنا كتابكُمْ الْأَعَز عَشِيَّة يَوْم الثُّلَاثَاء فكتبنا إِلَيْكُم صَبِيحَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَلَوْلَا أَنه وصل يَوْم الدِّيوَان مَا كُنَّا نؤخر كتب الْجَواب لكم عَن سَاعَة وُصُوله فِي الْيَوْم بِنَفسِهِ حرصا منا بذلك على الْمُبَادرَة بوصوله إِلَيْكُم فِي الْحِين وَإِلَى هَذَا أسعدكم الله أَن أول مَا تبادرون بِهِ قبل كل شَيْء هُوَ خروجكم إِذا لَاحَ لكم شَيْء من عَلَامَات الوباء وَلَو أقل الْقَلِيل حَتَّى بشخص وَاحِد وَيبقى فِي القصبة وصيفنا مَسْعُود مَعَ الْقَائِد مُحَمَّد بن مُوسَى بن أبي بكر وتتركوا مائَة رام تثقون بهَا من رماتكم مَعَ أَصْحَاب السقيف وتتكلون على الله وتخرجون بالسلامة ثمَّ لَا تعملوا كعملنا فِي الِاقْتِصَار على الرميلة والتقلب بهَا بل لَا تَزِيدُوا إِذا خَرجْتُمْ على الْمقَام أَكثر من يَوْمَيْنِ ثمَّ اطووا المراحل إِلَى أَن تنزلوا بسلا وتدخلوها دُخُول هناء وعافية إِن شَاءَ الله وَهُنَاكَ يكون لقاؤنا بكم لِقَاء يمن وسعادة إِن شَاءَ الله ثمَّ لَا تغفلوا عَن اسْتِعْمَال الترياق أسعدكم الله فلازموه وَإِذا استشعرتم مِنْهُ حرارة وتخوفتموها فاستعملوا من الْوَزْن الْوَصْف الْمَعْرُوف مِنْهُ وَلَا تهملوه وَأما ولدك حفظه الله فَلَمَّا كَانَ من سنّ الشبيبة بِحَيْثُ مَنعه الْحَال من المداومة على الترياق فها هِيَ الشربة الْمَعْرُوفَة النافعة لذَلِك قد تركناها كَثِيرَة هُنَاكُم عِنْد التّونسِيّ فَيكون يستعملها هُوَ وَالْأَبْنَاء الصغار المحفوظون بِاللَّه حَتَّى إِذا أحس بِبرد الْمعدة من أجلهَا تعطوه الترياق الْمرة والمرتين على قدر الْحَاجة فَيَعُود إِلَيْهَا وَالله تَعَالَى بمنه وبحرمة صفوة خلقه خير الْبشر مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يتَوَلَّى حمايتكم جَمِيعًا ويحلكم من جميل كلاءته ورعايته حصنا منيعا وَأَن يعافي الْبِلَاد والعباد بمنه وفضله والسلعة أسعدكم الله تبادرون بإرسالها إِلَيْنَا وَكَذَلِكَ الْقَائِد مَسْعُود النبيلي تعزمون بإرساله إِلَى حَيْثُ أمرناه بالْمقَام من خنق الْوَادي بالسوس وَطَرِيق تاحظيشت وَاعْلَم أسعدكم الله مَا قطّ أرضانا أَن أمرهَا يتم وَقبل عقلنا الْكَرِيم إِن أهل درن يتجرون بِسَبَبِهَا وَلَكِن هَذَا سَبَب يكون حجَّة عَلَيْهِم إِن شَاءَ الله وَأَنْتُم
تحاولون أسعدكم الله سلوك النَّاس على بويباون على الْعَادة وتجهدوا فِي أَن تكون إِن شَاءَ الله سابلة وأولائكم أَعنِي أهل طَرِيق تاحظيشت يسكت عَنْهُم حَتَّى نصل بِخَير وعافية لتلكم الْبِلَاد إِن شَاءَ الله وَمَسْأَلَة أيسي الَّتِي كتبت لكم من خنق الْوَادي على الزَّرْع وَأَنه مَا عِنْدهم مَا يكفيهم مِنْهُ سوى شهر فَلَقَد كُنَّا كتبنَا لكم أسعدكم الله على حمل الزَّرْع إِلَيْهِم على الْبَحْر فَإِن كَانَ قد تيَسّر ذَلِك فَيكون قد بلغ إِلَيْهِم وَإِن لم يكن ذَلِك قد تيَسّر فلتأمر أيسي هَذَا بِالتَّدْبِيرِ على الزَّرْع وَلَو بِالشِّرَاءِ وألزموه عهدته وشددوا عَلَيْهِ فِي أمره وخالنا الْقَائِد حمو بن مُحَمَّد الَّذِي استأذنكم فِي الْخُرُوج عَن ذَلِكُم الْمَرَض من المحمدية فَإِذا تفاحش فَلَا عَلَيْهِ فِي الْخُرُوج ويلتحق بِأَهْل تِلْكَ الْمحلة بخنق الْوَادي وَيتْرك فِي القصبة أهل الأندلس مَعَ قائدهم وَمَسْأَلَة مُؤمن بن مَنْصُور مَعَ هكسيمة الَّتِي ذكرْتُمْ أسعدكم الله إِن مُؤمنا قد تثاقل بدمنات بِسَبَب مرض ألم بِهِ حَتَّى جَاءَ بِهِ شاوش وَإِن أَخَاهُ ذَلِكُم المفسود بعث إِلَيْهِ يلتقي مَعَه بتامصلوحت فعلى بركَة الله والحاضر بَصِيرَة وَهَذَا مُوجبه إِلَيْكُم وَالله يصل بمنه رعايتكم وَالسَّلَام وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر رَمَضَان الْمُعظم عَام أحد عشر وَألف عرفنَا الله خَيره وبركته وَبعد أَن كتبنَا لكم هَذَا بلغنَا كتابكُمْ وَنحن نجيبكم عَمَّا تحتاجون إِلَى الْجَواب عَنهُ والبطاقة الَّتِي ترد عَلَيْكُم من السوس من عِنْد الْحَاكِم أَو ولد خالكم أَو غَيرهمَا لَا تقْرَأ وَلَا تدخل دَارا بل تُعْطى لكاتبكم هُوَ يتَوَلَّى قرَاءَتهَا ويعرفكم مضمنها وَلأَجل إِن كاتبكم يدْخل مجلسكم ويلابس مقامكم حَتَّى هُوَ لَا يفتحها إِلَّا بعد أَن تغمس فِي خل ثَقِيف وتنشر حَتَّى تيبس وَحِينَئِذٍ يقْرؤهَا ويعرفكم بمضمنها إِذْ لَيْسَ يأتيكم من السوس وَالله سُبْحَانَهُ أعلم مَا يُوجب الكتمان عَن مثل كتابكُمْ وَقد طالعنا كتاب ولد خالكم أَحْمد بن مُحَمَّد بن الصَّغِير وَصَحَّ عندنَا من فحوى كَلَامه مَا ذكرْتُمْ عَنهُ من أَنه أَكثر من خبر الوباء ليجده ذَرِيعَة لِلْخُرُوجِ من السوس
وَالَّذِي تأمرونه بِهِ أَنكُمْ تحذرونه من الْقدوم عَلَيْكُم بمراكش وَإِن ذَلِك لَا يرضينا مِنْهُ وَكَيف يروم الْخُرُوج من مَوضِع عَيناهُ لَهُ من غير أمرنَا لَا سِيمَا مَعَ غيبتنا عَن الْبِلَاد وَأَنه إِن فعل ذَلِك لَا محَالة تسْقط مَنْزِلَته عندنَا ثمَّ لَا يعود أبدا إِلَيْهَا إِلَّا أَن تفاحش الْمَرَض بتلكم النَّاحِيَة فَلَا عَلَيْهِ فِي الْخُرُوج والتنقل قرب الْبِلَاد أَو يلْتَحق بمحلة أَصْحَابه الَّذين بخنق الْوَادي وَأما مَا ذكرْتُمْ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الوردي فقد طالعنا الجريدة الَّتِي جرد لكم وتصفحناها ورأينا أَن جلّ مَا يَطْلُبهُ بهَا لَا يُمكن مَعَ غيبتنا وَالَّذِي نأمركم بِهِ فِي مَسْأَلته أَنكُمْ تحاولون فِي رده لموضعه فَإِنَّهُ بذلك الْموضع أليق من أَخِيه بِكَثِير وكل مَا يمكنكم من أغراضه المسطرة فاقضوه لَهُ وَمَا لَا يُمكن عدوه بِهِ عِنْد قدومنا إِن شَاءَ الله وَأما أَمر أخي أَحْمد بن الْحسن الَّذِي عَيناهُ لجباية درعة وذكرتم أَنه غير لَائِق بهَا وأنكم استصغرتموه عَن تِلْكَ العمالة فَلَا شكّ أَنه كَمَا ذكرْتُمْ وَلَكِن إِنَّمَا وَقع الِاخْتِيَار عَلَيْهِ لأمرين الأول الذِّمَّة لِأَنَّهُ بِمَالِه وَلَا نخشى إِن شَاءَ الله على مالنا الثَّانِي إِن خراج درعة سهل مَعْلُوم وَلَعَلَّه يكره هَذِه الْولَايَة وَيُحب الْجُلُوس بداره ويغري من يتَكَلَّم فِيهِ عنْدكُمْ فَإِن كَانَ من ذكره لكم مثل مَسْعُود أوتاودي فاتهمه وَقد طالعنا فِي جريدتكم أَنكُمْ وجهتم مَعَ زرع المعاصر مائَة رام وَهَذَا الَّذِي ذكرْتُمْ مَا نعلم أَنا كتبنَا لكم عَلَيْهِ قطّ وَإِنَّمَا كتبنَا لكم على الزَّرْع تحملونه فِي الْبَحْر برسم الْمحلة الَّتِي هُنَاكُم بخنق الْوَادي فَإِن كَانَ هُوَ هَذَا فَنحْن أردناه للمحلة وَإِن كَانَ غَيره فَعرفنَا بقضيته فَإِن زرع المعاصر إِنَّمَا يلْزم الْيَهُود وَالنَّصَارَى المكثرين للمعاصر وفيهَا أَيْضا مَا أخْبركُم بِهِ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بِخَبَر مَا سقط من القنطرة وَإِنَّكُمْ عنفتموه على عدم الْمُبَادرَة وَقد أشكل علينا الْأَمر لأنكم لم تعرفوا مقامنا بالساقط هَل هُوَ من الْقَدِيم أَو من هَذَا الْإِصْلَاح الَّذِي أمرنَا بِهِ فَعرفنَا لنكون على بَصِيرَة من ذَلِك وفيهَا أَيْضا مَسْأَلَة أَوْلَاد طَلْحَة فدبروا عَلَيْهِم إِمَّا من عِنْد أيسي أَو غَيره حَتَّى لَا يرجعُونَ إِلَيْنَا شاكين وَولد إِبْرَاهِيم بن الْحداد إِلَى الْآن لم يصل وزمام الأسرى وصل وَأما الدراقة الَّتِي ذكرْتُمْ فها السلتة الْمعدة لَهَا عِنْد صَاحب بَيت ثيابنا فَوجه ليوسف العَبْد حَتَّى تكَلمه
ومره يُخرجهَا من عِنْده وركبها فِي موضعهَا وَلَا تركب الَّتِي عنْدكُمْ بل تمسكونها لأنفسكم وَاعْلَم أَنِّي تركت عِنْد أُولَئِكَ المعلمين أَعنِي معلمي بركاضو سلاتي برسم ابنتنا العزيزة طَاهِرَة صانها الله وكلاها وَحَيْثُ يفرغون من الدراقة اجمعهم عَلَيْهَا كي نجد ذَلِك طالعا إِن شَاءَ الله فَإنَّا قد أمرنَا بنسج درارق تلكم السلاتي هَذَا وَالْمرَاد أَن تَجِد السلاتي قد فرغ مِنْهَا إِن شَاءَ الله وَقصر الْخَيل مَعَ الْحمام حرض المعلمين على الْمُبَادرَة باشتغالهما بهما وحاول أَن تسقفوا ذَلِك البلاط الَّذِي يوالي سور القصبة من قصر الْخَيل والقبة الَّتِي فِيهِ لنجده كَامِلا إِن شَاءَ الله عِنْد قدومنا عَلَيْكُم وَحَتَّى سواري الرخام رَكبُوهَا فِي تِلْكَ الْجِهَة إِذا سقفتم وَلَا تزالوا تعرفونا بِمَا تزايد من الأشغال فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورين وأوصيكم أعزكم الله أَن تتفقدوا فرسنا الْأَحْمَر الصَّغِير وَلَا تتركوهم يعطونه القصيل لِئَلَّا يكثر لَحْمه ويزداد ألمه بل انْظُر لَهُ من يركبه كل يَوْم بل لَا تنْزع السرج بِالْكُلِّيَّةِ عَن ظَهره بَيَاض النَّهَار كُله أَو أَعْطوهُ لصَاحب المسرة يركبه فِي ذَهَابه وإيابه لداره والمسرة وأوصوه أَن لَا يركبه غَيره وَلَا ينزل عَن ظَهره النَّهَار كُله وأوصيكم أَيْضا إِذا ظهر الْمَرَض بتلكم النَّاحِيَة وخرجتم خُرُوج يمن وسلامة بحول الله وقوته أَن لَا تتركوا وراءكم بنت عمكم وَالِدَة ولدنَا الْعَزِيز بَابا عبد الْملك حفظه الله وامر يُوسُف العَبْد أَن يخرج لكم من عِنْد صَاحب بَيت الثِّيَاب الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من الترياق الْجَدِيد الَّذِي كَانَ بقبة المشور وَيدخل على أَيْدِيكُم لدارنا واستدعوا أم المَال قهرمانة الدَّار وأعطها إِيَّاه برسم أهل دَارنَا وأمرها أَن تعطيهم إِيَّاه فِي كل رَابِع من الْيَوْم الَّذِي يَأْكُلُونَهُ فِيهِ وَهِي أَيْضا تَأْكُل مِنْهُ وَالْعَبْد يُوسُف أَيْضا يَأْكُل مِنْهُ وَحَتَّى صَاحب السقيف أَعْطوهُ مِنْهُ أَعنِي مَسْعُود بن مبارك وَالله سُبْحَانَهُ يرعاكم ويتولى حفظكم أَنْتُم وَأَوْلَادكُمْ وَقد استودعناكم الله الَّذِي لَا تضيع لَدَيْهِ الودائع وَأَنْتُم فِي أَمَان الله وَحفظه وَالله سُبْحَانَهُ خليفتي عَلَيْكُم أَنْتُم فِي يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين وَالسَّلَام الأتم
عَائِد عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته ونسلم على ولدنَا الْأَعَز الأرضى بَابا عبد الْملك وعَلى ابنتنا الرضية سيدة الْملك وَنحن فِي غَايَة الاشتياق والتوحش لَهَا جمع الله بكم الشمل جَمِيعًا آمين بِحرْمَة سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وعَلى آله خير آل وَالسَّلَام اه
قَالَ مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ قد وَقع فِي كَلَام الْمَنْصُور رحمه الله أَمْرَانِ يحتاجان إِلَى التَّنْبِيه عَلَيْهِمَا الأول إِذْنه لوَلَده أبي فَارس فِي الْخُرُوج من مراكش إِذا ظهر بهَا أثر الوباء وَلَو شَيْئا يَسِيرا وَهَذَا الْأَمر مَحْظُور فِي الشَّرْع كَمَا هُوَ مَعْلُوم ومصرح بِهِ فِي الْأَحَادِيث وَالثَّانِي أمره إِيَّاه أَن لَا يقْرَأ البطائق الْوَارِدَة عَلَيْهِ من السوس وَإِنَّمَا يتَوَلَّى قرَاءَتهَا كَاتبه بعد أَن تغمس فِي الْحل وَهَذَا عمل من أَعمال الفرنج وَمن يسْلك طريقهم فِي تحفظهم من الوباء الْمُسَمّى عِنْدهم بالكرنتينة وَقد اتّفق لي فِيهَا كَلَام أذكرهُ هُنَا تتميما للفائدة وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف عرض لنا سفر إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان الْمولى أبي عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد الشريف أيده الله عز وجل بمراكش المحروسة بِاللَّه فخرجنا من سلا أَوَاخِر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ومررنا فِي طريقنا على الْمُحب الْقَائِد الأنبل أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري بثغر الجديدة وَهُوَ يَوْمئِذٍ متول لعملها فأجل قدومنا على عَادَته حفظه الله فِي محبَّة الْعلم وَمن ينتمي إِلَيْهِ وَحضر مَعنا عِنْده بعض فُقَهَاء الْوَقْت وَكَانَت السّنة سنة وباء فجرت المذاكرة فِيمَا يَسْتَعْمِلهُ النَّصَارَى فِي أَمر الكرنتينة من حبس الْمُسَافِرين وشذاذ الْآفَاق عَن الْمُرُور بالسبل وَالدُّخُول إِلَى الْأَمْصَار والقرى وَمنع النَّاس من مرافقهم وَأَسْبَاب معاشهم وَحصل التَّوَقُّف تِلْكَ السَّاعَة فِي حكمهَا الشَّرْعِيّ مَاذَا يكون لَو أجريت على قَوَاعِد الْفِقْه ثمَّ بعد ذَلِك بِنَحْوِ ثَلَاثَة أشهر وقفت على رحْلَة الْعَلامَة الشَّيْخ رِفَاعَة الطهطاوي الْمصْرِيّ فِي أَخْبَار باريز فرأيته ذكر فِي صدرها أَنه وَقعت المحاورة بَين الْعَلامَة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد المناعي التّونسِيّ الْمَالِكِي الْمدرس بِجَامِع الزيتونة ومفتي الْحَنَفِيَّة بهَا الْعَلامَة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد البيرم فِي إِبَاحَة الكرنتينة وحظرها فَقَالَ الْمَالِكِي بحرمتها وَألف فِي ذَلِك
رِسَالَة واعتماده فِي الِاسْتِدْلَال فِيهَا على أَن الكرنتينة من جملَة الْفِرَار من الْقَضَاء وَقَالَ الْحَنَفِيّ بإباحتها وَاسْتدلَّ على ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة أَيْضا فَلَمَّا وقفت على هَذَا الْكَلَام تجدّد لي النّظر فِي حكم هَذِه الكرنتينة وَظهر لي أَن القَوْل بإباحتها أَو حرمتهَا مَنْظُور فِيهِ إِلَى مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من مصلحَة ومفسدة وَلَو مُرْسلَة على مَا هُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب مَالك رحمه الله ثمَّ يوازن بَينهمَا وأيتهما رجحت على الْأُخْرَى عمل عَلَيْهَا فَإِن استوتا كَانَ دَرْء الْمفْسدَة مقدما على جلب الْمصلحَة كَمَا هُوَ مَعْلُوم فِي أصُول الْفِقْه وَنحن إِذا أمعنا النّظر فِي هَذِه الكرنتينة وجدناها تشْتَمل على مصلحَة وعَلى مفْسدَة أما الْمصلحَة فَهِيَ سَلامَة أهل الْبَلَد المستعملين لَهَا من ضَرَر الوباء وَهَذِه الْمصلحَة كَمَا ترى غير مُحَققَة بل وَلَا مظنونة لِأَنَّهُ لَيست السَّلامَة مقرونة بهَا كَمَا يَزْعمُونَ وَأَنه مهما استعملها أهل قطر أَو بلد إِلَّا ويسلمون لَا دَائِما وَلَا غَالِبا بل الْكثير أَو الْأَكْثَر أَنهم يستعملونها ويبالغون فِي إِقَامَة قوانينها ثمَّ يصيبهم مَا فروا مِنْهُ كَمَا هُوَ مشَاهد وَمن زعم أَن السَّلامَة مقرونة بِهَذَا دَائِما أَو غَالِبا فَعَلَيهِ الْبَيَان إِذْ الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي فنتج من هَذَا أَن مصلحَة الكرنتينة مشكوكة أَو مَعْدُومَة وَإِذا كَانَت كَذَلِك فَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا شرعا بل وَلَا طبعا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ من قبيل الْعَبَث وَأما الْمفْسدَة فَهِيَ دنيوية ودينية أما الدُّنْيَوِيَّة فَهِيَ الْإِضْرَار بالتجار وَسَائِر الْمُسَافِرين إِلَى الأقطار بحبسهم وتسويقهم عَن أغراضهم وتعطيل مرافقهم على أبلغ الْوُجُوه وأقبحها كَمَا هُوَ مَعْلُوم وَأما الدِّينِيَّة فَهِيَ تشويش عقائد عوام الْمُؤمنِينَ والقدح فِي توكلهم وإيهام أَن ذَلِك دَافع لقَضَاء الله تَعَالَى وَعَاصِم مِنْهُ وناهيك بهما مفسدتين محققتين ترتكبان لشَيْء يكون أَو لَا يكون فَإِن الْعَامَّة لقُصُور أفهامهم قد تذْهب أوهامهم مَعَ هَذِه الظَّوَاهِر فيقفون مَعهَا ويقعون فِي ورطة ضعف الْإِيمَان عياذا بِاللَّه فَإِن قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ ميل إِلَى سوء الظَّن بالعامة وهم جُمْهُور الْأمة قلت لَيْسَ فِيهِ ميل إِلَى سوء الظَّن بهم وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْرِير الْخَوْف عَلَيْهِم وَالِاحْتِيَاط لَهُم حَتَّى لَا نتركهم هملا يَفْعَلُونَ مَا شاؤوا أَو يفعل بهم مَا يضرهم فِي دينهم ودنياهم مَعَ أَن سد الذريعة قَاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع لَا سِيمَا فِي الْمَذْهَب
الْمَالِكِي ولأمر مَا جَاءَت الشَّرِيعَة المطهرة ممتلئة من التحذيرات من مكامن هَذِه الْمَفَاسِد وَنَحْوهَا ورد الْأَسْبَاب والمسببات كلهَا إِلَى الله تَعَالَى مَعَ مَا فِي اسْتِعْمَال هَذِه الكرنتينة مَعَ الِاقْتِدَاء بالأعاجم والتزيي بزِي الْكَفَرَة الضلال ورمقهم بِعَين التَّعْظِيم ونسبتهم إِلَى الْإِصَابَة وَالْحكمَة كَمَا قد يُصَرح بِهِ الحمقى من الْعَوام فَأَما إِذا وَافق قدر بالسلامة عِنْد اسْتِعْمَالهَا فَهِيَ الْفِتْنَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَأَي مفْسدَة أقبح من هَذِه فَالْحَاصِل أَن الكرنتينة اشْتَمَلت على مفاسد كل مِنْهَا مُحَقّق فَتعين القَوْل بحرمتها وجلب النُّصُوص الشاهدة لذَلِك من الشَّرِيعَة لَا تعوز الْبَصِير وَقد ذكر الْعَلامَة الْحَافِظ الْقُسْطَلَانِيّ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء من الْجَامِع الصَّحِيح عِنْد قَوْله تَعَالَى {وَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر أَو كُنْتُم مرضى أَن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركُمْ} مَا نَصه دلّ على وجوب الحذر من جَمِيع المضار المظنونة وَمن ثمَّ علم أَن العلاج بالدواء والاحتراز عَن الوباء والتحرز عَن الْجُلُوس تَحت الْجِدَار المائل وَاجِب اه وَهُوَ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَن الِاحْتِرَاز عَن الوباء وَاجِب بِأَيّ وَجه كَانَ وَلَا يخفى أَنه يتَعَيَّن تَقْيِيده بِالْوَجْهِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مفْسدَة شَرْعِيَّة كَعَدم الْقدوم على الأَرْض الَّتِي بهَا الوباء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا وَردت بِهِ السّنة وَلَا تأباه قَوَاعِده الشَّرِيعَة كبعض العلاجات المستعملة فِي إبانة المنقولة عَن أَئِمَّة الطِّبّ أما بِالْوَجْهِ الَّذِي يشْتَمل على مفْسدَة أَو مفاسد كهذه الكرنتينة فَلَا هَذَا مَا تحرر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالله أعلم
وَلما وقف على هَذَا الْكَلَام أخونا فِي الله الْعَلامَة الْأُسْتَاذ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْهَاشِمِي ابْن خضراء السلاوي وَهُوَ الْيَوْم قَاضِي حَضْرَة مراكش كتب إِلَيّ مَا نَصه وَأما حكم الكرنتينه فَهُوَ مَا ذكرْتُمْ من الْحَظْر وَبِه أَقُول لما فِيهِ من الْفِرَار من الْقَضَاء مَعَ الْمَفَاسِد الْعَظِيمَة الَّتِي لَا تفي بهَا مصلحتها على فرض تحققها أَو غَلَبَة ظن حُصُولهَا سِيمَا وَقد انتفيا بعد التجربة المتكررة فِي الْجِهَات المتعددة وَلَا يُخَالف فِي هَذَا الحكم إِلَّا مكابر مُتبع للهوى فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال ثمَّ جلب حفظه الله من النُّصُوص مَا يشْهد لذَلِك تركناها اختصارا وَالله تَعَالَى الْمُوفق بمنه