الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَقُول لَو كَانَ نتنها يعلق بعضو من الْأَعْضَاء غير الْوَجْه لَكَانَ هَين لكنه يعلق بالفم وَالْأنف اللَّذين وضعهما الْحَكِيم الْعلي فِي وسط الْوَجْه الَّذِي هُوَ أشرف الْأَعْضَاء فَأَي مضمضة وَأي استنشاق وَأي سواك يزِيل ذَلِك النتن الَّذِي يرسخ فِي أنفاس أَهلهَا وأفواههم وخياشيمهم رسوخا لَا يماثله شَيْء
وَلَقَد أفْصح الْعَامَّة عَن شدَّة نَتن هَذِه العشبة وصادفوا الصَّوَاب حَيْثُ قَالُوا إِن فضلَة الدُّخان الْمُسَمَّاة بالقير تنجس النَّجَاسَة هَذَا إِلَى مَا يتبع ذَلِك من الْمَفَاسِد المتعددة من تَغْيِير عقل متعاطيها حَتَّى أَنه إِذا انْقَطَعت عَنهُ صَار كَالْمَجْنُونِ لَا يُبَالِي بِمَا يصدر مِنْهُ وَمن دُخُول الشَّك فِي صِيَامه لِأَن بقايا ذَلِك الدُّخان أَو ذَلِك الْغُبَار قد يمْكث فِي حلقه إِلَى طُلُوع الْفجْر وَمَا بعده لِأَن جلهم إِذا قرب الْفجْر والوا اسْتِعْمَاله حَتَّى يكون هُوَ خَاتِمَة سحورهم وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يسْتَعْمل ذَلِك إِلَّا من لَا خلاق لَهُ وَلَا يكترث بمروءه وَلَا دين وَهُوَ قَادِح فِي الشَّهَادَة والإمامة وَالله تَعَالَى الْمُوفق بمنه
نكبة الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بَابا السوداني وعشيرته من آل آقيت وَالسَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ بَنو آقيت التكروريون من أهل مَدِينَة تنبكتو وَمِمَّنْ لَهُم الوجاهة الْكَبِيرَة والرياسة الشهيرة بِبِلَاد السودَان دينا وَدُنْيا بِحَيْثُ تعدّدت فيهم الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة والقضاة وتوارثوا رياسة الْعلم مُدَّة طَوِيلَة تقرب من مِائَتي سنة وَكَانُوا من أهل الْيَسَار والسؤدد وَالدّين لَا يبالون بالسلطان فَمن دونه وَلما فتح جَيش الْمَنْصُور بِلَاد السودَان أبقاهم الباشا مَحْمُود على حَالهم إِلَى أَن كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَألف فَكَانَ أهل السودَان قد سئموا ملكة المغاربة وآنسوا مِنْهُم خلاف مَا كَانُوا يعهدونه من سلطانهم الأول وَكَانَت أذنهم مَعَ ذَلِك صاغية لآل آقيت فتخوف الْمَنْصُور مِنْهُم وَرُبمَا وشي إِلَيْهِ بهم فَكتب إِلَى عَامله مَحْمُود بِالْقَبْضِ عَلَيْهِم وتغريبهم إِلَى مراكش فَقبض على جمَاعَة كَبِيرَة مِنْهُم كَانَ فِيهَا الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد ثَلَاثَة أحامد ابْن
عمر بن مُحَمَّد آقيت الْمَدْعُو بَابا صَاحب تَكْمِيل الديباج وَغَيره من التآليف وَكَانَ فِيهَا أَيْضا الْفَقِيه القَاضِي أَبُو حَفْص عمر بن مَحْمُود بن عمر ابْن مُحَمَّد آقيت وَغَيرهمَا وحملوا مصفدين فِي الْحَدِيد إِلَى مراكش وَمَعَهُمْ حريمهم وانتهبت ذخائرهم وكتبهم
قَالَ فِي بذل المناصحة سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بَابا يَقُول أَنا أقل عشيرتي كتبا وَقد نهب لي سِتّ عشرَة مائَة مُجَلد وَكَانَ الْقَبْض عَلَيْهِم فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَألف ووصلوا إِلَى مراكش فِي أول رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة واستقروا مَعَ عِيَالهمْ فِي حكم الثقاف إِلَى أَن انصرم أمد المحنة فسرحوا يَوْم الْأَحَد الْحَادِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة أَربع وَألف فَفَرِحت قُلُوب الْمُؤمنِينَ بذلك
وَلما دخل الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس على الْمَنْصُور بعد تسريحه من السجْن وجده يكلم النَّاس من وَرَاء حجاب وَبَينه وَبينهمْ كلة مسدولة على طَريقَة خلفاء بني الْعَبَّاس وَمن يتشبه بهم فَقَالَ الشَّيْخ إِن الله تَعَالَى يَقُول {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب} وَأَنت قد تشبهت بِرَبّ الأرباب فَإِن كَانَت لَك حَاجَة فِي الْكَلَام فَانْزِل إِلَيْنَا وارفع عَنَّا الْحجاب فَنزل الْمَنْصُور وَرفعت الأستار فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَي حَاجَة لَك فِي نهب متاعي وتضييع كتبي وتصفيدي من تنبكتو إِلَى هُنَا حَتَّى سَقَطت عَن ظهر الْجمل واندقت ساقي فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور أردنَا أَن تَجْتَمِع الْكَلِمَة وَأَنْتُم فِي بِلَادكُمْ من أعيانها فَإِن أذعنتم أذعن غَيْركُمْ فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس فَهَلا جمعت الْكَلِمَة بترك تلمسان فَإِنَّهُم أقرب إِلَيْك منا فَقَالَ الْمَنْصُور قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم اتْرُكُوا التّرْك مَا تركوكم فامتثلنا الحَدِيث فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس ذَاك زمَان وَبعده قَالَ ابْن عَبَّاس لَا تتركوا التّرْك وَإِن تركوكم فَسكت الْمَنْصُور وانفض الْمجْلس
وَلما سرح الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس تصدر لنشر الْعلم وأهرع النَّاس إِلَيْهِ للأخذ عَنهُ وَلم يزل بمراكش إِلَى أَن مَاتَ الْمَنْصُور لِأَنَّهُ مَا سرحهم حَتَّى شَرط عَلَيْهِم السُّكْنَى بمراكش وَلما توفّي أذن ابْنه زَيْدَانَ لآل آقيت فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَادهمْ بعد أَن مَاتَ جمَاعَة مِنْهُم بمراكش وَقد كَانَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس يتشوق إِلَى