المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر سيرة المنصور في ترتيب جيوشه وحالات أسفاره - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى - جـ ٥

[أحمد بن خالد الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌الدولة السعدية

- ‌الْخَبَر عَن دولة الْأَشْرَاف السعديين من آل زَيْدَانَ وَذكر أوليتهم وَتَحْقِيق نسبهم

- ‌الْخَبَر عَن دولة الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد الْقَائِم بِأَمْر الله وبيعته وَالسَّبَب فِيهَا

- ‌أَخْبَار الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم فِي الْجِهَاد وَمَا هيأ الله لَهُ من النَّصْر فِيهِ

- ‌عقد الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج رَحِمهم الله تَعَالَى

- ‌انْتِقَال الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم إِلَى أفغال من بِلَاد حاحة ووفاته بهَا رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْأَعْرَج ابْن الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم رحمه الله

- ‌دُخُول السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا

- ‌نقل الشَّيْخ الْجُزُولِيّ رضي الله عنه من مدفنه بآفغال إِلَى مراكش وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌مَجِيء السُّلْطَان أبي عبد الله الوطاسي إِلَى مراكش وحصاره للسُّلْطَان الْأَعْرَج بهَا ثمَّ إقلاعه عَنْهَا

- ‌خبر آسفي والثغور

- ‌حُدُوث النفرة بَين الْأَخَوَيْنِ السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج ووزيره أبي عبد الله الشَّيْخ وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌أَمر زَيْدَانَ ابْن السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وَمَا كَانَ مِنْهُ

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الْمهْدي الْمَعْرُوف بالشيخ ابْن الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم بِأَمْر الله

- ‌فتح حصن فونتي وآسفي وآزمور وَمَا قيل فِي ذَلِك

- ‌بِنَاء حصن آكادير

- ‌اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ على مراكش وتجديد الْبيعَة لَهُ بهَا

- ‌نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ لِحَرْب بني وطاس واستيلاؤه على مكناسة وَمَا اتّفق لَهُ فِي ذَلِك

- ‌حِصَار السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ حَضْرَة فاس ومقتل الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الوانشريسي رحمه الله

- ‌اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ على فاس وَقَبضه على الوطاسيين وتغريبهم إِلَى مراكش

- ‌نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ إِلَى تلمسان واستيلاؤه عَلَيْهَا

- ‌امتحان السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أَرْبَاب الزوايا والمنتسبين وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌وفادة الإِمَام أبي عبد الله الخروبي من جَانب دولة التّرْك فِي شَأْن قسم الْبِلَاد وتحديدها

- ‌قدوم أبي حسون الوطاسي بِجَيْش التراك واستيلاؤه على فاس ونفيه الشَّيْخ عَنْهَا

- ‌عود السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا

- ‌مقتل الفقيهين أبي مُحَمَّد الزقاق وَأبي عَليّ حرزوز وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌تَرْتِيب السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أَمر دولته وَمَا قيل فِي ذَلِك

- ‌وضع الوظيف الْمُسَمّى فِي لِسَان الْعَامَّة بالنائبة

- ‌مراسلة السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌قدوم طَائِفَة التّرْك من عِنْد السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني واغتيالهم للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَسيرَته

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ رحمه الله

- ‌مَجِيء حسن بن خير الدّين التركي إِلَى فاس ورجوعه مُنْهَزِمًا عَنْهَا

- ‌بِنَاء جَامع المواسين بِحَضْرَة مراكش وَالْبركَة الْمُتَّصِلَة بِهِ والمارستان وَغير ذَلِك

- ‌فتح مَدِينَة شفشاون وانقراض أَمر بني رَاشد مِنْهَا

- ‌حِصَار البريجة الْمُسَمَّاة الْيَوْم بالجديدة

- ‌وفادة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه على الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي رضي الله عنه

- ‌اسْتِيلَاء النَّصَارَى على حجر باديس وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌فتْنَة الْفَقِيه أَبُو عبد الله الأندلسي ومقتله

- ‌ظُهُور بِدعَة الشراقة من الطَّائِفَة اليوسفية وَمَا قيل فيهم

- ‌احتيال النَّصَارَى بمكيدة البارود بِجَامِع الْمَنْصُور من مراكش وَمَا وقى الله تَعَالَى من شَرها

- ‌وَفَاة السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه وَسيرَته

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد المتَوَكل على الله ابْن السُّلْطَان عبد الله الْغَالِب بِاللَّه رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك المعتصم بِاللَّه ابْن مُحَمَّد الشَّيْخ وأولية أمره ومآله

- ‌مَجِيء السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك بن الشَّيْخ السَّعْدِيّ بعسكر التّرْك واستيلاؤه على الْمغرب

- ‌اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك المعتصم بِاللَّه على حَضْرَة فاس وَمَا يتبع ذَلِك

- ‌نهوض السُّلْطَان أبي مَرْوَان إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا وفرار ابْن أَخِيه إِلَى السوس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌اسْتِخْلَاف السُّلْطَان أبي مَرْوَان لِأَخِيهِ أبي الْعَبَّاس أَحْمد على فاس وأعمالها

- ‌ظُهُور أبي عبد الله المتَوَكل بالسوس ومجيئه إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا

- ‌الْغَزْوَة الْكُبْرَى بوادي المخازن من بِلَاد الهبط وَالسَّبَب فِيهَا

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي مَرْوَان وَسيرَته

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه السَّعْدِيّ الْمَعْرُوف بالذهبي وأوليته ونشأته

- ‌عقد الْمَنْصُور ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَدْعُو الْمَأْمُون

- ‌ثورة دَاوُد بن عبد الْمُؤمن بن مُحَمَّد الشَّيْخ وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌حُدُوث النفرة بَين الْمَنْصُور وَالسُّلْطَان مُرَاد العثماني وتلافي الْمَنْصُور لذَلِك

- ‌إِيقَاع الْمَنْصُور بعرب الْخَلْط وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌اسْتِيلَاء الْمَنْصُور على بِلَاد الصَّحرَاء تيكورارين وتوات وَغَيرهمَا

- ‌وُصُول هَدِيَّة صَاحب برنو إِلَى الْمَنْصُور بِحَضْرَة فاس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من بيعَته لَهُ والتزام طَاعَته

- ‌بعث الْمَنْصُور وَرَسُوله بالدعوة إِلَى آل سكية وَكَيْفِيَّة ذَلِك

- ‌مفاوضات الْمَنْصُور الْمَلأ من أَصْحَابه فِي غَزْو آل سكية وَمَا دَار بَينهم فِي ذَلِك

- ‌استجازة الْمَنْصُور لعلماء مصر رضي الله عنهم وتلمذه لَهُم

- ‌تَجْدِيد الْمَنْصُور ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ الْمَأْمُون وَمَا وَقع فِي ذَلِك

- ‌ثورة الْحَاج قرقوش بِبِلَاد غمارة ومقتله

- ‌بِنَاء الْمَسْجِد الْجَامِع بِبَاب دكالة من حَضْرَة مراكش حرسها الله

- ‌بعث الْمَنْصُور ببيلة الرخام إِلَى جَامع الْقرَوِيين من فاس حرسها الله

- ‌غَزْو السودَان وَفتح مَدِينَة كاغو ومقتل سلطانها إِسْحَاق سكية رحمه الله

- ‌وَفَاة أم الْمَنْصُور الْحرَّة مسعودة الوزكيتية رَحمهَا الله

- ‌نكبة الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بَابا السوداني وعشيرته من آل آقيت وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌تَتِمَّة

- ‌بِنَاء قصر البديع بِحَضْرَة مراكش مرسها الله

- ‌ثورة النَّاصِر ابْن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بِبِلَاد الرِّيف ومقتله

- ‌ذكر سيرة الْمَنْصُور فِي تَرْتِيب جيوشه وحالات أَسْفَاره

- ‌انْتِقَاض ولي الْعَهْد مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَأْمُون على أَبِيه الْمَنْصُور وَمَا آل إِلَيْهِ أمره فِي ذَلِك

- ‌وَفَاة الْمَنْصُور رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار الْمَنْصُور وَبَعض سيرته

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن أَحْمد الْمَنْصُور رَحمَه الله تَعَالَى

الفصل: ‌ذكر سيرة المنصور في ترتيب جيوشه وحالات أسفاره

‌ذكر سيرة الْمَنْصُور فِي تَرْتِيب جيوشه وحالات أَسْفَاره

قَالَ الفشتالي كَانَت السِّيرَة على عهد أبي عبد الله الْمهْدي وَولده الْغَالِب بِاللَّه وَابْنه المتَوَكل سيرة الْعَرَب فِي الْجَيْش والمأكل والملبس وَغير ذَلِك وَلما ولي المعتصم حمل النَّاس على السِّيرَة العجمية وجنح إِلَيْهَا فِي سَائِر شؤونه لما رأى مِنْهَا فِي بِلَاد التّرْك حَيْثُ كَانَ بهَا فكره النَّاس ذَلِك وأنفوا مِنْهُ وقوفا مَعَ العوائد فَلَمَّا جَاءَ الله بالمنصور ألف بَين سيرتي الْعَرَب والعجم وَاصْطفى من الْعَجم موَالِي رباهم بنعمته وأشملهم درور إحسانه مِنْهُم مصطفى باي وَمَعْنَاهُ بلغَة التّرْك قَائِد القواد وَيخْتَص بِهِ قَائِد الإصباحية وَكَانَ برسم حراسة الْبَاب العالي وَمِنْهُم الباشا مَحْمُود وَهُوَ صَاحب خَزَائِن الدَّار بِيَدِهِ مَفَاتِيح بيُوت الْأَمْوَال وَمِنْهُم الْقَائِد علوج قَائِد جَيش العلوج والباشا جؤذر فاتح السودَان وَهُوَ قَائِد جَيش الأندلس وَكَانَ لأهل الأندلس جَيش عَظِيم رُمَاة وعمار قَائِد جَيش السوس فَهَؤُلَاءِ أكَابِر العلوج وتليهم طَائِفَة أُخْرَى مِنْهَا بختيار وبغا ثمَّ إِن جَيش الْعَجم من الأتراك والعلوج قسمه إِلَى أَقسَام مِنْهَا البياك وهم أهل القلانس الصفرية المذهبة ذَوَات الْأَعْرَاف من ريش النعام الملون يقفون سماطين أَمَام قُبَّته أَو فسطاطه والسلاق أهل القلانس الطَّوِيلَة الْبيض الْمُرْسلَة على المناكب ويناط بهَا من أَعلَى الجباه جعاب صفر مذهبَة ويضيفون إِلَيْهَا وَقت الحزام أَجْنِحَة طوَالًا يؤلفونها أَيْضا من ريش النعام الْبَاقِي على أصل خلقته ويركزونها فِي الجعاب المنوطة بالقلانس من أَعلَى الجباه ويرسلونها إِلَى وَرَاء وَيقف هَؤُلَاءِ خلف البياك وبلبدروش وهم أهل اللقاقيف وَهِي رماح قَصِيرَة غَلِيظَة العصى مغشاة بالحديد ومرصعة بالمسامير الْبيض ركبت عَلَيْهَا أسنة عِظَام وزجاج هائلة ينْبت من ريشتي كل سِنَان مِنْهَا أضلاع مُسْتَقِيمَة وَيقف هَؤُلَاءِ خلف السلاق والشنشرية وهم أهل الطَّعَام وضعا ورفعا لَا غير وَقَائِدهمْ بختيار من سبي وَادي المخازن والقبجية وهم أهل حفظ الْأَبْوَاب وغلقها وَفتحهَا وَقَائِدهمْ مَوْلُود المشاوري وَطَائِفَة من هَؤُلَاءِ تحرس لَيْلًا

ص: 163

وَتَطوف على مسايف السُّور الْمُحِيط بِالدَّار وَمن وَظِيفَة هَؤُلَاءِ خدمَة الْكُرْسِيّ والسرير اللَّذين يجلس عَلَيْهِمَا السُّلْطَان بالإيوان وتعاهد أنماط الْجُلُوس وكنسها والشواش وهم الَّذين يتولون ضبط الجيوش فِي المصاف فِي حَرْب أَو سلم وإنهاء الْكتب والرسائل للجهات بِخَير أَو شَرّ

قَالَ الفشتالي وَهَذَا مِمَّا زَادَت بِهِ دولته على سَائِر الدول فَإِذا خرج فِي يَوْم عيد أَو ملاقاة أَو تهنئة خَرجُوا متزينين وكل قَائِد يقف عِنْد مبدأ انبعاث حَبل جَيْشه تَحت ألوية محفوفا بِجَيْش من رُؤَسَاء جنده أهل الْخَيل وهم الَّذين يدعونَ عِنْدهم بالبكباشات فاصلا بذلك بَين جَيْشه وجيش من يردفه خَلفه وَهَكَذَا يَمْتَد إِلَى انبعاث الْجَيْش من تِلْقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وكل يعرف مركزه ورتبته لَا يتعداه إِلَى غَيره بتقدم أَو تَأَخّر وَلَا يجد السَّبِيل إِلَى ذَلِك لَو أَرَادَهُ

قَالَ الفشتالي وَالتَّرْتِيب الَّذِي جرى بِهِ الْعَمَل فِي عَسَاكِر النَّار أَن يتَقَدَّم أَولا جَيش السوس ثمَّ يردفه جَيش شراكة وكل مِنْهُمَا يَنْقَسِم حبلين ثمَّ يردفهما العسكران العظيمان عَسْكَر الموَالِي من المعلوجي وَمن انضاف إِلَيْهِم وعسكرك الأندلس وَمن لبس جلدتهم وَدخل فِي زمرتهم وَهَذَانِ يسيران صفّين متساويين لِاسْتِوَاء مرتبتهما وَعند الْعَطاء تَارَة يتَقَدَّم هَؤُلَاءِ وَتارَة هَؤُلَاءِ غير أَن الموَالِي يكونُونَ فِي الميمنة لمزية الْوَلَاء وَكِلَاهُمَا يحظى بموالاة ركاب السُّلْطَان ويتقدم قائدهما مَحْمُود قَائِد الموالى وجؤذر قَائِد الأندلس وترفع على رَأس كل مِنْهُمَا الرَّايَات ويحفه عَسْكَر من بكباشات ثمَّ يتَّصل بِهَذَيْنِ العسكرين الدخلة الْعَظِيمَة الْمُؤَلّفَة من البياك والسلاق وبلبدروش فتسير الْفرق الثَّلَاث أَمَام الْمَنْصُور صُفُوفا مُتَسَاوِيَة فَأَما البياك فيلون ركابه يحفونَ بِهِ يَمِينا وَشمَالًا وَيرْفَع بِالْبَعْضِ رماحه اليزنية المنصوبة أَمَامه وَمِنْهُم صَاحب المظل الْمَرْفُوع على رَأسه كالغمامة يحملهُ حَالَة ركُوبه أقربهم دَرَجَة لقائدهم أبرويز وَإِذا مَشى الْمَنْصُور إِلَى جَامع الْمَنْصُور من جِهَة قُبُور الْأَشْرَاف أَو للمشتهى وَهُوَ الرَّوْض الْمُتَّصِل بقصر البديع على رجلَيْهِ حمله أبرويز بِنَفسِهِ ثمَّ يسير عَن يمينهم وشمالهم السلاق ويسير عَن

ص: 164

يَمِين هَؤُلَاءِ وشمالهم بلبدروش أهل اللقاقيف وتتكيف من الْجَمِيع صُورَة تزرع الرعب فِي الْقُلُوب وتسير الجنائب فِيمَا بَين سماطي هَذِه الدخلة مجنوبة صفا صفا إِلَى ألوية عَسَاكِر النَّار ومنبعث حبالها الممدودة يَقُودهَا صنف يدعونَ السراجة ركبانا وَكَانَت جنائب الْخُلَفَاء يَقُودهَا الرجل من الوزعة وَهَذَا أكمل مزية وجيش الإصباحية الَّذِي إِلَى نظر بيلارباي يَنْقَسِم كتيبتين عظيمتين تسير إِحْدَاهمَا ذَات الْيَمين وَالْأُخْرَى ذَات الشمَال أَمَام الموكب الَّذِي يرفع اللِّوَاء الْعَظِيم الْأَبْيَض الْمَدْعُو باللواء الْمَنْصُور عَلامَة على شعار الدولة على رَأس الْمَنْصُور يسامته من خَلفه وَهُنَاكَ ألوية كَثِيرَة ذَات ألوان مُخْتَلفَة وأمامه الطبل الْعَظِيم الَّذِي يسمع دويه من مَسَافَة بعيدَة وَمن خَلفه الطبول الْأُخَر مَعهَا الغيطات واحدتها غيطة يتَوَلَّى النفخ فِيهَا قوم من الْعَجم أساتيذ يتعلمونها فينفخون فِيهَا فتنبعث مِنْهَا أصوات وتلاحين لَا تحرّك الطباع وَلَا تبعثها على شَيْء دون الْحَرْب فَإِنَّهَا تشجع الجبان وتقوي جأش الْخَائِف حِكْمَة فيلسوفية وَهُنَاكَ مَزَامِير أخر وجعاب طوال صفرية على مِقْدَار النفير تسمى الطرنباط مِمَّا أحدثه أَيْضا فِي دولته وزادت بِهِ دولته فخامة وضخامة ثمَّ يردف هَذِه الألوية والآلات من خلف أَمِير الْمُؤمنِينَ موكبه الْعَظِيم فَهَذَا تَرْتِيب جَيش الْمَنْصُور انْتهى بِاخْتِصَار من كتاب مناهل الصَّفَا وَلَيْسَ اتِّخَاذ المظل مِمَّا أحدثته الدولة السعدية كَمَا زعم بَعضهم بل كَانَ ذَلِك مَوْجُودا فِي الدول الْقَدِيمَة شرقا وغربا

قَالَ اليفرني وَمَا ذكره الإِمَام الفشتالي من توافر أجناد الْمَنْصُور وتكاثر جيوشه هُوَ كَذَلِك وَقد أولعت الْعَامَّة فِي ذَلِك بأخبار واهية وَزَعَمُوا أَن الْمَنْصُور خرج مرّة إِلَى الرميلة بِظَاهِر مراكش وَلم تعلم أَصْحَابه بِخُرُوجِهِ فحين علمُوا بِخُرُوجِهِ تبعوه خفافا وثقالا فَأمر بعد مَا مَعَه هُنَالك من الْجَيْش فَوجدَ ثَمَانِينَ ألفا فَقَالَ يَا سُبْحَانَ الله قد خاطرنا بِأَنْفُسِنَا حَيْثُ ركبنَا فِي هَذَا الْعدَد يستقله وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الإفراط وَالَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد أفقاي الأندلسي فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب رحْلَة الشَّبَاب إِلَى لِقَاء الأحباب مَا مَعْنَاهُ قَالَ إِن جَزِيرَة الأندلس الَّتِي استردادها من أَيدي

ص: 165

الْكفَّار سهل واسترجاعها مِنْهُم قريب لما دخلت مراكش فِي أَيَّام الْمَنْصُور وجدت عِنْده من الْخَيل نَحوا من سِتَّة وَعشْرين ألفا فَلَو تحركت همته لفتحها لاستولى عَلَيْهَا فِي الْحِين اه بِالْمَعْنَى اه كَلَام اليفرني

وَأما بَيَان حَالَة الْمَنْصُور فِي السّفر فقد قَالَ شَارِح زهرَة الشماريخ إِن الْمَنْصُور كَانَ قَلِيل الْأَسْفَار وَإِنَّمَا سَافر إِلَى فاس مرَّتَيْنِ لَا غير وَإِنَّمَا كَانَ متفرغا للذاته وَاسْتِيفَاء شهواته مُدَّة خِلَافَته قَالَ اليفرني وَبِه يعلم أَن مَا شاع على الْأَلْسِنَة من أَنه كَانَ يمْكث بفاس سِتَّة أشهر وبمراكش مثلهَا لَيْسَ بِصَحِيح وَالله أعلم

وَكَانَ الْمَنْصُور إِذا سَافر استعد غَايَة الاستعداد وَأحسن فِي التهيئة مَا شَاءَ قَالَ صَاحب النفحة المسكية كَانَ لَهُ قصر من عود مسمر بمسامير ومخاطيف وَحلق وصفائح مفضضة على هَيْئَة عَظِيمَة وَقد أحدق بذلك كُله سرادق كالسور من نَسِيج الْكَتَّان كَأَنَّهُ حديقة بُسْتَان وزخرفة بُنيان وَفِي دَاخل الْقصر الْمَذْكُور القباب الملونة بيضًا وسودا وحمرا وخضرا كَأَنَّهَا أزاهير الرياض قد نقش ذَلِك أحسن النقش ومليء بأبهى الْفرش وللسرادق الَّذِي هُوَ كالسور أَبْوَاب كَأَنَّهَا أَبْوَاب الْقُصُور المشيدة يدْخل مِنْهَا إِلَى دهاليز وتعاريج ثمَّ يَنْتَهِي مِنْهَا إِلَى الْقصر الَّذِي فِيهِ القباب وَهَذَا الْقصر كَأَنَّهُ مَدِينَة تنْتَقل بانتقاله وَهُوَ من الأبهات الملوكية الَّتِي لم يُوجد مثلهَا عِنْد الْمُلُوك الماضين اه

وَمِمَّا يتَعَلَّق بِهِ مَا حَكَاهُ أَبُو فَارس الفشتالي فِي المناهل قَالَ خرج الْمَنْصُور يَوْم الِاثْنَيْنِ عَاشر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة لزيارة أضرحة الصَّالِحين بأغمات قَالَ فتأخرت وَرَاءه فلحقني الْمولى عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الشريف وَأَنا فِي أخريات النَّاس فأنشده

(أَبَا فَارس بَان الخليط وودعوا

)

فَقلت

(وولوا وَحسن الصَّبْر مني شيعوا

)

فَقَالَ

(وغرد حادي الْبَين وانشقت الْعَصَا

وَكَاد فُؤَادِي للنوى يتقطع)

ص: 166

فَقلت

(إِلَى الله أَشْكُو فرقة مِنْهُم وَقد

تجرعت من كأس النَّوَى مَا تجرعوا)

ثمَّ زِدْت

(لَئِن شرد السلوان عني بعدهمْ

فَفِي صُحْبَة الْمَنْصُور أنسي أجمع)

ثمَّ قَالَ

(تَدور عَلَيْهِ هَالة لقبابه

ومركزها قصر الْخلَافَة يلمع)

فَقلت

(سياج بِهِ بَحر الندى متموج

وَمن أفقه شمس الْإِمَامَة تطلع)

وَكَانَ الْمَنْصُور خرج لزيارة أغمات فِي شارة حَسَنَة فَلَمَّا بلغ أغمات مكث فِيهِ يَوْمَيْنِ وَفِي الثَّالِث نَهَضَ إِلَى زِيَارَة الإِمَام أبي عبد الله الهزميري وعاج على ضريح الشَّيْخ سَيِّدي عبد الْجَلِيل ووقف عِنْد الْجَبانَة الْكُبْرَى فَدَعَا مَا تيَسّر وَفرق أمولا على ذَوي الْحَاجَات على يَد القَاضِي الشابطي والفقيه الْأمين أبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الثاملي وَكَانَ مَعَه الْفَقِيه القَاضِي أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي كَانَ قد استقدمه من فاس برسم الْقِرَاءَة مَعَه وَكَانَ الْحميدِي لوذعيا خَفِيف الرّوح وَفِي هَذِه السفرة صدرت مِنْهُ الأبيات الَّتِي تبارى فِي معارضتها شعراء الدولة وَقد ذكرهَا فِي النزهة فَلْتنْظرْ هُنَالك

وَمِمَّا يتَعَلَّق بأخبار الْحميدِي الْمَذْكُور أَن الْمَنْصُور سَافر مرّة إِلَى تارودانت وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأَعْيَان كَالْقَاضِي الْحميدِي وَأبي الْعَبَّاس المنجور وَغَيرهمَا فخيم الْمَنْصُور بِبَاب تارودانت وَضرب النَّاس أخبيتهم فَمر رجل عَلَيْهِ أطمار بالية وهيئة رثَّة وَيُقَال إِن هَذَا الرجل هُوَ أَبُو عُثْمَان الْهِلَالِي الروداني فوطئ على طُنب من أطناب خباء القَاضِي الْحميدِي فصاح القَاضِي من هَذِه الْبَقَرَة الَّتِي قوضت على خَيْمَتي متهكما بِالرجلِ فَألْقى إِلَيْهِ الرجل قرطاسا فِيهِ أَبْيَات وَقَالَ الْبَقَرَة من لَا يُجيب عَن هَذِه وَنَصّ الأبيات

(إِلَى بابك العالي مسَائِل ترتقي

تفطن لَهُنَّ يَا حميدي واصدق)

(فَمَا الحكم فِي الأوزاغ هَل سَاغَ أكلهَا

وَمَا الحكم فِي موتى المجانين فانطق)

ص: 167

(وَهل جَازَ للمسبوق بعد تشهد

دُعَاء إِذا مَا رام إِكْمَال مَا بَقِي)

(وَمَا وزن لَيْسَ يَا أديب وَأَصله

وَمَا جمع قلَّة لصاع فحقق)

(وَمَا وَزنه شمر ولاتن وائتنا

بِجمع سَوَاء والمقيد أطلق)

(وَبَين لنا من فِي أعوذ بربنا

من إِبْلِيس والتخمين فِي الْكل فَاتق)

فَبَدَا للحميدي مَا لم يكن يحْتَسب وَتوقف عَن الْجَواب فَرفعت الْقَضِيَّة إِلَى الْمَنْصُور فاستغربها وَقَالَ هَذَا رجل من أهل الْبَادِيَة فَضَح قَاضِي قُضَاة الحواضر وَأمر المنجور فَأجَاب عَنْهَا يُقَال بعد أَربع سِنِين وَبعد موت السَّائِل وَنَصّ الْجَواب

(جوابك فِي الأولى إِبَاحَة أكلهَا

بمذهبنا فأجزم بِذَاكَ وَصدق)

(كَذَا ابْن حبيب فِي الخشاش أَبَاحَهُ

لمحتاجه مثل العقارب فاسبق)

(وَقد قيل فِي الأوزاغ يحرم أكلهَا

وَذَلِكَ فِي الْكَافِي ليوسف فَاتق)

(ومستقذر يَحْكِي الْمُخَالف مَنعه

وَأنْكرهُ التَّنْبِيه فَافْهَم ودقق)

(وَرجح مَا يَحْكِي الْمُخَالف بعض من

لَهُ الْعزو للتحقيق لَا للتشدق)

(وميت مَجْنُون جرى خلف حكمه

بِعلم كَلَام لَا تكن غير متق)

(وتحقيقها إِن الْجُنُون الَّذِي طرا

يصير كموت فصل الْحق يعبق)

(فآونة بعد الْبلُوغ طروه

وحينا يرى قبل الْبلُوغ فطبق)

(وآونة إِثْر الصّلاح وُقُوعه

وحينا بعصيان الْكَبِيرَة يلتقي)

(وحينا يَدُوم للممات وَتارَة

يفِيق فَخذ حكم الْجَمِيع ووثق)

(وَينْدب للمسبوق دَعْوَى تشهد

وفَاق إِمَام فِي الْمُنَاجَاة فارتق)

(وَلَيْسَ لَهُ فعل كقال وَأَصله

بِكَسْر لياء فاكسر الْعين ترتق)

(وجمعك صَاعا فِي الْقَلِيل بأصوع

وأصؤع بهمز الْوَاو فانهج ونمق)

(وَإِن شِئْت فاقلبه فَيرجع آصعا

لضابط تصريف فللعلم شوق)

(وَصَاع كعام عينه فرع ضمة

وتحريكه فتح فزنه وحقق)

(وَجمع سَوَاء فَالَّذِي مِنْهُ جامد

يأسوية علم يُقَاس فَفرق)

(ومشتقه وزن الْخَطَايَا قِيَاسه

سواسية ثقل فبالحق فانطق)

(ومقصد من فِي العوذ بَدْء لغاية

فإبليس مبدأ العوذ عِنْد الْمُوفق)

ص: 168