الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)
"مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ"
فقال تعالى متوعداً للغافلين: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ.. الآيات " وكل هذا بين الالتحام جليل الالتئام ثم تناسجت آى السورة.
سورة هود
عليه السلام
لما كانت سورة يونس عليه السلام قد تضمنت من آي التنبيه
والتحريك للنظر، ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيبب والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم والإعلام بالجريان على حكم السوابق ووجوب التفويض والتسليم ما لم تشتمل على مثله سورة لتكرر هذه الأغراض فيها، وسبب
تكرر ذلك فيها والله أعلم، أنها أعقبت بها السبع الطوال، وقد مر التنبيه
على أن سورة الأنعام بها وقع استيفاء بيان حال المتنكبين عن الصراط المستقيم على اختلاف أحوالهم، ثم استوفت سورة الأنعام ما وقعت الإحالة عليه من أحوال الأمم السالفة كا تقدم، وبسطت ما أجمل من أمرهم، ثم أتبع ذلك بخطاب المستجيبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذروا وأنذروا كشف عن حال من تلبس بهم من عدوهم من
المنافقين، وتم المقصود من هذا في سورة (الأنفال وبراءة) ثم عاد الخطاب إلى
طريقة الدعاء إلى الله والتحذير من عذابه بعد بسط ما تقدم، فكان مظنة لتأكيد التخويف والترهيب لإتيان ذلك بعد بسط حال وإيضاح أدلة، فلهذا كانت سورة يونس عليه السلام مضمنة من هذا ما لم يضمن غيرها، ألا ترى افتتاحها بقوله "إن ربكم الله
…
الآيات، ومناسبة هذا الافتتاح دعاء الخلق إلى الله في سورة البقرة بقوله تعالى:"يا أيها الناس اعبدوا ربكم"(آية: 21)، ثم قد نبهوا هنا كما نبهوا هناك فقال تعالى:"أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ"
ثم تأكدت المواعظ والزواجر والإشارات إلى أحوال المكذبين والمعاندين فمن
التنبيه "إن ربكم الله " إن في اختلاف الليل والنهار" "قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ" "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض "
إلى غير هذا.
وعلى هذا السنن تكررت العظات والأغراض المشار إليها في هذه السورة إلى
قوله تعالى: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ"
فحصل من سورة الأعراف والأنفال وبراءة ويونس تفصيل ما كان أجمل فيما تقدمها، كما حصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين والمتنكبين، فلما تقرر هذا كله، أتبع المجموع بقوله:" كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ "
وتأمل مناسبة الإتيان بهذين الاسمين الكريمين وهما: الحكيم، الخبير، ثم
تأمل تلاؤم صدر السورة لقوله: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ"
وقد كان تقدم قوله تعالى: "قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ"
فأتبع قوله تعالى: "قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ" بقوله في صدر سورة هود كتاب أحكمت آياته ثم فصلت "
فكأنه في معرض بيان الحق والموعظة، وإذا كانت محكمة مفصلة فحق لها أن تكون شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وحق توبيخهم في قوله تعالى:"بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ".
والعجب في عمههم مع أحكامه وتفصيله، ولكن. (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) .
وتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)
فكل الكتاب حق وموعظة وذكرى، وإنما الإشارة والله أعلم بما أراد إلى ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان الصراط المستقيم، وملتزمات متبعيه أخذا وتركا، وذكر أحوال المتنكبين على شتى طرقهم واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرّهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم في أخبار الله تعالى سبحانه:"إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ"
وقد نسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على المؤمنين الحذر منه وعرفهم به، وذُكِرَ اليهود والنصارى والمشركون والصابئون والمنافقون وغيرهم، وفصل مرتكب كل فريق منهم، كما استوعب ذكر أهل الصراط المستقيم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وفصل من أحوالهم ابتداء وانتهاء والتزاما وتركاً ما أوضح طريقهم وعين حزبهم
وفريقهم، "أولئك الذين هدى الله"
وذكر أحوال الأمم مع
أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه مفصلا، وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم عليه السلام، وحال الملائكة في التسليم والإذعان، وذكر فريقا الجن من مؤمن وكافر، وأمر الآخرة وانتهاء حال الخلائق واستقرارهم الأخروي، وتكرر دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعا فيه ورحمة، وإعلام الخلق بما هو عليه سبحانه، وما يجب له من الصفات العلا، والأسماء الحسنى، ونبه العباد على الاعتبار وعلموا طرق الاستدلال ورغبوا ورهبوا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات بجملتها إليه سبحانه كما هو المنفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما يعجز الخلائق عن حصره والإحاطة به، والله يقول الحق.
فلما تقدم هذا كله في السبع الطوال وما تلاها، أعقب ذلك بقوله:
" كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ"
ثم أتبع هذا بالايماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار آى الكتاب، وهي فصل الإلهية وفصل الرسالة وفصل التكاليف.
أما الأول فأشار إليه قوله: "أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ"
وأما فصل الرسالة فأشار إليه سبحانه: "إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ"
وأما فصل التكاليف فأشار إليه قوله سبحانه: "وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ"
وهذه الفصول الثلاثة هي التي تدور عليها آى القران، وعليها مدار السورة الكريمة.
فلما حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند
ولا تعلق للجاحد، واتضح الحق وبان، قال سبحانه وتعالى:"وجاءك في هذه الحق "
إشارة إلى كمال المقصود، وبيان المطلوب واستيفاء التعريف
بوضوح الطريق، وقد وضح من هذا تلاؤم هذه السورة الكريمة لما تقدمها، ومما