الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما تضمنت هذه السورة الكريمة من بسط الاعتبار وإبداء جهات النظر ما إذا تأمله التأمل علم أن حجة الله قائمة على العباد، وأن إرساله الرسل رحمة ونعمة وفضل وإحسان، وإذا كانت الدلالات مبسوطة والموجودات شاهدة مفصحة، ودلالة النظر من سمع وإبصار وأفئدة موجودة، فكيف يتوقف عاقل في عظيم رحمته تعالى بإرسال الرسل، فتأكدت الحجة وتعاضدت البراهين.
فلما عرف الخلق بقيام الحجة عليهم بطريقي الإصغاء إلى الداعي
والاعتبار بالصنعة قال الله تعالى: "قل فلله الحجة البالغة"(آية 149)"فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ"(آية: 137) فما عذر المعتذر بعد هذا
أتريدون كشف الغطاء ورؤية الأمر عيانا، لو استبصرتم لحصل لكم ما منحتم "هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ". (الآية: 138) ، ثم ختمت السورة من التسليم والتفويض بما يجدي مع قوله:"فلو شاء لهداكم أحمعين "
(آية: 149) وحصل من السور الأربع بيان أهل الصراط المستقيم وطبقاتهم في سلوكهم وما ينبغي لهم التزامه أو تركه وبيان حال المتنكبين عن سلوكه من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس.
سورة الأعراف
لما قال تعالى ابتداء بالاعتبار (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)
ثم قال تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)
ثم قال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)
ثم قال تعالى: (ولقد كذب رسل من قبلك فصبروا على
ما كذبوا.... الآية " (الأنعام: 36) وقال تعالى: "ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء...... الآية (الأنعام: 42) وقال تعالى: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي" فوقعت
الإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم السالفة وما كان منهم حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم وتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم بجريان ما جرى له لمن تقدمه من الرسل
(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)
فاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة وهلاك تلك القرون الماضية، والإعلام بصبر الرسل عليهم السلام وتلطفهم في دعائهم ولم يقع في
السور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة والتسلية، وقد تكررت في سورة الأنعام
كما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان طريق المتقين أخذا وتركا وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم يوفق له، ولا تم له أمل من الفريقين المستندين للسمع والمعتمدين للنظر، فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل وتنكب الآخرون سوء التأويل وقصور الأفهام، وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية.
فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف الخطاب إلى تسليته عليه السلام وتثبيت
فؤاده بذكر أحوال الأنبياء مع أممهم، وأمر الخلق بالاعتبار بالأمم السالفة، وقد كان قدم لرسوله عليه السلام عند ذكر الأنبياء (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
بسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه واستوفى الكثير من
قصصهم إلى آخر سورة هود وإلى قوله سبحانه "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ".
فتأمل بما افتتحت السور المقصود بها قصص الأمم وبما اختتمت يلوح لك ما
أشرت إليه والله أعلم بمراده، وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله "فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين " وختم القصص فيها بقوله: "فاقصص القصص
لعلهم يتفكرون " (الأعراف: 176) بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة
بلعام "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها
…
الآية " (الأعراف: 173)
ثم قال: "ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا"(الأعراف: 176) .
وتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص كيف الحق من كذب رسول الله
صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم (ممن) قص ذكره من المكذبين، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر على علم، وفي ذلك أعظم موعظة، قال الله تعالى إثر ذلك "من يهد الله فهو المهتدى
…
الآية " فبدأ الاستجابة لنبيه بذكر ما أنعم به عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى: "المص كتاب أنزل إليك " فأشار إلى نعمته بإنزال
الكتاب الذي جعله هدى للمتقين، وأشار هنا إلى ما يحمله على التسلية وشرح الصدور بما حوى من العجائب والقصص مع كونه هدى ونورا فقال "فلا يكن في صدرك حرج منه " أي أنه قد تضمن مما احلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك بسنتهم وليتذكر المؤمنون.
ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم "
فإن هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع
والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع تعالى ذلك بقصة
آدم عليه السلام ليتبين لعباده ما جرت به سنته فيهم من تسلط الشيطان
وكيده وأنه عدو لهم (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ)
ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما أجمل
هناك، كتصريح اللعين بالحسد، وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبه