الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى"، فاتصل بقوله تعالى: "قد أفلح من زكاها وقد خاب
من دساها"، ثم ان قوله تعالى: "فأما من أعطى واتقى -
إلى - العسرى" (5 - 15) يلائمه تفسيرا وتذكيرا - بما الأمر عليه من كون
الخير والشر بإرادته وإلهامه بحسب السوابق -
قوله: "فألهمها فجورها وتقواها"
فهو سبحانه أهَّلهم للإعطاء وللاتقاء والتصدق، والمقدر للبخل
والاستغناء والتكذيب، "والله خلقكم وما تعملون ""لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ "، ثم زاد ذلك إيضاحا بقوله تعالى: "إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13)
فتَبًّا للقدرية والمعتزلة (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) .
سورة الضحى
لما قال تعالى: "فألهمها فجورها وتقواها"، ثم اتبعه بقوله:"فسنيسره " وبقوله: "إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13)
فلزم الخوف، واشتد الفزع وتعين على الموحد الإذعان
بالتسليم والتضرع في التخلص والتجاؤه إلى السميع العليم، آنس تعالى أحب عباده إليه وأعظم منزلة لديه، وذكر له ما منحه من تقريبه واجتبائه وجمع خير الدارين له فقال:(وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)
ثم عدد تعالى عليه نعمه بعد وعده الكريم له بقوله:
(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)
وأعقب ذلك بقوله: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) فقد آويتك قبل تعرضك وأعطيتك قبل سؤالك، فلا تقابله بقهر من تعرض وقهر من سأل وقد حاشاه سبحانه عما نهاه عنه، ولكنه تذكير بالنعم، وليستوضح الطريق من وفق من أمته صلى الله عليه وسلم، أما هو
صلى الله عليه وسلم فحسبك من تعرف رحمته ورفعه قوله: "وكان بالمؤمنين رحيما"، "عزيز عليه ما عنتم - إلى - رحيم ".
ثم تأمل استفتاح هذه السورة ومناسبة ذلك المقصود، وكذلك السورة قبلها
برفع القسم في الأولى بقوله: "والليل إذا يغشى"
تنبيها على إبهام الأمر في السلوك على المكلفين وغيبة حكم العواقب، وليناسب هذا حال التذكر بالآيات وما يلحقه من الخوف مما أمره غائب عنه من تيسيره ومصيره واستعصاء ما به يحصل اليقين واستصغار درجة المتقين، ثم لما لم يكن هذا غائب بالجملة عن آحاد المكلفين أعني ما يثمر العلم اليقين ويعلي من أهِّل للترقي في درجات المتقين، بل قد يطلع سبحانه خواص عباده بملازمة التقوى والاعتبار على واضحة السبيل ويريهم مشاهدة وعيانا ما قد انتهجوا قبل سبيله بمشقة النظر في الدليل، قال صلى الله عليه وسلم -
لحارثة: (عرفت فالزم)
وقال مثله للصديق، وقال تعالى:"لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ"، "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ"
فلم يبق في حق هؤلاء ذلك الإبهام ولا كدر خواطرهم بتكاثف ذلك الإظلام بما منحهم سبحانه من نعمة الإحسان بما وعدهم في قوله: "يجعل لكم فرقانا""ويجعل لكم نورا تمشون به "
"أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا"
فعمل هؤلاء على بصيرة، واستدلوا اجتهادا بتوفيق ربهم على أعمال جليلة خطيرة فقطعوا عن الدنيا الآمال وتأهبوا لآخرتهم بأوضح الأعمال "تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ"، "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ"
، فلابتداء الأمر وشدة الإبهام والإظلام ما أشار إليه قوله سبحانه
وتعالى: "والليل إذا يغشى" ولما تؤول إليه الحال في حق من كتب
في حقه الإيمان وأيده بروح منه أشار قوله سبحانه: "والنهار إذا تجلى" ولانحصار السبيل وإن تشعبت في طريقين: "فمنكم كافر ومنكم مؤمن "
"فريق في الجنة وفريق في السعير"
أشار قوله تعالى: "وما خلق الذكر والأنثى"، "ومن كل شىء خلقنا زوجين "، ففروا إلى الله الواحد مطلقا، فقد وضح لك إن شاء الله
بعض ما ليس من تخصيص هذا القسم والله أعلم.
أما سورة الضحى فلا إشكال في مناسبة استفتاح القسم بالضحى بما يسره
له سبحانه لا سيما إذا اعتبرت ما ذكر من سبب نرول السورة، وأنه صلى الله عليه وسلم فتر عنه الوحى حتى قال بعض الكفار: قلا محمدا ربُّه، فنزلت السورة مسفرة عن هذه النعمة والبشارة.