الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكونهم غير خارجين عن ملكه وقهره ثم قال تعالى: "غافر الذنب وقابل التوب "
تأنيباً لمن استجاب بحمده وأناب بلطفه، وجريا على حكم سبقية الرحمة
وتقليبها ثم قال: "شديد العقاب ذى الطول " ليأخذ المؤمن بلازم عبوديته من
الخوف والرجاء، واكتنف قوله شديد العقاب بقوله غافر الذنب وقابل التوب وقوله ذي الطول، وأشار سبحانه بقوله:"فلا يغررك تقلبهم في البلاد"(آية: 4) إلى قوله قبل وأورثنا الأرض " (الزمر: 74) وكأنه في تقدير إذا كانت العاقبة لك ولأتباعك فلا عليك من تقلبهم في البلاد ثم بين تعالى أن حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم وجدالهم في الآيات كجدالهم وإن ذلك لما حق عليهم من كلمة العذاب وسبق لهم في أم الكتاب.
سورة حم السجدة
لما تضمنت سورة غافر بيان حال المعاندين وجاحدي الآيات وأن ذلك ثمرة
تكذيبهم وجدلهم وكأن بناء السورة على هذا الغرض بدليل افتتاحها وختمها ألا ترى قوله تعالى: "مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا" وتأنيس نبيه
عليه الصلاة والسلام بقوله: "فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ"
فقد تقدم ذلك من غيرهم فأعقبهم سوء العاقبة والأخذ الوبيل "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ"
فعصمتهم واقية: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا)
وقال تعالى: "وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ"
أى فكيف رأيت ما حل بهم وقد بلغت خبرهم فهلا اعتبر هؤلاء بهم
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)
وإنما أخذهم بتكذيبهم الآيات "ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله "(غافر: 22) ، ثم ذكر تعالى من حزب المكذبين فرعون وهامان وقارون وبسط القصة تنبيها على سوء عاقبة من
عاند وجادل بالباطل وكذب الآيات ثم قال تعالى بعد آيات: "إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ"(غافر: 56)
إذ الحول والقوة ليست لهم فاستعذ بالله من شرهم، فخلق غيرهم لو استبصروا أعظم من خلقهم "لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ" (غافر: 57)
وهم غير آمنين من الأخذ من كلا الخلقين "إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء"(سبأ: 9)
ثم قال تعالى: بعد هذا "ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله
أنى يصرفون "
أي إن أمرهم لعجيب في صرفهم عن استيضاح الآيات بعد
بيانها، ثم ذكر تعالى سوء حالهم في العذاب الأخروي وواهي اعتذارهم بقولهم:"ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا"(غافر: 74) ثم صبر تعالى نبيه عليه السلام بقوله: "فاصبر إن وعد الله حق "(غافر: 77) ثم أعاد تنبيهم فقال تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض" إلى ختم السورة" (غافر: 82 - 85) ولم يقع من هذا التنبيه الذي دارت عليه آى هذه السورة في سورة الزمر شىء ولا من تكرار التحذير من تكذيب الآيات.
فلما بنيت على هذا الغرض أعقبت بذكر الآية العظيمة التى تحديت بها العرب
وقامت بها حجة الله سبحانه على الخلق، وكأن قد قيل لهم احذروا ما قدم لكم فقد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بأوضح آية وأعظم برهان "تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا" (الآيات: 3 - 4) وتضمنت هذه السورة
العظيمة من بيان عظيم الكتاب وجلالة قدره كبير الرحمة به ما لا يوجد في غيرها من أقرانها كما أنها في الفصاحة تبهر العقول بأول وهلة فلا يكن للعريى الفصيح في شاهد برهانها أدنى توقف ولا يجول في وهمه إلى معارضة بعض آيها أدنى تشوف، "وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) "
(آية: 41 - 42)"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ"(آية: 44) فوبخهم تعالى وادحض حجتهم وأرغم باطلهمِ، وبكت دعاويهم ثم قال:"قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ"(آية: 44)" إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ " وقرعهم تعالى في ركيك جوابهم عن واضح حجته بقولهم: "قلوبنا في أكنة مما تدعون إليه وفي آذاننا وقر"(آية: 3) وقولهم "لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه "(آية: 26) وهذه شهادة منهم على أنفسهم بالانقطاع عن معارضته وتسليمهم بقوة عارضته، ثم فضحهم بقوله:"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ.... الآية ".
وتحملت السورة مع هذا بيان هلاك من عاند وكذب ممن كان قبلهم وأشد
قوة منهم وهم الذين قدم ذكرهم مجملا في سورة غافر في آيتى "أولم يسيروا في الأرض ""أفلم يسيروا"
فقال تعالى مفصلا لبعض ذلك الإجمال: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)
ثم قال: "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً"
ثم قال: "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا.. الآية "
ثم قال: "وأما ثمود فهديناهم"(آية: 17) فبين تعالى حالهم وأخذهم فاعتضد
التحمام السورتين واتصال المقصدين والله أعلم.