الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
علم المعاني" الباب الخامس: الإِيجاز الإِطناب والمساواة
الفصل الأول: نِسَبُ الكثافة بين الألفاظ والمعاني وملاءمتها لمقتضيات الأحوال
ينقسم الكلام بالنظر إلى المنطوق به، وإلى معانيه من جهة نِسَبِ الكثافة بين كلٍّ منهما في مقابل الآخر إلى ثلاثة أقسامٍ رئيسة سويّة، ويأتي وراءها أقسامٌ أخرى.
* فالأقسام السويّة الثلاثة هي ما يلي:
القسم الأول: الكلام المتّصفُ بالمساواة بين ألفاظه ومعانيه مع مطابقته لمقتضى الحال.
المساواة: هي التطابق التام بين المنطوق من الكلام وبين المراد منه دون زيادة ولا نقصان.
القسم الثاني: الكلام المتّصِفُ بالإِيجاز غير الْمُخِلّ، مع مطابقته لمقتضى الحال.
الإِيجاز: كون الكلام دالاً على معانٍ كثيرة بعبارات قليلة وجيزة دون إخلال بالمراد.
القسم الثالث: الكلام المتّصفُ بالإِطناب لاشتماله على زيادة ذات فائدة، مع مطابقته لمقتضى الحال.
الإِطناب: كون الكلام زائداً عمّا يمكن أن يُؤَدَّى به من المعاني فى معتاد الفصحاء لفائدة تُقْصَد.
ويكون الكلام بليغاً إذ وُضع كُلُّ قِسْمٍ من هذهِ الأقسام فى موضعه الملائم له، ورُوِعيَ فيه مقتَضَى حالِ المتلقّي.
* وأمّا المعيب من الكلام فى هذا الباب فيكون بواحد فأكثر من الوجوه الثلاثة التالية:
الوجه الأول: الإِيجاز المخلّ بالمعنى المقصود بالبيان.
الوجه الثاني: الإِطنابُ بزيادةٍ غير ذات فائدة تُقْصَدُ لدَى أذكياء البلغاء، وقد يطلق عليه لفظ "الإِسهاب" أو لفظ "التطويل".
ويكون الإِطناب غير المفيد بأحد أَمْريْن:
* بالتطويل دون فائدة، وطريقُهُ أن لا يتعيّن الزائد فى الكلام على وجه الخصوص، كأن تُوجد لفظتان مترادفتان تصلح كلُّ منهما لأن تكون هي الزائدة.
* أو بالْحَشْوِ دون فائدة، وطريقه أن يكون الزائد غير المفيد فى الكلام متعيّناً بلفظه، كلمةً فأكثر.
هذا ما توصَّلَتْ إليه أنظار المحققين من أهل البلاغة والأدب حول تقسيمات الكلام من جهة النِّسَبِ العامَّة للكثافة بين الألفاظ والمعاني.
***
مقتضيات استعمال كلٍّ من الأقسام السويَّة
ممّا اتفق عليه أئمة البلاغة والأدب أنّ لكلِّ قِسْمٍ من أقسام الكلام الثلاثة: "المساواة - الإِيجاز - الإِطناب" مقتضياتِ أحوالٍ تُلائمه، ومناسباتٍ تقتضيه، ودواعىَ بلاغَيَّةَ تستدعيه، وموضوعاتٍ يَحْسُن أن يُخْتار لها.
وفيما يلي طائفةٌ من أقوالهم:
(1)
رُوي أنّ الخليل بن أحمد الفراهيدي أحد أئمة اللّغة والأدب قال: "يُخْتَصَرُ الكِتَابُ ليُحْفَظَ، ويُبْسَطُ لِيُفْهَم".
(2)
قيل لأبي عَمْرو بن العلاء "وهو أحد أئمة اللّغة والأدب، وأحد القرّاء ووُصف بأنّه أعلم الناس بالأدب والعربيّة والقرآن والشعر": هل كانت العربُ تُطِيل؟
قال "نعم، كانت تُطِيلُ لِيُسْمَعَ مِنْها، وتُوجِزُ ليُحْفَظَ عنها".
(3)
ورُوي أن جعفر بن يحيى البرمكيّ "أحد الموصوفين بفصاحة المنطق وبلاغة القول" قال:
"متَى كان الإِيجاز أبْلَغَ كانَ الإِكثَارُ عِيّاً، ومتَى كانت الكِفايَةُ بالإِكثار كان الإِيجاز تقصيراً".
(4)
وقال أحد الشعراء يثني على خطباء "إِياد" كما ذكر الجاحظ:
يَرْمُونَ بِالْخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً
…
وَحْيَ الْمَلاحِظِ خَشْيَةَ الرُّقَبَاءِ
أي: يخطُبون تارةً خُطَباً طِوالاً، إذا كانت حال المخاطبين تقتضي الإِطالة، ويوجزون خطبهم تارةً أخرى إيجازاً يشبه وحْيَ الملاحظ.
الوحي: الكلام الخفيُّ السّريع.
الْمَلَاحِظ: جمع "مَلْحَظ" وهو اللَّحْظُ أو موضعه من العين، واللَّحظ هو النظر بطرف العين مما يلي الصُّدغ، ومن المعروف أن الناس قد يتفاهمون عن طريق اللَّحْظ، وإشاراته خشية الرقباء.
(5)
وقال قائل لبشار بن بُرْد "أحد فحول الشعراء، وقد أدرك الدَّولتين الأُمَويّة والعباسيّة": إِنَّكَ لَتَجيءُ بالشيء الهجين المتفاوت.
قال بشّار: وما ذاك؟
قال: بينما تثير النقع وتخْلَعُ القلوب بقولك:
إِذَا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَريَّةً
…
هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْس أَوْ تُمْطِرَ الدَّمَا
إِذَا مَا أَعَرْنَا سَيِّداً مِنْ قَبِيلةٍ
…
ذُرَا مِنْبَرٍ صَلَّى عَلَيْنَا وَسلَّمَا
نَراكَ تقول:
رَبَابَةُ رَبَّةُ الْبَيْتِ
…
تَصُبُّ الْخَلَّ في الزَّيْتِ
لَهَا عَشْرُ دَجَاجَاتٍ
…
وَدِيكٌ حَسَنُ الصَّوْتِ
فقال بشّار:
"لكلِّ وَجْهٌ وَموضع، فالقولُ الأوّل جِدٌّ، والثاني قُلْتُه في "رَبَابَةَ" جاريتي، وَأنَا لا آكُل البيض من السّوق. و"رَبَابَةُ" لها عشْرُ دَجاجات وديك، فهي تجمع لي البيض، فهذا القول عندها أحْسَنُ من (قِفَا نَبْكِ منْ ذِكْرى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ) عندك".
(6)
وقال الزمخشري: "كما يجب على البليغ فى مَظَانِّ الإِجمال أن يُجْمِلَ ويُوجِزَ، فكذلِكَ الواجب عليه فى موارد التفصيل أنْ يُفَصّل ويُشْبِع".
(7)
وقالوا: "لكلّ مقامٍ مقال".
(8)
ومن أمثلة مراعاة مقتضيات الأحوال بكلّ من "المساواة والإِيجاز والإِطناب" ما جاء فيما حكاه الله عز وجل من قصة موسى والخضر عليهما السلام في سورة (الكهف /18 مصحف /69 نزول) :
{قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ اتبعتني فَلَا تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً *
فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هاذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} . [الآيات: 66 - 78]
* نلاحظ فى هذا النص أنّ الخضر قال لموسى عليهما السلام في بدء الأمر: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} .
هذا كلام مؤكّد مُسَاوٍ للمعنى المقصود بيانه، لا إطناب فيه ولا إيجاز.
* وحين اعترض موسى عليه السلام الاعتراض الأول على الخضر بشأن خرقه السفينة، قال له الخضر:
{أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} .
هذا أيضاً كلامٌ مُؤَكَّدٌ ومُسَاوٍ للمعنى المقصود بيانه، لا إطناب فيه ولا إيجاز.
وحين اعترض موسى عليه السلام الاعتراض الثاني على الخضر بشأن قتله الغلام، قال له الخضر:
{أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} .
فَأَطْنَبَ إذْ أضاف عبارةَ {لَكَ} مع أنَّ هذه الزّيادة لا لزوم لها في الكلام المساوي، فعبارة {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} بأسلوب الخطاب تَدُلُّ على أنّ الخطاب قَدْ وَجَّهَهُ الخضِرُ له، فما الداعي لأنْ يقول لَهُ:{أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ؟} ؟
أقول: إنّ الداعي البلاغي لهذا الإطناب هو أنَّ مُوسَى عليه السلام تصرَّفَ تَصَرُّف من لم يُدْرِكْ أنّ الْخِطَابَ قَدْ كان مُوَجّهاً له فيما سبق، فاعترض، فاقتضى حالُهُ أَنْ يقولَ لَهُ الخضر: إِنّي كُنْتُ وجَّهْتُ الخطابَ لَكَ بأَنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.
وحين اعترض موسى عليه السلام الاعتراض الثالث على الخضر بشأن إقَامَتِهِ الجدار المائل فى قريَةٍ أَبَى أهْلُها أنْ يُضَيِّفوهُما، قال له الخضر:
{هاذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} .
فأوجز فى كلامِهِ، إذْ طوى من اللّفظ عبارة: لأنَّكَ لم تَسْتَطعْ معِيَ صبراً، وقد انتهت مُدَّة الاتفاق على مصاحبتي.
وبعد أن أبان الخضر لموسى عليهما السلام التأويل الحكيم للأحداثِ التي أجراها بأمْرِ الله أو إذْنه قال له:
{ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 82]
فَأَوْجَزَ في بيانه حتى في كلمة "تَسْتَطعْ" إذْ قال: "تَسْطعْ" بحذف التاء التي بعد السين.
إنّ مقتضى الحال بعد انتهاء أجل المصاحبة، إذْ لم يلتزم موسَى عليه السلام بشروطها، أنْ يكون الكلامُ مُوجزاً جدّاً، إذْ لا داعِيَ للإِطناب ولا للمساواة، ومِثْلُ موسى عليه السلام يكفيه من الكلام عبارة:"هَذا فِرَاقُ بيني وَبَيْنِكَ" فهو الخبير بإخلاله بشروط المصاحبة المتَّفق عليها.
***
مجالات استعمال الأقسام السّوية
ذكر أساطين الأَدب، وبُلَغاء الناس وفُطناؤهم طائفةً من مجالَات القول التي يَحْسُنُ فيها استعمال كلٍّ من أقسام الكلام الثلاثة:
"المساواة - الإِيجاز - الإِطناب".
وفيما يلي عرضٌ مفَصَّلٌ لبعض هذه المجالات:
أوّلاً:
ممّا هُو مُتّفَقٌ عليه لزوم اختيار أسلوب "المساواة" بَيْنَ الألفاظ والمعاني، حتَّى تكونَ الأَلفاظ كالقوالب للمعاني دون زيادة ولا نقصان، في عِدَّةِ مجالَاتٍ من مجالات القول، منها ما يلي:
(1)
مُتُونُ العلوم المحرَّرة.
(2)
نُصُوصُ الموادّ القانونيَّة والتشريعيَّة.
(3)
نُصُوص المعاهدات بين الدُّول.
(4)
القرارات والمراسيم.
(5)
بيانات أحكام الدين، ومطالب الشريعة المحدّدة.
(6)
بيانات الحقوق والواجبات.
إلى غير ذلك مما يشبه هذه المجالات.
***
ثانياً:
واستحسن الأدباء والبلغاء والعلماء "الإِيجاز" فى طائفة من مجالات القول، منها ما يلي:
(1)
الكتب الصادرة عن الملوك والرؤساء إلى الولاة والعمّال، ولا سيما في أوقات الحروب، وفى الشدائد والأزمات.
(2)
الأوامر والنواهي السُّلطانية.
(3)
كتب السلاطين بطلب الخراج وجباية الأموال وتدبير الأعمال.
(4)
كتب الوعد والوعيد.
(5)
الشكر على النِّعَمِ التي تُهْدَى، الْعَوَارِفِ الّتي تُسْدَى.
(6)
الاستعطاف وشكوى الحال.
(7)
استجداء حُسْنِ النظر وشُمولِ الْعِناية.
(8)
الاعتذار، والتنصُّل من تُهْمة الذّنْب وتَبِعَاته.
(9)
العتاب بين المحبّين والأصحاب.
(10)
مخاطبة الأذكياء الذين يكفيهم اللَّمْحُ، وتُقْنعهم الإِشارة.
(11)
المواطن التي يَحْسُنُ فيها الرّمز لإِخفاء المقاصد عن غير من يوجّه له القول، من رقباء أو ذوي فضول.
إلى غير هذه المجالات ممّا يُشْبهها.
***
ثالثاً:
واستحسنَ الأدباء والبلغاء وذوو التجارب "الإِطناب" وبسط الكلام والإِسهاب فيه، فى عدّة مجالات من القول، منها ما يلي:
(1)
الحاجة إلى الإِقناع في مشكلات القضايا الفكرية، وفي تعليم مسائل العلوم الدقيقة الخفيَّة الصعبة الفهم.
(2)
الوعظ بالترغيب والترهيب، والتحسين والتزيين، والتنفير، والتقبيح، وسَوْق الأمثال والقصص.
(3)
الخطب فى الحماسة، وفى إثارة مشاعر الحبّ أو الكراهية، وفي استجلاب الرضا، أو استثارة الغضب، وذلك لأنّ تحريك العواطف واستثارتها يحتاج إطناباً، وبياناً مفصّلاً مبسوطاً.
(4)
كتابة التاريخ وتدوين الحوادث.
(5)
الْخُطَبُ في الصلح بين المتخاصِمين، لإِصلاح ذات البين، وتهديم ما في النفوس من ضغائن.
(6)
بعض مجالات المدح لمستحقّيه، بغيةَ دفع الممدوح للاستزادة من الخير، والالتزام بالبعد عمّا يُوجَّهُ لفاعله أو تاركه الذّمّ بسببه.
(7)
تعبيرات العشاق والمحبّين عن مشاعرهم وأشواقهم.
(8)
تعبيرات ذوي الأحزان والآلام عن مشاعرهم.
(9)
كتب الصكوك والعقود في البيوع والمداينات ونحوها، إذ ينبغي فيها التفصيل الدقيق، لأمن الخلاف والتلاعب.
***
وفي الفصول الثلاثة التالية شرح وتفصيل لأقسام الكلام السويّة التالية: "المساواة، والإِيجاز، والإِطناب".
***
الفصل الثاني: المساواة بين الألفاظ والمعاني
الأصل في الكلام أنْ يُؤْتَى بِه مساوياً للمعاني الّتي يدلُّ عليها، دون أن تكون ألْفاظُهُ زائدةً ولا ناقصة.
أمّا القدرةُ على المطابقة التامّة بين الْجُمَل المنطوقة والمعاني المرادة منها، فهي من القدرات النادرة في المتكلمين من الناس، لأنَّ الناسَ في النّسْبَةِ العظمى منهم:
* إمّا أن يكونوا من ذوي القدرة على الكلام والرغبة فيه مع تَمتُّعِهم بذاكرة كلاميّة واسعةٍ وفيّاضة، فتفيض لديهم منابع القول، وبذلك يزداد المنطوق من كلامهم عمّا يريدون التعبير عنه من المعاني.
وقد يصل بعض هؤلاء إلى مستوى الإِسراف والتبذير في القول، والثرثرة بلا طائل، وللنساء النّصيبُ الأكبر من هذا.
* وإمّا أن يكونوا ميّالين إلى قلّة الكلام وإيثار الصّمت إلَاّ عند الحاجة الماسّة، بسبب ضابطٍ حكيمٍ من عقولهم، أو بسبب شعورهم بالعجز عن استدعاء الكلماتِ المعبِّرات عمّا يُرِيدون من المعاني، إذْ لا تُساعدهم ذاكرتُهُمْ على اختيار الكلمات المناسبات لما يُريدون التعبير عنه، أو يُصابون بالْعِيّ والْحَصَرِ فى مواقف الرَّغبةِ أو الرَّهبة، أو اضطراب النفس وقَلَقِها لأمْرٍ ما، فيَتَعَثَّرون في الكلام، ويحاولون عند الحاجة إليه اختيار أقلّه، للدلالة عما يريدون التعبير عنه، أو تكون ألسنتهم ثقيلة الحركة يتعثر فيها النطق بحسب فطرتهم.
* لكنَّ الذين يتحلَّوْن بالقدرة على القول الكثير، والقدرة أيضاً على ضبط نفوسهم وألسنتهم عن شهوة الكلام والإِطالة فيه، وعلى اختيار الكلام المساوي تماماً للمعاني التي يريدون التعبير عنها دون زيادة ولا نقص، فَهُم القلّة النادرة من الناس.
ولا يصل الواصلون إلى القدرة على هذه المطابقة إلَاّ إذا اجتمعت لديهم عدّة صفات يتّضح لنا منها الصفات التاليات:
الأول: الاستعداد الفطريُّ للتّحكُّم بما يقولون.
الثانية: الثروة اللّغوية الواسعة.
الثالثة: القدرة على حُسْنِ الاختيار والانتفاء من الكلمات وأساليب التعبير.
الرابعة: الحكمة في ضبط مسيرة القول على منهج التوسع دون وكْسٍ وشطط.
الخامسة: التدرُّبُ الطويل والممارسة، مع مُتَابعة النظر الناقد، والتمحيص والتحسين.
وبالتتبُّع نلاحظ أنّ الكلام المطابق للمعاني الّتي يراد التعبير عنها به حتى يكون بمثابة القوالب لها تماماً كلامٌ نادرٌ، وهو الأقلّ دواماً من مجموع الكلام ومنزلته رفيعة جدّاً إذا كان فى الموضوعات التي يحسُنُ أن يكون الكلام فيها مطابقاً للمعاني المرادة منه تماماً، لا زائداً ولا ناقصاً، وهي الموضوعات الّتي سبق بيانُها في الفصل الأوّل من هذا الباب.
إنّ القادر على ضَبْطِ كلامه وجَعْلِه مطابقاً لما يريد من المعاني دون زيادة ولا نقصان متكلّم ماهرٌ جدّاً، وهو بمثابة من يمشي على طريق مطابق لحدود مواطئ قدميه تماماً، إذا انحرف يميناً أو شمالاً خرج عنه فأساءَ مُنْحَدِراً أو صاعداً أو ساقطاً.
ولذلك يُخْتَارُ لصياغة القوانين والقرارات والمعاهدات والبيانات المحدّدة والموادّ المحرّرة الممحصَّة أمْهَرُ كُتّاب القوانين وصائغي نصوصها، إذ يجب أنْ تكون موادُّها مطابقةً تماماً للمعاني التي يُرَاد الدلالةُ عليها بها، حتّى لا تُفَسَّر بما يَنْقُصُ عن المعاني التي حصل عليها الاتفاق، أو بما يزيد عليها، فلمفسّري موادّ القوانين والمعاهدات والعقود والقرارات ونحوها حِيَلٌ كثيرة يغيّرون بها مفاهيم نصوصها، متى وجَدُوا فيها ثغرات نقص أو زيادة تسْمَح بالتحايل والتلاعُب في التفسير.
وقلّما نجد في مجموع كلامٍ كثير كلاماً مساوياً للمعاني المرادة منه دون زيادة ولا نقص، ولا سيما في النصوص التي تُصَاغ بأساليب أدبية، فالأمثلة على الكلام المساوي في النصوص الأدبية أو المطَعَّمة بالأساليب الأدبية نادرة، قد نجدها في جُمَل، وفي كلامٍ قصير، وفي بيتٍ من الشعر، أو شَطْرٍ من بيت.
ولندرة المساواة في الكلام توهّم بعض الباحثين أنّه لا واسطة بين الإِيجاز والإِطناب، وجعل القسمة ثنائيّة لا ثلاثية وأدخل المساواة في الإِيجاز.
***
اختلاف مقادير الكلام في المساواة مع اتّحاد المعنى المراد
من الملاحظ في أساليب الكلام العربي ذي التعبيرات المختلفات عن المعنى الواحد، أنّه قد يُوجَدُ فيها تعبيران أو أكثر عن معنىً واحد، ينطبق عليهما أنهما مساويان للمعنى، مع أنّ عدد كلمات أحدهما أكثر من عدد كلمات الآخر، فَيُقَالُ لذي الكلمات الأكثر أطول، ولذي الكلمات الأقلّ أقصر.
إنّ قول القائل: "أريد أن أشرب ماءً" كلامٌ مطابقٌ لمعناه دون زيادة ولا نقص بحسب أصول الكلام العربي.
فإذا قال: "أُريدُ شُرْبَ ماءٍ" باستعمال المصدر "شُرْب" بدل: "أن أشرب" المؤوّلان بمصدر، فقد جاء أيضاً بكلامٍ مطابق لمعناه دون زيادة ولا نقص وفق أصول الكلام العربي.
لكِنَّ العبارة الثانية أقْصَرُ بالنظر إلى أنَّها مؤلّفةٌ من ثلاث كلمات ملفوظة، أمّا الأولى فهي مؤلّفَةٌ من أربع كلماتٍ ملفوظة.
وربَّ كلمةٍ تدلُّ على معنيَيْنِ فأكثر، ويكون فيها غَناءٌ عن كلمِتَيْنِ فأكثر، واستعمالها يقلّل من طول الكلام المطابق المساوي لمعناه.
إنّ عبارة "مدينة" أو "قَرْية" مساوية في المعنى لعبارة "مباني سكنيّة مجتمعة" وقولُ القائل: "سكنتُ في قرية" أو "سكَنْتُ في مدينة" يساوي في المعنى قوله: "سكنت في مبانٍ سكنية مجتمعة" وكلٌّ من التعبيرين ينطبق عليه عنوان الكلام المساوي لمعناه الذي لا زيادة فيه ولا نقصان، مع أنّ أحدهما مؤلّف من ثلاث كلمات ملفوظة، والآخر مؤلّف من خمس كلمات ملفوظة.
وبناءً على هذا فباستطاعتنا أنْ نُفَصّلِ الكلام المساويَ لمعناه فنجعلَهُ ذا نِسَبٍ مختلفة في الطولِ والْقِصَر، كشأن القسمَيْنِ الآخرين من الكلام:"الإِيجاز والإِطناب" كما سيأتي به البيان إن شاء الله، ففي المساوي أقصر وقصير، وطويل وأطول أحياناً.
بعد هذا أقول: إنَّ كلَاّ من المساوي الأقصر والمساوي القصير والمساوي الطويل والمساوي الأطول له مواضع تلائمه، ويكون فيها هو الأبلغ بحسب مقتضيات الأحوال.
فكتّابُ المتون المكثفة يَلْجَؤُون إلى اختيار المساوي القصير أو الأقصر، وكذلك مختزلو المقالات الطوال لتقديمها لرؤسائهم الذين تضيق أوقاتهم عن قراءة الكلام الكثير.
وشُرَّاح المتون بشروح موجزة تقتصر على حلّ العبارة يَلْجَؤُون إلى اختيار المساوي الطويل أو الأطول.
ملاحظتان:
(1)
لم يُنَبِّه علماء البلاغة - فيما أعلم - على هذا التفصيل للكلام المطابق المساوي لمعناه، لتعذُّر رسْمِ حدودٍ له، إلَاّ أنّني رأيت أنّ من المناسب التنبيه عليه، لبيان أنّ لكلٍ من أقسام الكلام المساوي مواضع تلائمه، ومقتضياتِ أحوال من المستحسن اختيارُهُ لها.
(2)
قد يلتبس المساوي القصير أو الأقصر بِقسْمِ: "إيجاز الْقِصَر" الآتي بيانُه - إن شاء الله - إلَاّ أنَّ باستطاعتنا التفريق بأنّ "إيجاز الْقِصَرِ" يختصُّ بجوامع الْكَلِم الذي تُخْتَار فيه الكليّات العامّة، بدلالاتها الشاملات، وتكونُ عباراته بوجه عامّ ممّا لا ينْطَبِقُ عَلَيْها عُنْوانُ "المساواة" فإيجازُ الْقِصَرِ قَدْ يُفِيضُ بمعانٍ كثيرةٍ، تحتاجُ شروحاً وتفصيلات بكلامٍ كثيرٍ جدّاً.
أمثلة:
أورد البلاغيون أمثلة من الكلام الذي رأَوْا أنَّه يَتَّصِفُ بالمساواة بينه وبين المعاني المرادة منه، دون أنْ يُتْبِعُوها بدراسات تحليليّة كاشفات، وليس من المستبعد أن يكون بعض ما أوردوه منها عُرْضَةً لاحتمالات كونه ممّا ينطبق عليه عنوان:"الإِيجاز" لا عنوان المساواة أو ينطبق على بعض عناصره عنوان: "الإِطناب" والكاشف لذلك الدراسة التحليلية الشاملة للنصّ بكلّ جُمَلِه وعناصرها.
والمهمّ أنْ نقول: إنّ من الكلام ما ينطبق عليه عنوان المساواة حتماً، ولو كانت الأمثلة منه ذاتُ النُّصوص الطويلة نادرة، ولا تخلو من اعتراضات وإشكالات قد تجعلها أمثلةً غير مطابقة لما سِيقَتْ له.
فمن الأمثلة على الكلام المتصف بالمساواة ما يلي:
المثال الأوّل:
قول الله عز وجل في سورة (فاطر / 35 مصحف / 43 نزول) على ما أورد القزويني في التلخيص:
{وَلَا يَحِيقُ المكر السيىء إِلَاّ بِأَهْلِهِ
…
} [الآية: 42] .
يَحِيقُ: أي: يُحِيط. الْحُوقُ: الإِطار المحيط بالشيء المستدير حوله.
المكرُ السَّيّئ: أي: التدبير الخفيّ الموصوف بأنَّه سَيّئٌ لأنه اسْتُخدم في الشرّ لا في الخير، فليس كلُّ مكْرٍ سَيِّئاً، إذْ من المَكْرِ ما هو مَكْرٌ في الخير، وهو عندئذٍ يكون مكراً حسناً لا سَيّئاً.
إلَاّ بأهله: أي: إلَاّ بأصحابه المدبّرين له، أو إلَاّ بالمستحقين له.
دلّت هذه العبارة القرآنية على أنَّ إحاطة المكر السَّيِّئ إحاطةً تامّةً لا تكون إلَاّ بأصحابه المدبّرين له، أو المستحقين له.
لكنَّ هذا المثال قابل للمناقَشَة من وجْهَين:
الوجه الأول: أنّ كلمة [يَحِيقُ] فى اللّغة تَدُلُّ على معنى الإِحاطة، وقد فهم المفسّرون منها مع معنى الإِحاطة معنى الإِصابة والنزول، وهذه الزيادة إنما فهموها من دلالات لزوميّة فكريَّة، خارجة عن المعنى المطابقيّ لفعل "يحيق" وبناءً على هذا يكون المثال مما يندرج تحت عنوان:"الإِيجاز" الذي اعْتُمِدَ فيه على الدلالة اللُّزوميّة، ولا يندرج تحت عنوان:"المساواة" التي فيها تطابُقٌ تامٌّ بين اللّفظ والمعنى بحسب الأوضاع اللّغوية.
الوجه الثاني: أنّ عبارة [بأَهْلِهِ] ذاتُ احتمالين:
* فهل المراد منها أصحابُ المكر المدَبِّرون له؟
* أو المراد منها المستحقّون له، سواءٌ أكانوا هم المدبّرين له، أوْهُمْ ومعَهُمُ الّذين دُبِّر ضِدَّهم، إذا كانَ هؤلاء أصحابَ شرٍّ أيضاً يسْتَحِقُّون أن يَحِيقَ بهم المكر السّيّئ؟. فإذا كان المراد هذا المعنى الثاني فالعبارة تشتمل على إيجاز الْقِصَر باستخدام لفظٍ ذي معنىً كلِّيّ صالحٍ لنوعَيْن: مُدَبّري المكر، ومَسْتَحِقّيه من غيرهم.
المثال الثاني:
قول النابغة الذبياني من قصيدة يَمْدَحُ بها "النعمان بن المنذر" مَلِكَ الحيرة، على ما أورد القرويني في التخليص:
فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِى هُوَ مُدْرِكي
…
وَإِنَ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ
مُدْركي: أي: بالِغٌ إليَّ ومحيطٌ مَهْمَا فررتُ منه.
خِلْتُ: أي: ظَنَنْتُ.
الْمُنْتَأَى: أي: مَكَان الابتعاد.
والمعنى: فإنَّكَ - أيُّها الملك - بسبب قُدْرَتِك على الوصول إلى الْقَبْضِ عليَّ، والإِمْسَاك بي تشبه اللّيل الذي هو مُدْرِكي لا محالة أينما فَرَرْتُ منه قاصداً أيّ مكانٍ من الأرض.
هذا واقع حالي بالنسبة إلى قدرتك على الظفر بي، وإنْ ظننتُ أنَّ مكان الابتعادِ عن جُنُودِ سلطانك في البلاد مكانٌ واسعٌ أَجِدُ فيه مفرّاً منهم.
لكِنَّ هذا المثال قابل للمناقشة أيضاً من وجوه:
الوجه الأول: أنّ استخدام "النابغة" أُسْلُوبَ تشبيه "النعمان" باللَّيل في قُدْرَتِهِ على الظفر بمن يَطْلُبُه من قومه أسلوبٌ أوْجَزَ فيه كلاماً طويلاً فهو مثالٌ يَصْلُح للإِيجاز لا للمساواة.
الوجه الثاني: من الملاحظ أنّ "النابغة" خاطب الملك بكاف الخطاب، وهو يريد سُلْطته عن طريق جنُوده، إذْ هو بشخصه لا يستطيع أن يُدْرِكَ النابغة لو أراد الفرار منه، وهذا من إطلاق السبب وإرادة المسبَّب، فهو من المجاز المرسل أحَدِ العناصر التي تُسْتَخْدَم للإِيجاز، والتقدير فإنّ سُلْطَتَكَ التي تَسْتَخْدِمُ فيها جُنُودُكَ الكثيرين كاللَّيْلِ الذي هو مدركي، وهذا إيجاز بالحذف.
الوجه الثالث: بالَغَ النابغة فشبَّه "النُّعمان" باللَّيل، فزادَ عمَّا يُريد التعبير عنه من أنّ الملك قادر على أن يوجّه أوامره فتلْحَق جنودُه بمَنْ يفرُّ منه فتقبض عليه، وهذه الزيادة ذات فائدة، فهي من الإِطناب الحسن.
الوجه الرابع: أنّ الشطر الأوّل من البيت كافٍ للدّلالة على مقصوده، إلَاّ أنه زاده تأكيداً بقوله فى الشطر الثاني:"وَإِنْ خِلْتُ أنَّ المنتأَى عنك واسعُ" وهذا إطنابٌ بِزِيادةٍ مفيدةٍ.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول) .
{مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الآية: 44] .
يَقْرُبُ هذا المثال من أن يكون مثالاً صالحاً للمساواة، إلَاّ أن استعمال عبارة:{فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} تَصْلُحُ لأَنْ تكونَ مِثَالاً للإِيجارُ بالْحَذْفِ، إذْ التقدير: فَعَلَيْهِ يَنْزِلُ عِقَابُ كُفْرِه.
وكذلك عبارة: {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} إذْ تقديرُها: فَلَخَيْرِ أنفسهم، أو لمصلحة أنفسهم يَمْهَدُونَ.
يضاف إلى هذا أنّ عبارة
{وَمَنْ عَمِلَ صَالحاً} فيها إيجاز بالحذف أيضاً، إذ التقدير: ومَنْ عمل عملاً صالحاً هُو ثَمَرَةُ إيمان صحيح.
المثال الرابع:
قول الله عز وجل فى سورة (الطور/ 52 مصحف/ 76 نزول) :
{كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} [الآية: 21] .
أي: كُلُّ امْرِئ محبوسٌ بما كسب.
هذا المثال مع قُربه لأن يكون مثالاً صالحاً للْمسَاواة، إلَاّ أننا نجد فيه لدى التحليل إيجازاً بالحذف، إذ التقدير: كلُّ امْرِئٍ كَسَبَ إثْماً فهو بما كسَبَ منه محبوسٌ حتَّى يُحَاسَبَ على ما كسَب ويجازى، أو يغفر الله له.
المثال الخامس:
قول الله عز وجل في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) خطاباً للمؤمنين الذكور حول المواريث:
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ
…
} [الآية: 12] .
نظرتُ في هذا النصّ فوجَدْتُ معظَمَهُ صالحاً لأن يكون مثالاً للمساواة، إلَاّ أنّ من الملاحظة فيه أنّ عبارة:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} الواردة فيه مرّتين تشتمل على إيجاز بالحذف، إذ التقدير: من بعْدِ عَزْلِ وصِيَّةٍ أو من بَعْدِ تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ.
المثال السادس:
قول الله عز وجل في سورة (النساء) أيضاً:
يبدو أن هذا النّصّ صالحٌ لأن يعتبر مثالاً للمساواة، إذْ لم ألاحظ فيه عبارةً فيها إيجاز، ولا عبارةً هِيَ من قبيل الإِطناب. إلَاّ أنْ يقال: إنّ المراد من عبارة {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} تجري مِنْ تَحْتِ قُصُورِها، أو تَجْري من تَحْتِ فُرُوع أشجارها.
وقد يجاب بأنّ {جَنَّات} يُطلَقُ على السّاترات من الأشجار والقصور لا على الأرض من تحتها، فتكون الأنهار الجاريات على أراضيها جارياتٍ من تحتها، ولا حاجة إلى تقدير مضافٍ محذوف.
المثال السابع:
وذكروا من أمثلة الكلام الموصوف "بالمساواة" قول الشاعر:
وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنىً كُلَّ حَاجَةٍ
…
وَمَسَّحَ بالأَرْكانِ مَنْ هُو مَاسِحُ
وَشُدَّتْ عَلَى دُهْمِ الْمَطَايَا رِحَالُنا
…
وَلَمْ يَنْظُر الْغَادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ
أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَا
…
وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الأَبَاطِحُ
المثال الثامن:
وذكروا منها أيضاً قول أبي نواس الذي قال "الجاحظ" بشأنه: لا أعرف شعراً يَفْضُلُه:
وَدَارِ نَدَامَى عَطَّلُوهَا وَأَدْلَجُوا
…
بِهَا أَثَرٌ مِنْهُمْ: جَدِيدٌ وَدَارِسُ
مَسَاحِبُ مِنْ جَرِّ الزِّقَاقِ عَلَى الثَّرَى
…
وَأَضْغَاثُ رَيْحَانٍ: جَنِيٌّ وَيَابسُ
حَبَسْتُ بِهَا صَحْبِي فَجَدَّدْتُ عَهْدَهُمْ
…
وَإنِّي عَلَى أَمْثَالِ تِلْكَ لَحَابِسُ
تُدَارُ عَلَيْهَا الرَّاحُ فِي عَسْجَدِيَّةٍ
…
حَبَتْهَا بأَنْواعِ التَّصَاوِيرِ فَارِسُ
قَرَارَتُهَا كِسْرَى وَفِي جَنَباتِهَا
…
مَهاً تَدَّرِيَها بِالْقِسِيِّ الْفَوارِسُ
فَلِلرَّاح مَا زُرَّتْ عَلَيْهِ جُيُوبُها
…
ولِلْمَاءِ مَا دَارَتْ عَلَيْهِ الْقَلَانِسُ
لكنّ هذين المثالين الأخيرين يحتاجان إلى دراسةٍ تحليليّة للتحقّق من انطباق عنوان "المساواة" عليهما.
الفصل الثالث: الإيجاز
(1)
التعريف
الإِيجاز لغة: اختصار الكلام وتقليل ألفاظه مع بلاغته، يقالُ لغة: أوجز الكلامَ إذا جعله قصيراً ينتهي من نطقه بسرعة.
ويقال: كلامٌ وجيز، أي: خفيفٌ قصير. ويقال: أوْجَزَ في صَلاتِه إذا خفَّفها ولم يُطِلْ فيها.
فالمادّة تدور حول التخفيف والتقصير، وفي الحديث أنَّ رَجُلاً قال للرسول صلى الله عليه وسلم: عِظْنِي وأوجِزْ، أي: قُلْ لي كلاماً خفيفاً قصيراً أحْفَظُهُ عنك فيه موعظةٌ لي.
روى الإِمام أحمد بسنده عن أبي أيّوبَ الأنصاري قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: عِظْنِي وأوجز. فقال:
"إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، ولا تَكَلَّمْ بِكَلامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَداً، وأَجْمِع الإِيَاسَ مِمَّا في أيْدِي النَّاسِ".
فوعظه الرسولُ صلى الله عليه وسلم بهذه الفقراتِ الثلاث، وأَوْجَزَ له فيها.
الإِيجاز في اصطلاح البلاغيين: هو التعبير عن المراد بكلامٍ قصير ناقص عن الألفاظ التي يُؤَدَّى بها عادةً في متعارف الناس، مع وفائه بالدّلالة على المقصود.
أو نقول: هو صياغة كلام قصير يدلُّ على معنىً كثير وافٍ بالمقصود، عن طريق اختيار التعبيرات ذات الدَّلالات الكثيرات، كالأمثال والكليّات من الكلمات، أو عن طريق استخدام مجاز الحذف، لتقليل الكلمات المنطوقة، والاستغناء بدلالة القرائن على ما حُذِف، أو عن طريق استخدام ما بني على الإِيجاز في كلام العرب، كالحصر، والعطف، والضمير، والتثنية، والجمع، وأدوات الاستفهام، وأدوات الشرط، وألفاظ العموم، وغير ذلك.
فإذا لم يكن الكلام وافياً بالدّلالة على المقصود كان الإِيجاز فيه إيجازاً مُخِلاًّ، إذ رافق التقصير في الألفاظ تقصيرٌ في المعنى الذي أراد المتكلّم التعبير عنه.
قالوا: ومن أمثلة التعبير بكلام قصير فيه إخلال بأداء المعنى المراد قول "الحارث بن حِلِّزَةَ الْيَشْكُرِي" هو شاعر جاهليّ من أهل بادية العراق، وهو أحد أصحاب المعلّقات:
عِشْ بِجَدٍّ لَا يَضِرْكَ النَّوْكُ مَا أُولِيتَ جَدّا
والْعَيْشُ خَيْرٌ فِي ظِلَالِ النَّوْكِ مِمَّنْ عَاشَ كدّا
بِجَدٍّ: أي: بحظٍّ من الدنيا، كالنعمة والسّعة.
لَا يَضِرْكَ: أي: لا يُنْزِلْ بكَ ضَرَراً، من "ضارَهُ يَضِيرُهُ".
النَّوْكُ: الحماقة من قلة العقل.
قال في البيت الأول: إِذَا كان لك حظٌّ من الدّنيا يُسْعِدُك وكُنْتَ أحْمَق فَعِشْ بحظِّكَ فإنّ حماقَتَك لا تَضِيرُكَ.
وقال في البيت الثاني: والعيشُ مع الحظّ السعيد في ظلال النَّوْك (=الحمق) خَيْرٌ ممَّن عَاشَ عَيْشاً كدّاً مُضْنِياً بعَقْلٍ ورُشْدٍ دُونَ أن يكون محظوظاً بما يُسْعِده في دُنْيا.
لكنّ هذا المعنى الذي أراده لا تدلُّ عليه عبارات البيت الثاني مَهْما تكلّفْنَا في استخراج اللّوازم الذهنيّة، لكثرة المحاذيف فيه، مع عدم وجود قرائن تدلُّ عليها، ولولا البيت الأوَّل لصَعُبَ جدّاً إدْراكُ مُرَادِه، فهُو من الإِيجاز المخلّ.
ولدى إبراز المحاذيف نقول: والعيْشُ بِجَدٍّ في ظلال النَّوْكِ خيرٌ ممن عاش عيشاً كدّاً غير محظوظٍ في ظلال العقل والرُّشد.
ومن أمثلة الإِيجاز المخلّ على ما قالوا قولُ "عُرْوةَ بْنَ الْوَرْدِ بن زيْدٍ العَبْسِي" هو شاعر جاهليّ، كان من فرسان قومه وأجوادهم:
عَجِبْتُ لَهُمْ إِذْ يَقْتُلُونَ نُفُوسَهُمْ
…
وَمَقْتَلُهُمْ عِنْدَ الْوَغَى كَانَ أَعْذَرا
قالُوا: أراد إذْ يقتلونَ نُفُوسَهُمْ في السِّلْم من غَيْرِ حرب، فحذَفَ عبارة:"في السِّلْم" وهذا من الإِيجاز المخلّ.
أقول: لقد استغنى بدَلَالَةِ الشطر المقابل، إذْ قَيَّدَ القتل الّذِى يُعْذَرُ به القتيل بأن يكون عند الوغى، أي: عند الحرب، وهذه قرينةٌ كافية لمثل هذا الحذف، قتَقَابُلُ التضاد ذو دلالة قويّة، وقرينتُه تدلُّ على المحذوف في مقابله بسهولة، وله نظائر في القرآن المجيد.
وذكروا من أمثلة الإِيجاز المخلّ قولَ الشاعر:
أَعَاذِلُ عَاجِلُ مَا أشْتَهِي
…
أحَبُّ مِنَ الأَكْثَرِ الرَّائِش
الرَّائش: بمعنى المعين، والمنعش، والمغني بالمال الوفير.
يريد أن يقول: إنّ عاجل ما يشتهي مع قلّتِه أحبّ إلى نفسه من المؤجل وإنْ كان كثيراً منعشاً مغنياً.
فحذف محاذيف لا تُسْتَخرج إلَاّ بصعوبة، فهو من الإِيجاز المخلّ على ما ذكروا.
***
(2)
تقسيم الإِيجاز
الإِيجاز السّويّ ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: "إِيجَازُ الْقِصَر" وهو الإِيجاز الذي لَا يُعْتَمَدُ فيه على استخدام الحذفِ.
القسم الثاني: "إيجازُ الْحَذْف" وهو الإِيجاز الذي يكون قِصَرُ الكلام فيه بسبب استخدام حذف بعض الكلام اكتفاءً بدلالة القرائِن على ما حُذف.
***
(3)
شرح إيجاز الْقِصَر
سبق بيان أنّ "إيجازَ القِصَر" هُو الإِيجاز الذي لا يُعْتَمَدُ فيه على استخدام الحذف.
ولكن كيف يكون "إيجاز القِصَرِ" هذا؟.
لقد جاء في وصف خاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ أُوتِيَ جَوَامعَ الكَلِم، ونجد في أقواله أمثلةً كثيرةً جدّاً ينطبق عليها عنوان "إيجاز الْقِصَر" ألفاظُها قليلة، ومعانيها غزيرة، دون أن يكون فيها ما يدُلُّ على كلام مطويّ محذوف من اللّفظ، مُشارٍ إليه بقرينة من قرائن المقال، أو قرائن الحال، أو الاقتضاء العقلي.
وفي القرآن أمثلة رائعة وكثيرة جدّاً، يَرَى فيها متدبّرو كتاب الله المجيد قِصَراً
في ألفاظها، وثَرْوَةً واسعةً في معانيها ودَلالتها، مع أنَّها لا تطوي في مثانيها محاذيف، بل جاءت ثَرْوَةُ المعاني من منطوق الألفاظ المختارة بعناية فائقة.
ولعلَّنا بنظرة تحليليَّةٍ مُتَأَنِّيةٍ فاحصة نكتشفُ أَسبْابَ قِصَرِ العباراتِ وغزارة المعاني.
أولاً: من الملاحظ أنَّ مُتَتَبِّعَ الجزئيّات بالبحث والتأمّل يكتشف صفاتها أفراداً، ثمّ بعد أن يجمع في نفسه أو في سجلاّته صفات هذه الجزئيّات يلاحظ أنّها قد تشترك جميعاً في بعض الصفات التي وجدها فيها، فإذا أراد أن يتحدّث عمّا اكتشفه فأمَامَهُ طريقان:
* إمّا أن يفصّل فيذكَر كُلَّ جزئيّة ويعدّد صفاتها، لكنّه في هذا التفصيل سيجد نفسه مضطرّاً أنْ يكرّر بعض هذه الصفات مع ذكر كلّ جزئية، وعندئذٍ يطول معه حبْلُ الكلام طولاً مُمِلاًّ مكروها.
* وإمَّا أن يَلْجأ إلى اختيار عبارة كليّة شاملة موجزة مختصرة قليلة الكلمات تدلُّ على أن جميع الجزئيات التي تَتَبَّعَها وَيَدُلُّ عليها لفظ "كذا" تتّصف بصفة "كذا وكذا".
وهنا نلاحظ أنّ "القِصَرَ" في التعبير قد جاء من جمع الجزئيّات التي تتبَّعَها بلفظ عامٍّ يشملها، ووصفها جميعاً بالوصف الذي رآها تتصف به، فيقول مثلاً دارسُ طبائع بعض الحيوانات:
"الثَّبَاتُ والسَّطو في الأسود، والغدرُ في النمور، والحيلةُ في الثعالب، والهمَّةُ والخيلاء في الخَيْل، والجلَدُ في البغال، والبلادةُ في الحمير".
وبهذا يكون قد أوجز في عباراته، إذْ جمع تفصيلات كثيرات، دون أن يُقَدِّر في كلامِهِ محاذيف، وكانت وسيلته في هذا الإِيجاز استخدام العبارات ذوات الدلالات الكليّات الشاملات.
ثانياً: وقد يجد مُنْشِئ الكلام أنّ ما يُريد الحديث عنه لَهُ صفاتٌ كثيراتٌ يحتاج تفصيلها إلى بيان طويل قد يُكتبُ في صفحات أو كُرَّاساتٍ أو أكثر من ذلك.
ثمّ ينظر في مخْزونات معارفه فيرى صُورةً من صُوَرِ الكَوْنِ مثلاً، أو طائفةً من المعلومات الجزئيّة مجتمعةً في إطارٍ واحدٍ له عنوان خاصٌّ يدلُّ على الْمُحَاطِ به، ويُلَاحِظُ أنّ ما يُرِيدُ الحديث عنه متشابهٌ لهذه الصورة، أو لما أحيط بهذا الإِطار ذي العنوان الخاصّ، فيهتَبِلُها فُرْصَةً يُوفّر بها على نفسه كلاماً طويلاً؛ إذْ يُبيّن أنّ ما يُرِيدُ التحدّث عن صفاته مشابهٌ لهذه الصورة، أو لما أُحيط بهذا الإِطار، ثمّ إنّ المتلقّي يتَتَبَّع تفصيل الصفات عن طريق النظر في العناصر المتشابهة بين المشبَّه والمشبَّهِ به، وهذه إحدى الفوائد الثمينة من ضرب الأمثال.
فإذا قال المتحدّث: لمّا ألقَى الأمريكيون القنبلة الذّرّية على المدينة اليابانية "هيروشيما" صارت هذه المدينة كلُّها كما لو تفجّرتْ ألف ألف قنبلة فنثرت رماداً ودخاناً في الجوّ.
فإنّه قد اختصر تفصيلات المشهد العظيم كلِّه بهذه العبارة التمثيلية.
وبهذا يكون قد أوجز في عبارته، إذ جمع تفصيلات كثيرات، دون أن يُقدِّر في كلامه محاذيف، وكانت وسيلته في هذا الإِيجاز استخدام أسلوب التشبيه وضَرْبِ المثل.
ثالثاً: وقد يجد منشئ الكلام أنّه يحتاج إلى عدد من الكلمات أو العبارات حتَّى تُؤَدِّيَ معنىً مِن المعاني، ثمّ يرى أنّ باستطاعته أن يختار كلمة واحدة، أو عبارةً ما قصيرة، تستدعي بطبيعة معناها لوازم فكريّة، يستطيع المتلقّي أن يكتفي بها عن الكلمات أو العبارات المتعدّدات إذا جاءت بديلاً في الكلام.
عندئذٍ يَعْدِلُ إلى اختيار الكلمة أو العبارة ذات اللّوازم الفكرية، مستغنياً بها عن كلام طويل، ليوجز في كلامه ويجعله قصيراً مع غزارة في معانيه.
فمن الأمثلة نلاحظ أن كلمة "الذِّكْر" المختارة للتعبير بها عن القرآن في كثير من نصوص الكتاب العزيز تُغْنِي بلوازمها الفكريّة عن جملة كلمات أو عبارات تتضمّن المعانيَ التالية "تبليغ القرآن - وجوب تلقيه عن المبلّغ - وجوب فهمه وتدّبره - وجوب حفظه - وجوب جعله حاضراً في الذاكرة ليُرْجَعَ إلى نصوصه عند كلّ مناسبة داعية لمعرفة دين الله وأحكامه".
كلُّ هذه المعاني فهمناها باللُّزوم الذهني، لأنَّهُ لا يكون ذِكْراً دواماً ما لم يكن مسبوقاً بالتبليغ والتلقّي والفهم والتدبّر والحفظ فمن استوفى كلّ هذه الأمور كان القرآن بالنسبة إليه ذكراً، وإلَاّ كان مَتْرُوكاً منسيّاً.
فأغنت كلمة واحدة ذات لوازم ذهنيّة عن عَددٍ من الكلمات أو العبارات، دون أن يُقَدَّرَ في الكلام محاذيف، والوسيلة هنا في هذا الإِيجاز الاستغناءُ بما تُعْطيه اللوازم الفكرية، وحُسْنُ انتقاء الكلمات التي تَدُلُّ على اللوازم الفكريّة المطلوبة.
***
بهذه النظرات التحليليّة استطعنا أن نكشف أسباباً ثلاثةَ نستطيع بوساطتها أن نجعل الكلام قصيراً موجزاً، مع دلالته على معانٍ غزيرة كثيرة، دون الحاجة إلى تقدير محاذيف حُذِفت من منطوق اللّفظ وبقيت مقدّرةً فيه ذهْناً.
وتلخيص هذه الأسباب الثلاثة فيما يلي:
السبب الأوّل: اختيار الألفاظ والتعبيرات الكليّة، ذوات الدلالات العامّاتِ الشاملات.
السبب الثاني: الاستغناء عن التفصيلات الكثيرات بالأمثال والتشبيهات التي تدلُّ فيها الأشباه والنظائر على مقابلاتها، إذْ يدلُّ الممثَّل به الجامع لصُوَرٍ وصفاتٍ ومعَانٍ كثيرة على صُورٍ وصفاتٍ ومَعَانٍ موجودَةٍ في الممثّل له.
السبب الثالث: الاستغناء بما تعطيه اللّوازم الفكريّة لعبارة، عن ذكر كلامٍ ذي دلالات مباشرات تَدُلُّ بالمطابقة على هذه اللَّوازم.
***
أمثلة على "إيجاز الْقِصَر"
المثال الأوّل:
قول الله عز وجل في سورة (الزلزلة/ 99 مصحف/ 93 نزول) :
{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} . [الآيات: 7 - 8]
وصف الرسول صلى الله عليه وسلم هذا القول بأنَّه فَاذٌّ جَامعٌ، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أنّ الرَّسول تحدث عن اقتناء الخيل فقسَّمها ثلاثة أقسام، وشرحها، وبعد ذلك سُئِلَ عَنِ الْحمُرِ فقال:
"مَا أُنْزِلَ عَلَيّ فيهَا إلَاّ الآيَةُ الْفَاذَّة الجامِعَة": {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الآيات: 7 - 8] .
جعل الآيتَيْنِ لترابطهما بمثابة الآية الواحدة، ووصفها بأنَّها فَاذَّةٌ، وَبِأَنَّها جامعة.
* أمَّا كونُها فاذّة فمعناه أنَّها منفردة فيما دلّت عليه من معنى، لم يأتِ في القرآن نظيرها بهذا الإِيجاز الجامع.
* وأمّا كونها جامعةً فمعناه أنَّها شاملةٌ عامّةٌ تتناول كُلَّ عَمَلٍ صغيراً كان أو كبيراً خيراً كان أو شرّاً، فهي من جوامع الكلم.
إنّ هذا البيان القرآني على قِصَرِه وقلَّةِ كلماته يَدُلُّ على مَعَانٍ يمكن أن تُفَصَّل وتُشْرَحَ بسِفْرٍ، لما جاء فيها من اختيار الألفاظ ذَواتِ الدلالات العامّات الشاملات.
(1)
كلمة "مَنْ" من ألفاظ العموم، فهي تعطي دلالة كليّة عامَّة تَشْمَلُ كلَّ مكلَّف، وهي اسم شرط جازم.
(2)
وفعل الشرط "يَعْمَل" يشمل كلّ عَمَلٍ إراديٍّ من الأعمال الظاهرة والباطنة.
(3)
وعبارة "مثقال ذرّة" عبارةٌ ذات شمول يبدأ من أصغر الأعمال وأقلّها عدداً، وينطلق دون حدود عِظَماً وعدداً كثيراً.
(4)
وكلُّ من كَلمَتِيْ: "خيراً" و"شرّاً" تمييز على تقدير "من" وهو منكر، فهو يفيد العموم الذي يشملُ كلَّ خير وكلَّ شرّ ظاهر أو باطن.
(5)
وكلمة: "يَرَهُ" التي هي جواب الشرط تدلُّ على حتميّة رؤيَةِ عَمَلِهِ الذي كان عَمِلَهُ في الدنيا، إذْ يراهُ في كتاب أعماله مسجَّلاً بالصُّورة والصوت والخواطر والنّيات.
هذا من أبدع وأعْجَب "إيجاز الْقِصَرِ" وطريقُه اختيار الألفاظ والتعبيرات ذوات الدَّلالات العامَّات الشّاملات.
***
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الآية: 179] .
إنّ جملة: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ} من أبْدع وأتْقَنِ "إيجَازِ الْقِصَر" الذي لا حَذْف فيه، إنّما فيه حُسْنُ انتقاء الكلمات، مع اتقان الصياغة، فهي على قِصَرِها وقلّةِ ألفاظها تَدُلُّ على معنىً كثيرٍ جِدّاً.
وطريق الإِنجاز فيها اختيار الألفاظ ذوات الدَّلالات العامَّاتِ الشاملات.
وقد اشتغل البلاغيّون في تحليل هذه العبارة القرآنية لاكتشاف عناصر إيجازها البديع المتقَن، ولمقارنتها بما كان لدى فصحاء العرب من عبارة مناظرة كانوا يردّدونها ويعتبرونها من أقصر الْكَلمِ وأوجزه، وهي قولهم:"القتْلُ أنْفَى للقتل".
وأعرض فيما يلي أبرزها مع إضافات تحليليّة من عندي:
(1)
إنّ كلمة "القِصَاص" كلمة عامّة تشمل القتل بالقتل، والقطع بالقطع، والجروح بالجروح، وتدخلُ فيها كُلُّ تفصيلات الجنايات ممّا يتعلّق بذوات الأحياء من الناس، أنفسِهِمْ فما دون ذلك.
(2)
وإنّ كلمة "حياة" تشمل حياة النفس، وحياة كلّ بعْضٍ من أبعاض الجسد الذي إذا انقطع مات، فيكون حاله كحال كلّ الجسد إذا ماتت النفس.
وتنكير لفظ "حياة" يدلُّ على أصل بقاء الحياة للنفس، ويدُلُّ على نوع نفيس من أنواع الحياة يتَمنّاه الأحياء، وهو نوع الحياة الآمنة، التي لا خوف فيها ولا قلَقَ، والذي يتحقّق بتقرير حكم القصاص وتنفيذه، وذلك لأنّ من تُحَدِّثُه نفسُهُ بالعدوان على فردٍ أو أكثر من أفراد المجتمع في كلّ النفس، أو في بعض أعضاء الجسد، فإنَّ خوفه من القصاص يروعُه فيكُفُّ عن ارتكاب الجريمة، وبهذا تَقِلُّ جرائم القتل والقطع والجروح في المجتمع إلى أدنى الحدود، فيعيش أفراد المجتمع مطمئنينَ حياةً آمِنة.
وبالمقارنة بين العبارة القرآنية: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ} وبين أوجز عبارة مشابهة كان العرب يردِّدونها، وهي قولهم:"الْقَتْلُ أنْفَى لِلْقَتل" ظهر ما يلي:
(1)
إنّ حروف العبارة القرآنية: {فِي القصاص حَيَاةٌ} أقل من عبارة العرب: "الْقَتْلُ أنْفَى للقتل".
(2)
العبارة القرآنية ذكرت "الْقِصَاصَ" فعمَّت كلَّ ما تُقَابَلُ به الجناية على الأنفس فما دون الأنفس من عقوبة مُمَاثلة، وحدّدَتِ الأمر بأنْ يكون عقوبة لعمل سبق، ودلّت على مبدأ العدل.
أمّا عبارة العرب فقد ذكرت القتل فقط، ولم تقيّده بأن يكون عقوبة، ولم تُشِرْ إلى مبدأ العدل، فهي قاصرة وناقصة.
(3)
العبارة القرآنية نصَّتْ على ثبوت الحياة بتقرير حكم القصاص.
أما عبارة العرب فذكرت نَفْي القتل، وهو لا يَدُلُّ على المعنى الذي يَدُلُّ عليه لفظ "حياة".
(4)
العبارة القرآنية خالية من عيب التكرار، بخلاف الأخرى.
(5)
العبارة القرآنية صريحة في دلالتها على معانيها، مستغنية بكلماتها عن تقدير محاذيف.
بخلاف عبارة "العرب" فهي تحتاج إلى عدّة تقديراتٍ حتى يَستقيم معناها، إذْ لا بُدَّ فيها من ثلاث تقديرات، وهي كما يلي:
"القتلُ" قصَاصاً "أنْفَى من تركه "لِلقَتْلِ" عمْداً وعدواناً.
(6)
في العبارة القرآنية سَلَاسة، لاشتمالها على حروف متلائمة سهلة التتابع في النطق.
أمّا عبارة "العرب" ففيها تكرير حرف القاف المتحرِّك بين ساكنين، وفي هذا ثقل على الناطق.
(7)
في العبارة القرآنية من البديع "الطباق" بين لفظتي: القصاص والحياة.
(8)
العبارة القرآنية خالية من عيب إيهام التناقض، إذْ الموضوع تشريع لا يحتمل مثل هذا الإِيهام الذي قد يَحْسُنُ في موضع آخر، كالمدح والذّمّ.
فظاهر عبارة "القتل أنفى للقتل" متناقض، ولا يستقيم المعنى، إلَاّ بملاحظة المقدَّرات المحذوفة من اللفظ.
إلى غير ذلك من دقائق يكشفها المحلّل الخبير بتحليل دلالات الكلام.
***
المثال الثالث:
قول الله عز وجل لرسول في سورة (الحجر/ 15 مصحف/ 60 نزول) :
{فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} [الآيات: 94 - 95] .
إنّ جملة {فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ} موجزةُ العبارة، لكنَّهَا تَدُلُّ على معانٍ كثيرة، وقد ذكرها "ابْنُ أبي الإِصبع" من أمثلة "الإِيجاز" ونبَّهَ على ما في عبارة {فاصدع} من دقائق، فقال:
"المعنى: صَرِّحْ بجميع ما أُوحِي إليك، وبلِّغ كُلَّ ما أُمِرْتَ ببيانه، وإنْ شقَّ بعضُ ذَلِكَ عَلى بعضِ القلوبِ فانْصَدَعَتْ".
وأشار إلى أنّ استعمال {فاصدع} هُنَا هو استعمال على سبيل الاستعارة، ومعلوم أنّ الاستعارة عِمَادُها التشبيه، فشَبَّهَ تأثير التصريح في القلوب الكارهة للبيانات الدّينيَّة، بالضرب على الزجاج الذي يَنْصَدعُ دون أن يتكسَّر ويتفرّق، فتابع قائلاً:
"والمشابهة بينَهُما فيما يؤثِّرُهُ التصريح في القلوب، فيظْهَرُ أثَرُ ذلك على ظاهر الوجوه من القبض والانبساط، وما يلوح عليها من علامات الإِنكار والاستبشار، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة.
فانظر إلى جليل هذه الاستعارة، وعِظَم إيجازها، وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة".
وحُكِيَ أَنّ بعض الأعراب لمّا سمع هذه الآية سَجَدَ، وقال سَجَدْتُ لفصاحة هذا الكلام.
أقول: إنّ إيجاز هذه الجملة القرآنية: "إيجازُ قِصَرٍ" وطريقُه التشبيه الذي جاء بأسلوب الاستعارة، و"إِيجازُ حَذْفٍ" إذْ في العبارة حذفُ المفعول به لفعل "تُؤْمَرُ" والتقدير: فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ أَنْ تُبلِّغَهُ للناس.
***
المثال الرابع:
قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) خطاباً لرسوله فكلّ داع إلى سبيل ربّه:
{خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين} [الآية: 199] .
في هذه الآية إيجاز عجيب، إذْ تتألف من كلمات معدودات، إلَاّ أنّها تدلُّ على معانٍ كثيرة.
وطريق الإِيجاز فيها استخدام التعبيرات الكلية ذوات الدلالات العامّات الشاملات، والاستغناء بما تعطيه اللوازم الفكرية.
وقد شرحْتُ هذا النصّ وآيات ثلاثاً بعده في كتاب "أمثال القرآن وصُور من أدبه الرّفيع" فلا داعي لإِعادة شرحه هنا.
***
المثال الخامس:
قول الله عز وجل في سورة (هود/ 11 مصحف/52 نزول) في عرض لقطات من قصة نوح وقومه:
قالوا في هذه الآية من الإِيجاز ما يعجز البيان عن استيفاء تحليله وشرحه، فقد أمر فيها ربُّنا ونَهَى، وأخبرَ، ونادَى، ونعَتَ، وسمَّى، وأهْلَكَ وأبْقَى، وأسْعَدَ، وأشْقَى، وقصَّ من الأنباء ما حقّق به الغاية القصْوَى من البيان.
وطريق الإِيجاز فيها التعبيرات الكليّة العامّة، والاستغناء بما تعطيه اللوازم الفكريّة.
وقد شرحت هذه الآية في كتاب "نوح عليه السلام وقومه في القرآن المجيد".
***
المثال السادس:
قول الله عز وجل في سورة (النمل/ 27 مصحف/48 نزول) في عرض لقطات من قصة سليمان وجنوده:
قالوا: إنَّ التعبير عن قول النملة قد جمع ثلاثة عشر جنساً من الكلام:
(النداء - الكناية في "أيُّ" - التنبيه في "ها" - التسمية في (النمل) - الأمر - القصة في "مساكنكم - النهي التحذيري - التخصيص في "سليمان" - التعميم في "وجنوده" - الكناية بالضمير في مواضع - العذر في "وهم لا يشعرون" - التأكيد في "لا يحطِمَنَّكُم" - الإِيجاز بالعطف -) .
وفي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الإِيجاز الشيء الكثير.
ونجد أيضاً في أقوال فصحاء العرب، وبلغاء الأدباء والكتاب أمثلة كثيرة. وفيما أوردته من أمثلة قرآنية كفاية.
(4)
شرح "إيجاز الحذف"
سبق بيان أنّ "إيجاز الحذف" هو الإِيجاز الذي يكونُ قِصَرُ الكلام فيه بسبب استخدام حذف بعضه، اكتفاءً بدلالة القرائن على ما حُذِف.
إنّ من طبيعة البلغاء والمتحدّثين الأذكياء أن يَحْذِفوا من كلامهم ما يَرَوْن المتَلَقِّيَ له قادراً على إدْراكه بيُسْرٍ وسُهُولة، أو بشيء من التفكير والتأمُّل إذا كان أهلاً لذلك.
والسبب في هذا أنّ الإِسراف في الكلام لا يَليق برَزَانَةِ ورَصَانةِ أهل العقل والفكر الحصيف، بل هو من صفات الثرثارين وأهل الطيش والخفّة، وهو في الغالب من طبائع النساء.
وقد سمَّى "ابن جنيّ" الحذفَ شجاعَةَ العربيّة، وقال:"عبد القاهر الجرجاني": "ما من اسم حُذِفَ في الحالة التي يَنْبَغي أن يُحْذَفَ فيها إلَاّ وحَذْفُهُ أحْسَنُ من ذِكْره".
وأعالج شرح "إيجاز الحذف" من خلال ثلاثة مباحث مع الأمثلة.
المبحث الأول: فوائد الحذف.
المبحث الثاني: شروط الحذف.
المبحث الثالث: أنواع الحذف.
وفيما يلي التفصيل والشرح.
أوّلاً - فوائد الحذف:
ذكر الباحثون في هذا المجال إحدى عشرة فائدة أجْمَعُها في "تِسْع" إذا تحققت واحدة منها فأكثر دون الإِساءة إلى المعنى المراد فالحذف بشروطه عمل بليغ، ومسلك في الكلام رشيد.
الفائدة الأولى: الاختصار اقتصاداً في التعبير، واحترازاً عن البعث، عند تحقُّق المطلوب بظهور المعنى المراد لدى المتلَقِّي، ككَوْن المذكور لا يصلُح إلَاّ للمحذوف، ومنه حذف المبتدأ إذا كان الخبر من الصفات التي لا تصلُحُ إلَاّ لله عز وجل، وككْون المحذوف مشهوراً حتى يكون ذكره وحذفه سواء.
الفائدة الثانية: التَّنْبيهُ على أنّ الوقت مع الحدث لا يتسع للتصريح بالمحذوف من اللفظ، أو أنّ الاشتغال بالتصريح به يُفضي إلى تفويت أمْرٍ مُهِمّ، وتظهر هذه الفائدة كثيراً في باب "التحذير والإِغراء" ومنه ما في قول الله عز وجل في سورة (الشمس/ 91 مصحف/ 26 نزول) المشتمل على قول صالح عليه السلام لقومه:
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ انبعث أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا} [الآيات: 11 - 13] .
فحذَّرَّهُمْ أن يَمَسُّوا نَاقَةَ الله، فحذَف فِعْلَ التحذير فقال:"نَاقةَ الله" والتقدير: ذَرُوا نَاقَةَ الله.
وأغراهم بأن يحافظوا على شروط سُقْيَاها، فحذف فِعْلَ الإِغراء فقال:"وسُقْيَاها" والتقدير: الزموا سقياها، أو الزموا شروط سقياها.
الفائدة الثالثة: التفخيم والتعظيم، أو التهويل ونحو ذلك، بسبب ما يُحْدِثُه الحذف في نفس المتلقّي من الإِبهام الذي قد يجعل نَفْسَه تقدّر ما شاءت دون حدود، ويَحْسُنُ مثل هذا الحذف في المواضع التي يُراد بها التعجيب والتهويل وأن تذهب النفس في تقدير المحذوف كلَّ مذهب.
كحذف جواب الشرط في قول الله عز وجل في سورة (الزمر/ 39 مصحف/ 59 نزول) :
وتقدير الجواب: لَرَأَوْا شيئاً عظيماً جدّاً تعجز عباراتهم عن وصفه.
وكحذف جواب الشرط أيضاً في قول الله عز وجل في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول) :
{وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين} [الآية: 27] .
أي: ولو تَرَى إذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ لَرَأَيْتَ مَا هُمْ فيه من الرُّعْبِ وَالكَرْبِ والْحَسْرَةِ والنَّدَمِ شيئاً لا تستطيع وصفه بالعبارة.
الفائدة الرابعة: التخفيف على النُّطْق لكثرة دَوَرَانه في الكلام على الألسنة.
وهذه الفائدة تظهر في حذف أداة النداء، وحذف النون من فعل "يكُن" المجزوم، وحذف ياء المتكلم، وحذف مثل ياء "يَسْرِي" كما قال تعالى:{واللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} وحذف آخر المرخّم في النداء، ونحو ذلك.
الفائدة الخامسة: صيانة المحذوف عن الذكر تشريفاً له.
الفائدة السادسة: صيانة اللّسان عن ذكره فيحذَفُ تحقيراً له وامتهاناً.
الفائدة السابعة: إرادة العموم، مثل قولنا في الفاتحة خطاباً لربِّنا:{وَإيَّاكَ نَسْتَعين} أي: في أمور دنيانا وأُمور أخرانا.
الفائدة الثامنة: مراعاة التَّناظُر في الفاصلة، مثل قول الله عز وجل في سورة (الضُّحى/ 93 مصحف/11 نزول) :
{والضحى * والليل إِذَا سجى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى} [الآيات: 1 - 3] .
أي: وما قَلَاكَ.
الفائدة التاسعة: إرادة تحريك النَّفْس وشَغْلِهَا بالإِبهام الذي يتبعه البيان، حتى يكون البيان أوقع وأثبت في النفس.
مثل قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
{
…
وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الآية: 9] .
أي: ولو شاء هدايتكُمْ لسلبكُمُ الاختيار ولجعلكم مجبورين، وإذن لهداكم أجمعين.
قالوا: إنّ مفعول المشيئة والإِرادة بعد الشرط لا يذكر غالباً إلَاّ إذا كان غريباً أو عظيماً.
***
ثانياً - شروط الحذف:
ذكروا شروطاً سبعة لجواز الحذف، منها ما هو بلاغيّ، ومنها ما يدور في فَلَكِ الصناعة النحويّة، ولكِنْ لم يتّضِحْ لي منها بلاغيّاً غير شرطين:
الشرط الأول: أنْ لا يُؤَدّيَ الحذْفُ إلى الجهل بالمقصود، فَيُشْتَرطُ أنْ يُوجَدَ دليلٌ يدلُّ علَى المحذوف، وقد يُعَبَّرُ عنه بالقرائن الدالة.
الشرط الثاني: أنْ لا يَكُونَ المحذوف مُؤكِّداً للمذكُور، إذْ الحذْفُ منافٍ للتأكيد.
والدليل الدّالُّ على المحذوف:
(1)
إمَّا أنْ يكون من قرائن المقال الموجودةِ في السِّبَاق أَوْ في السِّيَاق.
(2)
وإمَّا أن يكون من قرائن الحال.
(3)
وإمّا أن يكون من المفاهيم الفكرية والاقتضاءات العقليَّة، واللّوازم الذهنيّة.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) في عرض لقطة من أحداث يوم الدّين:
{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً
…
} [الآية: 30] .
أي: قالوا: أنْزَلَ رَبُّنَا خَيْراً. إنّ إجابتهم تقتصر على ذكر المفعول به فقط، وهو لفظُ "خيراً" وقد دلَّت قرينة المقال في سباقه على المحذوف.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (الذاريات/ 51 مصحف/ 67 نزول) :
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} [الآيات: 24 - 25] .
هؤلاء الضيوف كانوا الملائكة الذين بشّروه بغلام عليم من زوجته "سارَة" وأخْبَرُوهُ بأنَّهُمْ ذاهبون لإِهلاك قَوْم لوط.
وقد جرى في تحيّتهم له حذف، وفي رَدّ إبراهيم عليهم حذف أيضاً ودَلَّ على المحذوف قرينة الحال، وتقدير الكلام إذا رَدَدْنا المحذوفات كما يلي:
قالوا: نُسَلِّمُ عليك سَلَاماً.
قال: سَلامٌ عليكم أَنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُون.
وداعي الحذف هنا الإِيجاز والتخفيف لكثرة دوران مثل هذا الاستعمال على الألسنة.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) :
{يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود
…
} [الآية: 1] .
وقوله في سورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
{وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً} [الآية: 34] .
إنّ العقودَ والْعُهُودَ التزاماتٌ بالقول يُنْشِئُها المتعاقدون والمتعاهدون، وترتبط ذه الالتزامات الإِنشائية بإبرامها بالقول، فكيف يُطالِبُ اللَّهُ عز وجل بالْوَفاء بها وقد استوفَتْ شروط إبرامها؟.
الدّليل العقلي يَهْدِي إلى أنّ المطلوبَ الْوَفَاءُ بمقتضاها، لأنّ العقود والعهود تُبْرَمُ بالأَقوال ثم على مَنْ أبْرَمَها أن يلتزم بمقتضاها.
فالكلام إذن على تقدير: أوفُوا بمقْتَضَى العقود، وأوفوا بمقتَضَى العهد. والدليل الذي دلّ على المحذوف الاقتضاء العقلي.
المثال الرابع:
قول الله عز وجل في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول) :
{مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً
…
} [الآية: 10] .
في هذه العبارة محاذيف يدلُّ عليها النظر الفكري والتأمل، إذ المعنى: من كان يريد العزَّة فلّيُؤْمِنْ بِاللَّهِ، ولْيَطْلُبْهَا مِنْهُ، ولْيَسْلُكْ سَبيل الوصول إليها عن طريق مرضاته، فَلِلَّهِ الْعِزَّة جميعاً.
إنّ جواب الشرط "مَنْ كان يُريدُ العزّة" الذي جاء بصيغة "فلِلَّهِ العزَّةُ جَمِيعاً" يسلتزم عقلاً التوجيه لطَلَبِها عند من يَمْلِكُها، ولمَّا كانَتِ العزَّةُ كلُّها للَّهِ عز وجل فَعَلى مَنْ يُريدُها أنْ يَطْلُبَها منه، وطَلَبُها إِنَّما يكون بالإِيمان به، والإِسلام له، وسلوك السبيل التي ارتضاها لعباده، والعمل بمراضيه، وسؤاله النصر والتأييد، والاستعانة به، وذِكْرِهِ كثيراً.
فالدليل الدالُّ على المحذوف هنا فكريٌّ عقلي.
المثال الخامس:
قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
{وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر فانبجست مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ
…
} [الآية: 160] .
أي: فَضَرَب مُوسَى بِعَصَاهُ الْحَجَر فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَة عَيْناً.
انْبَجَسَتْ: أي: انْفَجَرَتْ.
قَالُوا: الفاء في [فَانْبَجَسَتْ] هي الفاء الفصيحة، إذْ أفْصَحَتْ عن محذوفات في النّص.
أقول: الذي دَلَّ على هذه المحذوفات دليلُ النظر الفكري، والتأمُّل في اللّوازم الذهنيَّة التي تَرْبِط بين الأمْرِ بأن يضرب بعصاه الحجر، وبين حدوث ظاهرةِ تفجُّرِ الْحَجَرِ بالماء، والفاء لم تدلُّ إلَاّ على الترتيب مع التعقيب.
***
ثالثاً - أنواع الحذف:
ذكروا أنّ الحذف ينقسم إلى خمسة أقسام.
القسم الأول: الاقتطاع.
القسم الثاني: الاكتفاء.
القسم الثالث: التضمين.
القسم الرابع: الاحتباك.
القسم الخامس: الاختزال.
وفيما يلي الشرح مع الأمثلة:
شرح القسم الأول: الاقتطاع:
الاقتطاع: هو حذف بعض حروف الكلمة أو ما هو بمثابة الكلمة الواحدة، تخفيفاً على مخارج الحروف، أو لداعي السرعة، أو لأجل القافية في الشعر، أو الفاصلة في النثر، أو التجبُّبِ في النداء، أو نحو ذلك من دواعي بلاغية.
* فمنه حذف نون فعل "يكون" المجزوم، كما جاء في قول الله عز وجل في سورة (القيامة/ 75 مصحف/ 31 نزول) :
{أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى} [الآيات: 36 - 37] .
الأصل: "ألَمْ يَكُنْ" فَحُذِفَت النُّونُ تخفيفاً، وربّما لأغراضٍ أخرى تتصل بأعداد الحروف، أو لغير ذلك.
*ومنه حذف إحدى التاءَيْن المتوالِيَتَيْن في الفعل الوارد على وزن "تَتَفعل" كما جاء في قول الله عز وجل في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول) :
{ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الآية: 152] .
تَذَكَّرُون: أصلُها تَتَذكَّرون، فَحُذِفْت إحدى التّاءَيْن تخفيفاً.
وكما جاء في قول الله عز وجل في سورة (عَبَسَ/ 80 مصحف/ 24 نزول) خطاباً لرسوله:
{أَمَّا مَنِ استغنى * فَأَنتَ لَهُ تصدى} [الآيات: 5 - 6] .
تَصَدَّى: أصلُها تتصدَّى، فحذفت إحدى التّاءَيْن تخفيفاً.
* ومنه حذف التاء من استطاع على غير قياس، كما جاء في قول الله عز وجل في سورة (الكهف/ 18 مصحف/ 69 نزول) حكاية لما قال الخضر لموسَى عليهما السلام:
{ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [الآية: 82] .
بعد أن قال له قبل هذا:
{سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [الآية: 78] .
ولعلّه أشار أخيراً بفعل "تَسْطعْ" إلى طبيعة موسى عليه السلام التي تقلُّ فيها استطاعة الصبر، فناسبها تقليل حروف الكلمة.
* ومنه الترخيم في النداء، كما جاء في قول امرئ القيس:
أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذا التَّدَلُّلِ
…
وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلي
أي: أَفَاطِمَةُ.
* ومنه حذف آخر الكلمة لمراعاة التناسب في الفواصل، كما جاء في قول الله عز وجل في سورة (الفجر/ 89 مصحف/ 10 نزول) :
{والفجر * وَلَيالٍ عَشْرٍ * والشفع والوتر * والليل إِذَا يَسْرِ} [1 - 4] .
يَسْرِ: أصْلُها يَسْرِي، فَحُذِفَ آخر حرف فيها لمراعاة الفاصلة.
وكذلك قوله تعالى فيها:
{وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد} [الآيات: 9 - 10] .
بِالْوَادِ: أصْلُها "بالوادي" فَحُذِفَتِ الياء لمراعاة الفاصلة.
* ومنه حذف ياء المتكلم، كما جاء في قول الله عز وجل في سورة (القمر/ 54 مصحف/ 37 نزول) :
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [الآية: 21] .
ونُذُرِ: أي: ونُذُرِي، فَحُذِفَتْ ياء المتكلم لمراعاة التناظر في الفواصل.
إلى غير ذلك.
***
شرح القسم الثاني: الاكتفاء:
الاكتفاء: هو أن يقتضي المقام ذِكْرَ شيئَيْنِ بَيْنَهُمَا تَلازُمٌ وارتباط، فَيُكْتَفَى بأَحَدِهما عن الآخر لنكتةٍ بلاغيّة.
ويختصُّ غالباً بالارتباط العطفي.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
ففي قوله تَعَالَى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} إيجازٌ بالحذف، على سبيل الاكتفاء، إذِ التَّقْدير: تقيكُمُ الْحَرَّ والْبَرْدَ.
قالوا: وخُصَّ الحرُّ بالذكْرِ لأَنَّ المخاطَبين الأَوَّلِينَ كانوا عَرباً، وبلادُهُمْ حارَّة، والوقاية من الحرّ هي الأهم لدى معظمهم.
أقول: إنَّ من أساليب القرآن تَجْزِئَةَ العناصر الفكريّة على النصوص، وقد جاء فيه الامتنان بالدفء في قوله تعالى في سورة (النحل) أيضاً:
{والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [الآية: 5] .
فتكامل النصّان في الدَّلَالة على الوقاية من الحرّ والبرد.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول) :
{وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار وَهُوَ السميع العليم} [الآية: 13] .
أي: وله ما سَكَنَ وَمَا تَحَرَّكَ في اللّيلِ والنّهار، لأنّ كلّ ساكنٍ في الوجود هو ذُحَركة ما، فالأمران مُتَلازمان فحصل الاكتفاء بأحدهما عن الآخر.
***
شرح القسم الثالث: التضمين:
التّضمين: هو تضمين كلمة معنى كلمة أُخْرى، وجَعْلُ الكلام بعدها مَبْنيّاً على الكلمة غير المذكورة، كالتعدية بالحرف المناسب لمعناها، فتكون الجملة بهذا التضمين بقوّة جملتين، دلَّ على إحداهما الكلمة المذكورة التي حُذِف ما يَتَعلَّقُ بها، ويُقَدَّرُ معناه ذهْناً، ودَلَّ على الأَخْرَى الكلمةُ التي جاءتْ بعدها المتعلّقةُ بالكلمةِ المحذوفةِ الْمُلاحَظِ مَعْنَاها ذهْناً.
وهذا التضمين فَنٌّ رَفيعٌ من فنون الإِيجاز في البيان، وهو لا يخضع لقواعد
الاستعمالات العربيّة الجامدة التقليديّة، الّتي قد يتقيَّد بها النحاة، بل هو لَمْحٌ ابتكاريٌّ يُلاحظه البَلِيغُ، إذْ يَرى فِعْلَيْنِ مُتَقَاربَيْنِ، أَوْ نَحْوَهُما، وهو يريد استعمالَ كلٍّ منهما في كلامه، وهذا يقتضي منه أن يصوغَهُما في جُمْلَتين، وَيُعْطِيَ كُلاًّ مِنْهُما تعديَتهُ التي تلائمه، لكنَّهُ يرَى ما هو أبْدَعُ من ذلك وأخْصَرُ، وأرفع أسلوباً في أداء بيانيٍّ جميلً، يُحَرِّكُ ذهنَ المتلَقِّي لفهمه، ويُعْجب لمَّاحي الذَّكَاء من البلغاء، وهو أن يختار أحدَ الفعلَيْنِ بفنّيّةٍ، فيذْكُرَهُ بلفْظِه، ثمّ يأتي بما يتعدّى إليه الفعلُ الآخر، أو يَعْمَلُ فيه، فَيَذْكُرُه، ويَحْذِفُ مَعْمُولَ الفِعْل الّذِى ذكّرَهُ، إذا كان له معمول، سواءٌ أكان مفعولاً به، أمْ غير ذلك، ويَسْتَغْنِي بذكر جُملَةٍ واحدةٍ عن جملتين.
ولدى تَحْلِيل التضمين يظهر لنا أنّه صنف من أصناف الحذفِ الّذِي يُتْرَكُ في اللَّفظ ما يَدُلُّ عليه.
فالفعلُ المذكور يَدُلُّ بحسب تَعْدِيَتِهِ العربيَّةِ على معموله المحذوف، والمعمول المذكور مع قرائن النصّ يدُلُّ على عامِلِه المحذوف، ويَنْتُجُ عن ذلك أداءٌ مُوجَزٌ بليغ، اعتمد على أسلوبٍ بيانِيٍّ ذكيّ.
ولا بُدّ أن نُدْرِك أنَّ مثل هذا الإِجراء البيانيّ لا يستقيم بين كلِّ فعلَيْنِ أو ما يَعْمَلُ عمَلَهُما، حتَّى يُطَبَّقَ بغباء، سواءٌ استقام الآداءُ البيانيّ أمْ لم يستَقِم، بل يحتاج من البليغ رؤيَةً فَنّيَّةً بَيَانيَّة، يَصِلُ بها إلَى أنَّهُ لو استخدم هذا الأسلوب في جُمْلَتِه لأدركه الْبُلَغَاءُ والأَذكياء، دون إعنات ذهْنِيّ، ويُدْرِكُه الآخَرُون بالتَّدَبُّر والتأمُّل.
فمثلاً: أُرِيدُ أنْ أقولَ: جَلَسْتُ عَلى فِراشي، وأَمَلْتُ جِسْمِيَ إلى مُتَّكَئِي، فأخْتَصرُ الكلام فأقُولُ: جَلَسْتُ إلى مُتَّكَئِي.
ومثل هذا الإِيجاز القائم على الحذف والإِيصال، أُسْلوبٌ ينهجُه بُلَغاءُ الْعَرب، وتقدير الكلام: جَلَسْتُ مائلاً إلى مُتَّكَئِي.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (الإِنسان/ 76 مصحف/ 98 نزول) :
{إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} [الآيات: 5 - 6] .
إنّ فعل: "يَشْرَبُ" يُعَدَّى لغةً بحرف "مِنْ" لكنّه جاء في النّصّ هنا متعدّياً بحرف "الباء" فَلِماذا؟
بالتأمُّل يظهر لنا أنّ فِعْلَ "يشرب" ضُمِّنَ معنَى فِعْلِ: "يتلَذّذ" أو "يَرْتَوِي" الذي يُعَدَّى بحرف "الباء" فَعُدّي تعديته، والتقدير: عيناً يَشْرَبُ منها مُتَلذّذاً بها عبادُ الله، فأغنى "يَشْرَبُ بها" عن عبارة: يشربُ منها ويتلّذذ بما يشرب عباد الله.
الفعلُ المذكور دلَّ على معناه بصريح العبارة، وحرف الجرّ "الباء" دلَّ على الفعل المحذوف الذي ضُمِّنَ الْفِعْلُ المذكور معناه، فأغنت جُمْلةٌ عن جُمْلَتَيْن، وعبارةٌ عن عبارتين، وهذا من روائع الإِيجار في القرآن المجيد.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ
…
.} [الآية: 187] .
كَلِمَةُ "الرَّفَثِ" مَصْدَرُ "رَفِثَ يَرْفَثُ رَفَثاً" أي: صَرَّحَ بكلامٍ يتعلَّقَ بالجماعِ ومُقدّماته، أو فعَلَ ما يتَّصِل بذلك.
وأصل الرفَث لا يَتَعدَّى لغة بحرف "إلَى" لكنّه ضُمِّنَ مَعْنَى فِعْلِ "أَفْضَى" فَعُدِّيَ تعديتَه، يُقَالَ: أَفْضَى إلى زوجته، أي: أزال ما بَيْنهما من الفضاء فالتصقَ بها، وهو كناية عن الجماع.
وتقدير الكلام: أُحِلّ لَكُمْ ليلةَ الصّيام الرَّفَثُ بالحديث مع نسائكم مُقَدِّمَةً مُنَاسِبَةً يكونُ بَعْدَها الإِفضاء إليّهن وجماعُهُنَّ، والله بهذا يُعَلِّم الأزواج أدب المعاشرة باستخدام المقدمات قبل الإِفضاء والمعاشرة الزوجيّة.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (النازعات/ 79 مصحف/ 81 نزول) :
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بالواد المقدس طُوًى * اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى * وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى} [الآيات: 15 - 19] .
هَلْ لَكَ إلَى أَنْ تَزَكَّى؟ : عبارة: "هَلْ لَكَ" وخبَرٌ مقدَّم والمبتدأ محذوف تقديره: "هَلْ لَكَ رَغْبَةٌ" وكلمةُ "رغْبَة" تُعَدَّى بحرفِ "في" لا بحرف "إلَى" لكن ضُمّنَت معنى فعل "أدعو" فَعُدّيَتْ تَعْدِيته، والتقدير: هَلْ لَكَ رَغْبَةٌ في أن أَدْعُوَك إلَى أن تَزَكَّى؟
المثال الرابع:
قول الله عز وجل في سورة (الشورى/ 42 مصحف/ 62 نزول) :
{وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الآية: 25] .
إنّ فعل "يَقْبَلُ" يتعدَّى لغة بحرف "من" فيقال: قَبِل الله منه توبته.
ولكنْ عُدّيَ هنا بحرف "عَنْ" لأنَّه ضُمِّنَ معنى فِعْلِ "عَفَا" أو "صَفَحَ" فَعُدِّي تعديته، والتقدير: وهو الذي يَقْبَلُ التوبَةَ من عباده إذْ يَعْفُو ويَصْفَحُ عنهم.
المثال الخامس:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) بشأن منافقي العرب:
{وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [الآية: 14] .
إنَّ فعل "خَلَا" يأتي في اللّغة للدّلالة على معنَى انفراد الإِنسان في خَلْوَة، لا يكون معه فيها أحَدٌ، فيقولون: خلا الرجل، ورُبَّما قالُوا: خلا بنَفْسِه، فإذا أرادوا بيان أنّ الخلوة حصلَتْ مَعَ فريقٍ آخر قالوا: خَلَا به، أو خلا معه، ولَا يُعَدَّى فِعْلُ "خَلا" بحرف "إلى" بحسب أصل الاستعمال.
فكيف نُفَسِّر هذه التعدية؟
أقول: إنَّ فعل "خلا" ضُمّن معنى فعل "رجَعَ" فَعُدِّي تَعْدِيته، والتقدير: وإذا خَلَوْا راجِعينَ إلى شياطينهم قالوا لهم: إنّا معكم إنَّما نَحْنُ مستهزئون بالمؤمنين.
المثال السادس:
قول الله عز وجل في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) في حكاية فتوى داود عليه السلام للفريقين الّذَيْنِ تَسَوَّروا عليه المحراب:
{قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ
…
} [الآية: 24] .
إنّ كلمة "سُؤَال" لا تُعَدَّى بحرف "إلَى" ولكنّها ضُمّنَت معنى الجمْع والضّمّ فعدّيَتْ بحرْفِ "إلى" والتقدير: لقد ظلمك بسؤال نَعْجَتِكَ ضامّاً إيَّاها إلى نعاجه.
قال ابن تيمية.
"والعرب تُضمّن الفعل معنى الفعل، وتُعَدِّيه تعديته، ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض، كما يقولون في قوله:{قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ} أي: مع نعاجه و {وَمَنْ أَنْصَارِي إلَى الله} أي: مع الله، ونحو ذلك.
والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين، فسؤال النعجة يتضمّن جمعها وضَمَّها إلى نعاجه، وكذلك قوله:{وَإِنْ كادوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 73]
ضُمِّنَ مَعْنَى "يُزِيغُونك" و"يَصُدُّونَكَ" وكذلك قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء: 77] ضُمّنَ معنى "نَجَّيْنَاه" و"خَلَّصْنَاهُ" وَكَذَلِكَ قوله: {يَشْرَبُ بِهَا عِبادُ الله} [الانسان: 6] ضُمِّنَ "يَرْوَى بها" ونظائره كثيرة.
المثال السابع:
قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول) :
اثّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ: أي: تَثَاقَلْتُمْ مائِلينَ أَوْ مُخلِدين إلى الأرض، فعُدِّيت كلمة "اثَّاقَلْتُم" بحرف "إلى" لأنها ضُمّنَت معْنَى كلمة "أخلد" أو "مَالَ".
انظر طائفة من الأمثلة الأخرى في كتابي "قواعد التدبّر الأمثل لكتاب الله عز وجل".
***
شرح القسم الرابع: الاحتباك:
الاحتباك: هو أن يُحْذَفَ من الأوائل ما جاء نظيره أو مقابلة في الأواخر، ويُحْذَفَ من الأواخر ما جاء نظيره أو مقابلة في الأوائل.
ومأخذ هذه التسمية من الْحَبْك، وهو الشدّ والإِحكام، وتحسين أثر الصنعة في الثوب، فَحَبْكُ الثوب هو سَدُّ ما بين خيوطه من الْفُرَج وشَدُّهُ وإحكامه إحكاماً يمنع عنه الْخَلَل، مع الْحُسْنِ والرونق.
وبيان أخذ هذه التسمية من حَبْكِ الثوب أنّ مواضع الحذف من الكلام شُبِّهَتْ بالْفُرَجِ بين الخيوط، فلمّا أدْركها المتدبر البصير بصياغة الكلام، الماهر بإحكام روابطه، وأدْرك مقابلاتها، تنبّه إلى ملء الفُرَج بأمثال مقابلاتها، كما يفعل الحائل حينما يُجْري حبكاً مُحْكماً في الثوب الذي ينسجه.
يقال لغة: حبَكَ الثوبَ، وحَبّكَه، واحْتَبَكَهُ إذا أجاد نسجه وأتقنه، وحَبكَ الحبْلَ، إذا شدَّ فتله. وحبَكَ الثوب، إذا ثنَى طرفَه وخاطه.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول) :
نُلاحظ في هذه الآية حَذْفاً مِنَ الأَوَائل لدلالة ما في الأواخر، وحذْفاً من الأواخِرِ لِدَلَالَةِ مَا فِي الأوائل، وهذا من بدائع القرآن وإيجازه الرائع.
إنّ إبراز المحاذيف يتطلّب منا أن نقول:
{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ} مُؤْمِنَةٌ {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وَ} فئة {وأخرى كَافِرَةٌ} تُقَاتِلُ فِي سبيل الطّاغوت {يَرَوْنَهُمْ
…
} إلى آخره.
فتحقّق "الاحتباك" بدلالة ما في الأوائل على المحذوف من الأواخر، ودلالة ما في الأواخر على المحذوف من الأوائل.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول) :
قالوا: أي: خَلَطُوا عَمَلاً صَالحاً بِسَيِّئٍ وعملاً آخَرَ سيّئاً بصالح.
أقول: مثل هذا التقدير ليس أمراً لازماً في هذا الشاهد، بل الأولى - فيما أَرَى - فهمُهُ على الوجه التالي:
{وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا} أي: جَمَعُوا جمعاً مختلطاً أَعَمْالاً مختلفة "عملاً صالحاً وآخر سَيّئاً".
والمعنى أنّهم يعملون عملاً صالحاً، ويعملون بعده عملاً سيّئاً، وهكذا دواليك، فهذا المعنى التتابعي الذي يجمع في صحائفهم خليطاً غير متجانس لا يؤدّيه تقدير: خلطوا عملاً صالحاً بسيِّئ وعملاً آخر سيّئاً بصالح.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) حكاية لَما خاطب به موسى عليه السلام عند تكليمه:
{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء
…
} [الآية: 12] .
التقدير: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} تَدْخُلْ غَيْرَ بيضاء. وأَخْرِجْهَا {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء} .
فدلَّ لفظ "بيضاء" في الأواخر على عبارة "غير بيضاء" المحذوفة من الأوائل، ودلَّتْ عبارة "وَأَدْخِلْ" في الأوائل على عبارة "وأخرجها" المحذوفة من الأواخر، فتمّ الاحتباك.
***
شرح القسم الخامس: الاختزال:
الاختزال: هو كلُّ حذف في الكلام لا يدخل في واحد من الأقسام الأربعة السابقة "الاقتطاع - الاكتفاء - التضمين - الاحتباك".
وقد تتبّع البلاغيون والنحويّون والمفسّرون هذا الحذف المسمّى بالاختزال فوجدوا أنَّهُ يَشْمَلُ حذف الاسم، والفعل، والحرف، وحذف جملةٍ، أو عدّةِ جملٍ، وحذفَ كلام طويل في قصّةٍ ذات أحداث كثيرة.
وتتبعوا الأمثلة بالتفصيل فوجدوا أمثلةً من كلّ ما يلي:
(1)
حذف المضاف، وهو كثير جدّاً في القرآن، حتّى عَدَّ "ابن جنّي" منه زُهاءَ ألف موضع.
(2)
حذف المضاف إليه.
(3)
حذف المبتدأ.
(4)
حذف الخبر.
(5)
حذف الموصوف.
(6)
حذف الصفة.
(7)
حذف المعطوف عليه.
(8)
حذف المعطوف مع العاطف.
(9)
حذف المبدَلِ منه.
(10)
حذف الفاعل.
(11)
حذف المفعول به.
(12)
حذف الحال.
(13)
حذف المنَادى.
(14)
حذف العائد.
(15)
حذف الموصول.
(16)
حذف الفعل.
(17)
حذف الحرف.
(18)
حذف أكثر من كلمة، وقد تَبْلغ جملاً كثيرة، وأحداثاً طويلةً من قصة.
وإذْ يطول بي هنا ذكر الأمثلة مع شرحها وتحليلها، فإني اقتصر الآن على طائفة يسيرة منها، وأُحِيلُ القارئ على ما فَصَّلْتُ في القاعدة الرابعة عشرة، من كتابي:"قواعد التدبُّر الأمثل لكتاب الله عز وجل" وعلى كتاب "الإِشارة إلى الإِيجاز في بعض أنواع المجاز" للشيخ "عزّ الدين بن عبد السلام" وعلى ما جاء في كتاب "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" لابن هشام، في الباب الخامس منه، فقد فصل في أواخره القول في الحذف.
أقول: إنّ المهمّ في الدراسة البلاغيّة لظاهرة "الحذف" اكتشاف الداعي البلاغي له في الكلام، والتنبيهُ عليه.
أمثلة:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) :
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب
…
} [الآية: 3] .
أي: حُرِّمَ عليكم أَكْلُ هذِهِ المذكورات، وهذا من حذف الاسم المضاف.
(2)
وقول الله عز وجل في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول) بشأن الروم إذْ غُلِبوا من قبل الفرس وبيان أنهم سَيَغْلِبُون:
{لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ
…
} [الآية: 4] .
أي: للَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلِ الْغَلَبِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَلَبِ، وهذا من حذف المضاف إليه.
(3)
وقول الله عز وجل في سورة (الكهف/ 18 مصحف/ 69 نزول) في حكاية بيان الخضر لموسى عليهما السلام أسباب أعماله التي استنكرها:
أي يأخُذُ كُلَّ سفينةٍ غَيْرِ مَعِيبَةِ غَصْباً، بدليل قوله: فأرَدْتُ أنْ أعيبها. وهذا من حذف الصفة.
وهكذا
…
.
***
الفصل الرابع: الإِطناب
(1)
التعريف
الإِطناب في اللُّغة: يدور حول معنى الإِطالة والإِكثار والطول والكثرة والزيادة عن المعتاد.
يقال لغة: أطْنَبَ النهرُ إذا طال مجراه. وأطنبت الرّيحُ إذا اشتدت مثيرةً غباراً. وأطنبتِ الدّواب، إذا تَبِعَ بعضُها في السّير وطالَ تتابُعُها. وأطْنَب الْعَدَّاء في عَدْوه، إذا بالَغَ فيه وابتعد.
ويقال أيضاً: أطنب الرجل في الكلام أو الوصف أو الأمر، إذا بالَغَ وأكثر وزاد في ذلك.
الإِطناب في اصطلاح البلاغيين: كوْنُ الكلام زائداً عمّا يُمْكن أنْ يُؤَدَّى به من المعاني في معتاد الفصحاء، لفائدة تُقْصَد.
ويقال للمتحدِّث بالكلام الذي فيه إطناب: أطنب في كلامه فهو مُطْنِب.
واحْتُرِز بقيد: "لفائدة تُقْصَدُ" لإِخراج الزيادة في الكلام دون فائدة تُقْصَد لدى البلغاء، وقد يطلق على هذه الزيادة لفظ "الإِسهاب". والزيادةُ في الكلام بلا فائدة تُقْصَد تكون - كما سبق به البيان في الفصل الأوّل من هذه الباب - بالتطويل: كذكر المترادفين، أو بالحشو، وكلاهما أمران مَعِيبان، وأضيف هنا أنّ الحشو قد
يكون حشواً غير مفسد للمعنى، فهو كالتطويل، وقد يكون مفسداً للمعنى وهو حينئذٍ حشوٌ ساقط، وضربوا مثلاً للحشو الساقط بقول المتنبي يتحدّث عن الحياة الدنيا:
وَلَا فَضْلَ فِيها للشَّجَاعَةِ والنّدَى
…
وصَبْرِ الْفَتَى لَولَا لِقَاءُ شَعُوبِ
شَعُوب: اسم علَمٌ على المنيّة.
قالوا: جاءت عبارة "والنّدى" حشْواً مفسداً للمعنى، وذلك لأنَّ الإِنسان إذا أَمِنَ من ملاقاة الموت زاد تعلّقه بالمال، إذْ تعظُم حاجته إليه بدوام الحياة، فلا يكون لديه جُودٌ به، وعندئذٍ يظهر فَضْلُ النَّدَى أي: الجود، بخلاف مترقّب الموت فإنّه يكثر جوده. أمّا الشجاعة فعلَى عكس الندى، لولا توقُّع ملاقاة الموت بها، ولولا الخوف منه، لما تفاضل الناس بها.
ولم يتعرّض العكبري لهذا النَّقْد، بل شرح كلام المتنبي دُونَ تعقيب.
أما الحشو غير المفسد فمنه قول أبي العيال الهذلي:
ذَكَرْتُ أخِي فَعَاوَدَنِي
…
صُدَاعُ الرأْسِ والْوَصَبُ
فجاء ذكر الرأس حشواً غير مفسد، لأنّ الصداع لا يكونُ إلَاّ في الرأس.
وقول أبي عديّ:
نَحْنُ الرّؤوسُ وَمَا الرُّؤُوس إِذَا سَمَتْ
…
في الْمَجْدِ لِلأَقْوَامِ كَالأَذْنَابِ
فجاء ذكر "للأقوام" حشواً غير مفسد، وهكذا.
***
(2)
تقسم الإِطناب
ينقسم الإِطناب إلى قسمين: إطناب بالبسط، وإطناب بالزيادة:
أمّا القسم الأول: وهو "الإِطناب بالْبَسْط" فيكون بتكثير الجمل وبسط المعاني، واستعمالِ كلامٍ طويل يُغْنِي عنه كَلامٌ قصير، دون أنْ تكون فيه ألفاظ زائدة.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
في هذه الآية إطنابٌ بالبسط، لتوجيه الأنظار لآيات كونيَّة دالَاّتٍ على طائفةٍ من صفات الله عز وجل، منها شمول علمه، وعظيم قدرته، وكمالُ إرادته، وجليلُ حكمته وإتقانه وإبداعه لمخلوقاته، وعنايته بعباده.
وهذا البسط آتٍ من ذكر طائفة مفصّلة من آياته في كونه، كلُّ واحدة منها تدلُّ على كلٍّ هذه الصفات، فذكرها هو من البسط في إقامة الأدلّة دون زيادةٍ في الألفاظ لدى ذكر كلّ آية منها.
والآيات هي الآيات السبع التاليات:
الأولى: ظاهرة خلق السماوات والأرض.
الثانية: ظاهرة اختلاف اللَّيل والنهار.
الثالثة: ظاهرة الْفُلْكِ التي تجري في الْبَحْر بما يَنْفَعُ النّاس.
الرابعة: ظاهرة الماء الذي يُنْزله الله من السماء فَيُحْيِي به الأرض بعد موتها.
الخامسة: ما بَثَّ اللَّهُ في الأرض مِنْ كلّ دابَّةٍ تَدِبُّ عليها.
السادسة: تَصْرِيفُ الرِّياح بتدبير أَمْرِها وتوجيهها لتحقيق أُمُورٍ جليلة في الكون.
السابعة: تسخير السحاب بين السماء والأرْض.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول) :
{الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
…
} [الآية: 7] .
إنّ عبارة {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} وَصْفاً للملائكةِ الذين يَحْمِلُون العرش، وللملائكة الذينَ من حول العرش من الإِطناب بالبسط، وذلك لأنَّ إيمانهم معلوم من نصوص سابقة التنزيل، ومن كونهم يُسبّحون بحَمْدِ رَبِّهم.
والغرض البلاغيّ من هذا الإِطناب إظهار شرف الإِيمان، والترغيبُ فيه، والإِشارة إلى أنّ تسبيحهم بحمد ربِّهم ثمرةٌ من ثمراتِ إيمانهم، وليس تسبيحاً جَبْرِياً كتسبيح السماوات والأرض والشجر والجماد، إذن فهم يملكون جهازاً يُفَكّر، وجهازاً يؤمن بالإِرادة.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
في هذه الآية إطنابٌ بالبسط، فالْغَرضُ بَيَانُ مُضَاعَفَةِ أجْرِ المنفق في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف فما فوق ذلك، وهذا المعنى يُؤَدَّى بعبارة قصيرة، لكِنْ جاء في
الآية مبْسُوطاً، وطريقُ البسط تمثيلُ المنفق لحبَّةٍ واحدةٍ في سبيل الله بزارعِ حبَّةٍ أنبتَتْ سبْعَ سنابلٍ في كلِّ سُنْبُلَةٍ مئَةُ حبَّةٍ.
والغرضُ من هذا الْبَسْطِ إثارةُ مِحْور الطّمع في المخاطبين إذْ يُعْرَضُ لهم الأَجْرُ الموعودُ به على الإِنفاق في سبيل الله في صورة مثالٍ يَشْهَدون نظائره في الظواهر الزراعيّة، ليكون هذا الطمع محرّضاً ذاتيّاً في الأنفس على بَذْلِ الأموال في سبيل الله.
المثال الرابع:
قول الله عز وجل في سورة (فُصّلت/ 41 مصحف/ 61 نزول) :
{وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الذين لَا يُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ} [الآيات: 6 - 7] .
إنّ عبارة {الذين لَا يُؤْتُونَ الزكاة} من الإِطناب، لأنّ المشركين لا يُزَكُّونَ.
والداعي لهذا الإِطناب حثُّ المؤمنين على أداء الزكاة، وتحذيرهم من المنع إذْ أبان الله أنَّهُ من صفات المشركين، وفيه دلالة على أنَّ من آثار الشرك جَفَافَ الرحمة على ذوي الحاجات، فهم لا يشعرون بمشاعر ذوي الحاجات، بخلاف المؤمنين بالله واليوم الآخر، إذ الإِيمان يولّد في قلوبهم خلق الرحمة، وعاطفة حبّ العطاء ومساعدة ذوي الحاجات.
***
وأمّا القسم الثاني: وهو "الإِطناب بالزيادة" فيكون بزيادةٍ في الألفاظ على أصل المعنى الذي يُرادُ بيانه لتحقيق فائدةٍ ما.
فمنه قول الله عز وجل في سورة (القدر/ 97 مصحف/ 25 نزول) :
{تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [الآية: 4] .
إنّ عبارَة: {والرُّوح} وهو جبريل عليه السلام من الإِطناب بالزيادة، لأنّ جبريل داخلٌ في عموم الملائكة، ولكنّها زيادة ذاتُ فائدة، إذ الغرضُ من تخصيصه
بالذكر بعد دخوله في عموم الملائكة الإِشعارُ بتكريمِهِ وتعظيمِ شأنه، حتَّى كأنَّهُ جنْسٌ خاصٌّ يُعْطَفُ على الملائكة.
* ومنه قول الشاعر "الحسين بن مطير" من الشعراء الذين عاصروا الدولتين الأموية والعبّاسية، يَرْثي "مَعْنَ بْنَ زائدة":
فَيَا قَبْرَ مَعْنٍ أَنْتَ أَوَّلُ حُفْرَةٍ
…
مِنَ الأَرْضِ خُطَّتْ للسَّمَاحَةِ مَوْضِعاً
وَيَا قَبْرَ مَعْنٍ كَيْفَ وَارَيْتَ جُودَةُ
…
وَقَدْ كَانَ مِنْهُ الْبَرُّ والْبَحْرُ مُتْرَعاً
إنَّ قولَهُ: "وَيَا قَبْرَ مَعْنٍ" في البيت الثاني هو من الإِطناب بالزيادة، لفائدة، وطريقته التكرير.
والداعي البلاغي لهذا الإِطناب "التحسُّر".
* ومنه قول "ابْنِ المعتزّ" يَصِفُ فَرَساً:
صبَبْنَا عَلَيْهَا - ظَالِمِينَ - سِيَاطَنَا
…
فَطَارَتْ بِهَا أَيْدٍ سِرَاعٌ وَأَرْجُلُ
إنَّ قولَهُ: "ظالِمِينَ" من الإِطناب بالزيادة لفائدة.
والداعي البلاغي لهذا الإِطناب "الاحتراس" لذلك يسمَّى به، إذْ لو لم يُوجَدْ هذا الاحتراس لتوهَّمَ المتَلَقِّي أنَّ فَرَسَ "ابْنِ المعتز" كان بليداً يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ بالسّياط، فكان قولُهُ ظالِمينَ دافعاً لهذا التوهُّم.
***
(3)
طرائق الزيادات الإِطنابية المفيدة ودواعيها البلاغية.
نظر البلاغيون في الزيادات الكلامية التي يحْصُلُ بها الإِطنابُ المفيد، فرأوا أنَّها تكون في طرائق من القول، جَمَعْتُهَا في (15) طريقة كنتُ في كثير منها متبعاً، وفي بعضها محرّراً ومُصَنِّفاً.
وبحثوا في الدواعي البلاغيّة لاختيار الإِطناب المفيد بهذه الطرائق فتجمَّعَتْ لَدَيْهم نتائج أفادتني في التصنيف والتمثيل.
وأشير هنا إلى أنّ بعض الأمثلة قد تَصْلُح أمثلة لأَكثر من طريقة من الطرائق التالية البالغة خمس عشرة طريقة:
الطريقة الأولى: "الإِيضاح بعد الإِبهام" وذلك بأن يُورِدَ المتكلّم المعنى مُبْهَماً، وبَعْدَ ذلك يُورِدُه مُوَضَّحاً، قال أهل البيان: إذا أردت أن تُبْهِمَ ثم توضِّح فَإنَّكَ تُطنِب.
ووجه حُسْنِ هذه الطريقة مع الفوائد التي تتحصّل بها أن فيها ما يلي:
(1)
إبراز الكلام في مَعْرض الاعتدال الذي يدلُّ عليه الإِيجازُ بالإِبْهام، والإِطنابُ بالإِيضاح، فتكون المحصّلة اعتدالاً.
(2)
إيهَام الْجَمْعِ بين المتنافِيَيْنِ، هما الإِيجاز والإِطناب، إذ الجمع بين المتنافِيَيْن من الأُمور الغريبة المستطرفة المثيرةِ للإِعجاب.
ومن فوائد "الإِيضاح بعد الإِبْهام" الداعيةِ للإِطناب به ما يلي:
(1)
تقديم المعنى الواحد في صورتين مختلفتين إحداهما مبهمة والأخرى موضَّحة، كما تُقَدَّم الحسناءُ في كِلَّةٍ أوَّلاً، وبَعْدَ ذَلِكَ تُعْرَضُ مَجْلُوَّةً إذْ تُرْفَعُ الكِلَّةُ عن وَجْهِها ورَأْسِها ومواطِنِ زينتها، فتنجلي للأعين محاسِنُها.
(2)
تمكين المعنى في نَفْسِ الْمُتَلَقِّي تمكيناً زائداً، لوقوعه بعد استشراف النفس إليه بالإِبْهام.
(3)
تكميل لذّة العلم به، إذْ بدأتْ ناقصةً بالإِبْهام، وكَمُلَتْ بالإِيضاح، فالشيء إذا علم ناقصاً تشوّقت النفس إلى العلم به كاملاً، وحصل لديها ظمأ
لمعرفته، فإذا استكملت النفس معرفته كانت لذّتها أشدّ من حصول العلم به دفعة واحدة.
* ومن هذه الطريقة ما يُسَمَّى "التوْشِيعُ".
وهو أن يُؤْتَى في عَجُزِ الكلام بمثنَّىً مُفَسَّرٍ باسْمَيْنِ، ثَانيهما معطوفٌ على الأوَّل مِنْهما، كقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما روى البخاري ومسلم عن أنس قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:
"يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبٌّ مِنْهُ اثْنَانِ: الحرصُ على المال، والحرصُ عَلَى الْعُمْرِ".
وأيضاً عن أبي هريرة:
"لَا يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابّاً فِي اثْنَتيْن: في حُبِّ الدّنْيا، وطُولِ الأَمَلَ".
ومن التوشيع قول الشاعر:
وَلَا يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ
…
إِلَاّ الأَذَلَاّنِ: عَيْرُ الْحَيِّ والْوَتِدُ
ومن التوشيع أيضاً قول الشاعر:
سَقَتْنِيَ فِي لَيْلٍ شَبِيهٍ بِشَعْرِهَا
…
شَبِيهَةَ خَدَّيْها بِغَيْرِ رَقيب
فَمَا زِلْتُ فِي لَيْلَيْنِ: شَعْرٍ وظُلْمَةٍ
…
وَشَمْسَيْنِ: مِنْ خَمْرٍ وَوَجْهِ حَبِيبِ
ومن هذه الطريقة "التفصيل بعد الإِجمال" مثل قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113/ نزول) :
{إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [الآية: 36] .
فعبارة: "مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ" تفصيل بعد إجمال.
* ومنها "الإِجمالُ بَعْدَ التفصيل" مثل قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج فَمَا استيسر مِنَ الهدي فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام
…
} [الآية: 196] .
جاءت في هذه الآية عبارة: "تِلْكَ عشَرَةٌ كامِلَةٌ" إجمالاً بَعْدَ تفصيل، لرفْع توهُّم أن "الواو" في عبارة "وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ" هي بمعنى "أو" فتكون الثلاثة داخلة في السبعة، فجاء ذكر الأيّام كلّها مجملةً بعبارة "تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَة".
ومثل قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
{وَوَاعَدْنَا موسى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
…
} [الآية: 142] .
جاءت في هذه الآية عبارة: "فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" إجمالاً بعد تفصيلٍ لرفع توهُّم أن عبارة: "وأتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ" تَعْنِي كَوْنَ "ثَلَاثِينَ لَيْلَةً" كانَتْ عشرين أُتِمَّتْ بعشرٍ فصارت ثلاثين، فدُفعَ هَذا التوهُّمِ بالإِجمال اللاّحق.
وذكروا من أمثلة الإِيضاح بعد الإِبهام ما يلي:
(1)
قول الله عز وجل:
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الآيات: 1 - 4] .
قالوا: كان يكفي أن يقول: أَلَمْ نَشْرَحْ صَدْرك. ووَضَعْنا وزْرَكَ الذي أنقض ظهرك ورَفَعْنَا ذِكْركَ، لكن إضافة "لَكَ" في موضعَيْن و"عَنْكَ" في موضِعٍ، تُفيد الإِبهام أوّلاً فتَسْتَشْرِفُ النفس للإِيضاح، وتَتَشوَّقُ للتفسير، وبعبارات: "صَدْرَك -
وِزْرَكَ - ذِكْرَكَ" يرتَفعُ الإِبهام ويرتوي ضمأ النفس للمعرفة الذي أثاره التشويق، مع ما في "لَكَ" و"عَنْكَ" من تأكيد وتمكين، لأنّ المقام مقام امتنانٍ سبَقَتْ دواعيه.
ونظيره قول موسى عليه السلام الذي جاءت حكايتُه بقول اللَّهِ عز وجل في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) :
{اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لي أَمْرِي} [24 - 26] .
***
الطريقة الثانية: "ذِكْرُ الْخاصِّ بَعْدَ الْعَامّ" ونظيره "ذِكْرُ الْعَامّ بعد الخاصّ".
المراد بالعامّ هنا ما كان شاملاً في معناه لمقابله، لا العام والخاص في مصطلح علم أصول الفقه.
وفائدة ذكر الخاصّ بعد العامّ التنبيه على فضله، حتَّى كأنّه ليْسَ من جنس العامّ أو نوعه، تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغايرُ في الذّات.
وفائدة ذكر العامّ بعد الخاصّ التعميم، وجاء إفراد الخاصّ بالذكر اهتماماً بشأنه، مع ما في إدْخاله ضمن العامّ من تأكيد وتكرير ضمناً.
الأمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} [الآية: 238] .
نلاحظ أنّ الصَّلاة الوسْطى - وهي في أظهر الأقوال صلاةُ الْعَصْر - داخلةٌ في عموم لفظ "لصَّلَوات" لكن خُصَّتْ بالذكْر وعُطِفَتْ على عموم الصلوات اهتماماً بشأنها، وتوجيهاً لتخصيصها بعناية فائقة خاصّة، وهذه فائدة الإِطناب بذكرها، إذْ هي داخلةٌ في عموم لفظ "الصّلوات" الوارد قبلها في النص.
هذا المثال من عطف الخاص على العام.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة) أيضاً:
{مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [الآية: 98] .
إنّ جبريل وميكائيل عليهما السلام داخلان في عموم الملائكة ولكنْ خُصَّ جبريل بالذكر تحذيراً لليهود من معاداتهم له، وضُمَّ إليه ميكائيل لقيامه بوظيفة أرزاق العباد التي بها حياة الأجساد، مقابل قيام جبريل بوظيفة الوحي الذي به حياة القلوب والنفوس.
هذا المثال من عطف الخاصّ على العامّ أيضاً.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (نوح/ 71 مصحف/ 71 نزول) حكاية لدعاء نوح عليه السلام:
تباراً: أي: هلاكاً.
لقد خَصَّ نوح عليه السلام نفسه بطلب المغفرة من ربّه، وأتْبَعَهُ بطلب المغفرة لوالديه، وأَتْبع ذلك بطلب المغفرة لكلِّ مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ مُؤْمِناً، فَعَمَّم، ومعلومٌ أنَّه ممَّنْ دَخلَ بيتَهُ مُؤْمِناً فأدْخَلَ نفسه في العموم، وأخيراً قال:"وللمؤمنين والمؤمِنَات" ومعلوم أنَّ من دَعَا لهم سابقاً يَدْخلون في عموم المؤمنين أو في عموم المؤمنات، فكأنّه شمَلَهم بالدّعاء الأخير، فأفاد هذا التعميم بعد التخصيص تأكيد الدعاء وتكريره لمن ذُكِرُوا سابقاً.
هذا المثال من ذكر العام بعد الخاصّ.
المثال الرابع:
قول الله عز وجل في سورة (التحريم/ 66 مصحف/ 107 نزول) خطاباً لاثنتين من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم:
فذكرَ جبريل أوّلاً على سبيل الخصوص وبعد ذلك ذكر عموم الملائكة ومعلومٌ أنَّ جبريل عليه السلام يدخل في عموم الملائكة، لكن جاء إفراد جبريل بالذكر أوّلاً اهتماماً بشأنه، وتعظيماً لمقامه، وإشادة بمكانته عند الله.
***
الطريقة الثالثة: "التكرير" لدَاعٍ بلاغي، كقول عنْتَرة بين شدّاد في بعض روايات معلقته:
يَدْعُونَ عَنْتَرَ وَالرِّمَاحُ كَأَنَّها
…
أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَدْهَمِ
يَدْعُون عَنْتَرَ والسُّيُوفُ كَأنَّهَا
…
لَمْعُ الْبَوَارِقِ في سَحَابٍ مُظْلِمِ
أَشْطَانُ بِئر: أي: حِبَالُهُ الّتي تُعلِّقُ بها الدِّلَاء.
في لَبَانِ الأَدْهَمِ: أي: في صَدْرِ الْفَرَسِ الأدْهم.
فكرّر عبارة "يَدْعون عَنْتَرَ" في البيتين إذْ قَصَد الافتخار بشجاعته، وبطلب الفرسان له في أحرج مواقف القتال.
والدواعي البلاغي للتكرير متعدّدة، فمنها ما يلي:
(1)
تمكين المعنى وتأكيده في نفس المتلقِّي، وزيادة التنبيه على ما ينفي التهمة إذا كان البيان يقتضي ذلك.
(2)
التلذّذ بتكرير عبارات الفخر والإِشادة بالمآثر الحميدة.
(3)
التنفيس عن النفس بعبارات التحسّر والندم أو الحزن، أو الفرح.
(4)
طول الفاصِل في الكلام الذي تدعو الحاجة معه إلى التنبيه بالتكرير.
(5)
المدح أو الذمّ أو الشتيمة.
(6)
التنبيه على تعدُّد المقتضي لذكر العبارة المكرّرة.
(7)
جعل العبارة المكررة فاصلةً في الكلام ذاتَ تأثير فَنِّي جماليّ بديع مستطرف، كأنّها أعلام ترفرف على مفاصيل السّور، أو لوحة مكرَّرة على مقاطع من الطريق.
مع ما فيها من معنىً قد يحتاج تكريراً لتثبيته، أو استثارةِ دافع من دوافع النفس به، أو تهييج عاطفة، كالكليّات العامّة، وكالمعاني التي فيها ترغيب أو ترهيب، أو تحذير أو إنذار، أو تشويقٌ، أو تنديمٌ أو تحْسير، أو نحو ذلك.
(8)
أنْ يكون المكرّر متعلّقاً في الذكر الثاني بغير ما تعلَّقَ به في الذكر الأول، ويسمَّى هذا "ترديداً" ويكثر فيه الداعي الجمالي الفنيّ.
(9)
التعظيم والتهويل.
إلى غير ذلك من دواعي بلاغيّة.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (النور/ 24 مصحف/ 102 نزول) :
{الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
…
} [الآية: 35] .
جاء في هذه الآية تكريرُ "المصباح" مرَّتَيْن، وتكرير "الزُّجَاجة" مرتَيْن إلَاّ أنّ المكرّر متعلّق في الذكر الثاني بغير ما تعلّق به في الذّكر الأول، فهو ممّا يسمَّى "تَرديداً" ولا يخفى ما في هذا لترديد في الآية من جمالٍ فنِّي بديع.
المثال الثاني:
جاء في سورة (الرحمن/ 55 مصحف/ 97 نزول) تكرير عبارة:
{فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الآية: 13] .
إحدى وثلاثين مرّة خطاباً للإِنْسِ والجنّ المخلوقين للامتحان في ظروف الحياة الدنيا.
فبأَيّ آلاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبان: أي فبأيّ نِعَمِ رَبّكُمَا عَلَيْكُما تُكذِّبان. إنّ نِعَمَ الله على العباد لا يستطيع العباد إحصاءها، ومع كلّ فقرة من فقرات حياتهم بتتابع السّاعات والأوقات تمرُّ على كلِّ فَرْدٍ منْهُمْ نِعَمٌ كثيرة وجليلة، وانصرافه الدائم إلى الاستمتاع بها دون ملاحظة خالقها والمتفضِّل على عباده بها يحتاجُ تذكيراً بها، ليقوم بحقّ اللَّهِ عليه في مقابلها، بالإِيمان والطاعة والْحَمْدِ والشّكر.
ففي هذا التكرير عقب ذكْرِ كُلِّ فقرة من فقرات آيات صفاتِ الله في كونه، المشتملة على بعض نِعَمِه، أو الإِنْذار، بعقابه وعذابه، تنبيهٌ على حاجة العبد المبتَلَى أن يَذْكُرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ دَواماً عند كلِّ فقرة من فقرات حياته، ومَوْجَةٍ من موجات نهرها الجاري، لئلَاّ تَجُرَّهُ الغفلات إلى النسيان، فالمعصية، فاجتيال الشياطين لفِكْرِه ونَفْسِه وعَواطِفه، ودفعه إلى السُّبُلِ المزلقة إلى الشقاء، فالعذاب، فنار جهنّم.
فجُعِلَتْ هذه العبارة فاصلة في السّورة، وهذه الفاصلة ذات تأثير فَنِّيّ جماليّ مستطرف، مع ما تشتمل عليه من معنىً يدلُّ على حاجَةِ العباد إلى ذكر نعم الله عليهم مع كلّ موجةٍ من موجات نَهَرِ حياتهم، سواءٌ أكانت ممّا يحبّون أو ممّا يكرهون، ممّا يَطْمَعُون فيه أو ممّا يحذرون منه.
المثال الثالث:
جاء في سورة (المرسلات/ 77 مصحف/ 33 نزول) تكرير عبارة:
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [الآية: 15] .
تسْعَ مرّات، إنْذاراً للمكذبين بيوم الدّين، وترهيباً من عذاب جهنم الذي سيلاقونه، إذا أصَرُّوا على كفرهم وتكذيبهم وماتوا على ذلك دون توبة.
ومع أنّ كلّ مرّة قد جاءت عقب توجيه إقناع بقانون الجزاء الرَّبّاني، أو إخبارٍ ببعض الأحداث التي تكون قبل يوم القيامة، أو تقديم لقَطَاتٍ من مشاهد الحساب، أو مشاهد الجزاء بالعقاب أو بالثواب، أو تحريكِ سَوْطٍ تهديدي بما سينزل بهم من عذاب أليم، فإنّ تكريرها قد جاء بمثابة فاصلةٍ ذات إيقاعٍ، فهي تُعادُ وتكرّر في السّورة بفنّيّة بديعة، ومضمونُها ممّا يستدعي حال المكذبين تكريره، إذْ فيها تَهْدِيدٌ ووَعيد، وفيهم مكابرةٌ وإصرار على الكُفْرِ عنيد، هم يكرّرون إصرارهم، والعبارة تكرّر تهدْيدِهم بالويل.
الويل: كلمة عذاب، فيها معنى الوعيد بحلول عقاب الله، وورد أنّ كلمة "ويل" اسْمٌ علم على وادٍ في جهنم.
المثال الرابع:
جاء في سورة (القمر/ 54 مصحف/ 37 نزول) تكرير عبارة:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [الآية: 17] .
أرْبَع مرَّات، لأنها تضمّنَت حثّاً على تَلَقّي القرآن وتدَبّره وتذكّره، فمضمونها يحمل معنًى كلّياً من كُلّيّاتِ التكاليف الدينيّة التي تتطلَّبُ طبائع النفوس تكريرها، لكثرة شرودها عنها، ورغبتها في التفلّتِ من واجباتها.
واختيرت أن تكون هذه العبارة بمثابة فاصلة ذاتِ جمالٍ فنِّي تُتْلَى بَيْنَ فِقَراتٍ من السّورة، فجاءت عقب ذِكْرِ موجز قصة إهلاك قومِ نوح عليه السلام، وعقب ذكر موجز قصة إهلاك عاد قوم هود عليه السلام، وعقب ذكر موجز قصّة إهلاك ثمود قوم صالح عليه السلام، وعقب ذكر موجز قصة إهلاك قوم لوط عليه السلام.
وفي تكريرها عقب عرض موجز كلّ قصة من قصص هؤلاء الأقوام إشارةٌ إلى أنَّهم لو تلَقَّوْا ما أنْزِلَ إليهم من ربّهم عن طريق رسُلهم، وتدبّروه، وَوَضَعُوه في ذاكراتهم، وادَّكَرُوه حيناً فحيناً ما عرّضوا أنفسهم للهلاك الشامل المعجّل في الدنيا، وللعذاب الخالد المؤجّل إلى يوم الدّين.
فمن تنبّه إلى هذه الإِشارة من أمّة رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم اتّعظ بأحوال الأمم السابقة، فاشتغل بحفظ القرآن الميسّر للذّكر، واشتغل بتدبّر معانيه، وادّكَرَ آياتِهِ حيناً فحيناً عند كلّ مناسبة داعية.
المثال الخامس:
جاء في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) تكرير عبارة:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم} [الآيات: 8 - 9] .
ثمانِيَ مرّاتِ، أُولَاهَا جاءَتْ عَقِب بيان تكذيب الذين كذّبوا محمّداً صلى الله عليه وسلم وبما جاء به عن ربّه، ثم جاءت كلُّ مرَّةٍ من المرّات الباقيات عقب عرض قصَّةٍ من قِصَصِ المكذّبين الأولين، فكان لكل مرّةٍ منها داعيتها من القصّة التي جاءت قبلها، فإذْ تعَدَّدَ المقتضي حَسُنَ إعادة ذكر العبارة نفسها.
المثال السادس:
كان "عَمْرو بْنُ هِنْدِ" ملكاً في الحيرَة من ملوك العرب، وكان جبّاراً عنيداً، لا يَرَى في الناس من يُدانيه في الشرف والمنزلة، فأراد أنْ يستذلّ الشاعر "عمرو بن كُلثوم" باتّخاذ أُمِّه وصيفةً لأمّه، فثارت الحميّة في قلب عمرو بن كلثوم، فسَلَّ سيفه وضرب الملك فقتله، وقَرَضَ مُعَلَّقته التي جاءت فيها:
بِأَيِّ مَشِيئَةٍ عَمْروَ بْنَ هِنْدِ
…
نَكُونُ لِقَيْلِكُمْ فِيهَا قَطِينَا
بِأَيِّ مَشِيئةٍ عَمْروَ بْنَ هِنْدٍ
…
تُطِيعُ بِنَا الوُشَاةَ وتَزْدَرينَا
فكرّرَ عبارته: "بأَيِّ مَشيئَةٍ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ" لأنّه في مقامٍ الْفَخْر وإباء الضَّيْم، وبيان عُذْرِه في قتل الملك إذْ أراد الملك إِذْلاله وإهانته.
لِقَيْلِكُم: الْقَيْل: هو الملك دون الملك الأعظم.
قَطِينا: أي: خَدَماً.
ويمكن القياس على هذه الأمثلة مع ملاحظة الداعي البلاغي في كُلٍّ مِنها.
ملاحظة:
توجد تعبيرات يُظَنُّ أنّها من التكرير، ولدى البحث والتدبر والتحرير، يظهر أنها ليست من التكرير، فعلى دارس النصوص ومتدبّرها أن يُمْعِن فيها النظر طويلاً حتَّى لا يُعْطِيَ النّصّ حكْماً ليس هو له.
فمن ذلك ما جاء في سورة (الكافرون) ومنها ما يكون المقصود فيه مختلفاً في الألفاظ المكرّرة، اختلاف أمكنة، أو اختلاف أزمان، أو اختلاف أنواع أو أصناف أو أفراد، إلى غير ذلك.
***
الطريقة الرابعة: "الإِيغال".
الإِيغال في اللّغة: الإِمعان في التعمّق والمبالغة في الابتعاد، يقال لغة: أوْغَلَ في البلاد، إذا ذهب فيها وبالَغَ وأبعد. وأوْغَلَ في السَّيْرِ إذا أسْرَع فيه وابتعد.
والإِيغال عند البلاغيين: هو إضافة أخيرة تأتي في الكلام بعد انتهاء المقصود منه، لكنَّها ذَاتُ فائدة ما، والدّاعي لها قد يكون الاحتياج إلى القافية في الشعر، أو إلى تناظر الفقرات في النثر، أو استغلال حالة طارئة عرضت للمتكلم، أو غَيْرَ ذلك.
* سئل الأصمعي: مَنْ أشعر الناس؟
فقال: مَنْ ينقضي كلامُه قبل انقضاء القافية، فإذا احتاج إلَيْهَا أفادَ بها مَعْنىً.
قيل: نحوُ مَنْ؟
قال: ذو الرّمّة حيث يقول:
قِفِ الْعِيسَ في أَطْلَالِ مَيَّةَ فَاسْأَلِ
…
رُسُوماً كَأَخْلَاقِ الرِّدَاءِ الْمُسَلْسَلِ
فَتَمَّ كلامُهُ بالرّداء، ثم قالَ:"الْمُسَلْسَل" فزاد به شيئاً، ثم قالَ:
أظُنُّ الّذِي يُجْدِي عَلَيْكَ سُؤَالُهَا
…
دُمُوعاً كتَبْذِيرِ الْجُمَانِ الْمُفَصَّلِ
فَتَمَّ كلامُهُ بالجمان، ثم قال:"المفصّل" فزاد شيئاً.
قيل: ونَحْوُ مَنْ؟
قال: الأعشى إذْ يقول:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيَفْلِقَهَا
…
فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الْوَعِلُ
فَتَمَّ كَلَامُهُ بِيَضِرْها، فلمّا احتاج إلى القافية قال: وأوهَى قرنَه الْوَعِلُ، فزاد معنىً.
قال السائل: وكيف صار الْوَعِلُ مفضَّلاً على كلِّ ما ينْطَح؟
قال: لأنّه ينحطُّ من قُلّةِ الجبل على قَرْنَيْه فلا يضرُّه.
* ومن الإِيغال قول الخنساء في رثاء أخيها "صَخْر".
وَإِنّ صَخْراً لتأتَمُّ الْهُدَاةُ به
…
كَأنَّهُ عَلَمٌ في رأْسِهِ نارُ
لقد تمّ المقصود بقولها: "كأنّه علم" ولمّا احتاجت إلى القافية أضافة خاتمة مفيدة ذات حُسْن فقالت: "في رأْسِهِ نارُ" فبالغت في بيان أنّه رجلٌ تَأْتَمُّ بِهِ الْهُداة.
* ومنه قول امرئ القيس:
كأَنَّ عُيُونَ الْوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَا
…
وأَرْحُلِنَا الْجَزْعُ الّذِي لَمْ يُثَقَّبِ
الْجَزْع: خرز يماني فيه سواد وبياض، يشبّه به عُيُون الوحش، قال الأصمعي: الظبيُ، والبقرة إذا كانا حيَّيْنِ فعُيُونُهما كلُّها سُود، فإذا مَاتَا بدا بياضها.
وقد شبَّهَها امرؤ القيس بالْجَزْعِ، لأنّها عُيُونُ ما صَادَ من الوحش، وحَقَّق بزيادته، التَّشْبِيهَ الذي أراده.
* ومنه قول زهير بن أبي سُلْمَى:
كَأَنَّ فُتَاةَ الْعِهْنِ في كُلِّ مَنْزِلٍ
…
نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ
الْعِهْن: الصّوف المصبوغ ألواناً.
الفنا: عِنَبُ الثعلب، نبات له ثمر بعناقيد صغار الحبّ، كحبّ العنب، إذا نضج احمرّ، أو كان مختلط الألوان حمرة وخضرة، وباطن هذا الحبّ أبيض.
لقد تمّ كلامه بقوله "حبُّ الفنا" ولمّا احتاج إلى القافية قال: "لم يُحطَّم" فجاء بزيادة إيغالية مفيدة، قيَّد بِهَا المشبّه به محافظةً على سلامةِ تشبيهه.
* ومنه ما كان هارون الرشيد يُعْجَبُ به، وهو قول "مسلم بن الوليد":
إذَا مَا عَلَتْ مِنَّا ذُؤَابَةُ شَارِبٍ
…
تَمَشَّتْ بِهِ مَشْيَ الْمُقَيَّدِ فِي الْوَحْلِ
ذُؤَابَةُ: الذُّؤابَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ.
شارب: الشارب الشعر الذي ينبت على الشفة العليا.
أي: إذا عَلَتْ ذُؤابَةُ شَارِب الناشئ من قومِنا جعلته يمشي متبختراً متثاقلاً افتخاراً بمجد قومه.
وكان الرشيد يقول: قاتله الله، أمَا كفاه أن يجعله مقيداً حتى جعله في وحْل.
فعبارة "في الوحل" إيغال.
* وقول الله عز وجل في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول) :
{وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا مَن لَاّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الآية: 20 - 21] .
لقد تَمَّ المعنى المقصود ببيَانِ أَنَّهُمْ مُرْسَلُونَ يَدْعُونَ إلى الحق، ولا يسألون الناس أجراً فليس لهم مصلحة لدى من يدعونهم إلى دين الله، وبعد ذلك جاءت جملة:{وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} إيغالاً، فكَوْن هؤلاء المرسلين مهتدين، أي: يسلكون في أعمالهم وأخلاقهم وكلّ تصرّفاتهم سبيل الهداية، دليلٌ على صدقهم، وهذا يدعو إلى اتِّباعهم وعدم رفض دعوتهم.
* وقول الله عز وجل في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) خطاباً لرسوله ويُلْحَقُ به كُلُّ داعٍ إلى الله من بَعْده:
إنّ عبارة {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} جاءت إيغالاً لتأكيد كون الصُّمّ لَا يَسْمَعُونَ الدُّعاء.
وفائدة هذا الإِيغال الإِشارةُ إلَى أنَّ الأصَمَّ إذا كان مُواجِهاً لمن يدعوه، كان قادراً على إدْراك أنّه يدعوه، من تحريك فمه وحركات جسده عند التكلّم، لكنه إذا كان مُدْبراً مبتعداً لم يَسْمَعْ صوتاً ولم يُدْرِكْ حركةً دالَّةً عليه. وفيه هنا أيضاً مُراعَاةُ كوْنِ المتحدّث عَنْهم صُمّاً صَمَماً معنوياً بكُفْرِهِمْ وعَدَم إيمانهم، وهؤلاء قد يسمعون بعض سماعٍ دُونَ أَنْ يُؤثّر فيهم حالةَ المواجهة، فإذا وَلَّوْا مُدْبِرين لم يَسْمَعُوا شيئاً، فأفاد هذا الإِيغال معانيَ نفيسة.
* وقول الله عز وجل في سورة (الذاريات/ 51 مصحف/ 67 نزول) :
{وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الآيات: 22 - 23] .
إنّ عبارة: {مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} جاءت إيغالاً بَدِيعاً بعد انتهاء المعنى المقصود، إذ شبَّهَ ضَمَانَ الرزق للعباد الذي يحرّكون أفواههم عليه في طعامهم، بقدرتهم على النطق حينما ينطقون، أي: كما أقدركم الله على إخراج نطقكم من أفواهكم أقدركم على كسب أرزاقكم وإدخالها إلى بطونكم عن طريق أفواهكم.
***
الطريقة الخامسة: "الاعتراض".
الاعتراض في اللّغة: الدّخول بين الشَّيْئَيْن حتى يكون الداخل المعترضُ فاصلاً بينهما، ويُسَّمى "عَارِضاً" أي: حائلاً ومانعاً بينهما، ومنه أُخِذ الاعتراض في البلاغة والنحو.
الاعتراض اصطلاحاً: أنْ يُؤتَى في أثْنَاءِ الكلام أو بين كلَاميْن متَّصِلَيْن في معناهما بجملة أو أكثر لا محلّ لها من الإِعراب لنكتة بلاغيّة سِوَى دفع الإِيهام.
فإذا كان لدفع الإِيهام فهو من طريقة (الاحتراس = التكميل) الآتي بيانُها إن شاء الله.
ويؤتي بالاعتراض لدواعي بلاغية منها ما يلي:
(1)
التنزيه والتعظيم.
(2)
الدّعاء.
(3)
التنبيه على أمْر، وكذلك الإِشارة إلى أنّ ما وقع به الاعتراض قد حصل مضمونه خلال الزمن الفاصل بين الكلامين المتّصلَيْن.
(4)
التبرُّك.
(5)
التقرير في نفس السامع.
(6)
التصريح بما هو المقصود.
(7)
الاستعطاف.
(8)
انتهاز الفرصة المواتية، والمبادرة لبيان أمْرٍ ذي أهميّة. إلى غير ذلك.
ووجه حُسْن الاعتراض اهْتِبَالُ الْفُرْصَةِ المواتية للإِفادة والبيان، أو التعبير عمّا في النفس، مع مجيئه مجيء غير المترقّب، فيكونُ كالشيء السّارّ الذي يأتي الإِنسانَ من حيْثُ لا يحتسب.
ولحسنه جاء في أرفع الكلام إعجازاً، وجاء في أقوال الفصحاء والبلغاء.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} [الآية: 57] .
عبارة: "سبحانه" جملة اعتراضية بين كلامين متصلين في معناهما، للمبادرة إلى تنزيه الله عن أن يكون له بنات، والتشنيع على من جعلَهُنّ له بتصوّرهم الفاسد، وأقوالهم الكاذبة.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (الفتح/ 48 مصحف/ 111 نزول) :
{لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ
…
} [الآية: 27] .
عبارة: {إنْ شاء الله} جملة اعتراضيّة في أثناء كلام مُتَّصلٍ في معناه، للمبَادرة إلى تعليم المؤمنين أن يقولُوا في كلّ ما يرجون وقوعه أو يريدون إيقاعه مستقبلاً. "إنْ شاء الله" وتعليمهم كيف يكون إدْخال هذا التعليق على مشيئة الله في كلامهم.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
إنّ عبارة: {إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين} عبارَةٌ اعتراضيَّة، بين كلامَيْنِ مُتّصلَيْنِ في معناهما، فقوله تعالى:{نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} متّصل بقوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} وجاءت العبارة الاعتراضيّة للمبادرة إلى الحثّ على الطهارة واجتناب الأدْبار والتّوبَةِ من إثْمِ إتيانها الذي ربّما كان يفعله بعض الأزواج قبل البيان القرآني.
المثال الرابع:
قول الله عز وجل في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول) ضمن عرض قصّة إغراق قوم نوح عليه السلام:
جاءت في هذه الآية ثلاث جُمَلٍ اعتراضيّة بين كلامَيْنِ مُتَّصِلَيْن في معناهما، وهي:"وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي".
هذا الاعتراض بهذه الجمل الثلاث أفاد أنَّ مضمونها قد حَصَل بين زمَنَي القولَيْنِ المتّصلَيْنِ في معناهما: [وَقيل
…
-وقيل
…
] .
ويلاحظ أنّ جملة: {وَقُضِيَ الأمر} اعتراضٌ في اعتراض، إذ الجملتان:{وَغِيضَ المآء} و {واستوت عَلَى الجودي} متصلتان في معناهما، وجاءت {وَقُضِيَ الأمر} معترضة بينهما.
المثال الخامس:
قول الله عز وجل في سورة (الواقعة/ 56 مصحف/ 46 نزول) :
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الآيات: 75 - 77] .
في هذا اعتراض بين القسم وجوابه بقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ - لَّوْ تَعْلَمُونَ - عَظِيمٌ} للتنبيه على عظم هذا القسم مع الفرصة المواتية.
واعتراضٌ في داخل الجملة المعترضة بين خبر "إنّ" وصفته، بجملة {لَّوْ تَعْلَمُونَ} للتنبيه على أنّ المخاطبين يجهلون عظمة مواقع النجوم.
المثال السادس:
قول العباس بن الأحْنف:
إِنْ تَمَّ ذَا الْهَجْرُ - يَا ظَلُومُ وَلَا تَمَّ -
…
فَمَالِي فِي الْعَيْشَ مِنْ أَرَبِ
ظَلُوم: اسْمُ صاحبته. والأرب: الحاجة.
في هذا البيت اعتراض بين الشرط وجوابه بنداءِ مَنْ يُحِبّ والمبادرة إلى الدعاء بأنْ لَا يتمَّ مضمونُ الشرط، والداعي له المبادرة إلى استعطاف "ظلوم" التي يُحِبُّها، وسؤال الله أن لا يَتِمّ هجرها له، والدافع له في نفسه رغبته في وصلها وخوفه من هجرها.
المثال السابع:
قول عوف بن ملحم الشيباني يشكو كِبَرَهُ وضعفه:
إِنَّ الثَّمَانِينَ - وَبُلِّغْتَها -
…
قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إلَى تُرْجُمانٍ
فجملة: "وَبُلِّغْتَها" جملةٌ اعتراضيةٌ دُعَائية، استغلت فيها المناسبة استغلالاً حسناً ليدعو لمن يخاطبه بطول العمر.
المثال الثامن:
قول أبي الطيّب المتنبّي:
وَخُفُوقُ قَلْبٍ لَوْ رَأَيْتِ لَهِيبَهُ
…
-يَا جَنَّتِي- لَرَأيْتِ فِيهِ جَهَنَّما
قوله: "يا جَنَّتِي" جملة معترضة، والداعي لها الاستعطاف، واستغلال المناسبة ليُجْرِيَ مطابقة بين الجنة وجهنّم.
المثال التاسع:
قول ابن ميّادة:
فَلَا هَجْرُهُ يَبْدُو - وفي اليأسِ راحَةٌ -
…
وَلَا وَصْلُهُ يَبْدُو لَنَا فَنُكارِمهْ
قولُهُ: "وفي اليأْسِ رَاحَةٌ" جملةٌ اعتراضيّة جاءت تعليلاً لأمر من المستغرب أن يكون مطلوباً، وهو إبرامُ الهجر وعدم التردد فيه، إذ المحبُّون لا يطلبونه عادة، فبادر لبيان السبب فجاء بالجملة الاعتراضية، وهي مبادرة حسنة.
***
الطريقة السادسة: "الاحتراس = التكميل".
الاحتراس: أو التكميل: اسمان أُطْلِقا على مسمَّى واحد، هو زيادة إطنابيّةٌ في الكلام يَدْفَع بها المتكلّم إيهاماً اشتمل عليه كلامه.
ويكون هذا الاحتراس حينما يأتي المتكلم بكلام يوهم خلاف ما يُريد، ويأتي بَعْدَه بكلامٍ يدفع به ذلك الإِيهام، ومثل هذا يُوجَد في أرفع الكلم لتحقيق غرضٍ بلاغي، وقد يوجد في كلام أهل الخطب الارتجالية على سبيل التدارك لما جاء في كلامهم ففطنوا إليه فاحترسوا تكميلاً.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل لموسى عليه السلام كما جاء في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) :
إنّ عبارة: {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ} قَدْ تُوِهمُ أَنَّ بَيَاضَهَا رُبَّمَا كَانَ عَنْ بَرَصٍ، فجاءَت عبارة:{مِنْ غَيْرِ سواء} تَكْمِيلاً احْتراسِيّاً لدَفْعِ هذا الإِيهام.
المثال الثاني:
قول طرفة بن الْعَبْد من قصيدة يمدح بها قتادة بن مسلمة الحنفي، على ما كان منه تجاه قومه، إذْ بذل لهم في سنةٍ أصابتهم:
فَسَقى دِيَارَكَ - غَيْرَ مُفْسِدِها -
…
صَوْبُ الرَّبِيعِ وَدِيمَةٌ تَهْمِي
الصّوب: المطر بقدر ما ينفع ولا يؤذي.
الدّيمة: المطر يدوم زمانهُ في سكون.
تَهْمِي: تسيل.
قوله: {غَيْرَ مُفْسِدِها} تكميل احتراسي، لأنّ سُقْيا الدّيار بمطر كثير قَدْ يفسدها، فدَفع هذا الإِيهام بالاحتراس الذي جاء به.
المثال الثالث:
قول كعب بن سَعْد الغنوي:
حَلِيمٌ إِذَا ما الْحِلْمُ زَيَّنَ أَهْلَهُ
…
مَعَ الْحِلْمِ في عَيْنِ الْعَدُوِّ مَهِيبُ
في هذا البيت احتراسان كمّل بهما الشاعر كلامه: فقوله: "إذا ما الحليم زيّنَ أهله احترس به لدفع توهم أن يكون حمله عن ضعف، وقوله "في عين العدوّ مهيب" احتراسٌ آخر.
***
الطريقة السابعة: "التذييل".
التذييل: تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيداً لمنطوقها، أو لمفهومها، وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مَا يجري مجرى المثل، وهو ما استقلّ معناه واستغنى عمّا قبله، مثل قول الله تعالى في سورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
{وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً} [الآية: 81] .
إنّ جملة {إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً} تتضمّن معنى الجملة التي جاءت قبلها، فهي إطناب على طريقة التذييل، وعبارتها ممّا يجري مجْرى المثل، وهي تُؤكّد منطوق الجملة التي جاءت قبلها.
القسم الثاني: مَا لا يجري من التذييل مجرى المثل، وهو ما لا يستقلُّ معناه عمّا قبله، كقول ابن نُبَاتَة السّعْدِي:
لَمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئاً أُأَمِّلُهُ
…
تَرَكْتَنِي أَصْحَبُ الدُّنْيا بِلَا أَمَلِ
فالشطر الثاني من هذا البيت تذييل أكّدَ مَفْهوم الشطر الأول، وهو ليس مما يجري مجرى المثل.
(1)
قول الله عز وجل في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) خطاباً لرسوله:
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون} [الآية: 34] .
إنّ جملة {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون} تذييلٌ يؤكّد منطوق الجملة التي جاءت قبلها، وهي ممّا يجري مجرى المثل.
(2)
قول الله عز وجل في سورة (سبأ/ 34 مصحف/ 58 نزول) :
{ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازي إِلَاّ الكفور} [الآية: 17] .
إنّ جملة {وَهَلْ نُجَازي إلَاّ الكفُور؟} تذييل يؤكّد مفهوم الجملة التي جاءت قبلها، وهي ممّا لا يجري مجرى المثل، إذ المعنى: لا نجزي مثل هذا الجزاء المعجّل بالعقاب المهلك الشامل للقوم إلَاّ من كان كفوراً.
(3)
قول الحطيئة:
نَزُورُ فَتَىً يُعْطِي على الْحَمْدِ مالَهُ
…
وَمَنْ يُعْطِ أَثْمَانَ الْمَحَامِدِ يُحْمَدِ
الشطر الثاني من هذا البيت تذييلٌ يؤكّد منطوق الشطر الأول منه، وهو مما يَجْري مجرى المثل، فهو تذييل جميل.
(4)
قول أحد الشعراء لمن أعطاه ومنَّ عليه:
أَفْسَدْتَ بِالْمَنِّ مَا أَسْدَيْتَ مِنْ حَسَنٍ
…
لَيْسَ الْكرِيمُ إِذَا أَعْطَى بِمَنَّانِ
الشطر الثاني من هذا البيت تذييل يؤكّد به الشاعر مفهوم الشطر الأوّل منه، وهذا التذييل مما يجري مجرى المثل، فهو إطنابٌ تَذييليٌّ جميل.
(5)
قول أبي الطيّب المتنبّي:
مَا كُلُّ مَا يتمنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ
…
تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ
الشطر الثاني من هذا البيت تذييل أكّدَ به الشاعر منطوق الشطر الأول منه، وقد جرى مثلاً.
قال العكبري: وهو من أحسن الكلام.
(6)
قول زُهَيْر:
تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلاً
…
كَأَنَّكَ تُعْطِيه الّذِى أَنْتَ سَائِلُهُ
الشطر الثاني من هذا البيت "تذييل" أكّد به الشاعر منطوق الشطر الأول منه، وهو ليس ممّا يجري مجرى المثل.
(7)
قول الشاعر:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي
…
إِنَّ الْمَنَايَا يَا لَا تَطِيشُ سِهَامُهَا
الشطر الثاني من هذا البيت "تذييل" أكّد به الشاعر منطوق الشطر الأول منه، وهو مما يجري مجرى المثل.
***
الطريقة الثامنة: "التتميم".
التتميم: الإِتيان بفضلة مفيدة في كلام لا يوهم خلاف المراد.
يلاحظ أنّ قيد "في كلام لا يوهم خلاف المراد" قد أضيف هنا للتفريق بين التتميم و"الاحتراس= التكميل" الذي سبق بيانه وشرحه.
أمثلة:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (الإنسان/ 76 مصحف/ 98 نزول) يصف الأبرار.
{وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُوراً} [الآيات: 8 - 9] .
قالوا: عبارة: {على حُبِّهِ} جاءَت تتميماً مفيداً حصلت به المبالغة في أنَّهم حريصون جدّاً على إطعام الطعام على الرغم من حبِّهِمْ له، وتعلُّقِ شَهْوَتِهم به، فالإِطعام في هذه الحالة أبلغ في الدلالة على ابتغاء مرضاة الله، وهو بسبب ذلك أعظم أجراً عند الله.
أقول: إنّ عبارة {على حُبِّهِ} قيد لازم لإِدْخال المطعم للطعام في مرتبة الأبرار، وهي فوق مرتبة المتقين الذين يكفيهم أن يطعموا الطعام الواجب عليهم أن يُطْعِموه، ولو كان هذا الطعام غير محبوب لهم.
ونظير هذا الْقَيْدِ القيدُ الذي جاء في الآية (177) من سورة (البقرة) فهو قيد لازم حتى يكون من يؤتي المالَ مرتقياً ببذله إلى مرتبة الأبرار، إذ قدّم عملاً هون من أعمال البرّ، فأعمالُ البرّ توسُّعٌ في الخير زائِدٌ على أعمال التقوى.
(2)
قول الله عز وجل في سورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
{سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ
…
} [الآية: 1] .
جاءت في هذه الآية كلمة "ليلاً" تتميماً، وذلك لأنّ الإِسراء لا يكون إلَاّ باللَّيْل، وفائدة هذا التتميم الإِشارة إلى قِصَرِ المدّةِ التي حصل فيها الإِسراء ذهاباً وعودة، والإِشارة إلى أنّ لِلّيْلِ خصَائِصَ من نفحاتِ الله وإكراماته التي يفيض بها على بعض عباده.
(3)
قول "زهير بن أبي سُلْمَى" يمدح "هَرِم بْنَ سِنان".
مَنْ يَلْقَ يَوْماً عَلَى عِلَاّتهِ هَرِماً
…
يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ والنَّدَى خُلُقاً
عَلى عِلَاّتِهِ: أي: عَلى كُلِّ حَالٍ من أحواله، في انشراحه وانقباضه، وسروره وحُزْنه، ويُسْرِه وعُسْرِه.
فقد جاءت عبارة "عَلَى عِلَاّتِهِ" تَتْميماً جميلاً ذا فائدة.
(4)
قول أحد الشعراء:
إِنِّي عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ كِبَرِي
…
أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ تُؤْكَلُ الكَتِفُ
فقوله: "على مَا تَرَيْنَ من كبري" كلامٌ لم يدفَعْ به إيهاماً، إلَاّ أَنّه زيادة أفادَتْ فائدة حسنة، فهو "تَتْمِيم" تخلّص به من تُهْمَة تأثير كبر السنّ عليه.
(5)
قول المعرّي:
وإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الأَخِيرَ زَمَانُهُ
…
لآَتٍ بمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأَوَائِلُ
فقوله: "وإِنْ كُنْتُ الأَخير زَمَانُهُ" كلامٌ لم يدفع به إيهاماً، إلَاّ أنَّهُ زيادة أفادت التَّنْبيهَ على أنّ المتأخرين قَدْ يأتُونَ بما لم يأت به الْمُتَقدِّمون، وأنّ مقولَةَ: ما تركَ الأوّل للآخِرِ شيئاً مقُولَةٌ غَيْرُ صحيحة، فهذا القول "تتميم" أشار به إلى ردّ مقولة باطلة:
(6)
قول المتنبي في صباه يمدح محمّد بن عُبَيْدِ اللَّهِ العلَويّ:
لَهُ أَيَادٍ إليَّ سَابِقَةٌ
…
أَعُدُّ مِنْهَا وَلَا أُعَدِّدُهَا
أي: له أيادٍ محسناتٌ إليّ، أو سابقةٌ إلي أَعْدُّ بَعْضَها وَلا أستطيعُ أنَّ أُعَدِّدَهَا كُلَّها مُحْصِياً.
فعبارة "ولا أُعَدِّدُها" جاءت زائدة على المقصود من القول، ولم تدفع إيهاماً، لكنَّها زيادة مفيدة أشار بها إلى كثرة أيادي ممدوحة، فهو لكثرتها غير قادِرٍ على أنْ يعدّدها محصياً لها، فالعبارة إذن "تتميم" جميل.
(7)
قول الْحُصَيْن بْنِ الْحُمام:
فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَاب تَدْمَى كُلُومُنَا
…
وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُر الدَّمَا
الشطر الثاني من هذا البيت زائد على المقصود من القول، ولم يدفع إيهاماً، فهو تتميم أكّدَ بِهِ الشاعر أنّه وقومه شجعان يواجهون المقاتلين بصدورهم، ولا يفرّون مُدْبرين، فإذا أصابتهم الكلوم "أي: الجروح" في الحرْب كانت من جهة وجوههم فتتساقط الدماء على أقدامهم، ولم تكن من جهة ظهورهم.
***
الطريق التاسعة: "الطرد والعكس".
الطرد والعكس: هو أن يُؤْتَى بكلامَيْنِ يُقَرِّرُ كُلُّ مِنْها بمنطُوقه مفهوم الثاني منهما.
فهو من الإِطناب ذي الفائدة، وفائدته تأكيد منطوق كلٍّ منهما لمفهوم الآخر.
أمثلة:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (التحريم/ 66 مصحف/ 107 نزول) :
إنّ جملة: {لَاّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ} تفيدُ بمنطوقها نفي المعصية عنهم وتفيد بمفهومها إثبات الطاعة لهم.
وإنَّ جملة: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تُفيدُ بمنطوقها إثبات الطاعة لهم، وَتفيد بمفهومها نفْيَ المعصية عنهم.
(2)
قول الله عز وجل في سورة (النور/ 24 مصحف/ 102 نزول) :
جاء في هذه الآية الأمْرُ بالاسْتئذان في ثلاثة أوقات، وهذا يفيد بمفهومه عدم وجوب الاستئذان في غيرها.
وجاء بعد ذلك رَفْعُ الجناح عن الطواف دون استئذان في غير الأوقات الثلاثة، وهذا يفيد بمفهومه وجوب الاستئذان فيها.
فكان كلٌّ من القولين مقرّراً بمنطوقه مفهوم الثاني منهما، وهو من التأكيد اللطيف.
***
الطريقة العاشرة: "الاستقصاء".
الاستقصاء: هو أن يتناول المتكلّم بيانَ معنىً، فيستقصيَهُ من كلّ جوانبه، آتياً بجميع عوارضه، ولوازمه، بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية، حتَّى لا يَتْرُكَ لمَنْ يتناولُهُ بعْدَهُ مقالاً إضافيّاً فيه.
ومن الأمثلة الرائعة للاستقصاء قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) للتحذير من إبطال أثَر الصّدقاتِ بالمنّ والأذى:
نلاحظ في هذه الآية اسْتِقْصَاءَ عجيباً.
إنّ الاقتصار على لفظ "جنَّة" كان كافياً، لكن لم يأت في الآية الاقتصار عليه، بل جاء في تفسير الجنة أنّها من نخيل وأعناب أشرف الأشجار عند العرب، فكشف الله بهذا البيان أنّ المصاب بإحْرَاق الجنة أشدّ وأعظم من كونها مجرّد جنة عاديّة.
وبعده زاد قوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} فصوَّر بهذه الزيادة مبلغ عناية صاحبها بها.
وأضاف بعد ذلك وصفها بقوله: {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات} فأتَى بكلّ ما يكونُ في الجنان، لإِظهار شدّة حزن صاحبها عليها إذا نزل به إعصار فأحرقها.
وقال بعد ذلك في وصف صاحبها: {وَأَصَابَهُ الكبر} والإِنسان حينما تكبر سنّة يشتد حرصه على بستانه، وينقطع أَمَلُهُ مِن إِعَادَةِ تشجيره والعناية به.
وأتبع ذلك بقوله: {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ} فأبان بهذا مبْلَغَ لَهْفَتِه، على جنته، من أجْلِ ذُرّيّتِهِ الضعفاء.
بعد هذا الاستقصاء في وصف الجنّة، ووصف حال صاحبها، ومبلغ تعلّقه بها وحرصه عليها، قال تعالى:
{فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ} والإِعصارُ أشدُّ الظواهر الكونية المهلكة للجنّات، ولم يقتصر على ذكر الإِعصار بل أضاف قولَهُ:{فِيهِ نَارٌ} وهو أعْنَفُ أنواع الأعاصير المهلكة.
وقدّم أخيراً فِقرةَ الختام التي أتمّ بها أحداث المأساة فقال تعالى: {فاحترقت} .
وكان هذا الختام آخر استقصاء صارت به الجنّة البديعة المثمرة رماداً.
كذلك حالُ من يُتْبِعُ صدَقته بالمنّ والأذى.
ما أروع هذا التمثيل وأتقَنَهُ، وأَكْثَرَه تَتبُّعاً واستقصاءً للجزئيات حتى لا مزيد عليها.
أقول: حسْبُ الاستقصاء هذا الشاهد القرآني، لأننا لا نكاد نجد في غير القرآن استقصاءً بديعاً إلَاّ في الْقِصَص المطوّلة.
***
الطريقة الحادية عشرة: "التعليل".
التعليل: زيادةٌ في الكلام عن أصل المعنى الذي يُقْصَدُ التعبير عنه لبيان علّته، أو سببه، أو الدليل على صحته أو نفعه وفائدته.
وفائدة التعليل الشاملِ لبيان العلّة أو السب أو الدليل:
(1)
الإِقناع بصحة الكلام، أو بفائدة العمل بمقتضاه.
(2)
توليد الدافع الذاتي للعمل بمقتضاه.
(3)
زيادة تقرير مضمون الكلام بذكر علته، لأنّ النفوس أكثر استعداداً لتقبل الأخبار أو التكاليف المعلّلة المقرونة ببيان أسبابها وأدلتها، ممّا لو قُدّمت لها الأخبار أو التكاليف مجرّدة من ذلك.
فيكون تطويل الكلام بالتعليل وبيان الدليل إطناباً حسناً مفيداً، ذا أثرٍ في نفوس المتلقّين له.
وغالب ما جاء في القرآن من تعليل قد جاء بمثابة جواب سؤالٍ مقدّر ذهناً غير مذكور في اللّفظ.
أمثلة:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول) :
{ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الآية: 45] .
إنّ عبَارَةَ: {لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} هي بمعنى لِتُفْلِحُوا على سبيل الرّجاء.
لقد تَمَّ المطلوب بعبارة {فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً} لَكِنْ جاء التعليل بعدها لتوليد الدافع الذاتي للعمل بهذا المطلوب.
فزيادة التعليل قد كانت إطناباً نافعاً.
(2)
قول الله عز وجل في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) :
في هذا النصّ اقْتَرن النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأَزْلَامِ ببيان العلّة أو السبب أو الحكمة، لتوليد الدافع الذّاتي لاجتنابها.
فهي:
* رِجْسٌ من عَمَلِ الشيطان.
* واجْتِنَابُها سَبَبٌ يُرْجَى معه الفلاح.
* والشيطان يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بين الناس في تعاطيهم الخمرَ والْمَيْسِر، ويُريد أنْ يَصُدَّهم بهما عن ذكر اللَّهِ وعن الصلاة.
هذه الأسباب كافية لأن تجعل ذا اللّب يُحَقِّقُ المطلوب اجتنابُه في النص.
فزيادة التعليل في النصّ قد كانت إطناباً نافعاً.
(3)
قول الله عز وجل في سورة (التين/ 95 مصحف/ 28 نزول) خطاباً للمكذّب بالدّينونة والجزاء:
{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين * أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين} [الآيات: 7 - 8] .
جاءت آية {أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين} دَلِيلاً على الدينونة والجزاء، لأنّ أحكم الحاكمين لا يُمْكِنُ عقلاً أن يُسَوِّيَ بين المسلمين والمجرمين.
(4)
قول الله عز وجل في سورة (العنكبوت/ 29 مصحف/ 85 نزول) :
{وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين} [الآية: 6] .
أي: ومَنْ جَاهَدَ ابْتِغَاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ فإنَّهُ إِنَّمَا يُجَاهِدُ ليُحَقِّقَ لنفسه عند الله ثواباً عظيماً، وهو بجهادِهِ لا يُضِيف إلى مُلْكِ اللَّهِ شيئاً.
هنا يَرِدُ سؤال مُقَدّر: ما السبب في قَصْرِ نفع جهاده على نفسه؟
فجاء الجواب التعليلي بعبارة: {إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين} ، أي: إنّ الله
قادرٌ على نُصْرة دينه دون مجاهد المجاهدين المؤمنين، لكن ابتلاءهم في الحياة الدنيا اقتضى تكليفهم بالجهاد لنصرة دينه، وتركَ الأمر للأسباب التي وضعها للناس.
***
الطريقة الثانية عشرة: "التفسير".
التفسير: أنْ يُؤْتَى بكلامٍ لَاحقٍ يُفَسَّرُ به كلامٌ سابق لإِزالة ما فيه من لَبْسٍ أو خفاءٍ.
ولمّا كان التفسير زيادة في الكلام مفيدة كان إطناباً حسناً كلَّما اقتضاه الحال، ومن التفسير أن يؤتى بالمرادف الأظهر بعد المرادف الأخفى.
أمثلة
(1)
قول الله عز وجل في سورة (المعارج/ 70 مصحف/ 79 نزول) :
{إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً} [الآيات: 19 - 21] .
جاءت الآيتان "20 -21" من هذا النَّصّ مُفَسِّرَتَيْنِ لِمَعْنَى كلمة "هَلُوع" كما قال أبو العالية وغيره من قدماء أهل التفسير.
فالْهَلُوع: هو الذي إذا مسَّهُ الشَّرُّ كان جَزُوعاً، وإذا مَسَّهُ الْخَيْرُ كان منوعاً.
وهذا التفسير لم يضف إلى المعنى الذي دلّت عليه كلمة "هلوع" شيئاً، لكنَّه كان مفيداً إذْ شرح معنى كلمة هلوع، فهو إطناب حسن.
(2)
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) خطاباً لبني إسرائيل:
يَسُومُونَكُم: أي: يُحَمِّلُونَكُمْ وَيُكَلِّفُونَكُمْ.
سُوءَ العذاب: أي: أشَدَّ العذاب وأكثره مشقةً وظُلْماً.
نلاحظ في هذه الآية أنّ قَوْلَ الله تعالى فيها: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} قد جاء تفسيراً لبعض مضمون قوله: {يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب} فهو إطناب مفيد حَسَن.
ومعنى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} يبقون نساءكم على قيد الحياة للتسخير والخدمة.
(3)
قول الله عز وجل في سورة (الممتحنة/ 60 مصحف/ 91 نزول) :
{ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحق
…
} [الآية: 1] .
إنّ عِبَارَةَ: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة} بيانٌ لبعض عناصر اتخاذ أعداء الله وأعداء المؤمنين أولياء، فهو من التفسير الجزئيِّ للموالَاة، وهو يدلُّ على النظير قياساً، وعلى ما هو أشدّ منه من باب أولى.
فهذا التفسير من الإِطناب المفيد الحسن.
(4)
قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
{ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين * الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا
…
} [الآيات: 50 - 51] .
إنّ عبارة: {الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا} بيانٌ لبعض عناصر الكُفْر وَأسْبَابِه، فَهُوَ من التفسير الجزئي لكلمة {الْكَافِرِين} .
فهذا التفسير من الإِطناب المفيد الْحَسَن.
(5)
قول الله عز وجل في سورة (الصمد) :
{قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الآيات: 1 - 3] .
قال "محمد بن كعب القرظي": {لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ} تفسيرٌ للصَّمد.
أقول: هو من التفسير الجزئيّ لا من التفسير المطابق.
***
الطريقة الثالثة عشرة: "وضع الاسم الظاهر موضع المضمر".
سبق في الفصل السادس "الخروج عن مقتضى الظاهر" من الباب الثاني "أحوال عناصر الجملة" جوانب مهمّة من وضع الاسم الظاهر موضع الضمير، وما يأتي في بحث "الإِطناب" هنا يُعْتَبرُ مكملاً لما جاء في بحث الخروج عن مقتضى الظاهر، وجاء التكرار لاختلاف الاعتبارات فالبحثان متكاملان.
أصل وضع الضمائر في اللّغة إنّما كان للاختصار، والتقليل من طول الكلام الذي يحصل بذكر الأسماء الظاهرة ابتداءً أو تكراراً.
فيحصل الاكتفاء بأن يكنَّى بالضمائر عن الأسماء الظاهرة، وبها يَقْصُر طول الكلام، وبهذا صار للضمائر في الكلام مواضع يعتبر استعمالها فيها هو الأصل.
ولكن قد تدعو دَوَاعي بلاغيّة لوضع الأسماء الظاهرة في مواضع استعمال الضمائر، وتَحَمُّلِ طُولِ الكلام بهذِه الأسماء الظاهرة، وبهذا دخل استعمال الاسم الظاهر موضع المضمر ضمن طرائق الإِطناب.
ونظر البلاغيّون في الدواعي البلاغيّة لهذا الاستعمال وفوائده فظهرت لهم الدواعي التالية المتضمّنة فوائده:
(1)
إرادة زيادة التقرير والتمكين.
(2)
قصد التعظيم والإِجلال، أو قصد تعظيم الشيء وبيان ارتفاع منزلته.
(3)
قصد الإِهانة والتحقير.
(4)
إرادة إزالة اللّبس إذا كان استعمال الضمير يُفضي إليه.
(5)
تربية المهابة وإدْخال الرّوع على ضمير المتلقي بذكر الاسم الظاهر إذا كان ممّا يقتضي ذلك.
(6)
إرادة تقوية الدافع إلى تنفيذ الأمر وتحقيق الطاعة.
(7)
إرادة التلذّذ بذكر الاسم الظاهر، فالعشّاق يتلذّذون بذكر أسماء من يُحِبون، أو ما يحبّون.
(8)
إرادة التوصل إلى الوصف باستعمال الاسم الظاهر.
(9)
إرادة التنبيه على علة الحكم إذا كان الاسم الظاهر يدلُّ عليها أو يشير إليها.
(10)
إرادة العموم إذا كان الاسم الظاهر يفيده، أو يُذْكَرُ ليُقْرَنَ بما يفيده.
(11)
إرادة الخصوص إذا كان الاسم الظاهر يفيده، أو يُذْكَرُ ليقرن بما يُفيدُه.
(12)
قصد الإِشارة إلى استقلال الجملة، وعدمِ دخولها في حكم سابقتها إذا كان استعمالُ الضمير يفيدُه.
(13)
إرادة مراعاة صورة جمالية في اللّفظ، أو محسّن من محسنات البديع كالجناس والتَّرصيع، إذا كان ذكر الاسم الظاهر يفيد ذلك.
إلى غير ذلك من دَوَاعي مقبولة لدى البلغاء الأذكياء.
أمثلة:
أوّلاً: في النصوص التالية وُضِعَ الاسم الظاهر موضع الضمير لزيادة التقدير والتمكين:
{قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد} [الإخلاص: 1 - 2] .
"الله" في الآية الثانية.
* {وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ} [الإِسراء: 105] .
"بالحقّ" الثانية.
* {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولاكن أَكْثَرَ الناس لَا يَشْكُرُونَ} [غافر: 61] .
"النّاس" الثانية.
* {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 78] .
"الكتاب" الثانية.
* {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله
…
} [آل عمران: 78] .
"الله" الثانية.
***
ثانياً: في النصوص التالية وُضِعَ الاسم الظاهر موضع الضمير لقصد التعظيم والإِجلال، وقَصْد تعظيم الشيء وبيان ارتفاع منزلته:
* {واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] .
* {أولائك حِزْبُ الله أَلَا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون} [المجادلة: 22] .
* {وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً} [الإِسراء: 78] .
* {وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ} [الأعراف: 26] .
وضع لفظ "ذلك" بدل الضمير.
* {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ
…
} [الإِنسان: 1] .
كان من الممكن أن يقال: إنّ خلقناه.
ثالثاً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير لقصد الإِهانة والتحقير:
* {أولائك حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19] .
* {إِنَّ الشيطان كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [الإِسراء: 53] .
* {فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً} [النساء: 76] .
رابعاً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير، لإِرادة إزالة اللَّبْسِ إذ استعمال الضمير يفضي إليه:
* {الظآنين بالله ظَنَّ السوء عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء} [الفتح: 6] .
فلو قال: عليهم دائرته لأوهم أنّ الضمير عائد على الله عز وجل.
* {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} [يوسف: 76] .
فلو قال: ثم استخرجها من وعائه لأوهم أنَّ أخاه استخرجها من وعاء نفسه.
***
خامساً: في النّصوص التالية وُضع الاسم الظاهر موضع الضمير لإرادة تربية المهابة وإدخال الرّوع على ضمير المتلقّي:
* {ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20] .
* {ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ واتقوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1] .
* {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان} [النحل: 89 - 99] .
***
سادساً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير لإرادة تقوية الدافع إلى تنفيذ الأمر وتحقيق الطاعة:
* {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين} [آل عمران: 159] .
* {إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا إِنَّ الله لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] .
* {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} [آل عمران: 19] .
***
سابعاً: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير للتلذّذ بذكر الاسم قول عاشق ليلى:
بِاللَّهِ يَا ظَبَيَاتِ الْقَاعِ قُلْنَ لَنَا
…
لَيْلَايَ مِنْكُنَّ أَمْ لَيْلَى مِنَ الْبَشَرِ
وهذا الغرض هو الذي جعل أبا نواس يقول في خمريّاته:
أَلَا فَاسْقِنِي خَمْراً وَقُلْ لِي: هِيَ الْخَمْرُ
…
وَلَا تَسْقِنِي سِرّاً إِذَا أَمْكَنَ الْجَهْرُ
ثامناً: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير بغية التوصّل إلى وصفه ما جاء في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) خطاباً من الله لرسوله:
إذا اعتبرنا أنَّ عِبَارةَ: {فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ النبي الأمي
…
} من جملة ما أُمَرَ اللَّهُ به رسوله أن يقوله للناس، فقد كان الأصل أن يقول: فآمِنُوا باللَّهِ وَبي
…
لكنّ قصد التوصّل إلى وصف الرسول حسَّنَ وضع الاسم الظاهر موضع الضمير.
ويحتمل أن يكون الكلام قد انتهى عند لفظه: {يُمِيت} وأنْ يكونَ الكلام
بَدْءاً من: {فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ
…
} خطاباً مباشراً من اللَّهِ للناس، وهذا هو الأرجح فيما أرى.
***
تاسعاً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير للتنبيه على علة الحكم:
لم يأت النصّ: فأنزل عليهم، إنما جاء:{فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ} للتَّنْبِيه على أنّ الحكم عليهم بإنْزَالِ الرّجز "= العذاب" كان بسبب ظُلْمِهِمْ الذي ظهرت آثاره بأعمال الفسق الذي كانوا يفسقونه.
* {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظالمون} [الأنعام: 21] .
كان الأصل أن تأتي العبارة بالضمير: إنَّهُمْ لَا يُفْلِحُون، لكنْ جاء الاسم الظاهر {الظالمون} للتنبيه على أن فَلاحهم إنما هو بسبب ظلمهم.
***
عاشراً: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير لإِرادة العموم أو إرادة الخصوص ما يلي:
* {وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء} [يوسف: 53]، لم يقل:"إنَّها لأمّارَةٌ بالسُّوء" لأنّه أراد تعميم هذه الصفة على كلّ النُفُوس.
* {أولائك هُمُ الكافرون حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 151]، لم يقل:"واعتدنا لهم" لأنه أراد تعميم استحقاق هذا العذاب على كلّ الكافرين.
* {وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ
…
} [الأحزاب: 50] لم يقل: "إنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لَكَ" كما في مقتضى السّياق لئلاّ يُتوهَّمَ قياسُ غيره عليه، فجاء الاسم الظاهر "للنّبِيّ" للتنبيه على أنَّ الحكم خاصٌّ بالنبيّ لكونه نَبِيّاً.
***
أحد عشر: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير لقصد الإِشارة إلى استقلال الجملة مُعْظَمُ خواتم الآياتِ التي تنتهي بنحو:
وَبهده الاستقلاليّة تكون الجملة بمثابة قضيّة كليّة لها صفة العموم.
***
اثنا عشر: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير لمراعاة صُوَر جماليّة في اللّفظ أو مُحَسِّنٍ من مُحَسِّنَاتِ البديع، قول الله عز وجل:
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس * مَلِكِ الناس * إلاه الناس * مِن شَرِّ الوسواس الخناس} [الناس: 1 - 4] .
{عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَاّ إِنَّ الإنسان ليطغى} [العلق: 5 - 6] .
ملاحظات:
قالوا:
(1)
إعادة الاسم الظاهر بمعناه أحْسَنُ من إعادته بلفظه.
أقول: ليس هذا عامّاً، بل ربّما كانت إعادة بلفظه هي الأحْسَن، كما وجدنا هذا في كثير من نصوص التنزيل.
(2)
إعادة الظاهر في جملة أُخْرى أحْسَنُ منه في الجملة الواحدة.
(3)
إعادة الظاهر بعد طول الفاصل أحسَنُ من الإِضمار، لئلا يشتغل الذهن بالبحث عمّا يعود عليه الضمير.
***
الطريقة الرابعَةَ عشْرة: "التأكيد".
الأصل في الكلام لتأدية المعنى المراد أنْ لا تزيد كلماتهُ عمَّا يُؤَدّي أصل المعنى، فإذا زادت عمّا يؤدّي أصل المعنى المقصود بالبيان لغرض يُقْصَدُ لدى البلغاء كان ذلك إطناباً مفيداً، كلّما دعت الحاجة إليه، كأن تكون الزيادة معه يقتضيها حال المتلقّي للكلام، أو حال المعبّر عما في نفسه، كعاشق، أو فرِحٍ أو حزين.
ومن الزيادات في الكلام عن أصل المعنى المقصود بالبيان إضافةُ المؤكّداتِ إليه مراعاةً لحال من يُوَجِّه له.
وقد سبق في الفصل الثالث من الباب الأول "مدخل إلى علم المعاني" بيان التأكيد وعدمه في الجملة الخبرية، وبيان مؤكّدات الإِسناد الخبري.
ونبحث هنا التأكيد من جهة كون الألفاظ الدالة عليه زوائد تجعل الكلام الذي أضيفت إليه يندرج في قسم الإِطناب.
والتأكيد هنا يشْمَلُ تأكيد المفرد، وتأكيد الجملتين الخبريّة والإِنشائية.
وأُبيّنُ هنا أنّ من يُوجَّهُ له الكلام، إذا كانت حاله لا تقتضي تأكيداً، كانت إضافة المؤكّدات إلى الكلام الموجّه له إسهاباً وتطويلاً لا داعِيَ له، وكان الكلام الموجّه له غير بليغ، إذ الكلام البليغ هو المطابق لمقتضى الحال.
ومن المستحسن هنا أن أُوجز عرْضَ المؤكّدات، والدواعِيَ البلاغيّة للتأكيد وأحيل مع هذا على ما سبق في الباب الأوّل من الكتاب.
إجمال المؤكّدات:
نظر البلاغيّون في المؤكّدات عند علماء العربيّة فقسّموها إلى الأقسام السّتَّة التالية:
القسم الأول: الزوائد من الحروف والكلمات التي يؤتَى بها للتوكيد.
(1)
منها "أحرف الصلة" وهي حروف تُزاد للتأكيد، وهي:"إِنْ - أَنْ - مَا - مِنْ - الباء" مثل: "مَا إنْ فعلْتُ مَا تكره - لمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير - أكْرَمْتُكَ مِنْ غَيْرِ مَا مَعْرِفَة - مَا جَاءَنَا مِنْ أَحَدٍ - مَا أَنَا بمُهمِلٍ - أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ".
قالوا: وتُزَاد "مِنْ" في النفي خاصَّة، لتأكيده وتعميمه، مثل:{مَا جَاءَنَا من بَشِيرٍ ولَا نَذِير} . [المائدة: 19]
ونظير النفي الاستفهام، مثل:{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غير الله} [فاطر: 3]- {وتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيد} [ق: 30] .
وتزاد الباء لتأكيد النفي، وتزاد أيضاً لتأكيد الإِيجاب، مثل:
* {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] : أي: أليس اللَّهُ كافياً عبْدَهُ.
* قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "بِحَسْبِ أصْحَابي الْقَتْل" أي: يكفيهم.
* {وَكَفَى باللَّهِ نصيراً} [النساء: 45] أي: وكَفى اللَّهُ نَصِيراً.
وتُزاد "مَا" بعد "إذا" مثل: {وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ} [التوبة: 124] أي: وإِذَا أنزلت سورة
…
وتزادُ كَافَةً عَنْ عمل الرفع، وهي المتصلة بـ "قَلَّ" و"طَالَ" و"كَثُر" فتقولُ: قلَّمَا، وَطَالَ ما، وكثُر مَا، وتفيد التأكيد، وما هنا كفّت الفعل عن طلب الفاعل. وتُزَادُ كَافّةً عن عمل النصب والرفع، وهي المتصلة بـ "إِنَّ" وأخواتها "إنّما - أنَّما - ليتما
…
". وتزاد كافةً عن عمل الجرّ، وهي التي تتصل بأحرف جرّ، أو بظروف، فالأحرف التي تتصل بها هي: "رُبّ - الكاف - الباء - مِنْ"
فيقال: "رُبّما - كَمَا - بِمَا - مِمّا" وتتصل بظرفين: هما: "بعد - بين" فيقال: "بَعْدَما - بينما". وقد تُزاد بين المضاف والمضاف إليه، مثل:"من غيرِ ما مَعْرِفَة".
وأكثر ما تزاد "إِنْ" بعد "ما" النافية، مثل:"مَا إِنْ فَعَلْتُ هذا" وقد تُزَادُ بَعْدَ "مَا" الموصولة الاسمية، وبعد "ما" التي بمعنى حين، مثل قول جابر بنِ رَأْلَان:
وَرَجِّ الْفَتَى لِلْخَيْرِ مَا إِنْ رَأَيْتَهُ
…
عَلَى السِّنِّ خَيْراً لَا يَزَالُ يَزِيدُ
وقد تُزادُ بعد "ألَا" الاستفتاحيّة.
وَتُزَادُ "أَنْ" بعد "لمَّا" الحينيّة، مثل:{فَلَمَّا أَنْ جَاءَ البشير} [يوسف: 96] .
وقد تزاد بين الكاف الجارّة ومجرورها، مثل قول كَعْب بن أرقم اليشكري:
ويَوْماً تُوافِينَا بِوَجْهٍ مُقَسَّمٍ
…
كَأنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إِلَى وَارِقِ السَّلَم
وقد تزاد بين فعل الْقَسَمِ وحرف "لو" مثل: أُقْسِمُ أَنْ لَوْ جَاءنَي البشير لأُكَافِئنَّه.
وَتُزَادُ "مِنْ" فتُفِيد التوكيد، أو التنصيص على العموم، أو تأكيد التنصيص على العموم، ولا تكون زائدة إلَاّ بثلاثة شروط:
الأوّل: أن يسبقَها نفيٌ، أو نَهْيٌ، أو استفهامٌ بحرف "هل".
الثاني: أن يكون مجرورها نكرة.
الثالث: أن يكون مجرورها إمَّا فاعلاً، مثل {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ} [الأنبياء: 2] .
وإمّا مفعولاً، مثل:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} [مريم: 98] .
وَإمّا مُبْتدأً، مثل:{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله} [فاطر: 3] .
(2)
وقد يُزادُ للتأكيد فعل "كان" وفعل "أصبح" قالوا: ومن زيادة فعل "كان" ما جاء في قول الله عز وجل: {قَالُوا: كَيْفَ نُكلِّمُ مَنْ كانَ في الْمَهْدِ صَبِيّاً} [مريم: 29]
أي: كيف تكلّم صبيّاً في المهد، فجاء تأكيد هذا الوصف بِزيادة فعل "كان".
(3)
وقد يزاد للتأكيد لفظ "أَمَا" بمعنى "حقّاً" مثل: "أَمَا إِنَّه رَجُلٌ عاقل".
(4)
ويزادُ للتأكيد حرفا الاستقبال، وهما:"السين - وسوف" إذْ هما لتأكيد معنى الاستقبال في الفعل المضارع.
(5)
ومن المؤكّدات الأحرف المشبّهة بالفعل: "إِنَّ - أَنَّ - كَأَنَّ - لَكِنَّ - لَيْتَ - لَعَلَّ".
* فحرفا "إِنَّ - وأَنَّ" لتأكيد الجملة الخبريّة.
* وحرف "كَأَنَّ" للتشبيه مع التأكيد.
* وحرف "لَكِنَّ" للاستدراك مع التأكيد.
* وحرف "لَيْتَ" للتّمَنِّي مع التأكيد.
* وحرف "لَعَلَّ" للترجّي مع التأكيد.
(6)
ومن المؤكدات: "لام الابتداء" وهي اللام التي تفيد توكيد مضمون الجملة، وتخليص المضارع للحال، وتدخل على صدر الجملة الاسميّة، والفعل المضارع، والفعل الذي لا يتصرّف.
ومن لام الابتداء اللاّم المزحلقة عن صدر الجملة الاسميّة فتدخل على خبر "إنّ" أو معمول خبرها، أو على اسم "إنّ" إذا كان متأخّراً عن الخبر، وعلى ضمير الفصل.
وتأتي اللام زائدة للتوكيد كقول رؤبة بن العجاج:
أُمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ
…
تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
(7)
ومن المؤكّدات "ضمير الشأن" و"ضمير الفصل".
(8)
ومن المؤكّدات حرف "قد" و"أمَّا" الشرطية للدلالة على الشرط مع التأكيد.
(9)
ومن المؤكّدات "نونا التأكيد الثقيلة والخفيفة".
(10)
ومن المؤكّدات "لَنْ" لتأكيد النفي في المستقبل و"لَمَّا" لتأكيد النفي في الماضي.
(11)
قالوا: وفي "ألا" و"أما" الاستفتاحيتان معنى التأكيد.
وفي "هاء" التنبيهِ التنبيهُ مع التأكيد، وقد تأتي "يا" للتنبيه مع التأكيد، وصورتها صورة "يا" التي ينادى بها.
(12)
وما يُقْسَمُ به من حروف أو أفعال أو أسماء هي مؤكدات تضاف في الكلام للتأكيد، وكذلك اللام الواقعة في جواب القسم.
(13)
ومن المؤكدات "لا" النافية للجنس.
القسم الثاني: "التوكيد اللفظي":
ويكون بإعادة المؤكَّدِ بلفظه أو بمرادفه، سواءٌ أكان اسماً ظاهراً، أمْ ضميراً، أم فعلاً، أم حرفاً، أم جملةً.
وفائدة التوكيد اللّفظي تقرير المؤكَّد لَدَى من يُوجَّه له الكلام، وتمكينه في نفسه، وإزالةُ ما لديه من شُبَهٍ حوله، مثل:{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون: 36] ومن التأكيد بالمرادف قول الله عز وجل: {أمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} [الطارق: 17] .
القسم الثالث: "التوكيد المعنوي":
ويكون بذكر ألفاظ "النفس - أو العين - أو كُلّ - أو جميع - أو عامّة - أو كِلَا - أو كلتا".
ويشترط للتأكيد بها أن تضاف إلى ضمير يناسب المؤكَّدَ، مثل:"جاء خالد نفسه - حضر رئيسا البلدين أنفسهما - اجتمعت الضَّرَّتَان كلتاهما - فسجَدَ الملائكة كُلُّهُم أَجْمَعُون".
ويقوَّى التوكيد المعنوي بالكلمات المؤكّدة التالية:
(1)
"أجمع" يؤتَى بها بعد كلمة "كلّه" مثل: "جاء القطيع كلُّه أجمع".
(2)
"جَمْعَاء" يؤتَى بها بعد كلمة "كلّها" مثل: "حضرت القبيلة كلُّها جمعاء".
(3)
"أجمعون" يؤتى بها بعد كلمة "كلّهم" مثل: "جاهد القوم كلُّهم أَجْمَعُون".
(4)
"جُمَع" يؤتى بها بعد كلمة "كلُّهُن" مثل: "نجح طالبات المدرسة كُلُّهُنَّ جُمَع".
وقد يؤكد بهذه الكلمات دون أن يتقدَّمَهُنَّ لفظ "كُلّ".
القسم الرابع: "تأكيد الفعل بمصدره".
ويكون بما يُسَمَّى "المفعول المطلق" وهو عوضٌ عن تكرار الفعل مرتين.
وفائدته رفع توهم المجاز في الفعل، ومنه قول الله عز وجل:{وَكلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تكليماً} [النساء: 164] أي تكليماً حقيقيّاً، لا تكليماً مجازيّاً.
القسم الخامس: "الحال المؤكّدة".
وهي الحال التي يُسْتفاد معناها بدونها، وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الحال المؤكّدة لعاملها، وتكون:
(1)
من لفظ العامل، مثل:{وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} [النساء: 79] .
(2)
أو من معنى العامل، مثل:"مشَى الرَّجُل سَيْراً".
النوع الثاني: الحال المؤكّدة لصاحبها، مثل قول الله عز وجل:{وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99] .
النوع الثالث: الحال المؤكّدة لمضمون جملة، مثل ما جاء في قول الله تعالى:{هاذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً} . [الأعراف: 73] .
والعامل في هذه الحال المؤكدة لمضمون جملة محذوفٌ مقدّر ذهناً بما يلائم الكلام في الجملة.
القسم السادس: صيغ المبالغة التي يؤتى بها للتأكيد، مثل:"غَفّار - شكور - رحيم - جبّار - قهّار" إلى غير ذلك من صيغ المبالغة القياسية والسماعية.
***
دواعي التأكيد:
للتأكيد دواعي كثيرة، منها ما يلي:
(1)
حالة الإِنكار لدى من يُوجّه له الكلام، وتزداد المؤكِّدات بحسب قُوَّة الإِنكار.
(2)
حالة الشّكّ والتردّد لدى من يُوجّه له الكلام، وتزداد المؤكدات بحسب قوة الشك والتردّد.
(3)
تنزيل غير المنكر وغير الشاك منزلة أحدهما، إذا ظهرت عليه علامات الإِنكار أو الشك، أو لم يعمل بمقتضى علمه بحسب ما لديه من ذلك.
(4)
دفع توهم المجاز.
(5)
تقرير الكلام وتمكينه وتثبيته، مراعاة لمضمون الكلام الذي تتطلب طبيعته تقريراً وتمكيناً، أو مراعاة لحال من يوجّه له الكلام.
إلى غير ذلك من دواعي بلاغية، كالترغيب، والترهيب، والإِطماع.
وقد يترك التأكيد مع إنكار من يوجّه له الكلام لداعٍ بلاغيّ آخر أقوى، كأن يكون الكلام مقترناً بأدلّة قوية ظاهرة لو تأمّلها لرجع عن إنكاره.
أمثلة:
المثال الأول:
في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول) ضرب الله مثلاً قصة أصحاب القرية التي جاءها المرسلون (ذكروا أنها أنطاكية) قال الله عز وجل:
دَلَّ هذَا عَلَى أنَّ الْمُرْسَلَيْنِ الاثنْين قالَا لأصْحَاب القرية: نَحْنُ رسُولَانِ إليكم، فكذّبُوهما.
فأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مُرْسَلاً ثَالِثاً، قال الله تعالى:
{فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فقالوا إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ}
هنا نلاحظ أنّ إنكارَهُمْ ناسَبَهُ أَنْ يُؤَكَّدَ لَهُمُ الكلام، فاقترنت عبارتهم:{إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} بمؤكِّدَين: الجملة الاسمية، وحرف "إنَّ" وقد نلاحظ في تقديم المعمول {إليكم} مع التخصيص أو الاهتمام معنى التأكيد.
فكان موقف أصحاب القرية ما أبانه الله بقوله:
فاقتضى هذا الإِصرار على الإِنكار والتكذيب، أن يزيد الرُّسُل بيانَهُمْ تأكيداً، قال الله عز وجل:
{قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلَاّ البلاغ المبين} [يس: 16 - 17] .
فأضَافُوا إلى المؤكّدات السابقات تَأْكيداً بالْقَسَمِ: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} وباللاّم المزحلقة، الّتي هي لام الابتداء، زُحْلِقَتْ إلى خبرَ "إنّ" فهي الداخلة على "مُرْسَلُون".
فتكاثرتْ نِسْبَةُ المؤكّدات بحسب الإِمعان في التكذيب والإِنكار.
المثال الثاني:
في عرض لقطات من قصة نوح عليه السلام وقومه في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول) أبان الله عز وجل أنّ نوحاً سأل ربَّه أن ينْصُرَهُ فقال: {رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ}
فأوحى الله إليه أن يصْنَعَ الفلْكَ، حتَّى إذا أتَّمَهَا وَجَاءَ أَمْرُ اللَّهِ فَإنّ عليه أولاً: أنْ يَسْلُكَ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَجَميعَ أَهْلِهِ باسْتِثْنَاءِ مَنْ سَبَقَ عَلَيْه قَوْلُ اللَّهِ بأنَّهُ من المهلكين بسبب كفره، وإنّ عليه ثانياً أنْ لا يسأَلَ رَبَّهُ في رفْعِ عَذَاب الْهَلَاكِ عَنْ قَوْمِهِ.
ولمّا كان قَلْبُ نوح الحليم الرحيم من طبيعته أن يتحرّكَ بعاطفة نَحْو قومه، فلَرُبّما سألَ رَبَّهُ أن يرفع العذاب عنهم أو يؤخره، كانت حالته تستدعي تأكيد القضاء الرّبّانيّ بإغراقهم، حتَّى لَا يكون لدى نوح أمَلٌ بخلاف ذلك، فقال الله تعالى له:{وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} [المؤمنون: 27]
فأكَّدَ له قرار إغراقهم بحرف التأكيد "إنَّ" مراعاةً لحالته القلبيَّة الحليمة الرّحيمة.
المثال الثالث:
* وفي إطماع الله عبادَه أكَّدَ لهم أنّه تَوَّابٌ رَحِيمٌ، فقال تعالى في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
فأكَّدَ بِصِيغَتَيْنِ مِنْ صيغ المبالغة وبالجملة الاسميّة.
* وفي معرض بيان توبة اللَّهِ على آدم عليه السلام، وإطماعاً لكلّ التائبين من بعده قال الله عز وجل في سورة (البقرة) أيضاً:
{فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم}
فأكَّدَ بالمؤكدات التالية: "إِنَّ - والجملة الاسميّة - وضمير الفصل - وصيغتي المبالغة".
***
الطريقة الخامسة عشرة: "زيادة بعض التوابع في الكلام".
قد تزادُ بعض التوابع في الكلام دون أن يكون وجودها مؤدّياً شيئاً من المعاني الأصليّة المقصودة بالبيان، لكنَّ زيادتها في الكلام مفيدة فائدة تُقْصَدُ لدى البلغاء، فتكون هذه الزيادة من الإِطناب البليغ، إذا دعت الحاجةُ إليها.
أمّا إذا كان المعنى المقصود بالبيان لا يتحقّق إلَاّ بذكرها في الكلام، فإنّ ذكرها لا يكون زيادةً أصلاً، ولا يكون به الكلام داخلاً تحت عنوان الإِطناب.
وظاهر أَنَّ الزيادة إذا لم تكن ذات فائدةٍ تُقْصَدُ لدى البلغاء كانت إسهاباً وَتطويلاً غير بليغ.
وهذه التوابع: هي "الصفة - البدل - عطف البيان - عطف النسق".
ويلاحظ في الدواعي البلاغية لزيادة التوابع في الكلام ما يلي:
الداعي الأول: التأكيد.
الداعي الثاني: التوضيح ودفع الاشتباه.
الداعي الثالث: المدح، أو الذَّم.
الداعي الرابع: التفجّع.
الداعي الخامس: إرادة التعريض بغير المذكور.
إلى غير ذلك مما يزيد على المعاني الأصليّة المقصودة بالبيان. فالزيادة بذكر بعض التوابع لتحقيق غرضٍ بلاغي هي من الإِطناب المفيد البليغ.
أمثلة:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 12 نزول) :
{إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ
…
} [الآية: 44] .
جاء في هذه الآية وصْفُ النبيين بعبارة {الذين أَسْلَمُواْ} وهذا الوصف من الأوصَاف التي تضمَّنَهَا كوْنُهُمْ نَبِيّين، فَهُو زيادة، لكنّها زيادة مفيدة، وفائدتُها إظهارُ شَرَفِ التطبيق الإِسلاميّ وعظمِ مكانته عند الله، والتَّعْريضُ باليهود المخالفين لما كان عليه أنبياؤُهم، وبيان أنّ النّبيّ لا يُعْفَى من التطبيقات الإسلامية.
(2)
عبارة "أَعَوذُ باللَّهِ من الشَّيْطَانِ الرجيم" جاء فيها وصف الشيطان بأنه رجيم، مع أنّ ذكر كلمة الشيطان تدلُّ على أنّه مطرودٌ من رحمة الله، ومرجوم بكلّ مذمّة، لكنّ ذكر كلمة رجيم ذو فائدة، وفائدتُه تكرير التذكير بطرد اللَّهِ له، للتّنفير من تسويلاته ووساوسه، وشَحْنِ النفس بمعاداته، وعَدَمِ اتّباع خُطُواته.
(3)
قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
{وَقَالَ الله لَا تَتَّخِذُواْ إلاهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إلاه وَاحِدٌ فَإيَّايَ فارهبون} [الآية: 51] .
جاء وصف لفظ: {إلاهين} بكلمة {اثنين} مع أنّ التثنِيَة تَدُلُّ على هذا الوصف، فما الفائدة من هذه الزيادة لتكون إطناباً بليغاً؟
أقول: إنّ كلمة {إلهين} قد تُوهِمُ أنّ صنفان أو نوعان من الآلهة، كإلهَيْن مخلوقين، أو حادثين، أو قديمَيْن أو نحو ذلك، فجاء الوصف بكلمة {اثْنَين} لإِفادة النَّهْي عَنْ مُجرّد جعل المعبود اثنين بأيّةِ صورة من الصُّور، وجاءت عبارة {إِنَّمَا هُوَ إلاه وَاحِدٌ} للدّلالة على بطلان تعدّد الآلهة اثنين فصاعداً.
(4)
قول الله عز وجل في سورة (الحاقة/ 69 مصحف/ 78 نزول) :
{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة} [الآيات: 13 - 15] .
جاء في هذا النصّ وصف النفحة بأنها واحدة، ووصف الدكَّةِ بأنّها واحدة، وقد يقول قائل: أليست كلمة "نفخة" وكلمة "دكَّة" تدلُّ على كونها واحدة.
والجواب: أنّ كلمة "نفخة" وكذلك "دكَّة" ونظائرهما استعمال قد يُراد به الجنس، وهو يَصْدُقُ بالواحد من الجنس فأكثر، ودفعاً لهذا الاحتمال الذي قد يدلُّ عليه مثل هذا الاستعمال جاء الوصف مُحَدِّداً بأنَّ النفخة واحدةٌ عدداً، وبأنّ الدَّكَّةَ واحدةٌ عدداً، فهذه الزيادة من الإِطناب البليغ.
(5)
قول الله عز وجل في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول) :
جاء في هذه الآية وَصْفُ كلمة [طَائِرٍ] بعبارة: [يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ] وقد يقول قائل ما فائدة هذا الوصف مع أنَّ من المعروف أنَّ الطائر يَطيرُ بجناحيه؟
والجواب: أنّ كلمة: "طَائر" عامّةٌ في كُلِّ ما يرتَفعُ إلى الأعلى، وقد يُطْلَق مجازاً على الذي يسير بسرعة على الأرض، وقد أطلق هذا اللفظ في القرآن مراداً به العمل الذي يطير عن الذي عمله بمجرّد فعله له، وهذا في قول الله تعالى في سورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً} [الآيات: 13 - 14] .
فدفعاً لتوهُّم إرادة كلِّ ما يمكن إطلاق لفظ "طَائِر" عَلَيهِ حقيقة أو مجازاً، وللنصّ على أنّ المراد الحيوان الذي يطير بجناحيه، جاء في الآية الوصف بأنّه يطير بجناحيه، فهو من الإِطناب البليغ.
(6)
قول الله عز وجل في سورة (الفاتحة) :
{اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضآلين} [الآيات: 6 - 7] .
إنّ عبارة {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بدَلٌ من عبارة {الصراط المستقيم} وهذا البدل هو من الإِطناب البليغ، إذْ لا يتوقَّفُ عليه أصل المعنى، لكنَّهُ ذو فائدة جليلة، وهي بيان أنَّ الصراط المستقيم هو صراط كلّ الذين أنعم الله عليهم في كُلّ الأُمَم سواءٌ أكانُوا رُسُلاً أم غير رُسُل.
(7)
قول الله عز وجل في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112) :
{جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ
…
} [الآية: 97] .
إنّ عبارة {البيت الحرام} هي عطف بيان، وقد زيد في الكلام للمدح وبيان حرمة الكعبة، فهو إطنابٌ مفيد.
ملاحظة:
ذكروا من الأمثلة ما جاء في قول الله عز وجل في سورة (الحج/ 22 مصحف/ 103 نزول) :
قالوا: إنّ وصف {القلوب} بعبارة: {الّتي في الصُّدُور} هو من الإِطناب.
أقول: إِنَّ الْقَلْبَ أُطْلِقَ في الْقُرْآنِ على القوّة المدركة للمعارف، وأُطْلِقَ على مواطِنِ الإِرادة والعواطف، أو مراكز التأثُّرِ بها.
فالقوة المدركة للمعارف هي في الدماغ، وهو في الرأس، أمَّا مواطن ظهور الرَّغبات، والعواطف والانفعالات، ومَرَاكزُ حركة عواطف الإِيمان والكفر، وحركة الإِرادات للأعمال، فهي في القلوب الّتي في الصدور، وهذه القلوب التي في الصدور قد يحصل لديها عَمَىً، فتخالِفُ ما أدركته الأذهان من الحق، لانطماس بصيرتها بالأهواء والشهوات، فيكون من آثار ذلك كفرٌ وحركة إراداتٍ نحو أفعال الشرّ، وهذا هو الْعَمَى الحقيقي الذي يُصَاب به أهل الكفر والضلال.
إنّ قُواهم المدْركة الذهنية قد لا تكون عمياء، لكنّ مراكز ظهور وحركةِ إرادتهم وعواطفهم ورغباتهم هي العمياء، وهذه في الصدور لا في الرؤوس.
وبهذا التحليل يكون وصف (القلوب) بعبارة: (التي في الصدور) قيداً لازماً في هذا المقام، ولا يتمُّ المعنى المقصود إلَاّ به، فهو ليس من الإِطناب أصلاً، بل الجملة تدخل تحت عنوان "المساواة".
أمّا نَفْيُ العمَى عَن الأبْصار في عبارة: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبصار} فالمراد منه نَفْيُ الْعَمَى الدَّافعِ إلى الكفر والضلال، إذِ الكلام في الآية جَارٍ في الْمَساق، وهذا حقٌّ، والواقع المشاهد يُؤَيِّده فكثيرٌ منَ الذين كُفَّتْ أَبْصَارُهُم عن النظر هم من
أكثر الناس إيماناً وهدايةً واستقامةً على صراط الهداية، ولَمْ يؤثّر عليهم حِرْمَانُهُمْ مِنْ نعمة الْبَصَر تأثيراً سَلْبِيّاً تُجَاهَ الْحَقّ والخير والفضيلة وفعل الصالحات.
فالعَمى الحقيقيُّ الصارف عن السعادة الخالدة هو عَمَى القُلُوبِ الَّتِي في الصُّدُور.
وأمّا عَمَى الأذهان والأفكار فهو مَرَضٌ يَرْفع المسؤوليَّة عن المكلَّف، ويُدْخِلُه في صنف الْبُلْهِ أو المجانين.
***
"
علم البيان" مقدمة عامّة
علمُ البَيَان
وفيه مقدمة عامة وثلاثة فصول:
الفصل الأول: الكناية والتعريض.
الفصل الثاني: التشبيه والتمثيل.
الفصل الثالث: المجاز.
وهو قسمان:
القسم الأول: الاستعارة.
القسم الثاني: المجاز المرسل.
الفصل الرابع: نظرات تحليليّة إلى استخدام الأشباه والنَّظائر والمجاز في التعبيرات الأدبية.
الفصل الخامس: منهج البيان القرآني في التنويع والتكامل وفي حكاية الأقوال والأحداث والقصص وفيه مقدمة ومقولتان.
المقولة الأولى: منهج البيان القرآني في التنويع والتكامل.
المقولة الثانية: منهج البيان القرآني في حكاية الأقوال والأحداث والقصص.
مقدمة عامّة
(1) الباعث والنشأة والتسمية
* مُمَارِسُ صناعة الكلام قولاً وكتابةً يُلاحظُ أَنَّ اللُّغَاتِ جَمِيعَها بحَسَب أوضاعها اللّغويّة، الّتِي جَرَى فيها وضْعُ كُلّ كلمة أو عبارة لتدلَّ على معنىً من المعاني، مهما اتَّسَعَتْ فإنَّها لا تكفِي للدَّلَالة على المعاني التي تُدْرِكها الأذهان، والدَّلالَةِ على المشاعر التي تُحِسُّ بِها النفوس.
ومع أنّ اللّغة العربية أوسع اللُّغَاتِ العالميّة وأثراها في الدلالة على المعاني الفكرية والمشاعر النفسيّة، فإنَّ هذا الحكم يشملها، إذا نظرنا إلى حدود الأوضاع اللّغوية للكلمات وللعبارات.
* والذاكرة الإنسانيّة مهما عظمت قدرتها على استيعاب المفردات اللّغويّة مقرونةً بدلالاتها على المعاني التي وُضِعَتْ لها، ومَهْمَا عَظُمت قُدرَتُها على استدعاء ما تحتاج من هذه المفردات عند الحاجة إليها، للدلالة بها على ما تُرِيد التعبير عنه من المعاني، لا تستطيع أن تستوعبَ وتحفظ كُلَّ مفردات اللّغة، ولا تستطيع أن تستذكر دواماً كُلَّ ما تحتاج إليه من المفردات والتعبيراتِ اللُّغوية، لتقدمها إلى أداة التعبير باللّسان أو بالقلم عند الحاجة.
* لكِنَّ الإِنسان قد أتاهُ الله عز وجل قُدْرَةً فَائِقَةً عَلى التعبير عمّا يريد من معانٍ ذهنيّة، ومَشاعر نفْسِيّةٍ عَنْ طُرُق أُخْرى غير طريق الأوضاع اللّغويّة الّتي وُضعت بها المفردات والعبادات لتدُلَّ دلالةً مباشرةً عليها، فَهُوَ يحتال للتعبير عمّا يريد التعبير عنه من خلال ما تُسعفه به ذاكرتُه من مفرداتٍ وعبارات بواحد فأكثر من الطُّرُق التالية:
الطريق الأول: طريق التَّشْبيه والتمثيل، واستخدام النظير ليَدُلَّ على نظيره.
الطريق الثاني: طريق اللّوازم الفكريّة الّتي تُدْرِكُها الأذهان لدَى إدْراكِ أشياء تستدعيها باللُّزُوم الذّهني، فيَذْكُر الألفاظ الدالّة على هذه الأشياء مشيراً بِهَا إلى لوازمها الذهنيّة، كطول الثوب الّذي يستَدْعي باللُّزُوم الذّهْنِي طُولَ لابسه، وكَرُؤْيَةِ النجوم رؤيَةً واضِحةً الَّتِي تَسْتدعي باللُّزوم الذهني كونَ هذه الرُّؤْيَة حاصلةً في اللّيل، وهذا ما يُسمَّى بالكناية.
الطريق الثالث: طَرِيقُ ذكر أشياء يُنَبّه ذِكْرُهَا عَلى أشباهها، أو أضدادها، أو ما يخالفها، فيكون ذكرُها مشيراً بتعريض إلى تِلْكَ الأشباه أو الأضداد أو المخالفات، وهذا ما يُسمَّى بالتعريض.
الطريق الرابع: طريق استخدام لفْظٍ مكان لفظ آخر صالحٍ لأنْ يَدُلَّ على معناه لعلاقة بينهما، وهذا ما يُسَمَّى بالمجاز.
وفتحت هذه الحيل التعبيرية آفاقاً واسعة جدّاً لانتفاء صُورٍ جماليّة لَا تُحْصَى، يتحقَّق بها الغرضان المهمّان من أغراض الكلام وهما:
الغرض الأوّل: إفْهامُ المتلَقِّي ما يُريد المتكلّم التعبير عنه.
الغرض الثاني: إمتاعُه بصُورٍ جماليّة يشتمل عليها الكلام، ولهذا الإِمتاع تأثيرٌ في النفوس، وقد يكون وسيلة لقبول المضمون الفكري الذي دلَّ عليه الكلام، ولاعتقاده، وللعمل بمقتضاه.
* وممّا سبق بيانُه في علم المعاني عرفنا أنّه علم تناول بحث الكلمة المفردة، وبحث الجملة الخبرية، والجملة الإِنشائية، وأقسام كلٍّ منهما، وأغراض توجيه الكلام، وبحث الْقَصْرِ ومَا يتعلَّقُ به، وبحث الفصل والوصل بين المفردات والجمل، وبحث "المساواة والإِيجاز والإِطناب" وكلُّ هذه البحوث تدور في فَلَك الأوضاع اللُّغَويّة بوجه عامّ.
لكنّ التعبير عن المراد لا يقتصر على ما يدلُّ عليه الكلام بحسب أوضاعه اللّغوية ذات الدلالات المباشرات، بل يتجاوزه إلى تعبيرات أُخْرى كما سبَق إيضاحه آنفاً حَوْل الطُّرُق الأربعة التي سبق ذكْرُ أصولها العامّة.
وقد اهتم علماء البلاغة بشرح وتفصيل هذه الطرق الأربعة، في دراسة واسعة وضعوها ضمن إطار عِلْمٍ أسْمَوهُ "عِلْم البيان" إذْ تبرُزُ في هذه الطُّرق مَهاراتُ المتكلّمين في الإِبانة عمّا يريدون التعبير عنه، مقرونةً هذه الإِبانة بصُوَرٍ جماليةٍ ذات تأثير في النفوسِ، وإمتاعٍ للأذهان، ورِياضةٍ بديعة للأفكار.
البيان: هو في اللغة الوضوح والظهور، يقال لغة: بَانَ الشيْءُ بياناً إذا اتَّضَح وظهر.
واضع هذا العلم:
ذكروا أنّ أوّل من دوّن مسائل علْم البيان أبو عبيدة "مَعْمَرُ بن المثنَّى" في كتابه: "مجاز القرآن". وتبعه "الجاحظ". ثم "ابْنُ المعتزّ". ثُمَّ "قُدَامَةُ بْنُ جعفر". ثُمَّ "أبو هِلَال العسكري". ثم جاء الشيخ "عبد القاهر الجرجاني"،
فاحكم أساسه، وأكمل في بنيانه.
أمّا شرح الطرق الأربعة التي تستخدم للتعبير عن المعاني التي يريد المتكلّم التعبير عنها وهي الخارجة عن دائرة الأوضاع اللّغوية الَّتي يُعَبِّر بها عن المعاني بصورة مباشرة، فيقتضي عَقْدَ فصولٍ لها، تجمع مباحثها وأمثلتها.
وقد رأيتُ أن أعقد لها فصولاً ثلاثة وفق العناوين التالية:
الفصل الأول: الكناية والتعريض.
الفصل الثاني: التشبيه والتمثيل.
الفصل الثالث: الحقيقة، والمجاز بقسميه: الاستعارة، والمجاز المرسل.
واخترتُ أن أرتّبها وفق هذا الترتيب السابق لأنّ الكناية والتعريض طريقان ليس لهما بحوث واسعة وتفصيلات كثيرات، وأخَّرْتُ فصْل المجاز لأنّ قسماً منْهُ يعتمد على التشبيه، وهو قِسْمُ الاستعارة.
***
(2) تعريفات
تعريف علم البيان: هو علم يبحث في كيفيّات تأدية المعنى الواحد بطُرُقٍ تختلف في وضوح دلالاتها، وتختلف في صُورِها وأشكالها وما تتصف به من إبداعٍ وَجمالٍ، أو قُبْحٍ وابْتذال.
ملاحظة:
اقتصر البيانيّون في تعريفهم لهذا العلم على عنصر إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة.
وقد رأيت أنّ هذا التعريف ناقص، لأنّ هذا العلم يهتَمُّ أيضاً بما في الطُّرُقِ
الَّتي يبحثُها من عناصر جمالية وإبداعيّة، ويهتَمُّ بتربية الذوق الفنّيّ لإِدْراكِ نِسَبِ الجمال والإِبْداع، والتمييز بين مستويات الصُّور ودرجاتها جمالاً وإبداعاً، وإدْراكِ الصُّوَرِ المبتذلة والصُّوَرِ المرذولة المحرومة من الإِبداع أو من الجمال، فأضفت هذه العناصر إلى التعريف.
تعريف الكناية: هي اللّفظ المستعمل فيما وضِع له في اصطلاح التخاطب للدّلالة به على معنىً آخر لازمٍ له، أو مصاحبٍ له، أو يُشار به عادةً إليه، لما بينهما من الملابسة بوجهٍ من الوجوه.
كالكناية عن طول القامة بطول نجادِ السيف "نجاد السيف: أي: حمائله" وكالكناية عن قضاء الحاجة الطبيعيّة بالمجيء من الغائط: "الغائط: الأرض المنخفضة التي كان العرب يقضون حاجتهم الطبيعية فيها".
وقال البيانيون في تعريف الكناية: لفظٌ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه.
تعريف التعريض: هو طريقة من الكلام أخفى من الكناية، فلا يشترط في التعريض لزوم ذهني ولا مصاحبة ولا ملابَسَةٌ بين معنى الكلام وما يُراد الدلالة به عليه، إنّما قد تكفي فيه قرائن الحال، وما يُفْهَم ذهناً بها من توجيه الكلام.
كأن يقول الراغب بخطبة امرأة معينة، كُلُّ رَجُلٍ راغبٍ في الزّواج يحبُّ أنْ تكون هذه المرأة زوجةً له، تَعْرِيضاً بأنّه يرغب في الزواج منها.
تعريف التشبيه والتمثيل: هو الدلالة على مشاركة شيءٍ لشيءٍ في معنى أو أكثر من المعاني لغرض، ويختص لفظ "التمثيل" بالتشبيه المركّب الذي يكون وجْهُ الشبه فيه منتزعاً من متعدّد.
* فمن التشبيه قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) خطاباً لبني إسرائيل:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
…
} [الآية: 74] .
فشبَّه قلوبهم بالحجارة، بجامع القساوة في كُلٍّ منهما، لكِنّ قساوة قلوبهم قساوة معنوية تجاه الحقّ والخير والفضيلة، أمّا الحجارة فقساوتها ماديّة.
* ومن التمثيل قول الله عز وجل في سورة (البقرة) أيضاً:
{مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ
…
} [الآية: 261] .
فشبّه الصورة المركّبة من عنصر الإِنفاق، وعنصر كونه في سبيل اللَّهِ عملاً ونيّة، وعنصر ثمرته عند الله، بالحبَّةِ الّتي تُزْرعُ فتُنْبِتُ سبْعَ سنابل، في كلّ سُنْبُلَةٍ مئة حبَّة.
إنَّ وجْهَ الشَّبَه من هَذا التشبيه منتزعٌ من متَعَدّد، فهو من قسم "التمثيل".
تعريف الحقيقة: هي اللّفظ المستعمل فيما وُضِع له في اصطلاح التخاطب.
مثل: لفظ "الأسد" حينما يستعمل للدلالة على الحيوان المفترس المعروف بأنه ملك الوحوش.
تعريف المجاز: هو اللّفظ المستعمل في غير ما وُضِع له في اصطلاح التخاطب، على وجْهٍ يصِحُّ مع قرينة عدم إرادة مَا وُضِع له.
فإذا كانت العلاقة المصحّحة لهذا الاستعمال المشابهة بين ما اسْتُعْمِل اللّفظ للدّلالة عليه وبَيْن ما وُضِعَ له في اصطلاح التخاطُب، خُصَّ هذا المجاز بعنوان "الاستعارة" مثل لفظ "الأسد" إذا استعمل للدّلالة على الرجل الشجاع، مع قرينة دالّة على ذلك. فالعلاقة بين المعنى الموضوع له في اصطلاح التخاطب وبين المعنى المستعمل للدّلالة عليه مجازاً هي التشابه، ووجه الشبه بينهما الشجاعةُ في كلٍّ منهما، فهو من الاستعارة.
وإذا كانت العلاقة شيئاً آخر غير المشابهة خُصَّ هذا المجاز بعنوان: "المجاز المرسل".
مثل إطلاق الكلّ وإرادة الجزء في قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) في وصف حال قسم من المنافقين:
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت
…
} [الآية: 19] .
أي: يجعلون أناملهم في آذانهم، فأُطْلِق لفظ "الأصابع" مجازاً مراداً بها "الأنامل" للإِيحاء بأنّ حالتهم من الخوف تجعلهم يُدخِلونَ جميع أصابعهم في آذانهم لو كان واقع الحال يسمح بذلك. هذا المجاز هو من إطلاق الكلّ وإرادة الجزء، فالعلاقة بين المعنى الموضوع له في اصطلاح التخاطب، وبين المعنى المستعمل للدّلالة عليه مجازاً هي "الكليّة والجزئية" أو "الكلُّ والبعض" فهو من "المجاز المرسل".
***
(3) الدلالات الوضعية اللفظية
اقتبس البيانيّون من علماء المنطق ومن علماء أصول الفقه بعض مبحث الدلالات مقدّمة لبحوث علم البيان، نظراً إلى ارتباط هذا العلم بدلالات الألفاظ الوضعيّة على المعاني.
ولفائدة هذا البحث هنا أَثْبَتُّ أقسام الدلالة اللفظية الوضعيّة، أمّا الدلالات الأخرى (العقلية والطبيعيّة) فتركتها لأنّها من اهتمامات علماء المنطق.
تنقسم الدلالة اللفظية الوضعيّة إلى ثلاثة أقسام، وهي:
القسم الأول: دلالة المطابقة.
القسم الثاني: دلالة التضمّن.
القسم الثالث: دلالة الالتزام.
وذلِكَ لأنَّ الكلام:
* إمَّا أنْ يُسَاقَ ليَدُلَّ على تمام معناه الحقيقي أو المجازي، فتكون دلالته دلالة مطابقة تامّة بَيْن اللفظ والمعنى.
فإذا قُلْنَا مثلاً: "نزل المطر" قاصدين فعلاً نزول المطر من السماء في الواقع، كانت هذه الدلالة دلالة مطابقة بين اللفظ والمعنى.
* وإمّا أن يُسَاق ليَدُلَّ على بعض معناه الحقيقي أو المجازي، لا ليَدُلَّ على كلّ معناه، لأنّ العناصر الأخرى من معناه غير مطلوبة أو غيرُ مُحْتاجٍ إليها، فتكونُ دلالته دلالة تضَمُّن.
ومن أمثلة دلالة التضمّن أن يسأل الطبيب المريض: هل تناولت اليوم في طعامك ملحاً كثيراً حتَّى ارتفع ضَغْطُك؟.
فأجابه المريضُ بقوله: دعانا صديقُنَا فلان وأطعمنا طعاماً وضَعَتْ له الملْحَ أوَّلاً زوجته، ثم وضعت له الملْحَ مرّة ثانية أُمُّه ظانَّةً أنّه لم يُضَفْ إليه الملْحُ بَعْد، ثم وَضَعَتْ له الملح ثالثاً أخْتُه، فكان الطعام مالحاً جدّاً.
لقد ذكَرَ كُلَّ هذا الكلام الذي لا مصلحة للطبيب فيه ليَدُلَّ علَى أنّه تناول ملحاً كثيراً.
هذا الكلام دلَّ على بعض معناه لا على كلّ معناه، لأنَّ غرض الطبيب معرفة تناول مريضه الملح الكثير فقط، ولا مصلحة له بكلّ جوانب القصة التي ذكرها المريض، وهو في الغالب قد أهملها ولم يُعِرْها انتباهه.
* وإمّا أن يُساق ليَدُلَّ على معنىً آخر خارجٍ عن معناه الحقيقي أو المجازي، فتكون دلالته دلالة التزام.
ولازم المعنى الذي يدُلُّ عليه اللفظ قد يكون لازماً له عقلاً، أو لازماً له عادةً، أو لازماً له عُرْفاً.
كأن تقول: هذه الشجرة لا نستطيع قطف أعلى ثمارها إلَاّ بُسَلّم طوله عشرة أمتار.
أي: هي شجرة عالية يبلغ ارتفاع أغصانها قُرابة عشرة أمتار.
ومن دلالة الالتزام قول الخنساء في أخيها "صخر":
طَوِيلُ الْنِّجَادِ رَفِيعُ الْعِمَادِ
…
كَثِيرُ الرَّمَادِ إِذَا مَا شَتَى
وسيأتي إن الله شرح هذا البيت في الموضع المناسب للاستشهاد به.
***
"
علم البيان" الفصل الأول: الكناية والتعريض
المقولة الأولى: الكناية
التعريف اصطلاحاً:
عرفنا في المقدّمة أن الكناية هي اللفظ المستعمل فيما وُضِع له في اصطلاح التخاطب للدّلالة به على معنى آخر لازم له، أو مصاحبٍ له، أو يُشارُ به عادةً إليه، لما بينهما من الملابسة بوجهٍ من الوجوه.
وتُطْلَقُ أيضاً على استعمال اللّفظ من قِبَلِ المتكلّم فيما ذُكر في التعريف.
المعْنى اللّغوي:
أمّا الكناية في اللّغة: فهي أن تتكلّم بشيءٍ وتُرِيد غيره. يُقالُ لُغةً: كَنَى عَن الأمْر بغيره يَكْنِي كِنَايةً، أي: تكلّم بغيره ممّا يُسْتَدَلُّ به عليه.
ويُقَالُ: تَكنَّى إذَا تَسَتَّرَ، مِنْ كَنَى عَنْهُ إذا وَرَّى.
فأصل الكناية تَرْكُ التصريح بالشيء، وسَتْرُهُ بحجابٍ ما، معَ إرادةِ التعريف به بصورة فيها إخفاءٌ ما بحجابٍ غير ساترٍ سِتْراً كاملاً.
وبهذا نلاحظ أنّ المعنى الاصطلاحيّ للكناية قريبٌ من المعنى اللُّغويّ لها.
فرق ما بين الكناية والمجاز:
إنَّ إرادة المعنى الأصليِّ للّفْظ مع إرادة المعنى الآخَر الذي يُكَنَّى باللفظ عنه جائزةٌ ولكِنَّهَا غير لازمة دائماً، فقَدْ يُرَادانِ معاً، وقَدْ تُهْمَلُ إرادةُ المعنَى الأصلي ويرادُ المعنَى الآخر فقط، فقد يُقالُ: فُلَانٌ كثيرُ الرَّمَادِ، أي: مضيافٌ جواد، مع أنَّه
لا يَطْبُخُ الطعامَ لضُيُوفِه الكثيرين بنار الحطب الّذي يُخَلّف رماداً، إنّما يطبُخ لهم بالأفران الكهربائية أو الغازيّة.
وبهذا يظهر الفرق بين الكناية والمجاز، فالمجاز لا يصحّ معه إرادة المعنى الحقيقيّ للفظ، بل يتعيّن فيه إرادة المعنى المجازيّ فقط، مثل: خطب الأسَدُ المغوار خُطْبةً عظيمة في الجيش ألهب بها المشاعر، واستثار الحماسة. فلفظ "الأسد" هنا مجاز عن الرجل الشجاع، ولا يصحّ أن يُرادَ به معناه الحقيقي، وهو الحيوان المفترسُ المعروف.
وتدخل الكناية في عموم التعبير عن المراد بأسلوب غير مباشر، فهي ممّا يتوارى، أو يختفي بساتر، ويَدُلُّ على المقصود بلازم له، أو مقارن له، أو بطرفٍ من أطرافه، أو نحو ذلك.
***
أقسام الكناية:
قسّم البيانيُّون الكناية إلى كناية عن صفة، وكناية عن موصوف، وكنَاية عن نسبة حكميّة بين الْمُسْنَد والمسند إليه (= المحكو به والمحكوم عليه) وهذه الأقسام أقسامٌ تحليليّة غير ذات جدوى - عَلَى ما أرَى - في تربية ذوق بيانيّ أدبيّ، وقد رأيت الإِعراض عن شرح هذه الأقسام وتحليل الأمثلة على وفقها، والاكتفاء بذكر مثال لكلٍّ منها، والاهتمام ببيان ما هو ذو فائدة بيانيّةٍ أدبيّة.
* فعبارة: "طويل النجاد" كناية عن صفة هي طول قامته.
* وعبارة: "جاء قابض يده" كناية عن موصوف، أي: جاء البخيل.
* وعبارة: "إنّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ أَنْ تَزُولَا" كناية عن نسبة إمداده لها بالبقاء في الوجود، كالكهرباء لبقاء النور في المصباح الكهربائي إذا انقطع إمداده انعدم النور منه، ولله المثل الأعلى.
وإذْ أعرضْتُ عن شرح هذه الأقسام وتحليل كلّ الأمثلة على وفقها فقد رأيت تقسيم الكناية إلى قريبة وبعيدة:
أمّا الكناية القريبة: فهي الكناية التي قلّت لوازمها الذهنيّة، أو كانت فيها العلاقة أو الملابسة بيْنَ المكَنَّى بِه والمكَنَّى عَنْه أمراً لا تتدخل فيه وسائِطُ ذوات عَدد، وهذه الكناية تكون في العادة وفي معظم الأمثلة واضحة ظاهرة، يَسْهُل على معظم الناس إدراكُ المقصود منها.
كأن نقول: فلانٌ ثَوْبُه طويل، وقلنسوتُه كبيرة، وحذاؤهُ يتّسع لقدمَيْن، أي: هو طويل القامة، عظيم الرأس، كبير القدم.
وقد تكونُ مع قُرْبها خفيّة إذا كان اللّزومُ فيها أو كانت العلاقة أو الملابسة بين المكنَّى به والمكنَّى عنه أمراً خفيّاً.
كأن نقول: فلانٌ عَيْنُه فارغةٌ، كنايةً عن كونه يحبُّ أنْ يشاهد كلّ شيء، ويَنْظُر إلى كلّ شَيْءٍ، فهذه الكناية يُتَوصَّل إلى المراد بها عن طريق لازم واحدٍ، فهي قريبة، إذْ يلزم من فراغ العين التي هي أداة النظر رغبة صاحبها بِمَلْئِهَا، وملْءُ العين إنّما يكون بالنظر إلى الأشياء التي تَسْتَحسنها.
لكنّ استعمال فراغ العين للكناية عن هذا المعنى غير متداول، فهي مع قربها في هذا المثال كناية خفيّة.
وأما الكناية البعيدة: فهي الكناية الّتي كثرت لوازمها الذهنية، أو كانت فيها العلاقة أو الملابسة بَيْن المكنَّى به والمكنَّى عنه تتدخلُ فيه وسائط متعدّدة.
وهذه الكناية تكُونٌ في العادة وفي كثير من الأمثلة خفيَّةً تحتاج إلى تأمُّلٍ وتفكير، لكثرة لوازمها الذهنيّة، أو لكثرة الوسائط الذهنيّة التي تُوصِل المكنَّى به إلى المكنَّى عنه، ممّا يجعل الانتقال إلى ما هو المقصود بالدلالة ممّا يختصُّ الأذكياءُ بسرعة إدْراكه، أمّا غَيْرُهُمْ فيُجْهدونَ أذهانهم للوصول إلى إدْراكه وفهمه.
كأن نقول: في يومِ كذا من أيّام الحرب فرح أهل المزارع الواقعة في أسفل المدينة، بما تدفق عليهم من سمادٍ بشري، كنايةً عن أنَّ أهل المدينة أصابهم رعْبٌ شديدٌ في ذلك اليوم، ألجأهم إلى استطلاق بطونهم، وقذف ما فيها داخل المراحيض التي صبّت على المجاري، وتدافعت حتّى وصلت إلى المزارع.
هذه كناية ذات لوازم بعيدة، وهي خفيّةٌ، لأنَّها غير متداولة، ويَحتاجُ إدراك المقصود بها إلى تأمّل.
وقد تكون مع كثرة لوازمها أو كثرة الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه واضحة غير خفيّة، لتداولها، أو لوضوح الوسائط.
فإذا ذكر المادح العربيّ ممدوحه عن عرب البادية سكان الخيام بين قبائل عَرَب البادية، بأنّه كثير الرّماد، أدرك الجميع بسرعةٍ ودون خفاء أنّه جواد كريم مضياف، مع أنّ اللّوازم الذهنيّة بين المكنَّى به والمكنَّى عنه كثيرة.
إنّ كثرة الرّماد تستلزم كثرة إيقاد النيران، وكثرة إيقاد النيران تدلُّ على كثرة الطبخ، وكثرة الطبخ تدلُّ على كثرة الآكلين، وكثرة الآكلين عند رجلٍ من سكان البادية تدلُّ على احتفائه بالضيوف، وهذا يدلُّ على جوده وكرمه.
والسبب في عدم خفاء هذه الكناية مع كثرة الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه، تداوُلُها في بيئة عرب البادية، فهم لا يرونها خفيّة.
* ويستعمل الناسُ فراغ العين كناية عن الحسَد، ومعلومٌ أنّ الحسَد لازم أبْعَدُ من حُبّ مشاهدة الأشياء، فَمَنْ رأى شيئاً حسناً رُبَّما استحسنه، ومن استحسن ربّما تَمنَّى لنفسه، ومن تمنّى ربَّما حَسَد.
فاللّوازم الذهنية الموصلة إلى الحسد متعدّدة، لكنَّ تداول استعمال فراغ العين كناية عن الحسد جعل المقصود بها أمراً غير خفيّ.
* ويستعمل الناس كِبَر البطن كنايةً عن الجشع والطمع وظلم الناس بأكل أموالهم بالباطل، والأصل في هذه الكناية أنّ الشّرِهين في الطعام الّذين يأكلون كثيراً تكبُر بطونهم، والشَّرَهُ في الطعام كثيراً ما يصاحبُهُ شَرَهٌ مشابه في جمع المال وكنزه، وهذا يدفع في كثير من الأحوال إلى كسب المال بالظلم والعدوان.
فالتعبير بكبر البطن كنايةً عن الجشع والطمع وظلم الناس من الكنايات ذوات اللّوازم الكثيرة، التي يكثر فيها خفاء المراد.
لكنّ تداول استعمال الناس لها جعلها غير خفيّة.
* ومن الكناياتِ التعبير بالصفة للدلالة بها على الموصوف، مثل:"والذي في السماء عرشه - والذي نفس محمّد بيده - اقْطعُوا ما ثبتت عليه رؤوسهم، أي: أعناقهم - طاهر ما تحت الإزار، أي: طاهر الفرج - ذات سوار، أي: امرأة - هو على السّرير الأبيض، أي: في المستشفى مريض" إلى غير ذلك.
* ومن الكنايات التعبير ببعض مصاحبات الشيء للدلالة بها عليه، مثل الكناية عن الجماع بالملامسة، أو المباشرة، أو الإِفضاء، أو الدّخول، أو الغشيان، أو نحو ذلك.
* ومن الكنايات التعبير ببعض الأسباب للدّلالة بها على الأشياء التي تَحْصل بها، مثل الحديث عن مُسَجِّى على سَرِير:"قُطِعَ رأسُه، أي: هو ميّت - شرب عشرين كأساً من الخمر، أي: هو مطروح سكران على شفا الموت".
* ومن الكنايات التعبير بالمكان للدلالة على ما يحلُّ فيه أو يحدث فيه أو يستعمل له، مثل كلمة "الغائظ" للدلالة بها على قضاء حاجة الإِنسان الطبيعية، وهي في الأصل اسم للمكان المنخفض، ومن استعمالها كناية بهذا المعنى قول الله تعالى:{أوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِط} [المائدة: 6] .
* ومن الكنايات التعبير بالنتائج للدلالة بها على أسبابها، مثل: "حُكِمَ عَلَى
الرجل والمرأة بالرّجم، أي: هما زانيان محصنان - جَلَسَ الرَّجُلُ وراء مكتب الرئاسة، أي: انتخب رئيساً للبلاد - أُودِعَ السّجن، أي: تمكّن الجنود من القبض عليه وسوقه إلى السجن - تصارع مع القروش في البحر فلم نجد له أثراً، أي: أكلته القروش - حامل لواء الشعراء إلى النار، أي: مات كافراً - هذا من أهل الجنة، أي: هو مؤمن تقيّ وسَيَمُوتُ مؤمناً تقيّاً".
* وقد تُصْنَعُ كنايات مَبْنِيَّة على مفاهيم غير صحيحة، فتبقى الدلالة بها على المكنَّى عنه، دون النظر إلى صحَّةِ معنى اللفظ المكنَّى به، مثل الكناية عن الغبيّ بعبارة "عريض القفا - أو عريض الوساد" فهذه الكناية مَبْنِيَّة على تصوّر أن من كان عريض القفا كان في العادة غبيّاً، ومن كان عريض القفا احتاج عند النوم إلى وسادة عريضة.
***
اقتراح للسّكاكي حول تقسيم الكناية:
رأى السّكّاكي على سبيل الاقتراح جعل التعريض قسماً من الكناية، ورأى أن تقسّم الكناية مع ذلك إلى تلويح، ورمز، وإيماء أو إشارة.
فالتعريض: أن يساق الكلام ليَدُلَّ على شيءٍ غير مذكور، ويُعْرَفُ من قرائن الحال.
والتلويح: كناية كثرت فيها الوسائط بيْنَ المكنَّى به والمكنَّى عنه.
قال: ومن المناسب أن تسمَّى هذه الكناية تلويحاً لأنّ التلويح في اللغة: أن تشير إلى غير عن بُعْد.
ومن التلويح الكناية عن كون الرجل جواداً مضيافاً بأنّه كثير الرّماد.
والرّمْز: كناية قلّت فيها أو انعدمت الوسائط بين المكنّى به والمكنّى عنه، إلَاّ أنَّ فيها نوعَ خفاء، مثل الكناية عن الغباء والبلادة بعبارة "عريض القفا" أو عبارة "عريض الوساد".
ويناسب أن تُسَمَّى رمْزاً لأنّ الرمز أن تشير إلى قريب منك على سبيل الْخُفْيَة.
والإِيماء أو الإِشارة: كناية ليس بين المكنَّى به والمكنَّى عنه وسائط كثيرة ولا خفاء، كقول أبي تمّام يصف إبلاً:
أَبْيَنَ فَمَا يَزُرْنَ سِوَى كَرِيم
…
وَحَسْبُكَ أن يَزُرْنَ أبا سعيد
فكنَّى بزيارة الإِبل الّتي وصَفَها أبا سعيد عن أنه كريم بعد أن أثبت أن هذه الإِبل أبت أن تزور غير كريم، وقد أطلق الإِبل وأراد صاحبها على سبيل المجاز المرسل.
هذه كناية واضحة ليس فيها خفاء فهي حريَّة بأن تُسَمَّى إيماءً أو إشارة.
أقول: من الصعب على دارس النصوص أن يُخْضِعها لهذا التحليل الذي ذكره السَّكّاكي، ويفرزها ويسمّيها بالأسماء التي اقترحها، على أنه لم يضع اسماً للخفيّة ذات الوسائط الكثيرة.
***
قيمة الكناية في الأدب:
الكناية أسلوبٌ ذكيٌّ من أساليب التعبير عن المراد غير مباشرة، وهي من أبدع وأجمل فنون الأدب، ولا يستطيع تصيُّد الجميل النادر منها، ووضعه في الموضع الملائم لمقتضى الحال إلَاّ أذكياء البلغاء وفطناؤهم، وممارسو التعبير عمّا يريدون التعبير عنه بطُرُقٍ جميلة بديعة غير مباشرة،
إنّ الذكِيّ اللَّمَّاح إذا أراد أن يتحدّث عن شيءٍ ما، صفةً كانَ، أو موصوفاً، أو نسبةً حكميّة، جالَ ذهْنُهُ لِيَدُلَّ على ما يُريد التعبير عنه بطريقة غير مباشرة، وطافَ في محيط ذلك الشيء لينتقي ممّا يلاحظ ما يُدلُّ به عليه، فَيُبْعِدُ حيناً، ويَقْرُبُ حيناً، ويتوسطُ حيناً آخر، ويستَبْعِدُ ما لا يَراه حسناً جميلاً، ومَا لَا يرى دلالته مناسبةً لمقتضى الحال.
إنَّهُ يُرِيدُ مثلاً أنْ يتحدّث عن السّاحرات، فيرى من خصائصهنَّ أنَّهُنَّ يَعْقِدْنَ في الخيوط، وتتحرَّك ألْسِنَتُهُنَّ بهَمْهَماتٍ وَغَمْغَمات، ويَنْفُثْنَ فِي الْعُقَد، فيَدُلُّ عليهنَّ بعبارة:"النَّفَّاثات في الْعُقَد" على سبيل الكناية التي تدلُّ على المعنى المراد بطريقٍ غير مباشر.
ويريد مثلاً أن يتحدّث عن البخيل، ولكنْ لا يستَحْسِنُ استعمال لفظة "البخيل" في كلامه، لأنّ دلالتها دلالَةٌ مباشرة، وليس فيها إبداعٌ فكريّ، فيلاحظ أنّ من سِمَات البخيل قبض يَدَيْه عن العطاء، فيكنّى عن الْبُخْل بعبارة "قبض اليدين، أو قبض اليد" ويكنّي عن البخيل بعبارة "قابض اليدين، أو قابض اليد" وعبارة "قبض الْيَد" أدقّ، لأنّ العطاء يكون بيد واحدة في الناس.
ويريد أن يتحدّث عن شديد الْبُخْل الّذي لا يستطيع أن يمدّ يَدَهُ بعطاء، فيكنّي بعبارة:"مَغْلُول الْيَدِ إلى العُنق" لأنّ من كانت يده مغلولة إلى عنقه كان غير قادر على أن يبسطها لو أراد بسطها ويعطي بها أو يأْخُذ، وكذلك الشحيح الذي يكون بُخْلُهُ شدِيداً، تكون حالة يدِهِ الّتي يعطي بها عادة مع شُحّ نفسه، كحالة مَنْ غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِه.
هذا التعبير اشتمل على مَزْج الكناية بتشبيه ضِمْنِيّ، وتقديم ذلك بعبارة جميلة بديعة تدلُّ على المقصود بطريقة غير مباشرة.
وفي مقابل هذه الكناية تأتي كناية بسط اليّد للدّلَالة بها على الجود. وتأتي كناية الإِفراط في البسط للدّلالة بها على الإِسراف.
هنا نُدْرك الإِبداع والجمال في التعبير القرآني الذي قال الله عز وجل فيه بسورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} [الآية: 29] .
ونظيره ما جاء في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) :
{وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ
…
} [الآية: 64] .
ولعامّة الناس في تعبيراتهم الدارجات كناياتٌ كثيرات، فَبَدَلَ أَنْ يقولَ قائلهم:"أنا أكبر من فلان سنّا" يأتي في تعبيراتهم:
لمّا كنت مُدرساً كان في المرحة الابتدائية - كنْتُ أحمله وهو ابن سنتين - وتقول المرأة: هو ابني من الرضاعة.
ويقول قائل: عن أسرة غنيّة: كانوا يستجدون صدقات الناس قبل الحرب، أي: هم أثرياء حَرْب - كانوا فقراء قبل أن يُعيَّن وليُّهم مديراً للمالية -.
وقال مُعَمِّي مهنة أبيه: أنا ابْنُ من خضعت له الرؤوس، أي: ابن حلَاّق.
إلى غير ذلك من تعبيرات لا تُحْصَى.
***
الأغراض البلاغيّة لاستخدام الكناية:
تُستَخدم الكناية لأغراض بلاغيّة كثيرة، منها الأغراض التالية:
الغرض الأول: إيثار الأسلوب غير المباشر في الكلام، إذا كان مقتضى الحال يستدعي ذلك.
فمن المعلوم أنّ الأسلوب غير المباشر أكثر تأثيراً فيمن يُقْصَد توجيه الكلام له غالباً.
الغرض الثاني: كون التعبير المكَنَّى به ينبّه على معنىً لا يؤدّيه اللّفظ الصّريح المكنَّى عنه.
فلو خاطب الله الناس فقال: هو الذي خلقكم من آدم، لم يكن في هذا التعبير التنبيه على عظيم قدرته، وبالغ حكمته الجليلة في قضائه وقدره، وواسع علمه، مثلُ قوله عز وجل في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) :
{ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ
…
} [الآية: 1] .
إنَّ عبارة: {مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} جاءت كنايةً عن آدم، لكِن نَبَهَتْ على أَمْرٍ جليل لا تُنَبِّهُ عليه عبارة:"مِنْ آدم".
إنَّها تُنَبّه على أنَّ السّلالَة الإِنسانيّة كُلَّها مشتقة بتقدير العزيز العليم القدير الحكيم منْ نفس واحدة.
الغرض الثالث: كَوْنَ المكنَّى به أجمل عبارةً، وأعذب لفظاً من المكنَّى عنه، فمراعاة الجمال الفنّي من الأغراض المهمة التي تُقْصد في الكلام.
الغرض الرابع: كَوْنُ المكَنَّى عنه ممّا يَحْسُن سَتْرُهُ، ويقبُحُ في الأدب الرّفيع التصريح به، إذْ هو من العورات، أو من المستقذرات، أو من المستقبحات.
الغرض الخامس: إرادة إيضاح المكنَّى عنه بما في المكنَّى به من توضيح له.
الغرض السادس: إرادة بيان بعض صفات المكنَّى عنه مع الاختصار، بالاقتصار على ما يُذْكَرُ من صفاته لغرض يتعلّق بذكرها.
الغرض السابع: إرادة مَدْح المكنَّى عنه أو ذمّة بذكر ما يُمْدَحُ به أو يُذَمّ به، مع الاقتصار على ذكر اللفظ المكنَّى به.
الغرض الثامن: إرادة صيانة اسم المكنَّى عنه، وإبعاده عن التداول، بذكر ما يدُلُّ عليه من ألقاب أو كُنَى أو صفات.
الغرض التاسع: كون المكنَّى به أسْهَل فهماً من لفظ المكنَّى عنه.
الغرض العاشر: إرادة التّعمية والإِلغاز، ويكون هذا في الكنايات التي يَصْعُب على غير الأذكياء اللمَّاحين إدْراكُ المقصود بها.
إلى غير ذلك من أغراض بلاغية.
وأنبِّه هنا على أنّه لا تُحْمَد الكناية لمجرّد كونها كناية، بل لا بدّ من ملاحظة غرض بلاغيّ فيها، أدناه كونها أجمل من التعبير الصريح في أذواق الأدباء والبلغاء.
ولا بدّ أيضاً من أن تكون خالية من العيوب الجمالية، والمستقبحان الفكرية.
***
أمثلة من الكنايات:
المثال الأول: في عرض قصّة إلقاء أمّ موسى ولدها الطفل "مُوسَىْ" عليه السلام في اليمّ خوفاً عليه من جُنود فرعون أن يذبحوه تنفيذاً للأمر الفرعوني بقتل كلِّ مولودٍ ذكر من بني إسرائيل.
لقد أوحى الله إليها أن تضعه في صندوق وتلقيه في اليمّ إذا خافت عليه من جنود فرعون أن يذبحوه، ففعلت، وجرى به النهر، حتى إذا بلغ شاطئ القصر الفرعونيّ التقطه آل فرعون، وقالت امرأة فرعون له: قُرَّهُ عَيْنٍ لي ولَكَ، لا تقتلوه، عَسَى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً، بعد هذا العرض قال الله عز وجل في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول) :
{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً
…
} [الآية: 10] .
لقد كان فُؤادُها وهو عُمْقُ قلْبِها الشامل لأفكارها وعواطفها مشحوناً بالقلق والاضطراب والخوف عليه، فلمّا ألقته في اليمّ وعلمت بما جرى له، أزيحت عن
فؤادها الغمّة، وأصْبحَ فارغاً من القلق والاضطراب والخوف عليه فجاءت عبارة {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً} كنايةً عن طُمَأْنينتها على وَلَدِها، وسكينتها، واستمتاعها بمشاعر السعادة، لأنّ من شأن فراغ الفؤاد من الأفكار والعواطف المثيرة للقلَق والاضطراب والخوف أن تُصَاحبَهُ الطُّمَأْنينة والسكينة ومشاعر السّعادة. هذه الكناية خفيّةٌ نوعاً ما، مع عدم تعدُّدِ الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه، وجاء خفاؤها بسبب احتمال الفراغ لأمرين متناقضين:
الأوّل: الفراغ من الْهَمّ والخوف والقلق، وهو الفهم الذي ترجّح لديّ.
الثاني: الفراغ من القوة المفكرة العاقلة بسبب الهمّ والخوف والقلق.
وبسبب تردّد الفراغ بين هذين الاحتمالين اختلف أهل التفسير في إدْراك المكنَّى عنه.
لكِنَّ المعنى الذي ذكَرْتُه هو المعنى الذي يتلاءم مع الحدث وسياق القصة.
أمّا قول الله عز وجل بعد هذه الكناية: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِها لِتكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10] فَهُو رُجُوعٌ بالبيان إلى حال أُمِّ موسَى قبل أن تضعه في الصندوق وتُلْقيَه في اليمّ، إذْ صعُبَ عليها أن تباشر بنفسها إلقاء ولدها في اليمّ، ورأتْ أنّ احتمال هلاكه في اليمّ قريب من احتمال ذبحه بأيدي جنود فرعون، فجاء الرّبط على قلبها مانعاً لها من أن تظهر أمرها، وممدّاً لها بالثبات لتنفيذ ما أوحى الله لها به.
وهذا الرجوع بالبيان هو من التفصيل بعد الاجمال، وهو من أساليب القرآن في عرض القصص، وله نظائر متعدّدة فيه.
المثال الثاني: يستشهد البيانيون بقول الخنساء "تُماضر بنت عمر" تصف أخاها صخراً:
طَوِيلُ النِّجَادِ رَفِيعُ الْعِمَاد
…
كَثِيرُ الرَّمَادِ إِذَا مَا شَتَا
كنَّتْ الخنساء عن طول قامة أخيها بطول نجاد سيفه. النِّجاد: حمائل السيف، إذ من المعلوم باللّزوم الذهني أنّ الرجل ذا القامة القصيرة لا يتَّخذ حمائل طويلة لسيفه، إنّما يتّخذ الحمائل الطويلة من كان من الناس طويل القامة.
وكنَّتْ عن كون أخيها ذا منزلةٍ رفيعةٍ في قومه بقولها:
"رفيع العماد" أي: بيته بين بيوت العرب ذو أعمدة عالية، إذْ يلزم ذهناً من ارتفاع أعمدة سُكَّان الخيام في البادية أن تكون هذه الأعمدة لبيوت عظيمة كبيرة، وجرت العادة أن تكون هذه الخيام العظيمة لذوي المكانة الرفيعة في أقوامهم، أمّا سائر سُكَّان البادية فتتشابَهُ خيامهم في ارتفاعها وأحجامها وأطوال أعمدتها.
وكنّتْ عن كون أخيها جواداً مِضْيافاً بقولها: "كثير الرَّماد" وقد سبق شرح دلالة هذه الكناية.
المثال الثالث: قول الشاعر يصف شجاعة قومه وبأسهم:
الضَّارِ بِينَ بكُلِّ أبْيَضَ مِخْذَمٍ
…
والطَّاعِنِينَ مَجَامِعَ الأَضْغَانِ
بكُلّ أَبْيَضَ مِخْذَمٍ: أي: بكل سيفٍ أبيض قاطع.
كنَّى الشاعر في هذا البيت عن القلوب بعبارة: "مَجَامع الأضغان". الأضغان: الأحقاد، لقد ترك الشاعر التصريح بلفظ القلوب، وكنَّى عنها بذكر بعض صفاتها وهي كون الأحقاد تجتمع فيها، فإذا وُجدت الأضغان كانت مجتمعة في داخلها وملازمةً لها.
وأفادت هذه الكناية أنهم يطعنون قلوب أعدائهم الذين تجتمع في قلوبهم أضغان عليهم.
ويدخلُ في الكناية إطلاق الصفة مراداً بها الموصوف، وعلى هذا فعبارة:"أَبْيَضَ مِخْذَمٍ" عبارةٌ كَنَّى بها عن السيف.
ومثل هذا كثير جدّاً، وهو من الكنايات الشائعة الواضحة.
ومن هذا إطلاق "السابح" مراداً به الفرس، وإطلاق "الْعَضْب" بمعنى القاطع مراداً به السيف. وإطلاق النابح كنايةً عن الكلب، وهكذا إلى أمثلة كثيرة جدّاً.
المثال الرابع: ما جاء في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) بشأن بني إسرائيل الذين اتّخذوا العجل الذهبيّ يعبدونه من دون الله، حينما ذهب موسى عليه السلام لمناجاة ربّه، لأنّهم استبطئوا عودته إذْ زاد الله له الميعاد من ثلاثين ليلة إلى أربعين ليلة، ثمّ لمّا رأوه من بعيد راجعاً إليهم وبيده الألواح ندموا على ما فعلوا ندماً شديداً ورأوا أَنَّهم قد ضَلُّوا، قال الله عز وجل فيها:
جاء في هذه الآية الكناية عن نَدَمِهم وخوفهم من سطوة موسى عليه السلام وعقابه، إذ خالفوا موعدهم الذي واعدوه إيّاه أنْ لا يُغَيّروا ولا يبدّلُوا في الدين شيئاً بعبارة:{سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ} .
قال أهل التفسير: أي: نَدِمُوا وتَحيَّرُوا.
قال الزّجاج: هُوَ نظمٌ لم يُسْمَع قبل القرآن ولم تَعْرِفه العرب.
أقول: هو كنايَةٌ عن نَدَمِهم وشدّة خوفهم، وأصْلُ هذه الكناية أنّ الْمُجْرِمَ إذا أدْرَكَهُ الجنود أسرعوا فأسقطوا بعُنْفٍ في يَدَيْهِ الْقَيْدَ الحديدّي حتَّى لَا يَفِرَّ، فإذا فعلُوا به ذلك ارتخت أعصابه، ووهَنَتْ عزائمه، وأيْقَنَ أنّه مَسُوق للعقاب.
وهؤلاء الذين اتخّذوا العجل الذهبيّ الذي عبدوه أحْسُّوا بمثل هذا لمَّا رَأَوْا من بعيدٍ موسَى عليه السلام راجعاً إليهم ومعه الأَلواح، كأنّه قد حَصَل سُقوطُ قيدٍ حَدِيدىٍّ في أيديهم، وسيلاقون عقابهم.
هذه الكناية أُرِيدَ منها لَازِمُها وهو الشعور بالندم والخوف من العقاب مع العجز عن الفرار، وهي كناية ذاتُ إبداعٍ فنّي رائع، وهي من الكنايات الخفيّة مع عدم وجود وسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه.
المثال الخامس: قول الله عز وجل في سورة (الزخرف/ 43 مصحف/ 63 نزول) :
{أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18] .
في هذه الآية جاءت الكناية عن البنات في سياق الحديث عن المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله بعبارة: "مَنْ يُنْشَّأُ فِي الحلْيَة وهو في الخصام غير مبين".
فمن المعروف في عادات الناس أنَّهم يُنَشِّئُون بناتهم بما يلائم طبيعتَهُنَّ، وذلك بإعدادهنّ حتّى يكُنَّ زوجاتٍ مالكاتٍ قُلوب أزواجهنّ، وهذا الإِعداد يتطلّبُ تدريبَهُنَّ على إتقان زيناتِهِنَّ وحِلْيَاتِهِنَّ، والتخضُّعِ في القول، ومُجَافَاة الجدال، وعدم تعلُّم الكلام الذي يُقَال في المخاصمات، لئَلَاّ يُفْسِد عليها لسانُها حياتَها مع زوجها، أو مع أحد أولياء أَمْرِها، فجمال المرأة بحشمتها وإتْقان زينتها وضبطِ لسانها عن الخُصُومات.
هذه الكناية جاء فيها ذكر الصفات كنايةً عمَّنْ يتصف بها عادَةً، وهُنَّ البنات في قصور الملوك وكبراء القوم، في مقابل جعل المشركين الملائكة بنات اللَّهِ وهو مَلِكُ الملُوك.
ونلاحظ في هذه الكناية إبداعاً تعبيريّاً، وتوجيهاً ضمنيّاً لِمَا يَحْسُنُ أن تُنشَّأَ عليه البنات حتَّى يكُنَّ زوجاتٍ صالحاتٍ مُهَذّبَات.
المثال السادس: قول البحتري في قصيدته الّتي يذكر فيها قتله للذئب:
عَوَى ثُمَّ أَقْعَى فَارْتَجَزْتُ فَهِجْتُهُ
…
فَأقْبَلَ مِثْلَ الْبَرَقِ يَتْبَعُهُ الرَّعْدُ
فَأَوْجَرْتُهُ خَرْقَاءَ تَحْسَبُ رِيشَهَا
…
عَلى كَوْكَب يَنْقَضُّ واللَّيْلُ مُسْوَدُّ
فَمَا ازْدَادَ إلَاّ جُرْأَةً وَصَرامَةً
…
وَأَيْقَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ مِنْهُ هُوَ الْجِدُّ
فَأَتْبَعْتُهَا أُخْرَى فَأَضْلَلْتُ نَصْلَهَا
…
بِحَيْثُ يَكُونُ اللُّبُّ والرُّعْبُ والْحِقْدُ
فَأَوْجَرْتُهُ خَرْقَاءَ: أي: وجَّهْتُ لَهُ طَعْنَةً بنبْلَةٍ خَرْقَاء لم تُصِبْهُ، وصف النبلة بأنّها خرقاء لأنها لم تصب الهدف.
فَأَضْلَلْتُ نَصْلَها: أي: ضّيعتُ نَصْل النبلة الأخرى، كنَّى بهذه العبارة عن إصابتها الذئبَ بها وضياعها داخل جسده.
بحيث يكون اللُّبُّ والرُّعبُ والحقد: كنَّى بهذه العبارة عن قلب الذئب، إذْ القلب هو مكان اللّب والرُّعْبِ والحَقدِ في مفاهيم الناس.
وهذه الكناية من التعبير بالشيء عن المكان الذي يحلّ به أو يوجد عادة فيه.
المثال السابع: قول المتنبيّ يمدح "سيف الدولة" لمَّا ظفر ببني كلاب إذْ عَصَوْه:
فَمَسَّاهُمْ وَبُسْطُهُمُ حَرِيرٌ
…
وصَبَّحَهُمْ وَبْسْطُهُمُ تُرَابُ
وَمَنْ فِي كَفِّهِ مِنْهُمْ قَنَاةٌ
…
كَمَنْ فِي كَفِّهِ مِنْهُمْ خِضَابُ
كنَّى بعبارة: "وبُسْطُهُمُ حَرِيرٌ" عن أنَّهُمْ كَانُوا في عزّةٍ وسيادة قبل محاربته لهم، لأن من كان عزيزاً سيداً كانت بُسْطُهُ غالباً من حرير.
وكنَّى بعبارة "وبُسْطُهُم تُرَاب" عن حالة الذُّلّ والمهانة التي وصَلُوا إليها بعد أن حاربهم وظفر بهم، لأنّ الذليل المهين لا يجد غير التراب يفترشه.
ووصف في البيت الثاني رجالَهُمْ بأَنَّهم صاروا من ضَعْفهم عن مقاومة جيشه كالنساء اللّواتي يخضِبْنَ أكفَّهُنّ بالحنّاء، فكنَّى عن النساء بالوصف الذي يتصف به عادة نساء عصره، وكنَّى عن الرّجال بالوصف الخاصّ بهم، وهو القبض على قنوات الرّماح.
المثال الثامن: قول البحتري:
أَوَ مَا رَأَيْتَ الْمَجْدَ أَلْقَى رَحْلَهُ
…
في آلِ طَلْحَةَ ثُمَّ لَمْ يَتَحَوَّلِ
كنَّى بهذا التعبير عن كون آل طلْحَةَ سادةً ثُمَّ أشرافاً أَهْلَ مَجْد، فَمَنْ ألقى المجدُ رحْلَهُ في داره ولم يتحوَّل عنها، فلا بُدَّ أنْ يكون المجدُ منسوباً إليه لعظيم شرفه ورفيع منزلته.
وفي هذه الكناية إمتاعٌ للأديب بصورة أدبيَّةٍ جميلة.
***
المقولة الثانية: التعريض
التعريف اصطلاحاً:
عرفنا في المقدمة أن التعريض طريقة من الكلام أَخفى من الكنايةِ فلا يشترط في التعريض لزوم ذهني، ولا مصاحبةٌ، ولا مُلابسة ما بين الكلام وما يُرادُ الدّلالة به عليه، إنّما قد تكفي فيه قرائن الحال، وما يفهم ذهناً بها من توجيه الكلام، وبهذا يظهر الفرق بين الكناية والتعريض.
وقد يُراد بالتعريض المعنى الحقيقي للكلام، وقد لا يراد، فهو قسمان.
المعنى اللغويّ:
التعريض في اللّغة: أن تقول كلاماً لا تُصرّح فيه بمرادكَ منه، لكنّه قد يشير إليه إشارة خفيّةً، ويُمْكِنُك أن تتهرَّبَ من التزام ما أشرتَ به إليه إذا صِرْت مُحْرَجاً.
يقال لغة: عرّض لي فلانٌ تعريضاً: أي: قال فلم يُبَيِّن بصراحة اللفظ.
أَعْراضُ الكلام ومَعَارِضُهُ ومعاريضُه: كلامٌ غير ظاهر الدلالة على المراد، وفي الحديث:"إنَّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب" أي: فيها سعة يتخلّص بها المتحدّث من الكذب إذا لم يرد التصريح.
والتعريض في خطبة المرأة: أنْ يتكلّم الخاطب بكلام يشبه خطبتها دون تصريح.
وقد يكون التعريض بضرب الأمثال وذكر الألغاز في جملة المقال.
ويقول الناس بشأن التعريض: إيّاكِ أعني، واسْمَعِي يا جارة.
فما يدور حوله المعنى اللّغويُّ قريب جدّاً من المعنى الذي ذكره البيانيّون للتعريض، أو إنّ المعنى الاصطلاحي مأخوذٌ من المعنى اللّغويّ بزيادة شيء من التحليل.
الشرح التحليلي مع الأمثلة:
* قد يتوسَّل الإِنسان بالتعريض العملي لدلالة حاله:
فقد يلبس الفقير المحتاج ثياباً مقطّعة، أو مرقّعة، دون أنْ يقول شيئاً، تعريضاً بأنّه من مستحِقّي الزكاة، ويكتفي بدلالة الحال عن دلالة المقال، فيراه المتصدّقون فيبذلون له من زكوات أموالهم.
وكان يأتي بعضُ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات وقد ربط كلُّ منهم على بطنه حجراً، تعريضاً بأن الجوع قد بلغ منه مبلغاً شديداً، فيكشف الرسولُ لهم عن بطنه، فيرون أنّه قد ربط حجرين.
وربّما حمل الْعُضْو في حزب من الأحزاب أو منظمة من المنظمات شعار الحزب أو المنظمة، تعريضاً بأنّه عضوٌ في ذلك الحزب، أو تلك المنظمة.
وربّما خرج البخيل من بيته وهو يخلّل أسنانه، تعريضاً بأنّه قد أكَلَ هو وأهله اللَّحم الكثير، وقد يكون الواقع بخلاف ذلك.
ونظير هذا التعريض العملي يكون التعريضُ في الكلام.
* فقد يقول الشابّ الراغب في الزواج لوالديه: ابنة عمّي صارت ناضجة ومناسبةً لمن يخطبُها، تعريضاً بأنّه يريد أن يتزوّج ولا مانع لديه من خطبتها له.
ويقول من يرى نظراتِ كيْدٍ وعداءٍ ممّن هو نِدٌّ له: جاءني اليوم بعض المنافسين وتطاوَلَ عليّ ببعض القول، فسلّطتُ عليه بعض رجالي، فأمطروهُ ضرباً
ولَكْماً حتّى غاب عن وعيه، ولمّا علم أهله بأمره جاءوا فحملوهُ مريضاً يئنُّ من الألم، تعريضاً للمخاطب بأنّه إذا أراد التطاول عليه أنزل به مثل ذلك، فهو ذو عزوة وأنصار وقُدْرَة.
ويقول طالب وظيفة ذات راتب في الدولة، بحضور من يملك توظيفه، أو باستطاعته أن يتوسط له لدى من يملك توظيفه:
أنا لا عمل عندي أكسب منه مالاً، وعندي من المؤهلات كذا، وعندي أسرة من خمسة أشخاص أنا مسؤول عن إعالتهم، تعريضاً بأن يوظفه أو يتوسط له.
فالتعريض فنٌّ من فُنون القول غير المباشر يُعْتَمَدُ فيه غالباً على قرائن الحال لَا على قرائن المقال، والتعريضُ - كما سبق - أخفى من الكناية، لأنّ الكناية لا تقتصر قرائنها على قرائن الحال، بل لها من قرائن المقال ما يَدُلُّ على المراد بها.
***
الأغراض البلاغية لاستخدام التعريض:
قد يتحقق باستخدام التعريض أغراض بلاغيةٌ تشبه الأغراض البلاغيَّة التي تتحقق باستخدام الكناية، وهي التي سبق بيانها في بحث الكناية، دون حصر.
وفي التعريض مزيد إخفاء يجعلُهُ أكثر قولاً حينما يكون التصريح مثيراً لغضبٍ، أو نقدٍ، أو اتّهام، أو عَذْلٍ وتَلْوِيم، أو يكشف أمراً يجب سَتْرُه عن الرُّقباء، فيقوم التعريض مقام الإِلغاز والرَّمْزِ الخفيّ، وما يُسمَّى في اصطلاح الجيوش "الشيفرة".
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (الزمر/ 39 مصحف/ 59 نزول) خطاباً لرسوله:
{وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} [الآية: 65] .
من المعلوم في أصول الدين أنّ الرَّسُولَ الّذِي يصطفيه الله لتبليغ رسالته للناس، لا بدّ أن يكون معصوماً عن أن يشرك بالله شيئاً، فقول الله للرسول محمّد صلى الله عليه وسلم ولكل رسول اصطفاه الله من قبله:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} هو خطابٌ بصريح العبارة للرّسول، وهُوَ تَعْرِيضُ لكِلّ من آمَنَ به واتّبَعَهُ أنْ يَحْذَروا من الشِّرْكِ لئلَاّ تحبَطَ أَعْمالُهُمْ ويكونوا من الخاسرين.
هذا التعريضُ أبْلَغُ منْ مواجَهة غير الرسول بصريح الخطاب، وذلك لأنّ الرسول إذا كان لا يَمْلك لنفسه عند ربّه الحماية من أن يَحْبَطَ عملُه ويكونَ من الخاسِرِين إذا أشرك، وهو ذو المكانة العالية عند ربّه والمحظوظ بالاصطفاء، فكيف يكون حال سائر الناس ليس لهم عند ربّهم مثل ذلك.
وهذا نظير من يُهدِّدُ ولَدَه بالعقاب الشديد إذا كسَر له شيئاً من تُحف قَصْرِه، أمَامَ أولاد الآخرين، وكان قد حذّر كلّ من يكْسِرُ له شيئاً منها بالعقاب الشديد، وهو قادر على تنفيذ عقوباته.
إنَّهم يدركون أنّ عقابهم سيكون أشدّ وأقسَى إذا فعلوا ما نَهَى عنه، وحذّر من الاقتراب منه.
المثال الثاني: ما جاء في القرآن من نحو قول الله عز وجل: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلباب - وليَذَّكَّر أُولوا الألْبَاب - وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَاب - كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - إِنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} .
في هذه النُّصوص تعريض بالكافرين الذين لا ينتفعون من آيات الله في كونه، وآياته في بياناته، بأنّهم لا ألباب لهم، وبأنّهم لا يتفكّرون، وبأنّهم لا يفقهون، دون أن تكون هذه المعاني منصوصاً عليها، لكنّها تُفْهَمُ إلماحاً.
المثال الثالث: قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول) :
إنّ عبارة: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً} لم يُقْصَدْ مِنْها إعْلَامُ المنافقين المخلَّفِينَ عن رسول الله في غزوة تبوك، بأنَّ نار جهنَّمَ أشَد حَرّاً من حرارة الفصل الصيفي الذي خرج فيه الرسول والمؤمنون إلى غزوة تبوك، فهذا أَمْرٌ واضحٌ، لكنّ المقصود التعريض بأَنَّ هؤلاء المنافقين هم من أهل جهَنَّمَ الّتِي تَكْويهم بحرّها يوم الدين.
المثال الرابع: دُعَاءُ مُوسَى عليه السلام عند ماء مَدْيَنَ إذْ خرج من مصر خائفاً يترّقَّبُ، وهو ما جاء بيانه في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول) :
نُلاحظ في دعاء موسَى عليه السلام بقوله: "رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" احتمال التعريض بحاجته إلى المأوى والرزق والزوجة، ورأى أنّ الله قد ساق له مقدّمات ما هو بحاجة إليه، فقال:"رَبِّ إِنّي لِمَا أَنْزَلْتَ" بصيغة الفعل الماضي، ولم يَقُل: لما سَتُنْزِل، إذْ شَعَر أَنّ بشائر ما هو مفتقر له قد ظهرت بفرحة المرأتين به لمَّا سقَى لهما، وعَلِمَ أنّ أباهما شيخٌ كبير يحتاج إلى معين رجل.
لذلك جاء في النصّ بعد حكاية دُعائه قول الله تعالى: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحيآء} فدلّت الفاء العاطفة على الترتيب مع التعقيب، وفي هذا إشعارٌ بأنّ الله استجاب له دُعاءه الذي دَعا به تعريضاً لَا تصريحاً.
وتضمَّنَت القصّة بعد ذلك تحقيق ما هو مفتقر إليه، فأوى عند أبيهما الشيخ الكبير، وأصاب رزقاً، وزوجةً صالحة.
المثال الخامس: قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس
…
} [الآية: 253] .
ففي عبارة: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} تَعْرِيضٌ بارْتفاعِ مُحَمّد خاتم الرُّسُلِ دَرَجَاتٍ على سائر الرُّسل، ولمْ يَأْتِ هذا البيان بعبارةٍ صريحةٍ فيها نصٌّ على ارتفاع منزلته فوق سائر الأنبياء والمرسَلِين تعليماً للمسلمين أن يتأدّبوا مع جميع الرُّسل ولا يَتَّخِذُ من أفضليّة محمّد صلى الله عليه وسلم ذريعةً للتنافُسِ والتفاخُرِ به على سائر الأمم، فمثل هذا قد يولّد شقاقاً، ويَصُدُّ أتباع الرسُل السابقين عن اتّباع محمّد خاتم المرسلين، ولعامّة الناس في تعبيراتهم الدّارجات والمبتكرات تعبيراتٌ هي من أمثلة التعريض، وهي كثيرة.
* سمعت أحدهم يقول لآخر: "كلّ عضَّة بغصّة يا سفرجل" تعريضاً بأنّه صَعْبٌ عَسِر. فرَدّ عليه بقوله: "كلّ عضّة بشوكة يا صبّارة" الصبارة هي "التين الشوكي في مصر - والبرشومي في الحجاز" تعريضاً بصفاته الشائكة.
* وفي عهد أحد الانقلابيين الذين تَسَلَّموا سدّة الحكم في سورية، وكان من مدينة حماة، ترامَى للنّاس أنّ نهاية عهده قاربت، وكان الموسم موسِمَ قُرْبِ انتهاء المشمش الحموي، فصار باعَةُ هذه الثمرة ينادون عليها في الأسواق:"خلصت أيامك يا حموي - قربت أيامك يا حموي" تعريضاً بانتهاء سلطة الحاكم الانقلابي الذي هو من حماه.
* ويتشاتم البيض والسُّود بمعاريض الأقوال، فيقول البيض تعريضاً بالسّود
"باذنجان كيس كبير برط شعير" فيقول السّود تعريضاً بالبيض: "قرع كثير، كبير وصغير، خمس أكْيَاس بكفّ شعير".
وتَسْمَع من الظُّرَفاء طرائف كثيرة تشتمل على أمثلة كثيرة من أمثلة التعريض، وتُسْتَخْدَمُ فيها الأمثال الدارجة بين الناس.
***
"
علم البيان" الفصل الثاني: التشبيه والتمثيل
المقدمة في التعريفات
المعنى اللغوي:
التشْبيه والتمثيل في اللّغة مترادفان معناهما واحد، وهو بيان وُجود صفة أو أكثر في المشبَّه مُشابِهَةٍ لمَا يَظْهَرُ من صفاتٍ في المشبَّه به.
والتشابه اشتراك شيئين فأكثر في صفةٍ أو صفاتٍ متماثلات، وقد يؤدّي هذا الاشتراك إلى اللّبْس وعدم القدرة على التَّعْيين، إذا كان المطلوب فرداً معيّناً أو صنفاً معيّناً فيه هذه الصفة أو الصفات.
المعنى الاصطلاحي:
المعنى الاصطلاحي عند البيانيين للتشبيه والتمثيل مطابق للمعنى اللّغوي، وقالوا في تعريفه أقوالاً أحسنها:
"الدّلالة على مشاركة شيءٍ لشيءٍ في معنىً من المعاني أو أكثر على سبيل التطابق أو التقارب لغرضٍ ما".
وخصّ البيانيون لفظ "التمثيل" بالتشبيه المركّب الذي يكون وجه الشبه فيه منتزعاً من متعدّد.
***
المقولة الأولى: التشبيه
هو الدلالة على مشاركة شيءٍ لشيءٍ في معنىً من المعاني أو أكثر على سبيل التطابق أو التقارب لغرضٍ ما ولا يكون وجه الشبه فيه منتزعاً من متعدد.
وله أركان وتقسيمات متعددات على ما سيأتي بيانها إن شاء الله.
(1)
أركان التشبيه
من الواضح بداهة أنّ لكلّ تشبيهٍ أركاناً أربعة تدلُّ عليها ألفاظٌ تُذْكر في التشبيه، وقد يحذف بعضها لغرضٍ بياني:
الركن الأول: المشبَّه.
الركن الثاني: المشبَّهُ به.
الركن الثالث: أداةُ التشبيه، وتأتي أداة التشبيه حرفاً، أو اسماً، أو فعلاً.
* فالحرف له لفظتان:
(1)
"الكاف" ويليها المشبّه به مثل قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
{وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلَاّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
…
} [الآية: 77] .
(2)
"كأنّ" ويليها المشبّه به، وتفيد التشبيه إذا كان خَبَرُها جامداً أَوْ مُؤَوّلاً بجامد، مثل قول الله عز وجل في سورة (لقمان/ 31 مصحف/ 57 نزول) :
قالوا: والتشبيه بكأنّ أبلغ من التشبيه بالكاف، لأنّها مركّبة من الكاف وأَنَّ.
* والاسم له ألفاظ، منها:"مِثْل - شِبْه - شبِيه - نظير - مَثِيل" ونحوها.
* والفعل له ألفاظ، منها:"يُشْبِه - يُمَاثل - يُنَاظر -" ونحوها من كُلّ ما يدلُّ على تشبيه بشيء.
الركن الرابع: وجْهُ الشَّبَه، وهو مَا لُوحِظَ عند التشبيه اشتراك المشبَّه والمشبَّه به في الاتّصاف به، من صفة أو أكثر، ولو لم يتساويا في المقدار، ولو كانت ملاحظةُ الاشتراك خياليّة غير حقيقيّة، كتشبيه رأس إنسانٍ منفرٍّ مُرْعبٍ برأس الْغُول، وتشبيه السّاحرة بأنّ وجهها كوجه شيطان.
أمثلة:
(1)
قول المعرّي:
رُبَّ لَيْلٍ كَأَنَّهُ الصُّبْحُ فِي الحُسْـ
…
ـنِ وَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ الطَّيْلَسَانِ
الطيلسان: نوع من الأوشحة يُلْبَس على الكتف أو يحيط بالبدن، خالٍ من التفصيل والخياطة.
* فالمشبه في هذا التشبيه اللّيل الذي عناه المعرّي.
* والمشبه به الصُّبْح.
* وأداة التشبيه: "كأنّ".
* ووجه الشبه: "الْحُسْن" المصرّح به في عبارة "في الْحُسْنِ".
(1)
قول المعريّ يخاطب ممدوحه:
أَنْتَ كالشَّمْسِ في الضِّيَاءِ وَإنْ جَا
…
وَزْتَ كِيوَانَ فِي عُلُوِّ الْمَكَانِ
كيوان: اسم لكوكب زُحَل أبْعَدِ الكواكب السّيارة بالنسبة إلى الأرض.
* فالمشبّه في هذا التشبيه هو ما دلَّ عليه لفظ "أنْت".
* والمشبَّهُ به ما دل عليه لفظ "الشمس".
* وأداة التشبيه "الكاف" في عبارة "كالشمس".
ووجه الشّبه ما دلّ عليه عبارة: "في الضياء".
(2)
وقال آخر يخاطب ممدوحه:
أَنْتَ كَاللَّيْثِ في الشَّجَاعَة وَالإِقْـ
…
ـدَامِ والسَّيْفِ فِي قِرَاعِ الْخُطُوب
قِرَاع الْخُطُوب: أي: مصارعة الشدائد والتَّغَلُّبِ عليها.
في هذا البيت تشبيهان لمشبَّه واحد.
* فالمشبّه: "أنت".
* والمشبّهُ به "اللّيثُ في التشبيه الأول و"السّيف" في التشبيه الثاني.
* وأداة التشبيه "الكاف".
* ووجه الشبه "الشجاعة والإِقدام" في التشبيه الأوّل، و"قِرَاع الخطوب" في التشبيه الثاني.
(3)
وقال آخر يصف الماءَ وهو يجري صافياً:
كَأَنَّمَا الْمَاءُ في صَفَاءٍ
…
وقَدْ جَرَى ذَائِبُ اللُّجَيْنِ
اللُّجين: الفضَّة.
* فالمشبّهُ: "الماء".
* والمشبَّهُ به: "ذَائِبُ اللُّجَيْن".
* وأداة التشبيه: "كَأَنَّما".
* ووجه الشبه: "الصفاء والجريان".
***
(2)
فنّ التشبيه ودواعيه
فنُّ التشبيه:
التشبيه فَنُّ جميل من فنون القول، وهو يدلُّ على دقَّة مُلاحظة الأشباه والنظائر في الأشياء، سواءٌ أكانت مادّيات تدرك بالحواس الظاهرة، أو معنويات، حتى الفكريات المحض، إذْ ينتزع منها لمَّاحُو عناصر التشابه بين الأشياء التي تدخُل في حدود ما يُعْلَم ولو لم يكن له وجودٌ خارج الأذهان، فيجدون بينها أجزاء يشبه بعضها بعضاً، على سبيل التطابق أو التقارب، فيُعبّرون عمّا لاحظوه من تشابُهٍ يشبه بعضها بعضاً، على سبيل التطابق أو التقارب، فيُعبّرون عمّا لاحظوه من تشابُهٍ بعبارات التشبيه، ويَحْسُن في ذوقهم الأدبيّ أنْ يُشَبّهوا ذا الصفة الخفيّة بذي الصفة الجليّة، نظراً إلى وجود جنس هذه الصفة أو نوعها فيهما، وأن يشبّهوا ذا الصفة الجليَّة بذي الصفة الأجلى، وأن يشبهّوا ذا الصفة الأقل أو الأضعف أو الأدنى، بذي الصفة الأكثر، أو الأَقْوَى، أو الأعلى، نظراً إلى التشابه في عين هذه الصفة أو نوعها أو جنسها فيهما.
ويُقْصَد التشبيه لتحقيق غرض بيانيٍّ فكريّ أو جمالي، أو فكري وجماليٍّ معاً.
ونزوع الأنفس إلى التشبيه هو إحدى فطرها الّتي فطرها الله عليها، مع قصور التعبيرات ذوات الدلالات المباشرات عن أداء المعاني المرادة أحياناً كثيرة.
لهذا نجد التشبيه موجوداً لدى كُلّ الأمم والشعوب، وفي كُلّ لغات الناس فصيحها وعامِّيها.
قال "المبرِّد" في كناية: "الكامل":
"التشبيه جارٍ كثيراً في كلام العرب، حتَّى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يُبْعِدْ".
وقال "أبو هلال العسكري" في "كتاب الصناعتين: النظم والنثر":
"التشبيه يزيد المعنَى وُضوحاً، ويُكْسِبُه تأكيداً، ولهذا أطبق جميع المتكلّمين من العرب والعجم عليه، وَلَمْ يستغن أحَدٌ عنه".
وتشبيه شيء بشيء يعتمد على وجود عُنْصِر تشابه بينهما، أو وُجود أكثر من عُنْصُر تشابه.
ففي هذا الوجود الكبير أشباهٌ ونظائر بحسب تقدير الله وإتقان صنعته.
ألَسْنَا نُلاحظُ في ظواهر الأشياء ممّا تُدْركُه الحواسُّ أشباهاً ونظائر في أجناسها، وأنواعها، وأصْنافها، وأفرادها؟.
ألَسْنَا نلاحظ مثل ذلك في طبائع الأشياء من كلّ ما خلَق الله من نبات، وماءٍ، ورياحٍ، ونارٍ، وقوى وطاقات، وغير ذلك ممّا بثّ الله في كونه من ذي حياة وغير ذي حياة؟.
ألَسْنَا نُلاحظُ مثل ذلك في طبائع النفوس وأحاسيسها، وسلوكِ ذوي الإِرادات الحرّة؟
إنّ الملاحظة الذكيّة تستطيع أن تتصيّد للشيء الواحد عدّة أشباه ونظائر من هذا الوجود الكبير.
ولا يشترط في الشبيه أن يكون مطابقاً من كلّ الوجوه، بل يكفي فيه أَنْ يُلْمَح
منه جانبٌ فيه شَبَهٌ ما صالحٌ لأنْ يُشَبَّهَ به، بغية تحقيق غرضٍ من أغراض التشبيه البلاغيّة.
***
دواعي التشبيه:
يرجع اختيار أسلوب التشبيه في الكلام إلى الدواعي الرئيسة التالية:
الداعي الأوّل: استخدام الأسلوب غير المباشر للتعبير عن المراد، إذْ هو أكثر تأثيراً في النفوس من الأسلوب المباشر غالباً، وذلك في المجالات الأدبيّة، وفي الموعظة، وفي كثير من صُوَر الإِقناع، وفي نحو ذلك.
الداعي الثاني: ما في التشبيه من طُرُق متعدّدة، وصُورٍ كثيرة، تُعْطِي المعبّر البليغ مجالاً واسعاً لانتقاء ما يراه أكثر تأثيراً فيمن يوجّه له الكلام، أو أكثر إبداعاً، وهذا أمْرٌ يشعر فيه المتكلّم بلذّة الإِبداع والابتكار وإيجاد ما لم يُسْبَقْ إليه، وهي نزعة موجودة في طبائع الناس الفطريّة، تنمو عند الأذكياء والعباقرة، وتضمر عند غيرهم.
الداعي الثالث: ما في كثير من الصُّور التشبيهيّة منْ جمالٍ يُرضِي أذْواق المتلقّين وَيُمْتِعُهم، إذْ يُقَدّم لهم لوحاتٍ جماليّة مختلفة:
* فمنها ما تنتزعه الذاكرة اللّمّاحة من الطبيعة الجميلة في المدركات الحسّيّة كما هو، فيقيس الفكر عليه، ويشبه به.
* ومنها ما يجمع الفكر عناصره من الطبيعة، ويؤلّف الخيال بين هذه العناصر تأليفاً مبتكراً في صورة، ثم يقيس الفكر عليها ويشبّه بها.
* ومنها أشياء معنوية فكرية يصوّر لها الخيالُ صوراً ثمَّ يقيس الفكر عليها ويشبّهُ بها. وربّما يشبّه الفكر بها دون أن يتدخّل الخيال في تصوير صُورٍ لها.
***
(3)
أغراض التشبيه
الأديبُ البليغ شاعراً كان أو ناثراً، كاتباً أو متحدّثاً، قد يختار في كلامه طريقة التشبيه ضمن ما يختار من طُرُق الكلام وأساليبه ليحقِّق به غرضاً أو أكثر من الأغراض التالية، سواء أكان ما اختاره تشبيهاً مفرداً أو مُركّباً، ويدخل فيه تشبيه التمثيل.
الغرض الأول: كون الصورة الّتي دلّ عليها التشبيه أكثر بياناً وأوضح دلالة وأدَقَّ أداءً من الكلمات التي تدلُّ بوضعها اللّغوي على المعنَى مباشرة، دون استخدام التشبيه.
الغرض الثاني: تقريب صورة المشبَّه إلى ذِهْنِ المتلقّي عَنْ طريق التشبيه، إذا كان وجْهُ الشَّبَهِ في المشبَّه به أكْثَر وضوحاً وأظْهَر، أو كان مقدارُه أعظم، كتشبيه القلوب القاسية بالحجارة.
الغرض الثالث: الإِمْتَاعُ أو الاستمتاع بصُورٍ جماليّة يشتمل عليها التشبيه، ففي كثيرٍ من التشبيهات الدقيقة المحكمة صُوَر جمالية لا تُوجَدُ في غيرها من طُرُق الكلام، فقولك:"ليلةٌ تمشي كالسلحفاة" أكثر إمتاعاً من قولك: "ليلة بطيئة المسير".
الغرض الرابع: الإِقناع بفكرة من الأفكار، وهذا الإِقناع قد يصل إلى مستوى إقامة الحجّة البرهانيّة، وقد يقتصر على مستوى إقامة الحجّة الخطابية، وقد يقتصر على لفت النظر إلى الحقيقة عن طريق صورةٍ مشابهة، ومنه تشبيه من يدعو غير الله بباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه.
الغرض الخامس: الترغيب بالتَّزْيين والتحسين، أو التنفير بكشف جوانب القبح.
فالترغيب يكون بتزيين المشبَّه وإبراز جوانب حسنه، عن طريق تشبيهه بما هو محبوب للنفوس مرغوبٌ لديها.
والتنفير يكون بإبْراز جوانب قُبْحِه، عن طريق تشبيه بما هو مكروه للنفوس، أو تنفر النفوس منه.
وقد يكون كلٌّ من الترغيب والتنفير عملاً إيهاميّاً مُعْتَمِداً على صناعةٍ كلاميّةٍ مُبَالَغٍ فيها.
الغرض السادس: إثارة مِحْور الطّمع والرَّغَب في النفس، أو مِحْوَرِ الخوف والْحَذر، إذا كان في المشبَّه مطامع تطمع فيها النفوس، أو مخاوف تحذرها.
كتصوير المنفق في سبيل الله بزارع الحبّ الّذي تُنْبت كُلُّ حبَّةٍ منه سَبْع سنابل في كلّ سنبلَةٍ مئةُ حبَّة.
وكتصوير أعمال الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، برماد اشتدتْ به الريح، فَسَفَتْهُ ونَسَفَتْهُ، فجعلته هباءً مُنْبَثّاً، فهم لا يقدرون على إمساك شيءٍ ممّا كَسَبُوا.
فَلَدى إِثارةِ مِحْوَرِ الطّمَع والرَّغَبِ في النفس يتّجه الإِنسانُ بمحرّضٍ ذاتيّ إلى ما يُرادُ توجيهه له.
ولَدَى إثارة مِحْوَر الْخَوْفِ والْحذَرِ في النفس يبتَعِدُ الإِنسَانُ بمحرّضٍ ذَاتِيّ عمّا يُرادُ إبْعادُهُ عَنْه.
الغرض السابع: المدحُ أو الذَّمُّ، أو التعظيم أو التحقير.
كأن تمدح الشجاع بتشبيهه بالأسد، وتَذُمّ الجبان بتشبيهه بالأرْنب، وتذمّ الدّيُّوث بتشبيه بالخنزير.
وكأنْ تُعَظِّمَ جُودَ الجواد بتشبيهه بالبحر، وتحقّر خطبة بتشبيهها بنقيق الضفادع.
الغرض الثامن: شَحْذُ ذهن المتَلَقِّي وتحريكُ طَاقاتِه الفكريّة، أو استرضاء ذكائه، لتوجيه عنايته، حتَّى يتأمّل ويتفكّر ويَصِلَ إلى إدْراك المراد عن طريق التفكر.
كتشبيه الصراع بين الحقّ والباطل بصورة الغيث الغزير، الذي يجري سيلاً يملأ الوادي، والزبد الذي يطفو على سطحه، وما ينتهي إليه كلٌّ منهما، أمّا الزّبد فيذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفع الناس فيمكُثُ في الأرض مُفيداً نافعاً.
ومثل هذه التشبيهات يخاطب بها الأذكياء، وأهل التأمُّلِ والنَّظَر والبحث العلميّ، والمتفكّرون.
الغرض التاسع: تقديم أفكارٍ كثيرة جدّاً ودقيقة، وهي ممّا يحتاج بيانُه عن غير طريق التشبيه كلاماً كثيراً يَصِلُ إلى عشراتِ الصفحات وأكثر من ذلك، فيَدُلُّ علَيْها التشبيه بأخصر عبارة، فالمشبّه به قد يكون بمثابة نموذجٍ مشهودٍ من نماذج الوسائل التعليميّة، فيكفي في العبارة أن يقال: مِثْلُ هذا.
الغرض العاشر: إيثار تغطية المقصود من العبارة بالتشبيه، تَأَدُّباً في اللَّفظ واستِحْيَاءً.
كتشبيه عمليّة التزاوج بوضع الميل في المكحلة.
الغرض الحادي عشر: بيان صفةٍ للمشبّه، عن طريق التشبيه.
* فمنه بيان إمكان وجود الصفة في المشبّه، إذْ هي في المشبّه به ظاهرة لا نزاع في وجودها فيه، ويرى المتلَقِّي عدم إمكان وجودها في المشبّه.
* ومنه بيان حقيقة الصِّفة، إذا كانت أمراً غير معروف في المشبَّه، لخفائها، فيأتي التشبيه فيكشف حقيقة هذه الصفة المجهولة.
* ومنه بيان مقدار الصفة قوةً وضعفاً، إذا كانت حقيقتُها معروفة، لكنّ مقدارها مجهول.
إلى غير ذلك من أغراض.
*** (4)
صفات وخصائص التشبيهات المثلى
يَحْسُن قبل الدخول في شرح أقسام التشبيه والتمثيل، أن يكون الدارس لهذا الفنّ من فنون الكلام عارفاً بالصفات الأساسيّة للتشبيهات الْمُثْلى، حتَّى لا يَظُنَّ أنّ كُلَّ تشبيه أو تمثيل هو من صور الأدب الرفيع، فربّ تشبيه أو تمثيل يُنْزِل من قيمة الكلام أدبيّاً وبلاغياً ولا يرفَعُهُ، وربّما يهوي به إلى الحضيض.
ومن الخير له أن يَدْرُسَ التشبيهات والأمثال القرآنية، وأنْ يَدْرُسَ تشبيهاتِ وأمثال الأدباء البلغاء، ليكتسب الذوق الرّفيع، الذي يُميِّز به بين الغثّ والسمين من التشبيهات والأمثال، وليكتسب المهارة على تدبّر النصوص وتحليل ما فيها من ذلك، وعسَى أن يكتسب مهارة الإِبداع في هذا المجال.
فمن الصفات الأساسيّة للتشبيهات المثلى ما يلي:
الصفة الأولى: دقَّةُ التصوير، مع إبراز العناصر المهمّة التي هي مقصود التشبيه.
الصفة الثانية: الابتكار، والابتعاد عن الاجترار والتكرار للتشبيهات المستعملة كثيراً في أقوال الشعراء والأدباء.
الصفة الثالثة: التنويع في أساليب التشبيهات والأمثال ضمن الكلام المتتابع، والابتعاد عن التزام الوتيرة الواحدة، والمتابعة على نَمَطٍ واحد.
الصفة الرابعة: صدق المشابهة بين المشبَّهِ، والمشبّه به، ويكفي لتحقيق صدق المشابهة ما يسمَّى "الصّدْق الفنيّ" أي: الصدق في إحساس صاحب الكلام ومشاعره.
الصفة الخامسة: ممّا يَرْتَقِي بالتمثيل إلى مستوى الذّروة، التصوير المتحرّك الحيّ الناطق، ذو الأبعاد المكانيّة والزّمانيّة، والذي تبرز فيه المشاعر النفسيّة والوجدانية، والحركات الفكرية للعناصر الحيّة في الصورة.
الصفة السادسة: الابتعاد عن الإِسفاف والابتذال والتشبيِه ما يَحْسُن في غير الكلام سَتْره، من العورات والمستقذرات.
الصفة السابعة: عدم التصريح بما يمكن أن يُدْرَكَ ذهْناً من القرائن.
الصفة الثامنة: البناءُ عَلى المشبَّهِ بهِ كأنَّهُ عَيْنُ المشبّه، إذْ يُنْزَلُ المشبَّه به منزلة المشبَّه، بعد أن سِيق لإِحضار المقصود من المشبَّهِ عن طريقه.
وهذه الصفة هي من صفات الأمثال القرآنيّة وخصائصها.
***
(5)
تقسيمات متعدّدات لأنواع وصُوَر التشبيهات
التقسيم الأول:
تقسيم التشبيه باعتبار ذكر أداة التشبيه ووَجْه الشَّبَهِ أو عَدَم ذِكْرِهما
يتعرّض التشبيه لأحوال مختلفة تتعلّق بذكر أداة التشبيه في اللّفظ وعدم ذكرها، وذكر وجه الشبه في اللفظ وعدم ذكره.
وينتج عن هذه الأحوال خمسة مصطلحات عن البيانيين، تتكوّن منها ثلاث صُور.
المصطلح الأول: "التشبيه المرسل" وهو التشبيه الذي ذكرت فيه أداةٌ من أدوات التشبيه.
المصطلح الثاني: "التشبيه المؤكَّد" وهو التشبيه الذي لم تُذْكَرْ فيه أداةٌ من أدوات التشبيه.
المصطلح الثالث: "التشبيه المفصّل" وهو التشبيه الذي ذُكِرَ فيه وجه الشبه.
المصطلح الرابع: "التشبيه المجمل" وهو التشبيه الذي لم يُذْكر فيه وَجْه الشبه.
المصطلح الخامس: "التشبيه البليغ" وهو التشبيه الذي لم تُذْكر فيه أداة التشبيه، ولم يُذْكَر فيه أيضاً وجْه الشبه.
ويتألف في التطبيق العمليّ من هذه المصطلحات الخمسة ثلاثُ صور، بمقتضى طبيعة التداخل:
الصورة الأولى: وهي الصورة الدُّنْيا في درجة الأبلغيّة على ما ذكَرُوا، وهي التي يكون التشبيه كلُّه فيها "مُرْسلاً مُفَصّلاً".
أي: هو التشبيه الذي ذُكرت فيه أداة التشبيه ووجه الشبه معاً، مثل قولنا:"خالدٌ كالأسد في الشجاعة والبأس".
الصورة الثانية: وهي الصورة الوسطى في درجة الأبلغية على ما ذكروا، وتأتي على وجْهَين:
(1)
أن يكون التشبيه كلُّه "مُرْسلاً مُجْملاً" أي: ذكرت فيه أداة التشبيه، لكن لم يذكر فيه وجه الشبه، مثل قولنا:"خالد كالأسد".
(2)
أن يكون التشبيه كُلُّه "مؤكّداً مفصّلاً" أي: لم تُذكَرْ فيه أداة التشبيه، لكن ذُكِر فيه وجه الشبه، مثل قولنا:"خالد أسَدٌ في الشجاعة والبأس".
الصورة الثالثة: وهي الصورة العليا في درجة الأبلغيّة على ما ذكروا، وهي التي يكون التشبيه كُلُّهُ فيها "مؤكّداً مُجْملاً" أي: لم تُذْكَرْ فيه أداة التشبيه، ولم يُذْكر فيه وجْهُ الشبه. مثل قولنا:"خالد أسد".
وتُسَمَّى هذه الصورة: "التَّشْبِيهَ البليغ".
أمثلة:
* من أمثلة الصورة الأولى التي يكون التشبيه فيها "مُرْسَلاً مُفَصّلاً" قول الشاعر:
الْعُمْرُ مِثْلُ الضَّيْفِ أَوْ
…
كَالطَّيْفِ لَيْسَ لَهُ إقَامَة
الْعُمْرُ: مُشَبّه.
مثل: أداة التشبيه.
الضيف - الطيف: مشبَّه به.
ليْسَ له إقامة: وجه الشبه.
هذا تشبيه "مرسلٌ مفصّل".
* ومن أمثلة الصورة الثانية التي يكون التشبيه فيها "مؤكّداً مفصّلاً أو "مرسلاً مجملاً" قول ابن المعتزّ:
وَكَأَنَّ الشَّمْسَ الْمُنِيرَةَ دِينَا
…
رٌ جَلَتْهُ حَدَائِدُ الضَّرَّابِ
جَلَتْه: أي: صقلته.
الضرَّاب: أي: الذي يَطْبَعُ النُّقود.
كأن: أداة التشبيه.
الشمس المنيرة: المشبَّه.
دِينارٌ جلته حدائد الضرّاب: مشبّه به.
هذا تشبيه "مرسل مجمل" ذكرت فيه أداة التشبيه ولم يذكر فيه وجه الشبه.
وقول البحتري يمدح أمير المؤمنين المتوكّل على الله.
يَا ابْنَ عَمِّ النَّبِيّ حَقّاً ويَا أَزْ
…
كَى قُرَيْشٍ نَفْساً وَديناً وَعِرْضاً
بِنْتَ بالْفَضْلِ والْعُلُوِّ فَأصْبَحْـ
…
ـتَ سَمَاءً وأصْبَحَ النَّاسُ أَرْضاً
الممدوح: مُشَبَّه.
سماءً: مشبَّهُ به، وأداة التشبيه غير مذكورة.
بالفضل والْعُلُو: وَجْهُ الشبه.
هذا التشبيه "مؤكّد مفصّل" ذكر فيه وجه الشبه، ولم تُذْكَرْ فيه أداة التشبيه.
* ومن أمثلة الصورة الثالثة "التشبيه البليغ" الذي يكون التشبيه فيه "مؤكّداً مجملاً" قول الشاعر أبي القاسم الزّاهِي يصف حسناوات:
سَفَرْنَ بُدُوراً. وانْتَقَبْنَ أَهِلَّةً
…
ومِسْنَ غُصُوناً. والْتَفَتْنَ جَآذِراً
في هذا البيت أربعة تشبيهات هي من التشبيه البليغ، إذْ لَمْ يُذكَرْ فيها أداة التشبيه ولا وجْهُ الشَّبه.
مِسْنَ: أي: تمايَلْنَ تبخْتُراً واختيالاً.
جآذِراً: جمع "جُؤْذُر" وهو ولد البقرة الوحشية، والعرب تعجبهم عيون الجآذر، فَيُشَبِّهون بها.
وقول الآخر:
فَاقْضُوا مَآرِبَكُمْ عِجَالاً إِنَّما
…
أَعْمَارُكُمْ سَفَرٌ مِنَ الأسْفَارِ
شبّه الأعمار بالسَّفر، على طريقة التشبيه البليغ الذي لم تذكر فيه أَداة التشبيه، ولا وجه الشبه.
وقول المرقّش الأكبر (شاعر جاهلي) :
النَّشْرُ مِسْكٌ. والْوُجُوهُ دَنَا
…
نِيرٌ وَأَطْرَافُ الأَكُفِّ عَنَمٌ
في هذا البيت ثلاثة تشبيهات هي من التشبيه البليغ، إذْ لم يذكر فيها أداة التشبيه وَلا وجْهُ الشبه.
النشر: الرائحة الطيبة.
الْعَنَم: نبات أملس له أزهار قِرْمِزِيّة، يُتَخَذُ خِضَاب، ويبدو أنّ الشاعر شبَّه أطراف أكفّ صَوَاحبه بأزهار هذا النبات على طريقة التشبيه البليغ، لا أنّه اعتبر أنّها مخضّبة بصِبْغ هذه الأزهار، وتقدير كلامه: وأطراف الأكُفّ أزْهارُ عَنَم.
ويرى البيانيون أنّ التشبيه البليغ يعتَمِد على المبالغة والإِغراق في ادّعاء أنَّ المشبَّه هو المشبَّهُ به نَفْسه، لذلك لا تُذْكَرُ فيه أداة التشبيه، ولا وجْهُ الشّبه.
ويرون أنّ التشبيه البليغ ذو مجالٍ واسعٍ لتسابق الْمُجِيدين من الأدباء والشعراء، وانتقاء روائع بديعة منه.
***
التقسيم الثاني
تقسيم التشبيه من جهة حسنة أو قبحه وقيمته
ينقسم التشبيه بالنظر إلى الْغَرَض المسُوقِ له إلى قِسْمَيْنِ أوّلَيْن:
القسم الأول: الْحَسَنُ المقبول.
القسم الثاني: القبيح المردود.
فالْحَسَنُ المقبول:
هو ما كان وافياً بالغرض الْمَسُوقِ له من النّاحيتين الفكريّة والجماليّة، وأمثلة هذا القسم كثيرة، لا داعي للاشتغال بها هنا.
والْحَسَنُ المقبول ينقسم إلى قِسْمَيْن:
* قريبٍ مبتذل.
* وبعيدٍ غريب.
والقبيح المردود:
هو ما لم يكن وافياً بالغرض الْمَسُوق له من النَّاحِيَتَيْنِ الفكريّة والجماليّة، أو من إحداهما.
ومن أسباب ذلك انعدامُ وجه الشبّه بين المشبَّهِ والمشبَّهِ به، أو خفاؤه جدّاً دون التَّنبيه عليه، أو كونُ معناه مُسْتَقْبَحاً مستكرهاً لا يَليقُ بكلامٍ أدبيّ رفيع، أو كونُه غثّاً هزيلاً لا يَدُلُ على حُسْنِ انتقاء واختيار بين بدائل الأفكار، إلى غير ذلك مما تمجُّه الأذواق الرفيعة، وتُبْعِدُهُ عن ساحَةِ الأدب المقبول، ولو من أدنى درجات "القريب المبتذل".
وأتركُ هنا للأدباء مجال تعرية القبيح المردود من التشبيهات، فالتحليل الأدبيّ الناقد مسؤولٌ عن تقديم الأمثلة ونقدها.
"القريب المبتذل والبيعد الغريب"
لاحظ البيانيون ما ينتج عمّا يكشفه النظر إلى قيمة التشبيه ودَرَجَتِه، بين مختلف التشبيهات ذوات القيم البيانيّة المختلفة، فانتهى بحثُهُمْ إلى تَحْدِيدِ مرتبتين رئيستَيْن للتشبيه، وتركوا تحديد درجات كلِّ مرتبةٍ منهما للأديب الباحث، ولاختلاف وجهات أنظار النُقَّاد:
المرتبة الدُّنيا: مرتبة القريب المبتذل، وفيها درجات يعْسُر ضبطها.
المرتبة العليا: مرتبة البعيد الغريب، وفيها درجات يَعْسُر ضبطها.
(أ) الشبيه القريب المبتذل:
هو ما يُنْتَقَلُ فيه من المشبَّهِ إلى المشبّه به من غير تدقيق نظر، ولا إمعان فكر، بل يظهر وجْهُه في بادي الرأي.
وقد نظر البيانيّون نظراتِ تحليل لاكتشاف أسباب كون التشبيه قريباً مُبْتَذَلاً، فظَهَرتْ لهم طائفةٌ من الأسباب أشاروا إليها دون أن يَحْصُروا كلَّ الأسباب بها:
السبب الأوّل: كون التشبيه معتمداً على النظرة الكليَّةِ الْمُجْمَلة، التي لم يصاحبها تفصيل ولا تحليلٌ للعناصر.
إنّ النظرة الكليّة المجملة الّتي لا تبحثُ في دقائق الأشياء وتفصيلات عناصرها وصفاتها هي النظرة الأولى الساذجة للإِنسان بحسب العادة، وهي نظرة يستوي فيها الصغير والكبير، والجاهل والعالم، والأديب وغيره، ويستطيع جميعهم في الغالب التعبير عن مرادهم بها.
لذلك تكون مبتذلةً في العادة، ولا تَدُلُّ على مَهَارة فكرية، ولا مقدرة بيانيَّةٍ في مجال التّشبيه.
فالتشبيه المعتمد على النظرة الكليّة الْمُجْمَلَة يكون غالباً من مرتبة القريب المبتذل.
إنّ النظرة الكليّة المجملة هي التي تجعل الطفل يُسَمّي الحصان إذا رآه حماراً، وقد يُسَمِّي الجمل إذا رآه حماراً، وكذلك البقرة، لأنَّ خِبْرَاتِه السَّابقات علّمَتْه شكل الحمار، وتعلّم مع ذلك أنّ اسمه حمار، فهو يرى الشكل العام للحصان والجمل والبقرة تمشي على أربع كما يمشي الحمار، فَيُسَمِّي كلاًّ منها حماراً، غير ناظر إلى الفروق الكثيرة التي تميّز كلّ نوعٍ عن الآخر.
من أجل هذا قالوا: النظرة الأولى حمقاء. ويقول العلماء بشأن من تُعْوِزُه الدقّة في أقواله وآرائه: لم يُنْعِم النظر في الأمر، ولم يُدَقِّق ولم يتأمَّلْ. أو يقولون: قال قَوْلَهُ أَوْ قَدَّمَ رأيه متعجّلاً دون أناة.
السبب الثاني: كون وجه الشَّبَه المنتزع من ركْنَي التشبيه قليل العناصر التفصيلية، سريع الْخُطُور على الأذهان في العادة.
أو كونُ المشبَّه به من الأشياء الّتي تَتَكَرَّرُ مُشَاهَدَتُها، فهي ممّا يُسَارع الذهن إلى التشبيه بها، كالشمس في الضياء والاستدارة، وكَالقَمَر في النور والحسن، وكاللَّيل في السّواد، وكالنّهار، في البياض، وكالمطر في صفة تقاطُره العام.
فمن الملاحظ أنّ الإِنسان العاديّ إذا أراد تشبيه شيء أَسْود خطر له بسرعة اللّيلُ والغراب، فيقول: هو كاللَّيل، أو كالغراب.
وإذا أراد تشبيه وجه جميل قال: هو كالقمر. وإذا أراد وصْفَ نَثْرِ النقود على جميع الناس قال: تناثرت عليهم كالمطر.
هذه تشبيهات قريبة مبتذلة، يتناولُهَا معظم الناس كما يتناولون الماء والهواء والكلأ، فليس لها قيمةٌ أدبيَّةٌ عالية.
السبب الثالث: كونُ المشبّه به ووجهِ الشّبه المنتزع منه مما تداول الشعراء والأدباء والكتّاب والخطباء، والمتحدّثون العاديُّونَ التشبيه به حتَّى ابْتُذِلَ واسْتُهْلِكَ.
كالتشبيه بالغزال في خفّة الحركة والرشاقة ودقّة الخصر، وكالتشبيه بالحمار في البلادة، والتشبيه بالبغل في الجلادة، والتشبيه بالكلب في اتباع صاحبه، والتشبيه بالخنزير في الخِسَّة وعدم الغيرة على إناثه.
إلى غير ذلك.
لكِنْ قد يتصرّف الأديب المتمرّس بفنون القول، في التشبيه القريب المبتذل، تصرُّفاً بديعاً يَرْفَعُهُ إلى المرتبة العليا "مرتبة البعيد الغريب" فمن هذا التصرف ما يلي:
(1)
قول أبي الطيّب المتنبّي من قصيدة يمدح بها "هَارون بن عبد العزيز"
لَمْ تَلْقَ هَذَا الْوَجْهَ شَمْسُ نَهَارِنا
…
إِلَاّ بِوَجْهٍ لَيْسَ فِيِ حَيَاءُ
لقد تضمَّن هذا القول تشبيه وجه ممدوحه بالشمس، وهو تشبيه قريبٌ مبتذل، لكن أبا الطيب تصرّف فيه بطريقةٍ بديعة غريبة رفعت قيمته إلى المرتبة العليا، إذْ أدخل في التشبيه عناصر غير مأْلوفة، فقد أَبَانَ دُون إفصاح صريحٍ بالتشبيه أنَّه كان من واجب الأدب والحياء أن لا تظهر الشمس أمام وجهه لضآلة ضوئها في مقابل وجهه الوضّاء، لكنَّها غير ذات حياء، فمن أجل ذلك تَلْقَى الشمْسُ وجْهَهُ مع أنَّه أعظم منها ضياءً.
(2)
قول الشاعر:
فَرُدَّتْ عَلَيْنَا الشَّمْسُ واللَّيْلُ رَاغِمٌ
…
بشَمْسٍ لَهُمْ مِنْ جَانِبِ الْخِدْرِ تَطْلُعُ
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَأَحْلَامُ نَائِم
…
أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ
تضمّن هذا القول تَشْبِيه مَنْ أُعْجِبَ الشاعر بجمال وجهها بالشمس، وهو تشبيه مبتذل، لكن أَدْخَل فيه عناصر رفعته من المرتبة الدنيا إلى المرتبة العليا، إذ وَصَفَ طلعةَ وجهها من جانب الخدر في اللَّيل على صورة مفاجئة تشعر بأنّ الشمس التي غابت أعيدت إلى الظهور، فهو في حَيْرَةٍ: هل هو نائم يَرَى حُلُماً، أو يُوشَعُ بن نون صاحب موسى موجود في الركب، ومن أجل طلبه أعيدت الشَّمْسِ للظهور، كما حصل له إِذِ استوقف الشمس على ما ذكروا.
(3)
قول الشاعر الوطواط في ممدوحه:
عَزَمَاتُهُ مِثْلُ النُّجُومِ ثَوَاقِباً
…
لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلثَّاقِبَاتِ أُفُولُ
لقد رفع من قيمة هذا التشبيه إضافة الشاعر الاستدراك إليه، وهو كون النجوم الثواقب لها أفُول، أمّا ممدوحه فلا أُفولَ له.
قالوا: ويسمَّى هذا "التشبيه المشروط".
(4)
ومن التشبيه المشروط الذي رفعته إضافة الشرط إلى المرتبة العليا، قول الشاعر في ممدوحه:
يَكَادُ يَحْكِيكَ صَوْبُ الْغَيْثِ مُنْسَكِباً
…
لَوْ كَانَ طَلْقَ الْمُحَيَّا يُمْطِرُ الذَّهَبَا
والْبَدْرُ مَا لَمْ يَغِبْ والشَّمْسُ لَوْ نَطَقَتْ
…
والأُسْدُ لَوْ لَمْ تُصَدْ والْبَحْرُ لَوْ عَذُبَا
(5)
ومن التصرّف الحسن الذي رفع قيمة التشبيه المبتذل قول الشاعر:
فِي طَلْعَةِ الْبَدْرِ شَيْءٌ مِنْ مَحَاسِنِهَا
…
ولِلْقَضِيبِ نَصيبٌ مِنْ تَثَنِّيَها
(6)
وقد يَخْرُج التشبيه من الابتذال بأن يجمع الشاعر بين عدّة تشبيهات بكلام واحد، كقول امرئ القيس يصف فرسه:
لَهُ أَيْطَلَا ظَبْيٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ
…
وَإِرْخَاءُ سِرْحَانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
له أَيْطَلَا ظبي: أي: خاصِرَتا ظبْي فهو مُضَمَّر.
وساقا نعامة: أي: في الانتصاب والطول بالنسبة إلى الجسد.
وإرخاء سِرْحانٍ: أي: وعدوه كعَدْو الذئب، والإِرْخاء ضرب من عدو الذئب.
وتقريب تَتفل: التَّتْفُل: ولد الثعلب، والتقريب وضع الرجلين موضع اليدين في العدو.
***
(ب) التشبيه البعيد الغريب:
وهو ما يكون الانتقال فيه من المشبّه إلى المشبه به بدقيق النّظر، وإمعان الفكر، ولا يظهر وجهه في بادي الرأي.
وقد نظر البيانيّون نظراتِ تحليلٍ لاكتشاف أسباب كون بعض أمثلة التشبيه وصُوَره من البعيد الغريب، فظهرت لهم طائفة من الأسْبَاب أشاروا إليها دون أن يحصروا كلّ الأسباب بها:
السبب الأول: نُدْرَةُ خُطور المشبَّه بِه في أذهان معظم متذوّقي الأفكار الأدبية، والمهتمِّين باستدعاء الأشباه والنظائر.
سواءٌ أكانت هذه النُّدْرَة خاصّةً بحالة ذكر المشبّه أو حضوره في الذّهن، أو غير خاصّة بها.
فحين تكون المناسبة بين المشبّه والمشبّه به بعيدة، أو يكُونُ وجْهُ الشبه الجامع بينهما أمْراً دقيقاً خفيّاً، تكون نُدْرة خُطُورِ المشبَّهِ في الذهن لبُعْدِ المناسبة أو لخفاء وجه الشَّبَهِ بَيْنَ طرفي التشبيه.
وحين تكونُ نُدْرَةُ خُطُورِ المشبَّه به في الذِّهْن نُدْرَةً عَامَّة غَيْرَ خاصَّةٍ بحالة ذكر المشبه، فإنَّها تكونُ كذلك لواحد من أُمُورِ منها الأمور التالية:
(1)
كون المشبّه به أمراً وهميّاً.
(2)
كون المشبَّه به مُرَكَّباً خياليّاً.
(3)
كون المشبَّه به أمْراً عَقْلِيّاً.
(4)
كون المشبَّهِ به قَلِيلَ التكرُّرِ عَلَى الْحِسّ.
(5)
كَوْنُ وَجْهِ الشَّبَّهِ مشتَمِلاً عَلى تفصيلٍ يُلاحَظُ فيه أكثر من وَصْف، ويقع على وجوه مختلفة يَعْسُرُ ضَبْطُها.
ويظهر من هذه الوجوه وجهان:
الوجه الأول: أنْ يَذْكُر عَاقِدُ التَّشْبِيه بعْضَ أجزاء المشبَّهِ به ويَعْزِلَ بَعْضَها الآخر، كما جاء في قول امرئ القيس:
حَمَلْتُ رُدَينيّاً كَأَنَّ سِنَانَهُ
…
سَنَا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِدُخَانِ
فعَزَل امرؤ القيس الدُّخان عن سَنَا اللهب لأنّه لا يدخل في التشبيه، وأثبت السَّنا وهو الضوء مفرداً.
ونظيره قول الشاعر الآخر:
…
"لَهَا حَدَقٌ لَمْ تَتَّصِلْ بِجُفُونِ"
فذكر الحدق وعزل عنها الجفون.
الوجه الثاني: أنْ يُلاحِظَ عاقِدُ التَّشْبِيهِ أجْزَاءً مُتَعَدِّدة من المشبَّهِ، مُقَابَلَةً بأشباهها من أجزاء المشبَّه به، وكلّما كان التركيب من أمور أكثر كان التشبيه أبْعَدَ وأغرب.
ومثّلوا لهذا الوجه بقول: "أَبِي قَيْسِ بن الأَسْلَت" وقيل هو: لأُحَيْحَة بن الجلاح:
وَقَدْ لَاحَ فِي الصُّبْحِ الثُّرَيَّا كَما تَرَى
…
كَعُنْقُودِ مُلَاّحيَّةٍ حِينَ نَوَّرَا
كعُنْقُودِ مُلَاّحِيَّة: أي: كعُنْقُودِ عِنَبٍ من صِنْفُ "مُلَاحيّة" وهو عِنَبٌ أبيضُ في حبِّهِ طول، والأشْهَرُ في اسم "مُلَاحيّة" تخفيف الّلام.
فقد لاحظ الشاعر التشابه بين أجزاء الثُّريَّا بِعُنْقُودِ مُلاحيَّة حينَ نَوّرَ، أي: وضَحَ بياضُه من نضجه، فَحَبَّاتُ العنب في العنقود تشبهها النجوم في الثُّرَيَّا، وشكل العنقود بوجه عام يُشْبِهُهُ شَكْلُ الثُّرَيَّا، والفواصل بين نجوم الثّرَيَّا تشبه الفواصل الموجودة في العنقود.
أقول: ومن أبْدَع الأمثلة على هذا الوجه وأبلغها قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
وفي غير هذا الموضع تحليلُ هذا النصّ وما فيه من تشبيه بديع ذي عناصر متلاقيَة ملاحظة في المشبّه به معاً.
***
التقسيم الثالث
تقسيم التشبيه باعتبار أحوال طَرفيه (المشبَّه والمشبّه به)
نظر البيانيّون إلى أحوال طرفي التشبيه: (المشبّه والمشبّه به) فظهرت لهم أقسامٌ كثيرة، وهذه الأقسام ناتجة عن احتمالات كون كُلٍّ منهما مفرداً أو مُرَكّباً، واحتمالات كون كلٍّ منهما ممّا يُدْرَكُ بالحواسّ الظاهرة، أو بالوجدان والحواسّ الباطنة، أو بالفكر، فتحصّل لديهم من ذلك أقسامٌ وتشقيقات يحتاج الدارس لإِحصائها وإحصاء أمثلتها وتطبيقها كدّاً ذهنيّاً مُرْهِقاً.
وبعد البحث والتأمُّل لم أَجد في إرهاق ذِهْنِ دارس هَذا العلم، بإحصاء هذه الأقسام وتشقيقاتها، وتطبيق الأمثلة عليها، فائدةً ذاتَ قيمةٍ أدبيَّةٍ بيانيّة، تَنْفَعُ لدى دراسة النصوص الأدبيَّة الرَّفيعة، بغية إبراز جوانب إبداعها، أو تنفع لاكتساب مهارة إبداعيّة في نثر أو شعر، بَلْ رُبما تَصْرِفُ دراستُها ذِهْنَ الباحث عن جوانب الجمال والإِبداع إلى مُهمَّاتِ التحليل المخبري الّذي يهتَمُّ بدراسة عناصر الأشياء وتحليلها تحليلاً ذَرِّيّاً.
من أجل هذا آثَرْتُ الاقتصار على الأقسام الَّتِي يَسْهُلُ على الدارسِ استيعابُها، وقد ينتفع بها ضمن أغراض دراسة علم البيان.
وفيما يلي شرح ما آثرت الاقتصار عليه:
أوّلاً - "التشبيه البسيط والتشبيه المركب".
لاحظ البيانيون تقسيماً ناتجاً عن احتمال كون كلٍّ في التشبيه مفرداً أو مركبّاً فظهر لهم ما يلي:
إنّ تشبيه شيءٍ بشيءٍ قائم على ملاحظة وجود عنصر أو أكثر من عناصر التشابه بينهما، وبهذا ينقسم التشبيه إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه البسيط.
وهو التشبيه المشتمل على التشبيه بمفرد، لأنّ المشبَّه يُشابِه المشبَّه به بوجْهٍ من الوجوه، أو جانب من الجوانب، كتشبيه الجاهل بالأعْمَى، والعالم بالبصير، والْجَهْلِ بالظلمات، والْعِلْمِ بالنّور.
القسم الثاني: التشبيه المركّب، وهو المسمَّى "التمثيل".
وهو التشبيه الذي يكون على شكل لَوْحَةٍ تُصَوِّرُ أكْثر مِنْ مفرد، ووجه الشبه فيه لا يكون مأخوذاً من مفردٍ بعينه، بل يكون مأخوذاً منْه ومن غيره، أو من الصُّورةَ العامّة.
وهذا التشبيه المركب يكون على وجْهَيْن:
الوجه الأول: ما كان على شكل عناصر متلاقية تقابل أمثالَها في المشبَّهِ به، كتشبيه الإِنفاق في سبيل الله بإخلاصٍ، بالزّرع الَّذِي تُزْرَعُ فيه الحبُوبُ في أَرْضٍ طيّبَةٍ مُبَارَكَة، فَتُنْبِتُ الْحَبَّةُ منها سبع سنابل، في كُلّ سنْبُلةٍ مئة حبّة.
هنا نلاحظ أنّ الإِنفاق يشبه عملية الزرع، وتنمية الله له يُشْبه النبت الجيّد، ومضاعفة الأجر تشبه تكاثر السنابل من الحبّة الواحدة، وتكاثُر الحبِّ في كلّ سنبلة.
هذا التشبيه نجده في قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
* ومنه قول أبي فراس الحمداني يصف روضتَيْن مُزَيَّنَتَيْنِ بأنواع الزهور ذات الألوان المختلفة الزاهيَة، ويجري بينهما نَهْر صَافٍ:
وَالْمَاءُ يَفْصِلُ بَيْنَ رَوْضِ الْـ
…
زَّهْرِ في الشَّطَّيْنِ فَصْلا
كَبِسَاطِ وَشْيٍ جَرَّدَتْ
…
أَيْدِي الْقُيُونِ عَلَيْهِ نَصْلاً
فِي الشَّطَّيْن: أي: في جانِبَيْ ماء النهر الجاري.
الْوَشْي: النقْشُ في الثوب وغيره من ألوان مختلفة.
الْقُيُون: جمع "قَيْن" وهو الحدّاد الذي يصنع السيوف ونحوها من الأسلحة.
النصل: حديدة السيف ونحوه من الأسلحة، ومرد الشاعر هنا نصل السيف، لقوله:"جَرَّدَتْ" إذ السيف هو الذي يُجَرَّدُ من غِمْدِه.
إنّ وجه الشبه في هذا التشبيه منتزع من متعدِّدٍ في صورة واحدة، إلَاّ أننا لدى تحليل هذا التشبيه نلاحظ أنّه جاء على شكل عناصر متلاقية تُقابل أمْثَالَها في المشبه به.
فالنهر بين الروضتين يشبه السّيف المجرّد الصقيل المطروح في وسط البساط الموشَّى.
والروضة الواقعة على يمين النهر تشبه قِسْم البساط الواقع على يمين السيف المجرّد.
والروضة الواقعة على يسار النهر تشبه قسم البساط الواقع على يسار السيف المجرّد.
ودلّ تجريد القُيُونِ للسّيف على أنّه سَيْفُ جديد صقيل يتلامع، وهذا يدلُّ
على أنّ ما النهر صافٍ شديد الصفاء، وهذا يدلُّ على أنّه نهر جارٍ من نبعٍ، فليس ماءً راكداً آسناً، وليس ماءَ سيل كدراً.
بهذا التحليل نلاحظ أنّ التشبيه الذي اشتمل عليه هذا القول هو من الْوَجْهِ الأول من وجْهَي التمثيل.
وهذا الوجه هو من روائع تشبيه التمثيل فيما أرى، وأبدع ما جاء منه ما جاء في الأمثال القرآنيّة، التي أوفيتها دراسة في كتاب "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع".
* ومنه قول بشّار بن بُرْد:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤوسِنَا
…
وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه
مُثَارَ النَّقْعِ: أي: مُثَارَ الْغُبَار الَّذِي تَثِيرُهُ حوافر الْخَيْلِ وحَرَكَةُ القتال في الحرب.
تَهَاوَى: أي: تَتَهَاوَى.
فشبَّه صورة الْغُبَار المثار بحركة القتال والذي تتهاوى داخله أسْياف المقاتلين على أعدائهم بصورة لَيْلٍ تتهاوَى على الأرض كواكبه.
ووجه الشبه الجامع بينهما الهيئة الحاصلة من هُوِيَّ أجرامٍ مشرقة مستطيلة مُتَنَاسبة المقدار، ومتفرقة، في جوانب شيءٍ مظلم، وتظهر فيها الحركة التي زادت التمثيل حسناً.
ولدى التحليل نلاحظ أنّ التشبيه المركّب قد جاء في شكل عناصر متلاقية في المشبّه، تقابل أمثالها في المشبّه به، ويتحصّل من ذلك هيئة كلّيّةٌ في صورة.
* ومنه قول أبي طالب الرَّقّي:
وَكَأَنَّ أَجْرَامَ النُّجُوم لَوَامِعاً
…
دُرَرٌ نُثِرْتَ عَلى بِسَاطٍ أَزْرَقٍ
فوجه الشبه هيئةٌ منتزعة من متعدّد، وهي الهيئة الحاصلة من تفرّق أجرامٍ متلألئَةٍ مستدير، صغار المقادير في مرأى العيون، على سطح جسم أزرق صافي الزُّرْقة.
ولدى التحليل نلاحظ أنّ هذا التشبيه المركّب قد جاء على شكل عناصر متلاقية في المشبه، تقابل أمثالها في المشبَّه به، ويتحصّل من ذلك هيئةٌ كليّةٌ في صورة.
* ومنه قول عمرو بن كلثوم:
تَبْنِي سَنَابِكُهَا مِنْ فَوْقِ أرْؤُسِهِمْ
…
سَقْفاً كَواكِبُهُ الْبِيضُ الْمبَاتِيرُ
سَنَابِكُها: أي سَنَابِكُ الخيل. جمع "سُنْبُك" وهو طرف الحافر.
البيض الْمَباتِير: أي: السُّيوف القواطع، يقال: سيف بتّار ومِبْتار.
وجه الشبه هيئة منتزعة من متعدّد، والتشبيه هنا جاء على شكل عناصر متلاقية في المشبّه، تقابل أمثالها في المشبه به، ويتحصّل من ذلك هيئة كليّةٌ في صورة.
***
الوجه الثاني: مَا كَانَ عَلى شَكْلِ وَحْدَةٍ مُرَكَّبَةٍ مُتَداخِلَةٍ تُعْطِي بجملَتِها وجْهَ الشبه، دُونَ مُلاحظةِ التقابل الجزئي بين المشبّه والمشبّه به.
* كالمثل الذي ضربه الله عز وجل لفريق من المنافقين، بقوله في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
تضمَّن هذا التمثيل تشبيهاً لحالة الصنف الأشد من صنفي المنافقين، وهو
الصنف الذي مرَد على النفاق، بعد رُؤيته أضواءَ هداية القرآن، وسماعه إنذارات عذاب الله للكافرين، ولمَّا مَرَد على النفاق ملتزماً الثبات في موقع الكفر، طمَسَ الله بصيرته بقانونه القدريّ الذي اتّخذ هو أسبابه.
شبّه الله عز وجل الصّورة الكليّة لهذا الصنف بصورة من استوقد ناراً في مفازة مظلمة مُوحِشة ضمن ليل دامس، فلمّا أضاءت هذه النار ما حوله من أرض المفازة، ورأى صراطه، وعرف سبيل هدايته، ووجد أنه على غير ما يَهْوَى ويشتهي، اتَّخَذ وسيلةً أبْعَدَ بها عنه شعاع الضوء، رافضاً الاهتداء بالنور، مُتَأَبِّياً أن يسْلُكَ الصراط المستقيم إصراراً على الباطل، ومعاندةً للحق، فوقع عليه قانون ذهاب النُّور الذي تَسَبّب هو في إذهابه، فأمْسَى كالأصَمّ الأبْكمِ الأعمى، غير مُسْتَعِدٍّ لأَنْ يَرْجِع إلى مواطن النور.
هذا تشبيه من قسم "التمثيل" فوجه الشّبه فيه صورة منتزعة من متعدّد، والتشبيه قائم على تمثيل صورة ذات عناصر مختلفة بصورة ذات عناصر مختلفة، والجامع بينهما وجه شبه يمثّل أيضاً صورة منتزعة من عناصر متعدّدة.
* وكالمثل الذي ضربه الله عز وجل لفريق آخر من المنافقين عقب المثل السابق بقوله تعالى في السورة المذكورة:
الصيّب: المطرُ الغزير، أو السحاب الممطر مطراً غزيراً.
هذا تمثيل لفريق آخر من المنافقين لم تنطمس بصيرته انطماساً تامّاً، بل
يتلامع له نور الحقّ أحياناً، فيراه، فيسير فيه قليلاً، ويَسْمَعُ إنْذَارات آيات الله أحياناً، فَيَرْهَبُ، لكنَّه إذا اشتدّت عليه سَدَّ سَمَعَهُ عنها، فيعود إلى حالته الأولى.
هذا الفريق من المنافقين صنف متردد مذبذبٌ حيران، لم يستقِرَّ نهائيّاً في موقع الكفر، ولم يحب أن يختار بحزم موقع الإِيمان والعمل بمقتضاه، فصورة حالته العامّة، تشبه صورة جماعَةٍ في مفازة مُظْلِمة بليلٍ دامسٍ، جَاءَهُمْ سحابٌ مُمْطِرٌ، فأمطر عليهم مطراً غزيراً، فأصابتهم الحيرة يبتغون النجاة، ورافق ذلك رعْدٌ وبرقٌ، فكانوا ضمن هذا الحدَثِ على مفازتِهِمْ في مَطَرٍ غزيرٍ مخيفٍ، وظُلُمَاتٍ مُوحشات، ورعْدٍ يثير الرُّعْب، وبرقٍ يتلامع بالضَّوْء.
فَهُمْ كُلَّمَا تواتَرَ عليهم الرّعْدُ الشديد المخيف القاذف بالصواعق، يجعلون أصابعهم في آذانهم خوفاً من الصواعق أن تأتيهم بالموت، وكلَّما أضاء لهم البرق مَشَوْا فيه على قَدْرِ مَا يكشف لهم ومِيضُه، فخُطُواتُهم على طريق الهدى قليلة بقَدْر الومضات، وكُلَّمَا انْتَهَتْ ومَضَاتُهُ السَّرِيعات الخاطفات تَوَقَّفُوا في مواقِعهم حَيَارَى، لا يدرون كيف يَتَصَرَّفون.
إنَّ أهل هذا الصنف من المنافقين لم يَصِلُوا إلى مرحلة العناد والإصرار على الكفر، كما وصَلَ أهل الصنف الأوّل، بل ما زالت لدَيْهم بقيّةُ خَيْرٍ تَنْزِعُ في داخلهم إلى الاستجابة لدعوة الحق، لكنَّها بقيّة ضعيفة.
لذلك فهم لم يَصِلُوا بَعْدُ إلى حضيض: {صُمٌّ بُكْمٌّ عُمْيٌّ فَهُمْ لَا يَرْجعُونَ} كما وَصَل إليه أهل الصنف الأول، بل هم في مستوى:{وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} لكنّ الله عز وجل حكيم رحيم لا يَطْمِسُ أسماعهم وأبصارهم حتَّى يتخذوا بأنفسهم أسباب ذلك.
هذا التشبيه أيضاً هو من قسم "التمثيل" فوجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدّد، والتشبيه قائم على تمثيل صورة ذات عناصر مختلفة بصورة ذات عناصر
مختلفة، والجامع بينهما وجْهُ شبَهٍ يُمثِّلُ أيضاً صورة منتزعة من عناصر متعددة.
* ومنه قول ابن المعتزّ: والشَّمْسُ كالْمِرْآةِ في كَفِّ الأَشَلّ.
شبّه على طريقة التمثيل الشمس في استدارتها وما يُشاهد من حركة الضياء الذي تبثُّه بمرآة مستديرة يحملها أشَلُّ بكفّه فهي ترتجف تبعاً لحركة كفّه.
فوجه الشَّبه منتزع من متعدِّد العناصر، مع أنّ المشبّه مفرد، وهي الشمس، لكنّ العناصر التي انتزع منها وجه الشبه متعدّدة، يظهر منها اللّون، والاستدارة، وحركة الارتجاف التي يُشَاهد بها النور يرتجف، حتَّى يُرَى الشُّعَاع كأنَّهُ يَهُمُّ بأن يَنْبَسط حتَّى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض.
ومنه قول المهلّبيّ الوزير:
والشَّمْسُ مِنْ مَشْرِقِهَا قَدْ بَدَتْ
…
مُشْرِقَةً لَيْسَ لَهَا حَاجِبُ
كَأَنَّهَا بوْتَقَةٌ أُحْمِيَتْ
…
يَجُولُ فِيهَا ذَهَبٌ ذَائبُ
شبه الشمس ببوتقة الصائغ التي يُذِيب بها الذّهبَ على النار، ووجه الشبه هنا منتزع من متعدّد، إذ هو الهيئة الحاصلة من لون الذهب، وحركته الرجراجة وهو ذائب، واستدارة البوتقة في هيئة مختلطة مركّبة.
* ومنه قول ابن المعتزّ:
وكأنَّ الْبَرْقَ مُصْحَفُ قَارٍ
…
فانْطِبَاقاً مَرَّةً وانْفِتَاحاً
قَارٍ: أي: قارئٍ، حذفت الهمزة فصارت قاري، وبالتنوين حذفت الياء.
في هذا التمثيل تصوير لحركة متعددة الأشكال في صورة جامعة.
***
ثانياً - "كُلُّ من ركني التشبيه إمّا أن يكون مُدْركاً بالحسّ الظاهر أو غير مُدْرَكٍ به":
ولاحظ البيانيون الأقسام النّاتجة عن احتمالات كون المشبّه والمشبّه به ممّا يدركُ بالحسّ الظاهر أولا يُدْركُ به، فظهر لهم ما يلي:
إنّ كلّ معلوم إمّا أن يكونَ شيئاً يُمْكِن إدْراكُه بالْحَواسّ الخمس الظَّاهرة: (السمع والبصر والشَّمّ والذَّوْقِ واللّمس) وإمّا أن يكون معنىً من المعاني يدرك بالفكر كالأفكار، أو شُعوراً يُحسُّ به الوجدان، كالعواطف والانفعالات، وكلّ أنواع الشعور النَّفْسِيّ الباطن.
وبالتأمّل نستطيع أن نتبيَّن أنَّ تمثيل شيءٍ بشيءٍ قد يكون بين مُدْرَكَيْن بالحسّ الظاهر، كمرئيّيْنِ بالعين، وقد يكونُ بين مُدرَكَيْنِ بالحسِّ الباطن كالمدركات الفكريّة والوجدانية، وقد يكون أحدهما مُدرَكاً بالحسّ الظّاهر والآخر مُدركاً بالحسِّ الباطن، وقد تأتي الصورة المدرَكَةُ في طرفي التشبيه أو في أحدهما مختلطة من القسمين.
فالتقسيم العقليّ يُقَدِّم لنا خمسة أقسام:
القسم الأول: تشبيه مُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر بمُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر.
القسم الثاني: تشبيه مُدْرَكٍ فِكْرِي أو وِجداني بمُدْرَكٍ فِكْرِي أو وِجداني.
القسم الثالث: تشبيه مُدْركٍ فِكْرِيّ أو وجْداني بمدْرَكٍ بالحسّ الظاهر.
القسم الرابع: تشبيه مُدْرَكٍ بالحسِّ الظَّاهر بمُدْرَكٍ فِكْريِّ أو وِجْداني.
القسم الخامس: الصورة التمثيلية المختلطة الّتي تمتزج فيها الأشياءُ الْمُدْرَكة بالحسّ الظاهر بالمدركات الفكريّة أو الوجدانيّة.
* فمن أمثلة "القسم الأوّل" تشبيه العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت،
بالنبات الذي يعود إلى الحياة عن طريق بزوره، بعد حصاده الذي يكون به موت حياته الخضراء.
فالصورتان بينهما تماثل، وكلتاهما ممّا يدركُ بالحسّ الظاهر.
* ومن أمثلة "القسم الثاني" تشبيه الخشية من النّاس بالخشية من الله، وتشبيه لذّة الوصول إلى المعرفة بلذّة الظفر بالملك، أو الانتصار على الأعداء.
فكلُّ من المشبه والمشبه به وِجْداني.
* ومن أمثلة "القسم الثالث" تشبيه العلم بالنور، والإِيمان بالبصر، والجهل بالعَمَى، والكفر بالسير في الظلمات، وتشبيه من يتخذ من دون الله أولياء بالعنكبوت التي تنسج لنفسها بيتاً واهياً، وتشبيه من ينقض العهد بالمرأة الحمقاء الّتي نقضت عزلها من بَعْد قُوّةٍ أنكاثاً، وتشبيه إبطال أعمال الذين كفروا بربّهم برمادٍ اشتدَدَّتْ به الريح في يومٍ عاصف فنسفته وبدّدته فلم تدع منه في موقعه شيئاً.
فكلُّ هذه التشبيهات هي من تشبيه مُدْركٍ فكريّ أو وجْدانيٍّ بمدْرَكٍ بالحسّ الظاهر.
* ومن أمثلة "القسم الرابع" تشبيه الأمّ بالمحبّة، وتشبيه القاضي العادل بالعدل، أو بأحكام الشرع، وتشبيه الأعداء بالحقد والكراهية، وتشبيه الانفجارات الناريّة أو البركانيّة بالغيظ العنيف في نفوس المغتاظين.
فكل هذه التشبيهات هي من تشبيه مُدْركٍ بالحس الظاهر بمُدْرَكٍ فكريٍّ أو وِجْدَاني.
* ومن أمثلة "القسم الخامس" تشبيه الحياة الدنيا المنحصرة باللَّعِب واللَّهْوِ والزّينة والتفاخُر والتّكاثر، بغيثٍ من السّماء أعْجَبَ الكُفَّارَ نباتُه، ثُمَّ يهيج فتراه مُصْفَرّاً، ثمّ يأتي حصاده، فيتكسَّرُ ويتحطَّمُ وينتهي.
فالمشبَّهُ وهو الحياة الدنيا فيه أشياءُ مُدْرَكَةٌ بالحسّ الظاهر، وأشياء فكرية، وأشياء نفسيّة وجدانية، وكلُّ هذِهِ الأمور ممتزجة في لوحة متحرّكة بحركة الزّمن، والمشبّه به لوحة صغرى من الحياة الدّنيا نفسها، وفي هذه اللّوحة عناصر: منها غيث السماء، نجم عنه في الأرض نبات بديع، تحرَّكتُ له نفوس الزّراع بالإِعجاب (وهذا أمر وجداني) ثم انتهت دور حياته فاصفر وتكسّر وانتهى.
***
ثالثاً - "كُلُّ من ركني التشبيه إمَّا أن يكون منتزعاً من الواقع أو في الخيال":
لاحظ البيانيون ما ينتج من أقسام عن احتمال كون التشبيه صورةً منتزعة من الواقع أو من الخيال، فظهر لهم ما يلي:
لدى تتبع التشبيهات يتبيّن لنا أن الصورة الواردة في التشبيه:
إمّا أن تكون صورة منتزعة من الواقع.
* وإمّا أن تكون صورة منتزعة من الخيال.
أمثلة:
(أ) من أمثلة الصورة التشبيهيّة المنتزعة من الواقع تشبيه الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، بزارعٍ يزرع بزوره في تراب رقيق مبسوط على صخرة صمّاءَ مَلْسَاء، إذا نزل عليها غيث السّماء سَفحَ التراب والبزور معه، وجرفها السَّيْل، فترك مزرعته حجراً صَلْداً أمْلَسَ لا شيء عليه، فهو لا يطمع بنبات، ولا ينتظر حصاداً.
فالصورة التمثيليّة في هذا التشبيه منتزعة ومقتبسةٌ من الواقع في الأحداث الكونيّة.
ومنها أيضاً تشبيه الذي يُنْفِق مالَهُ ابتغاء مرضاةِ اللَّهِ وتثبيتاً من نفسه لقاعدة
الإِيمان في قلبه ولفضيلة خُلُق الجود عنده، بزارع حصيف عاقل، يزرع حبَّهُ في جنَّةٍ سَمِينَةِ التُّرْبَةِ، بربْوة لا تَجْرِفُها السيول، فنَزَل عليها المطرُ الغزير، فآتت أُكُلَهَا ضِعْفَيْن، فإنْ لَمْ يُصِبْهَا المطَرُ الغزير كفاها الطَلَّ (= المطر الخفيف) لتُعْطِيَ الثمر الطيّب المضاعف.
إنّ الصُّورة التمثيليَّة في هذا التشبيه صورة منتزعة ومقتبسةٌ من الواقع في الأَحداث الكونية.
(ب) ومن أمثلة الصورة التشبيهيَّةِ المنتزعة من الخيال، تشبيه طَلْع شجرة الزَّقوم التي تخرج في أصل الجحيم بصورة رؤوس الشياطين.
إنّ الناس لا يعرفون صورة رؤوس الشياطين، لكن في خيالهم صورة قبيحة منفّرة مخيفة للشياطين ورؤوسهم، وهي أقبح وأخوف صورة يتخيّلونها.
وقد جرى تشبيه طلع شجرة الزقوم في جهنم بأقبح صورة وأخوفها يمكن أن يتخيّلها الناس. إنّ الشياطين أقبحُ وأخبثُ ما في الوجود، والصورةُ التي يَنْسُجُهَا خَيَالُ النّاس لهم هي أقبح وأخبثُ صورة.
فالتمثيل بها تمثيل منتزعٌ من خيال الناس، لا من الواقع، وقد يكون الواقع كذلك، لكنَّ المخاطبين قد خوطِبُوا على مقدار ما في خَيَالِهم.
وفي عرض هذا التشبيه يقول الله عز وجل في سورة (الصافات/ 37 مصحف/ 56 نزول) :
{نُّزُلاً} : النُّزُل: المنزل. والنُّزُل: الرّزق وما يُهَيَّأُ للضَّيْفِ من ضيافة، والجمع الأنزال، وهي المآكل التي يُتَقَوَّتُ بها، وبهذا المعنىَ فُسِّرَتْ كلمة "نُزُلاً" هنا.
{شَجَرَةُ الزقوم} : هي شجرة خبيثة تَنْبُتُ في أصل الجحيم، وقد جاء ذكرها في القرآن في ثلاثة مواضع.
{إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ} : أي: جعلْناها إحدى وسائل تعذيبهم في جهنّم، إذ كلمة "الفتنة" تأتي بمعْنَى العذاب، وأصل الفتنة الصهر بالنار للمعدن، كالذهب والفضة لتمييز الرديء من الجيّد.
***
رابعاً - "تشبيه التسوية وتشبيه الجمع":
ولاحظ البيانيون مَا يَنْتُجُ عن احتمال تعدّد المشبّه مع اتّحاد المشبَّه به، أو تعدُّدِ المشبَّهِ به في حال اتّحاد المشبَّه في العبارة الواحدة، فظهر لهم قسمان:
القسم الأول: تشبيه التسوية.
القسم الثاني: تشبيه الجمع.
تشبيه التسوية:
قد يتفنَّن الأديب فيأتي بأكثر من مفرد على أنّ كلّ واحد مشبّه، ويأتي بمشبَّهٍ به واحد في العبارة الواحدة.
وقد راق للبيانيين هذا الفنّ، فوضعوا له اسم "تشبيه التسوية" ومثَّلُوا به بقول الشاعر:
صُدْغُ الْحَبِيبِ وَحَالِي
…
كِلَاهُمَا كاللَّيَالِي
وَثَغْرُهُ فِي صَفَاءٍ
…
وَأَدْمُعِي كالّلآلِي
تشبيه الجمع:
وقد يتفنَّنُ الأديب فيأتي بمشبَّهٍ واحد، ويأتي بمُشبَّهٍ به متعدّدٍ في العبارة الواحدة.
وقد راق للبيانيين هذا الفنّ، فوضعوا له اسم "تشبيه الجمع" ومثّلوا له بقول البحتري:
بَاتَ نَدِيماً حَتَّى الصَّبَاحْ
…
أَغْيَدُ مَجْدُولُ مَكَانِ الْوِشاحْ
كَأَنَّمَا يَبْسِمُ عَنْ لُؤْلُؤٍ
…
مُنَضَّدٍ أَوْ بَرَدٍ أَوْ أَقَاحْ
الأغْيَدُ: من الناس الناعم الذي يَتَمايل ويتثنَّى في لِينٍ:
مَجْدولُ مَكانِ الوِشَاح: أي: ملفوفُ القامة حَسَنُها، والوِشاحُ نسيج عريضٌ يُرَصَّعُ بالجوهر، تَشُدُّهُ المرأة بين عاتقها وكَشْحَيْها.
مُنْضَّدٌ: مرصوفٌ بتناسُق.
أَقَاح: جمع أُقْحُوانَة، وهي نبت زَهَرُه أصفر أو أبيض، ورقه كأسنان المنشار، تشبّه الأسنان بالأبيض منه.
المشبّه في هذا القول أسنان الأغيد، والمشبّهُ به متعدّد، هو: اللؤْلُؤُ المنضّد، والْبَرَدُ، والأقاح.
* وبقول الصاحب ابن عبّاد في وصْفِ أبياتٍ أهْدِيَتْ إليه:
أتَتْنِيَ بالأَمْسِ أَبْيَاتُهُ
…
تُعَلِّلُ رُوحِي برَوْحِ الْجِنَانِ
كَبَرْدِ الشَّبَابِ وَبَرْدِ الشَّرَابِ
…
وَظِلِّ الأَمَانِ ونَيْلِ الأَمَانِي
وعَهْدِ الصِّبَا وَنَسِيمِ الصَّبَا
…
وَصَفْوِ الدِّنَانِ وَرَجْعِ الْقِيَانِ
المشبّه: الأبيات التي أهديت للصّاحب بن عبّاد.
المشبّه به: ثمانية أشياء جاءت في بيتين.
* ومنه قول امرئ القيس:
كأنّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ
…
وَرِيحَ الْخُزَامَى وَنَشْرَ الْقُطُرْ
يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا
…
إِذَا طَرَّبَ الطَّائِرُ الْمُسْتَحِرُ
الْمُدَام: الخمر.
صَوْبُ الغمام: مطره النافع الذي لا يؤذي.
الْخُزَامَى: نبات ذو رائحة عَطِرة.
ونَشْرَ الْقُطُر: النَّشْرُ: الريح الطيبة. الْقُطُر: الْعُودُ الَّذِي يُتَبَخَّرُ به.
الْمُسْتَحِر: يقال: اسْتَحَرَ الطّائر إذا غرَّدَ في السَّحَر، فهو مُسْتَحِرٌ.
المشبّه: رِيقُ صاحبته التي يصف.
المشبّه به: الْمُدام - وصوبُ الغمام - وريح الخزامى - ونشر العود الذي يُتبخَّرُ به.
وهذا من التشبيه المقلوب الذي سيأتي بيانه.
***
خامساً - "التشبيه الملفوف والتشبيه المفروق":
ولاحظ البيانيون مَا ينتج عن احتمال ضمّ عدّة تشبيهات لكل مشبّهٍ فيها مشبَّه به، في كلام واحد أو متتابع، فظهر لهم قسمان:
القسم الأول: التشبيه الْمَلْفُوف.
القسم الثاني: التشبيه المفروق.
التشبيه الملفوف:
قد يتفَنَّن الأديب فيأتي بأكثر من مشبّه، ويأتي بَعْد ذلك لكلّ واحدٍ بمشبّه به.
وقد راق للبيانيين هذا الفنّ، فوضعوا له اسم "التشبيه الملفوف" ومثَّلُوا له بقول امرئ القيس يصف عُقاباً بكثرة اصطيادها الطيور:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابساً
…
لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ والْحَشَفُ الْبَالِي
فجاء أوّلاً بِمشَبَّهَيْن هما: القلوب الرطبة، والقلوب اليابسة من قلوب الطير. وجاء بعد ذلك لكلّ منهما بمشبَّه بِه منفصل عن الآخر، هما:
الْعُنَّابُ: وهو ثمر أَحْمَر لشجرة تُسَمَّى العناب أيضاً، وقد شبَّه به القلوب الرَّطْبَة.
والحشَفُ البالي: وهو يابسُ التَمْرِ الذي ذهب ماؤه وكُلُّ خير فيه، وقد شَبَّه به القلوب اليابسة من قلوب الطير.
التشبيه المفروق:
وقد يتفنَّنُ الأديب فيأتي بمشبَّه ومَشَبَّهٍ به، ويُتْبعُهُ بمشبَّهٍ وَمُشبَّهٍ به، وقد يزيد في كلام متتابع، دون فواصل. وقد راق للبيانيين هذا الفنّ فوضعوا له اسم"التشبيه المفروق" ومثّلوا له بقول المرقَّش الأكبر:
النَّشْرُ مِسكٌ. والْوُجُوهُ دَنَا
…
نِيرٌ وَأطْرَافُ الأَكُفِّ عَنَمْ
سبق شرح هذا البيت.
ومنه قول المتنبي يصفُ حسناءه:
بَدَتْ قَمَراً ومَالَتْ خُوط بَانٍ
…
وَفَاحَتْ عَنْبراً وَرَنَتْ غَزَالاً
خُوط بانٍ: القضيب، وجمعه خِيطَان.
والبان: شجر سَيْطُ القوام لينٌّ.
سادساً - "التشبيه المقلوب":
ولاحظ البيانيون أنّ عاقد التشبيه قد يحلو له أحياناً أن يجعل المشبَّهَ في كلامه مشبّهاً به، ويجعل المشبّه به مُشَبَّهاً، ليَدُلَّ بصنيعه هذا على أنّ وجود وجْهِ الشّبَه في المشبَّه أقوى وأظهر من وجوده في المشبَّهِ به.
وقد راق للبيانيين هذا الفنّ، فوضعوا له اسم "التشبيه المقلوب".
أمثلة:
(1)
قول البحتري يصف بَرْقَ السحابة بتبسُّم ممدوحه:
كَأَنَّ سَنَاهَا بِالْعَشِيّ لِصُبْحِهَا
…
تَبَسُّمُ عِيسَى حِينَ يَلْفِظُ بِالْوَعْدِ
لقد قلب التشبيه ليُشْعِرَ بأنَّه يرى تبسُّم ممدوحه عيسَى أكثر ضياءً من برق السحابة التي استمرّ يتلامع طَوال اللّيل، فتبسُّمه حين يلْفِظُ بالوعد ينبعث منه سَناً معنويٌّ يسُرُّ القلوب سروراً لا يكون حين يتلامع سنا البرق.
(2)
قول محمد بن وُهَيْبِ الْحِميَريّ (متشبع من شعراء الدولة العباسية - بصريّ الأصل بغداديُّ النشأة) يمدح الخليفة:
وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ
…
وَجْهُ الْخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحُ
قلب التشبيه ليُشْعِر بأنّه يرى وجه الخليفة أكثر إشراقاً وضياءً من غُرَّة الصباح.
(3)
قول الشاعر:
أحِنُّ لَهُمْ وَدُونَهُمُ فَلَاةٌ
…
كَأَنَّ فَسِيحَهَا صَدْرُ الْحَليم
فشبّه اتساع الفلاة بصدر الحليم، على طريقة التشبيه المقلوب.
***
سابعاً - "التشبيه الضمني":
ولاحظ البيانيُّون أنّ عاقد التشبيه قد يَتْرُك الطريقة المعهودة في ذكر المشبَّه والمشبَّهِ به، ويَتّخِذُ طريقة غيْرَ صريحة في التشبيه، وذلك بأن يأتِيَ بكلام مستقلّ مقرون بكلام آخر، وقد اشتمل هذا الكلام الآخر على معنًى يُفْهَمُ مِنْهُ ضمناً تشبيهٌ يناسب الكلام المستقلّ الذي اقترن به.
أمثلة:
(1)
قول المتنبيّ يمْدَحُ الْحُسَيْنَ بْنَ عليّ الْهَمَدَانِي ويَمْدَحُ أَباهُ:
وَأصْبَحَ شِعْرِي مِنْهُمَا فِي مَكَانِهِ
…
وَفي عُنُقِ الْحَسْنَاءِ يُسْتَحْسَنُ الْعِقْدُ
ما جاء في الشطر الثاني ليس تشبيهاً وفق المعروف من عبارات التشبيه، لكنْ يُفْهَمُ مِنْهُ ضِمْناً تشبيهٌ، وهو أنّ شِعْرَه في ممدوحَيْهِ يشبه الْعِقْدَ النفيس في عُنُق المرأة الحسناء.
(2)
قول المتنبي أيضاً يمدَحُ "أبا أيوب أحمد بن عمران":
كَرَمٌ تَبَيَّنَ في كلَامِكَ مَاثِلاً
…
ويَبِينُ عِتْقُ الْخَيْلِ فِي أَصْوَاتِهَا
عِتْقُ الخيل: كَرَمُها وأصالَتُها وتَفَوُّقُها في السَّبْق.
في أصواتها: أي: في صهيلها، أي: إنّ الفرس الكريم إذا صَهَل عُرِف عِتْقُهُ وكَرَمُهُ بصهيله.
ما جاء في الشطر الثاني ليس تشبيهاً وفق المعروف من عبارات التشبيه، لكن يُفْهَمُ منه ضمناً تشبيه، وهو أنّ كرَم ممدوحه يظهر في كلامه، كما يظهر عِتْقُ الخيل في صَهِيلها.
(3)
قول البحتري يَمْدَحُ "مُحَمَّد بْنَ عَلِيٍّ الْقُمّي":
ضَحُوكٌ إلَى الأَبْطَالِ وَهُوَ يَرُوعُهُمْ
…
وللسَّيْفِ حَدٌّ حِينَ يَسْطُو ورَوْنَقُ
يفهم من الشطر الثاني ضمناً تشبيهٌ، وهو أن ممدوح الشّاعر كالسيف له صفتان، يسُرُّ الأبطال بإشراقه وبسماته، ويروعهم بسطوة سلطانه.
(4)
قول أبي العتاهية (هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم كوفي مولداً ونشأة - الولادة والوفاة "130 - 211هـ" معظم شعره مواعظ وحكم) :
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا
…
إنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْري على الْيَبَسِ
الشطر الثاني تضمَّنَ تَشبيها، ولم يأت على نسق التشبيه المعهود من ذكر المشبّه والمشبَّه به.
وإيضاح هذا التشبيه الضمني هو أنّ مَنْ لم يسْلُكْ مسَالِكَ النَّجَاةِ تكون حالهُ مثل حال السَّفينة البحريّة إذا وُضِعَتْ في البرّ على اليابسة، فإنَّها لا تجري.
(5)
قول أبي تمّام:
اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الْحَسُو
…
دِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْ
النَّارُ تأَكُلُ بَعْضهَا
…
إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ
البيت الثاني اشتمل على تشبيهٍ ضمني واضح الدلالة.
(6)
وقول أبي تمّام أيضاً:
لَيْسَ الحِجَابُ بِمُقْصٍ عَنْكَ لي أَمَلاً
…
إِنَّ السَّمَاءَ تُرَجَّى حِينَ تَحْتَجِبُ
الشطر الثاني اشتمل على تشبيه ضمنيّ واضح الدلالة.
(7)
قول المتنبي من قصيدة يرثي فيها والدةَ سيف الدولة ويمدحُهُ فيها:
فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ
…
فَإِنّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ
الشطر الثاني اشتمل على تشبيه ضِمْنِيّ واضح الدّلالة، وقد ساقه مساق حُجَّةٍ يُثْبتُ فيها ما ادّعاه لسيف الدولة، من تفوّق على أنَام زمانه.
(8)
قول أبي تمّام رثاء طفْلَيْن لعَبْد الله بن طاهر:
لَهَفِي عَلَى تِلْكَ الشَّوَاهِدِ مِنهُمَا
…
لَوْ أُمْهِلَتْ حَتَّى تَكُونَ شَمَائِلا
إنَّ الْهِلَالَ إِذَا رَأَيْتَ نُمُوّهُ
…
أَيْقَنْتَ أَنْ سَيَصِيرُ بَدْراً كامِلا
البيت الثاني اشتمل على تشبيه ضِمْنِيّ واضح الدلالة.
***
ثامناً - "التشبيه المكني":
هو تشبيه مُضْمَرٌ لم يُذْكر فيه لفظ المشبّه به، وإنّما ذُكِرَ فيه بعض صفاته، أو بعض خصائصه، أو بعض لوازمه القريبة أو البعيدة كنايةً عنه.
وأصله تشبيه بليغٌ، إلَاّ أنّه بحذف لفظ المشبّه به والكناية عنه بما يدُلُّ عليه من صفاته، أو خصائصه، أو لوازمه، صار أدقّ وأبْلَغ وأكثر بُعْداً عن التعبير المباشر.
وربّما كان أبلغ أيضاً من الاستعارات القريبة، إذا كانت حال المخاطب تقتضي كُلاًّ منهما.
كأن يقول قائل: "ناديتُ خالداً فجاءني بجناح السُّرعة".
فإننا نلاحظ في هذا المثال أنّ القائل يشبّه مجيء خالد أو سُرْعَته التي جاء بها بسرعة طائر يطير بجناحيه، لكنَّه حذفَ المشبّه به الذي لو صرَّح به لكان تعبيره من قبيل التشبيه البليغ كما هو ظاهر.
إذ يكون الكلام كما يلي: فجاءني طائراً سريعاً، أو فجاءني مجيء طائر سريع. ثم حذف المشبّه به ورمز إليه بشيءٍ من صفاته وهو جناحه الذي هو أداة سرعة حُضُوره، فكان التعبير فجاءني بجناح السّرعة.
أي: فجاءني كطائر يطير بالجناح الذي هو أداة سرعته في قطع المسافات.
تَغْنَى بَسَاتِينُهَا الْقُصْوَى بِرُؤْيَتِها
…
عَنِ السَّحَائِبِ مُنْحَلاًّ عَزَالِيها
كَأَنَّهَا حِينَ لَجَّتْ فِي تَدَفُّقِهَا
…
يَدُ الْخَلِيفَةِ لَمّا سَالَ وَادِيها
مَحْفُوفَةٌ بِرِيَاضٍ لَا تَزَالُ تَرَى
…
رِيشَ الطَّوَاوِيِسِ تَحْكِيهِ وَتَحْكِيهَا
هذه الأبيات من شعر البحتري بمثابة عقد منظوم من التشبيهات البديعة، فلا تكاد تجد بيتاً فيها إلَاّ معتمداً على وصْفٍ تشبيهي بديع، يسُرُّ أصحاب الأذواق الأدبيّة.
وما أجدني بحاجة إلى الشرح والتحليل، لوضوح التشبيهات الصريحة والضمنيّة فيها، ويُعِينُ التعليق في الحاشية على فهم ما قد يكون غامضاً منه.
والبحتري وصَّافٌ سَهْلُ العبارة واضح الأسلوب.
(2)
ومن التشبيه الحسن قول القاضي أبي القاسم التَّنُوخِي:
ولَيْلَةِ مُشْتَاقٍ كَأَنَّ نُجُومَهَا
…
قَدِ اغْتَصَبَتْ عَيْنَ الْكَرَى وَهْيَ نُوَّمُ
كَأَنَّ عُيُونَ السَّاهِرِينَ لِطُولِهَا
…
إِذَا شَخَصَتْ لِلأَنْجُمِ الزُّهْرِ أَنْجُمُ
كَأَنَ سَوَادَ اللَّيْلِ والْفَجْرُ ضَاحِكٌ
…
يَلُوحُ ويَخْفَى أَسْوَدٌ يَتَبَسَّمُ
شبه عيون الساهرين في ليلة المشتاق الطويلة بالأنجم إذا شَخَصَتْ لْلأَنْجُم الزُّهْرِ في السماء.
وشبه صورة سواد اللّيل عند بدايات الفجر الذي يظهر ويخفى بإنسان ذي جسم أسود يتبسم.
(3)
ومن التشبيه الضمنّي البديع قول أبي تمَّام:
وَإِذَا أراد اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ
…
طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ
…
مَا كانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ الْعُودِ
عَرْفُ الْعُود: رائحة العود الذي يُتَبخَّرُ به.
(4)
ومن التشبيه الصريح السَّهْلِ القريب ذي الطرافة، قولُ ابن الرومي يصف مُخْلِفاً بمواعيده في العطاء:
يَذَلَ الْوَعْدَ لِلأَخِلَاّءِ سَمْحاً
…
وَأَبَى بَعْدَ ذَاكَ بَذْلَ الْعَطَاءِ
فَغَدَا كالْخِلَافِ يُورِقُ لِلْعَيْـ
…
ـنِ وَيَأْبَى الإِثْمَارَ كُلَّ الإِبَاءِ
الخِلَاف: هو شجر الصَّفْصاف، له ورق، وظلُّ، ولَيس له ثمر.
(5)
ومن التشبيه الذي جاء فيه المشبَّه مفرداً والمشبّه به مُرَكّباً، قول الصنوبري:
وَكأنّ مُحْمَرَّ الشَّقِيـ
…
ـقِ إذا تَصَوَّبَ أَوْ تَصَعَّدْ
أَعْلَامُ يَاقُوتٍ نُشِرْ
…
نَ عَلَى رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدْ
مُحْمَرَّ الشقيق: أي: الشقيق الْمُحْمَرّ، والمراد به شقائق النعمان، وهو وردٌ أحمر في وسطه سواد.
إِذَا تَصَوَّبَ: أي: إذا مال إلى أسْفل.
أو تَصَعَّدَ: أي: أو نَهَضَ إلى الأعْلَى مستقيماً.
شبّهَ شقائق النعمان تُحَرِّكُها الرّياح راكعةً ناهضة بأعلام من ياقوتٍ أحمر نُشِرْنَ على رِمَاحٍ من زبَرْجَدٍ أخضر.
(6)
ومن التشبيه القريب المبتذل الذي رفع قيمته ما أضيف إليه من تتمَّات، قول أبي تمَّام يمدح الحسَنَ بن رجاء:
سَتُصْبِحُ الْعِيسُ بي واللَّيْلُ عِنْدَ فَتىً
…
كَثِيرِ ذِكْرِ الرّضَا فِي سَاعَةِ الْغَضَبِ
صَدَفْتُ عَنْهُ وَلَمْ تَصْدِفْ مَوَاهِبُهُ
…
عَنِّي وَعَاوَدَهُ ظَنِّي فَلَمْ يَخِب
كالْغَيْثِ إنْ جئْتَهُ وَافَاكَ رَيِّقُهُ
…
وَإِنْ تَرَحَّلْتَ عَنْهُ لَجَّ فِي الطَّلَبِ
صَدَفْتُ عَنْهُ: أي: أعْرَضْتُ عنه.
رَيّقُهُ: أفضلُه وأصْفاه.
لَجَّ في الطَّلُب: أي: لازمه وأبَى الانْصِرافَ عَنْه.
تشبيه ذي الجود بالغيث مكرور مبتذل، لكن أبا تمّام أضاف إليه ما رفع قيمة تشبيهه، فجعله داخلاً في درجات المرتبة العليا، بقوله: إنْ جِئتَهُ وافاك رَيّقُه، وإن تَرَحَّلْتَ عَنْهُ لَجَّ في طَلَبِكَ ليمنَحَكَ عطاياه، فهذه فكرةٌ طريفة بديعة، رفعت قيمة التشبيه بالغيث.
(7)
ومن بديع التشبيه وصف ابْنِ الرُّمي عمَلَ خبّازٍ مرَّ به:
مَا أَنْسَ لَا أَنْسَ خَبَّازاً مَرَرْتُ بِهِ
…
يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بالْبَصَرِ
مَا بَيْنَ رُؤْيَتِهَا في كَفِّهِ كُرَةً
…
وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا قَوْرَاءَ كَالْقَمَرِ
إِلَاّ بِمِقْدَارِ مَا تَنْدَاحُ دَائِرَةٌ
…
فِي صَفْحَةِ الْمَاءِ تَرْمِي فِيهِ بالْحَجَرِ
يَدْحُو: أي: يَبْسُط.
وَشْكَ اللَّمْحِ بِالْبَصر: أي: كَسُرْعَةِ اللَّمْحِ بالْبَصَر.
قَوْرَاءَ: أي: واسعةً منبسطةً مستديرة.
تَنْدَاح: أي: تعظم وتكْبُر وتتوسع.
(8)
وقول ابن المعتز يصف غديراً تُشَكِّلُ الرّياح سطحه على شكل درعٍ مُذْهب، إذا كانت الشمسُ مُشْرِقَةً عليه:
غَدِيرٌ تُرَجْرِجُ أَمْوَاجَهُ
…
هَبُوبُ الرِّياحِ وَمَرُّ الصَّبَا
إِذَا الشَّمْسُ مِنْ فَوْقِهِ أَشْرَقَتْ
…
تَوَهَّمْتَهُ جَوْشَناً مُذْهَباً
هَبَوبُ الرّياح: أي: الرِّياحُ الْهَبُوبُ، وهي القويَّة الشديدة.
الصَّبَا: ريحٌ مَهَبُّهَا مِنَ الشَّرْقِ.
جَوْشَناً: أي: دِرْعاً.
(9)
المقطوعة المنسوبة إلى الشاعرة الأندلسيّة: حَمْدَة "أو حَمْدُونة" بنت زياد:
وَقَانَا لَفْحَةَ الرَّمْضَاءِ وَادٍ
…
سَقَاهُ مُضَاعَفُ الْغَيْثِ الْعَميمِ
نَزَلْنَا دَوْحَهُ فَحَنَا عَلَيْنَا
…
حُنُوَّ الْمُرْضِعَاتِ عَلَى الْفَطِيمِ
وَأَرْشَفَنَا عَلَى ظَمَأٍ زُلَالاً
…
ألَذَّ مِنَ الْمُدَامَة لِلنَّدِيمِ
يَرُوعُ حَصَاهُ حَالِيَةَ الْعَذَارَى
…
فَتَلْمَسُ جَانِبَ الْعِقْدِ النَّظيمِ
في هذه المقطوعة من الإِبداع تشبيهُ ظلال الدوح بحنُوّ المرضعات على الطفل الفطيم. ومع أن تشبيه الحصَى بجواهر العقود تشبيه مكرور إلَاّ أنه اقترن هنا بما جعله رائعاً، هو توهُّمُ صباحة العقد من العذارى أن عقدها انقطع نظامه وتساقطت حبّاته في النهر، فهي تضع يدها عليه تتحسَّسُه.
***
"
علم البيان" الفصل الثالث: المجاز
المقدمة
(1)
تعريفات
سبق في المقدمة العامّة لعلم المعاني تعريف كلٍّ من الحقيقة والمجاز في اصطلاح البيانيين.
وإذْ جاء في هذا الفصل بحث المجاز بقسميه فإنّ من المستحسن إعادة ذكر تعريف كلٍّ من الحقيقة والمجاز اصطلاحاً مع إضافة بيان أصل معناهما في اللّغة.
الحقيقة لغةً: الشّيء الثابت يقيناً. وحقيقة الشيء: خالصُهُ وكُنْهُهُ وعناصره الذّاتيّة. وحقيقة الأمر: ما كان من شأنه يقينا. وحقيقةُ الرَّجُلِ: ما يلْزَمُه حفظه والدّفاع عنه، يقالُ: فلانٌ يحمي الحقيقة.
الحقيقة: "فَعِلية" من حقَّت الفكرةُ أو الكلمةُ أو القضيّةُ أو الْمُدْرَكَةُ الذّهنيّة أو نحو ذلك تَحِقُّ حقاً وحُقُوقاً إذا صحّتْ وثبتَتْ وصدقت واستقرت، فهي على هذا بمعنى "فاعله" أي: ثابتة مستقرة صادقة.
الحقيقة اصطلاحاً: اللّفظ المستَعْمَل فيما وُضِع له في اصطلاحٍ به التخاطب.
والمراد من الوضع تَعْيِينُ اللّفظ في أصل الاصطلاح للدّلالة بنفسه على معنىً ما، دون الحاجة إلى قرينة.
المجاز لغة: مصدر فِعْلِ "جَازَ" يقال لغة: جاز المسافر ونحوه الطريق، وجاز به جَوْزاً وجوازاً ومجازاً، إذا سار فيه حتى قطعه.
ويطلق لفظ "المجاز" على المكان الذي اجتازه من سار فيه حتى قطعه.
ويقال: جازَ القولُ، إذا قُبِلَ وَنَفَذ. وكذا يقال: جازَ الْعَقْد وغَيْرُه، إذا نَفَذَ ومضَى على الصحّة.
المجاز اصطلاحاً: اللَّفظ المستعمل في غير مَا وُضِع له في اصطلاحٍ به التخاطب، على وجْهٍ يَصِحُّ ضمْن الأصول الفكرية واللّغويّة العامّة، بقرينة صارفة عن إرادة ما وُضِع له اللّفظ.
فالقرينةُ هي الصارف عن الحقيقة إلى المجاز، إذِ اللّفظ لا يَدُلُّ على المعنى المجازيّ بنفسه دون قرينة.
***
(2)
أقسام الحقيقة والمجاز اللّغوية والشرعية والعرفية
كلُّ من الحقيقة والمجاز ينقسم إلى أربعة أقسامٍ متقابلة:
(1)
الحقيقة اللّغوية، ويقابلُها، المجازُ اللّغوي.
إذا استعمل اللّفظ في مجالات الاستعمالات اللّغوية العامة بمعناه الذي وضع له في اللّغة، كان حقيقة لُغَوية.
وإذا استعمل في هذه المجالات في غير معناه الذي وُضِع له في اللّغة، لعلاقة من علاقات المجاز، كان مجازاً لغويّاً.
أمثلة:
* لفظ "أسد" إذا استعمل في المجالات المذكورة للدّلالة على الحيوان المفترس المعروف فهو حقيقة لغوية.
وإذا استعمل للدلالة به على الرجل الشجاع فهو مجاز لغويّ، وعلاقته المشابهة، فهو من نوع المجاز بالاستعارة.
* لفظ "اليد" إذا استعمل في العضو المعروف من الجسد، فهو حقيقة لغويّة.
وإذا استعمل للدلالة به على الإِنعام، أو على القوة، أو على التسبُّب في أمْرٍ ما، فهو مجاز لغوي، وعلاقتُه غَيْرُ المشابهة، فهو من نوع المجاز المرسل.
لفظ "النَّهْر" إذا اسْتُعمل في الشِّق من الأرض الذي يجري فيه الماء، فهو حقيقة لغويّة.
وإذا استعمل للدلالة به على الماء الجاري فيه، فهو مجاز لغويّ، وعلاقته غير المشابهة، وهي هنا "المحليَّة" فهو من نوع المجاز المرسل.
* وإذا قلنا مثلاً "سَالَ الوادي" فقد أسندنا السيلان إلى الوادي مع أن الوادي لا يسيل، لكن الذي يسيل هو الماء فيه، فهذا إسنادٌ مجازي علاقته المجاورة، وهو من "المجاز العقلي".
(2)
الحقيقة الشرعية، ويقابلها، المجاز الشرعي.
إذا استعمل اللفظ في مجالات استعمال الألفاظ الشرعية بمعناه الاصطلاحيّ الشرعيّ كان حقيقة شرعيّة.
وإذا استعمل للدلالة به على معنىً آخر ولو كان معناه اللغوي الأصلي كان بالنسبة إلى المفهوم الاصطلاحي الشرعيّ مجازاً شرعيّاً.
أمثلة:
* لفظ "الصلاة" إذا اسْتُعْمِل في مجالات الدراسة الشرعية للدلالة به على الركن الثاني من أركان الإِسلام والنوافل الّتي على شاكلته، فهو حقيقة شرعيّة.
وإذا استعمل بمعنى الدعاء الذي هو الحقيقة اللّغوية، كان مجازاً شرعيّاً.
* لفظ "الزّكاة" إذا اسْتُعْمِل في الركن الثالث من أركان الإِسلام في مجالات الدراسة الشرعية، فهو حقيقة شرعيّة.
وإذا استعمل بمعنى النّماء والطهارة فهو مجاز شرعي.
وهكذا إلى سائر المصطلحات الشرعيّة.
(3)
الحقيقة في العرف العام، ويقابلها، المجاز في العرف العام.
يراد بالعرف العامّ ما هو جار على ألسنة الناس في عُرْفٍ عامٍّ على خلاف أصل الوضع اللّغويّ.
إذا اسْتُعْمِل اللّفظ في مجالات العرف العامّ بمعناه الذي جرى عليه هذا العرف كان حقيقة عرفيّة عامّة.
وإذا استعمل للدلالة به على معنىً آخر ولو كان معناه اللّغوي الأصلي، كان بالنسبة إلى هذا العرف مجازاً عرفيّاً عامّاً.
مثل: لفظ "الدّابة" جرى إطلاقه في العرف العامّ على ما يمشي من الحيوانات على أربع، فإطلاق هذا اللّفظ ضمن العرف العام بهذا المعنى حقيقة عرفيّةٌ عامّة.
وإطلاقة ضمن أهل العرف العامّ بمعنىً آخر ولو كان معناه اللّغوي الأصليّ، وهو كلّ ما يدبّ على الأرض من ذي حياة فهو مجاز في العرف العامّ.
وكذلك إذا أطلق على ما يدبّ على الأرض من آلةٍ غير ذات حياة، ومثل هذا الإِطلاق يكون مجازاً في العرف العامّ ومجازاً لغويّاً.
(4)
الحقيقة في العرف الخاصّ، ويقابلها، المجاز في العرف الخاصّ.
يراد بالْعُرف الخاصّ مصطلحات العلوم، إذْ لكلّ علْم مصطلحاتُه من الكلمات اللّغويّة ذات الدّلالات اللّغوية بحسب الأوضاع اللّغوية، وهي قد تخالف ما اصطلح عليه أصحاب العلم الخاصّ.
مثل ألفاظ: "الفاعل - المفعول به - الضمير - الحال - التمييز - البدل - وغيرها" في علم النحو.
ومثل ألفاظ: "الجمع - الطرح - الضرب - التقسيم - ونحوها" في علم الرياضيات.
فإذا استعملت هذه الألفاظ ضمن علومها على وفق مفاهيمها الاصطلاحيّة كانت حقيقة في الْعُرف الخاص.
وإذا استعملت في معاني أخرى ولو كانت معانيها اللّغوية الأصلية كانت مجازاً في العرف الخاص.
***
(3)
تقسيم المجاز إلى مجاز لغوي ومجاز عقلي
ينقسم المجاز في الكلام إلى قسمين:
القسم الأول: المجاز اللّغويّ، وهو الذي يكون التجوّز فيه باستعمال الألفاظ في غير معانيها اللّغوية أو بالحذف منها أو بالزّيادة أو غير ذلك، مثل:
* استعمال لفظة "الأسد" للدلالة على الإِنسان الشجاع.
* واستعمال الشراء والبيع بمعنى أخذ شيءٍ يلزم عنه ترك شيءٍ آخر.
* واستعمال "اليد" بمعنى الإِنعام، أو بمعنى القوة والسلطان.
* واستعمال "الإِصبع" وإرادة الأنملة التي هي جزء من الإِصبع.
* واستعمال عبارة "أراك تقدّم رِجْلاً وَتؤخّر أُخرى" بمعنى: أراك متردّداً.
* ومثل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وزيادة بعض الحروف للتأكيد أو التزيين.
القسم الثاني: المجاز العقلي، وهو المجاز الذي يكون في الإِسناد بين مُسْنَدٍ ومُسْندٍ إليه.
والتجوّز في هذا القسم يكون في حركة الفكر بإسناد معنىً من المعاني مدلولٍ عليه بحقيقة أو مجاز إلى غير الموصوف به في اعتقاد المتكلّم لمُلابَسَةٍ ما تُصَحِّحُ في الذّهن هذا الإِسناد تجوّزاً، بشرط وجود قرينة صارفةٍ عن إرادة كون الإِسناد على وجه الحقيقة، مثل ما يلي:
* إسناد بناء الجسور ودوائر الحكومة ومنشآتها في الدولة إلى ملك البلاد، نظراً إلى كونه الآمِرَ ببنائها.
* وإسناد القيام إلى ليل العابد لربّه، وإسناد الصيام إلى نهاره، مع أنّ الإِسناد الحقيقي يقتضي أن يُسْنَد القيام والصيام إلى شخص العابد.
* وإسناد حُسْن التأليف والتصنيف إلى قلم الكاتب، مع أنّ القلب لا يُحْسِن تأليفاً ولا تصنيفاً، إنّما يُحْسِنُهما الكاتب به البارع.
* وجعل المأكول في الرَّعْيِ الغيثَ النازل من السماء، مع أنّ المأكولَ هو الزرع الذي نبت في الأرض بسبب الغيث.
إلى غير ذلك من أمثلة، وسيأتي إن شاء الله بيان وشرح المجاز العقلي في هذا الفصل.
***
(4)
تقسيم المجاز إلى مجاز في المفرد ومجاز في المركب ومجاز في الإِسناد ومجاز قائم على التوسّع في اللّغة دون ضابط معين
ينقسم المجاز إلى الأقسام الأربعة التالية:
القسم الأول: "المجاز في المفرد" وهو اللّفظ المفرد المستعمل في غير ما وضع له، كالأسد في الرجل الشجاع، وكاليد بمعنى الإِنعام.
القسم الثاني: "المجاز في المركب" وهو اللفظ المركّب المستعمل بهيئته المركبة في غير المعنى الذي وضع له، لعلاقة ما، مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي، مثل:
* أراك تقدّم رجلاً وتؤخّر أخرى، أي: حالك كحال المتردّد.
* أنت تنفخ في رماد، أي: حالُكَ كحال من ينفخ في رماد، في ضياع الجهد.
ومثل:
* استعمال الْجُمَل الخبريّة بمعنى الإِنشاء.
* استعمال الجمل الإِنشائية بمعنى الخبر.
القسم الثالث: "المجاز في الإِسناد" وهو المجاز العقلي الذي يُسْنَد فيه الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في اعتقاد المتكلم، مثل:
* سالَ الوادي، بإسناد السيلان إلى الوادي، مع أنّ الذي سال هو الماء فيه، والعلاقة المجاورة.
القسم الرابع: "المجاز القائم على التوسّع في اللّغة دون ضابط معين" وهو
المجاز الذي يكون التوسُّع اللُغويُّ فيه بوجوه مختلفة لا يجمعها ضابط معين، كالزيادة أو الحذف في بعض الكلام، وكإطلاق الماضي على المستقبل والعكس، مثل:
* حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، نحو: اسأل القرية، أي: اسأل أهل القرية.
* زيادة حروف في ضمن الكلام للتأكيد أو للتزيين، نحو: لفظ "ما" بعد "إذا".
***
(5)
تقسيم المجاز اللّغوي إلى استعارة ومجاز مرسل
ينقسم المجاز اللغوي بالنظر إلى وجود علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، أو بين الاستعمال الأصلي والاستعمال المجازي، أو عدم ملاحظة علاقة ما، بل هو مجرّد توسّع لغوي، إلى قسمين:
القسم الأول: "الاستعارة" وهي المجاز الذي تكون علاقته المشابهة بين المعنى الأصليّ والمعنى المجازي الذي استعمل اللّفظ للدّلالة به عليه.
وهذه الاستعارة تكون في المفرد، وتكون في المركب كما سيأتي إن شاء الله.
القسم الثاني: "المجاز المرسل" وهو نوعان:
* نوعٌ توُجَدُ فيه علاقة غير المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي الذي استعمل اللّفظ للدّلالة به عليه، كاستعمال "اليد" بمعنى النعمة لعلاقة كون اليد هي الوسيلة التي تستعمل عادة في عطاء الإِنعامات، وكإسناد الفعل أو ما في معناه لغير ما هو له.
* ونَوْعٌ لا توجد فيه علاقة فكريَّةٌ ما، وإنّما كان مجرّد توسُّع لغوي، كالمجاز بالحذف دون ملاحظة علاقة فكرية، وكالمجاز بالزيادة، وغير ذلك.
وسُمِّيَ هذا "مجازاً مُرْسَلاً" لكونه مُرْسلاً عن التقييد بعلاقة المشابهة، سواء أكان له علاقة غير المشابهة، أمْ لم تكن له علاقة ما.
***
(6)
فنُّ المجاز ودواعيه وأغراضه
المجاز طريق من طُرُق الإِبداع البيانيّ في كلِّ اللّغات، تدفع إليه الفطرة الإِنسانيّة المزوّدة بالقدرة على البيان، واستخدامِ الحِيَل المختلفة للتعبير عمّا في النفس من معانٍ تُرِيدُ التَّعْبيرَ عنها.
وقد استخدمه الناطق العربيّ في عصوره المختلفة، في حواضره وبواديه استخداماً بارعاً وواسعاً جدّاً، حتَّى بلغت اللّغة العربيّة في مجازاتها مبلغاً مثيراً للإِعجاب بعبقريّة الناطقين بها في العصور الجاهليّة، وفي العصور الإِسلاميّة، وكان لفحول الشعراء، وأساطين البلغاء، من كُتَّابٍ وخطباء، أفانينُ بديعة، عجيبة ومُعْجِبة من المجاز، لا يَتَصَيَّدُها إلَاّ الأذكياء والفطناء، المتمرّسون بأساليب التعبير غير المباشر عن أغراضهم.
وليس المجاز مُجَرَّد تلاعُبٍ بالكلام في قفزاتٍ اعتباطيّة منْ استعمال كلمة أو عبارةٍ موضوعةٍ لمعنىً، إلى استعمال الكلمة أو العبارة بمعنى كلمة أو عبارةٍ أخرى موضوعة لمعنىً آخر، ووضع هذه بدل هذه للدّلالة بها على معنَى اللّفظ المتروكِ المستَبْدَلِ به اللفظ الآخر.
بل المجازُ حركاتٌ ذهنيّة تَصِلُ بين المعاني، وتعقِدُ بينها روابطَ وعلاقاتٍ فكريّةً تسمح للمعبّر الذكِيّ اللّمّاح بأن يستخدم العبارة الّتي تدلُّ في اصطلاح التخاطب على معنىً من المعاني ليُدلَّ بها على معنىً آخر، يمكن أن يفهمه المتلَقِّي بالقرينة اللفظيّة أو الحاليّة، أو الفكريّة البحت.
* إنّه مثلاً قد يلاحظ انقطاع الصلة بين فئة من الناس وفئة أخرى، أو قومٍ وقوم آخرين، لعداوة قائمة بينهما، ويرى إصْرار كلٍّ من الفريقين على موقفه العدائي، ومجافاة الفريق الآخر، وعدم التلاقي به أو التعامل معه، فَيَلْمَحُ أنّ هذا الأمر بين الفريقين يشبه جبَلَيْنِ يفصل بينهما وادٍ سحيق ليس له قرار، ويلْمَح أنّ إقامة الصِّلاتِ بينهما متعذّرٌ أو متعسّر جدّاً ما دام هذا الفاصل السحيق بينهما، فيخطرُ له ان يتخذ وسطاء مقبولين، من كلٍّ من الفريقين، ليقوم هؤلاء الوسطاء بنقل المصالح والحاجات بينهما.
ويَلْمح أن هؤلاء الوسطاء سيكونون بمثابة الجسور التي تُبْنَى فوق الوادي، ويكون أحد طرفيها على هذا الجبل، والطرف الآخر على الجبل الآخر، وعندئذٍ لا يحتاج المجتازُ أن يَعْبُرَ الوادي السحيق المتعذّر العبور أو العسير جدّاً.
حيت تكتمل لديه الصورة على الوجه الذي سبق تفصيله يختصر في التعبير فيقول: "نقيم بين الفريقين المتعادِيَيْن جُسُورَ التواصل".
إنّه يستخدم كلمة "جسور" استخداماً مجازيّاً، يدركه المتلقّي بالتفكّر، لأنّ الفئات المتخاصمة المتجافية لا تُقام بينها جسورٌ مادّيّة، بل يقوم الوسطاء بينها بحلّ كثير من المشكلات بينها.
وتدلُّ كلمة "جسور" على صورة ذات عناصر كثيرة، وكلُّ من هذه العناصر ذو دلالة خاصة، وأبعادٍ فكريَّة متشعبة.
ولا يصعُبُ على من يَعْتَاد مثلَ هذه التعبيرات أن يُدْرِكَ أنَّ صاحب العبارة قد شَبَّه حالة الفريقين المتجافيين بحال مُرْتَفِعَيْنِ من الأرض بينهما فاصلٌ يتعذّر أو يعْسُر جدّاً اجتيازه إلَاّ بمجازٍ يُقَامُ بينهما، وهو الجسْرُ الذي يمتَدُّ فوق الوادي، ويكون أحد طرفيه على هذا المرتَفع، والطرف الآخر على المرتَفع الآخر.
* ويتكرّر مثلاً على ألسنة الناس استعمال عبارات: "أهل البلد - أهل القرية - أهل المدينة - أهل الدار" في جُمَل لا يَصْلُح فيها إلَاّ إرادة الأهل.
ثم يلاحظون أنَّه لا داعيَ لذكر كلمة "أهل" في هذه العبارات وأمثالها، لأنَّ المتلَقِّي لا يختلط عليه الأمر، فيختصرون في العبارة فيقولن مثلاً:
"اسأل قرية كذا - أطْعِمْ هذه الدار - عاقب المدينة الظالمة - كرّم البلد الآمن" على تقدير مضاف محذوف هو كلمة "أهل".
فيتجوَّزون في التعبير بداعي الاختصار والإِيجاز في الكلام، مع ملاحظة معاني بلاغية أخرى، كالإِشعار بأنّ كلَّ أهل المدينة يستحقُّون المعاقبة، وكلّ أهل البلد الآمن يستحقّون التكريم.
وهكذا يحمل المجاز في العبارة من المعاني الممتدة الواسعة، ومن الإِبداع الفني ذي الجمال الْمُعْجِب، ما لا يؤدّيه البيان الكلامي إذا اسْتُعْمِل على وجه الحقيقة في كثيرٍ من الأحيان.
مع ما في المجاز من اختصارٍ في العبارة وإيجاز، وإمتاعٍ للأذهان، وإرضاءٍ للنفوس ذوات الأذواق الرفيعة الّتي تتحسَّن مواطن الجمال البياني فَتَتَأَثَّرُ به تَأثُّرَ إعجاب واستحسان.
ودواعي المجاز وأغراضه يمكن ذكر أهمها فيما يلي:
أولاً: أنّ المجاز في الكلام هو من أساليب التعبير غير المباشر، الذي يكون في معظم الأحيان أوقع في النُّفوس وأكثر تأثيراً من التعبير المباشر.
ثانياً: يشتمل المجاز غالباً على مبالغة في التعبير لا تُوجد في الحقيقة، والمبالغة ذات دواعي بَلاغيّة متعدّدة، منها:"التأكيد - التوضيح - الإِمتاع بالجمال - الترغيب عن طريق التزيين والتحسين - التنفير عن طريق التشويه والتقبيح -"إلى غير ذلك.
ثالثاً: يُتِيحُ استخدام المجاز فرصاً كثيرة لابتكار صورة جمالية بيانيّة لا يُتِيحُهَا استعمال الحقيقة، فمعظم أمثلة التصوير الفني الرائع مشحونةٌ بالمجاز.
رابعاً: استخدام المجاز يُمَكِّنُ المتكلّم من بالغ الإِيجاز مع الوفاء بالمراد ووفرة إضافيّة من المعاني والصّور البديعة.
خامساً: المجاز بالاستعارة أبلغ من التشبيه، فما سبق بيانه في دواعي التشبيه وأغراضه موجود في الاستعارة مع أمور أخرى لا تُوجَدُ في التشبيه.
سادساً: المجاز المرسل أبلغ من استعمال الحقيقة في كثير من الأحيان إذا كان حالُ مُتَلَقِّي البيان ممّن يلائمهم استخدام المجاز، ويشدُّ انتباههم لتدبُّرِ المضمون وفهمه.
إلى غير ذلك من دواعي وأغراض تتفتّق عنها أذهان أذكياء البلغاء.
***
المقولة الأولى: الاستعارة
(1)
تعريفات
الاستعارة في اللّغة: طلبُ شيءٍ ما للانتفاع به زمناً ما دون مقابل، على أن يَرُدَّه المستعير إلى الْمُعِير عند انتهاء المدّة الممنوحة له، أو عند الطلب.
الاستعارة في اصطلاح البيانيين: استعمال لفظٍ ما في غير ما وُضِع له في اصطلاحٍ به التخاطب، لعلاقة المشابهة، مع قرينة صارفةٍ عن إرادة المعنى الموضوع له في اصطلاحٍ به التخاطب.
وهي من قبيل المجاز في الاستعمال اللّغوي للكلام، وأصلُها تشبيهٌ حُذِفَ منه المشَبّه وأداةُ التشبه ووجْهُ الشَّبَه، ولم يبق منه إلَاّ ما يدلُّ على المشبّه به، بأسلوب استعارة اللفظ الدالّ على المشبَّه به، أو استعارة بعض مشتقّاته، أوْ بعض لوازمه، واستعمالها في الكلام بدلاً عن ذكر لفظ المشبَّه، مُلَاحَظاً في هذا الاستعمال ادّعاءُ أنَّ المشبَّه داخل في جنس أو نوع أو صِنْف المشبّه به، بسبب مشاركته له في الصفة الّتي هي وجه الشَّبَهِ بينهما، في رؤية صاحب التعبير.
وأركان الاستعارة على هذا أربعة:
(1)
اللفظ المستعار.
(2)
المعنى المستعار منه، وهو المشبّه به.
(3)
المعنى المستعار له، وهو المشبّه.
(4)
القرينة الصارفة عن إرادة ما وُضِع له اللّفظ في اصطلاحٍ به التخاطب.
والقرينة دليلٌ من المقال، أو من الحال، أو عقليٌّ صرْف.
ولم يذكر البيانيّون هذا الركن وقد رأيت إضافته لأنّه إذا فقدت القرينة لم تصحّ الاستعارة.
وقد تطلق كلمة "الاستعارة" على اللّفظ المستعْمَلِ في غير ما وُضِع له في اصطلاح به التخاطب لعلاقة المشابهة.
مثل: انطلق أسَدُ الكتيبةِ الخضراء، يصرع فُرْسَانَ الأعداء، أفراداً وأزواجاً.
جاء في هذا المثال استعمال كلمة "أسد" في غير معناها الحقيقي على سبيل الاستعارة.
هذا الاستعمال يسمَّى "استعارة" بمقتضى المعنى الأول الذي جاء في التعريف.
ولفظ "أسد" في هذا الاستعمال قد يُطْلق عليه أيضاً في الاصطلاح "استعارة" بمقتضى المعنى الثاني.
ومن لطائف التعبيرات قولُهُمْ في الاستعارة: تزوَّج المجاز التشبيه فتولّد منهما الاستعارة.
فالاستعارة مجازٌ علاقته المشابهة.
الفرق بين الاستعارة والتشبيه:
قالوا في التفريق بين الاستعارة والتشبيه أنّه يشترط في الاستعارة تناسي التشبيه، وادّعاءُ أنَّ المشبَّه فردٌ من أفراد المشبّه به، ولا يُجْمَعُ فيها بين المشبَّه والمشبَّه به على وجه يُنْبئ عن التشبيه، ولا يُذْكَرُ فيها وجه الشَّبه، ولا أداة التشبيه لا لفظاً ولا تقديراً.
ومن الجمع بين المشبَّه والمشبَّه به على وجْهٍ يُنْبِئ عن التشبيه ما يلي:
(1)
أن يكون المشبّه به خبراً عن المشبَّه، مثل: وجْهُها قمر، وشعرُها ليل، وقدّها غُصْنُ بان، وعيناها عَيْنا ظبية.
ومثل الخبر ما كان في حكمه، كخبر "كان" وأَخواتها، و"إنّ" وأخواتها، وكالمفعول الثاني في فعل "ظنَّ" وأخواته.
(2)
أن يكون المشبّه به حالاً صَاحِبُها المشبّه، مثل قول الشاعر أبي القاسم الزاهي يصف حسناوات:
سَفَرْنَ بُدوراً. وانْتَقَبْنَ أَهْلَّةً
…
ومِسْنَ غُصُوناً. والْتَفَتْنَ جآذراً
جآذر: جمع جُؤْذُر، وهو ولد البقرة الوحشية.
(3)
أن يكون المشبه به صفة للمشبّه، مثل قولي صانعاً مثلاً:
لَا يَفْلِقُ الْهَامَ في سَاحِ الْقِتَالِ إذَا
…
تَلَاحَمَ الْبَأْسُ إلَاّ الْفَارِسُ الأَسَدُ
(4)
أنْ يكون المشبَّه به مضَافاً إلى المشَّبَه، مثل قول الشاعر:
والرّيحُ تَعْبَثُ بِالْغُصُونِ وقد جَرَى
…
ذَهَبُ الأَصِيلِ على لُجَيْنِ الْمَاءِ
أي: وقد جرَى شُعاع الأصيل الذي يُشْبِه الذهب، على الماء الذي يشبه اللّجين، وهي الفضة.
(5)
أن يكون المشبّه به مصدراً مُبَيِّناً للنوع مثل قول الله عز وجل في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) :
أي: وهي تَمْرُّ كَمَرِّ السّحاب.
(6)
أن يكون المشبَّه بِهِ مُبَيَّناً بالمشبّه، وهذا البيان قَدْ يكون بياناً صريحاً، أو بياناً ضمنيّاً، مثل قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) بشأن ما يحلّ ليلة الصيّام:
{وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل} [الآية: 187] .
فقد جاء بيان الخيط الأبيض بالفجر بياناً صريحاً، وفي ضمنه جاء بيان الخيط الأسود باللّيل بياناً ضمنيّاً.
والمعنى: حتَّى يتبيّن لكم أوّلُ النهار الذي يُشْبه الخيط الأبيض عند الفجر، من آخر اللّيل الذي يشبه الخيط الأسود.
ومثل قول الشاعر:
فما زِلْتُ فِي لَيْلَيْنِ شَعْرٍ وظُلْمَةٍ
…
وشَمْسَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَوَجْهِ حَبِيبٍ
فقد جاء بيانُ اللّيْلَيْنِ بياناً صَريحاً بكون أحدهما شَعْرَ من يحبّ والآخر ظلمة اللَّيل. وبيانُ الشمسين بأنّ أحدهما الخمر والآخر وجه من يُحبّ.
أي: الشَّعر الذي يشبه اللّيل، والخمر الّتي تشبه الشمس، ووجه الحبيب الذي يشبه الشمس أيضاً.
***
(2)
هل الاستعارة مجاز لغوي أم مجاز عقلي؟
رأى جمهور البيانيين أنّ الاستعارة مجاز لغوي، وقيل: هي مجاز عقلي، بمعنى أنّ الاستعارة تعتمد على أمر عقليّ، لا لغويّ، واستدلّ القائلون بأنّ الاستعارة مجاز عقلي بما يلي:
(1)
أنّ اللّفظ المستعار وهو المشبَّه به للدلالة به على غير معناه الموضوع له في اصطلاح به التخاطب، وهو المشبَّه، لا يُطْلَقُ عليه إلَاّ بعد ادّعاء دخوله في جنس المشبَّه به، أو نوْعه، أو صِنْفِه، فيكون إطلاقُ لفظ المشبّه به على المشبَّه، حاصلاً على وجه الحقيقة لا على وجه المجاز، لأَنّ الادّعاء أدخلَ المشبَّهَ ضِمْنَ أفراد المشبَّه به.
(2)
ليست الاستعارة مجرّد إطلاق اللّفظ على غير ما وضع له في اصطلاحٍ به التخاطب، فهذا أمْرٌ لَا بلاغة فيه، بدليل الأعلام المنقولة، لكنّ العمل العقليّ هو الذي أعطى الاستعارة بلاغتها.
أقول: كلُّ المجازات اللّغوية سواء أكانت من قبيل الاستعارة أم المجاز المرسل، ليست مجرّد حركة آليّة لغويّة يتمّ بها استعمال اللفظ في غير ما وضِع له في اصطلاح به التخاطب.
بل لا بدّ في المجاز من عمل فكري أو شعور نفسّي يُصَحِّحُ في تصوُّرِ المتكلّم استخدامَ اللّفظ في غير ما وُضع له.
* فحين نتلو قول الله عز وجل: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ من الصوَّاعِقِ حَذَرَ الْمَوْت} [البقرة: 19] فإنّنا لا نشعر بأنّ لفظ الأصابع وُضِع بدل الأنامل وضعاً اعتباطيّاً في هذا المجاز المرسل، وليس مجرَّدَ حركة آليّة لُغَوِيّة، بل هو قائم على ملاحظة فكريّة، وهي أنّ الذين يحذرون الموت من الصّواعق ذواتِ الأصوات العظيمة
القاتلة، تندفع أيديهم إلى سَدِّ آذانهم بأصابعهم، فلو تمكنوا من إدخال كلّ أصابعهم فيها لفعلوا، فالعبارة تدلُّ على تَوَجُّهِ إرادتهم وما في أنفهسم من مشاعر، فكان هذا الإِطلاق المجازي، مع أنَّ الذي يضعونه في آذانهم هو رؤوس أناملهم.
* وحين يقول قائل معبّراً عن العطاء الذي هو أثر رحمة المعطي الموجودة في نفسه ووجدانه:
"أعطاني حتى ملأ بيتي من رَحْمَتِه" أي: من الرزق الذي هو أثر رحمته، فإنّه لا يَسْتَعْمِلُ كلمة الرحمة استعمالاً آليَّاً للدّلالة بها على ما ناله من رزقٍ أصابه، وإنّما يُعبِّر عن شعوره بأنّ جزءاً من رحمة المعطي انطلق من نفسه فتَجسَّد بصورة رزق مَلأَ بيْته.
هذا مجاز مرسل من إطلاق السَّبَب وإرادة المسبَّب، والعملُ الفكري والشعور النفسيّ هو المقتضي لهذا الإِطلاق، ولا خلاف في أنه مجاز لغوي.
* وحين يأتي التعبير عن تداعي الجدار إلى السقوط بأنّه يُريدُ أن يَنْقَضّ، فإنّ الأمر ليس مُجرَّدَ عمَلٍ آليٍّ تُوضَعُ فيه الإِرادة مكان ظاهرة التداعي، بل هو تعبيرٌ عمّا يَشْعُر به المشاهد له، من أنّه بمثابة شَيْخٍ هرِمٍ جدّاً انْحَنَى ظهْرُه، وليس بيده عصاً تسنده، وقد تعِبَ جدّاً من الوقوف فهو يريد أن ينقضّ بسرعةٍ انقضاضَ الطائر ليرتاح جسمه على الأرض، فهذا مجاز مرسل، والعمل الفكري والتصوّر الذهني هو المتقضي له.
كذلك حال الاستعارة فهي ليست مجرّد نَقْلٍ آليّ للفظ المشبَّهِ به، وإطلاقِه على المشبَّه، بل لا بُدَّ بها من عَمَلٍ فكريّ أو شعورٍ نفسّي يُصَحِّحُ في تصوّر المتكلّم هذا الإِطلاق.
والذين تَصَوَّروا أنّ الاستعارة هي من قبيل المجاز العقلي لهذا المعنى كان عليهم أن يَجْعَلُوا كُلَّ صُوَر المجاز اللغويّ من قبيل المجاز العقلي.
والتحقيق أنَّ المجاز العقلي لا يكون فيه نقْلٌ في استعمال الألفاظ، بل هو عمل فكري أو شعور نفسي بَحْتٌ، بخلاف المجاز اللّغوي فإنّ فيه هذا النّقل مع العمل الفكري أو الشعور النفسيّ.
وبهذا ظهر الفرق بين المجاز العقليّ والمجاز اللّغوي، وكان ما ذهب إليه جمهور البيانيّين هو الرأي الأجدر بالاعتبار.
***
(3)
تقسيم الاستعارة إلى استعارة في المفرد واستعارة في المركب
تنقسم الاستعارة انقساماً أوليّاً إلى قسمين:
القسم الأول: الاستعارة في اللّفظ المفرد، وهي التي يكون المستَعارُ فيها لفظاً مفرداً، مثل:
(1)
لفظ: "اللّيث" في نحو جملة: "أقْبَلَ اللَّيْثُ مُدَجَّجاً بلأَمَةِ الحرْبِ فاخترق جيْشَ العدوّ".
أي: أقبل الفارس الشجاع الذي هو كاللّيث.
لأْمةُ الحرب: لباسُ الحرب وأدواته.
(2)
لفظ: "البدور" في نحو جملة: "بزَغَتِ البُدُور فوق شَفَقِ النُّحُور والصُّدُور".
أي: أقبلت الحسناوات اللّواتي وجوهُهُنّ كالْبُدُور.
القسم الثاني: الاستعارة في اللّفظ المركّب، وهي الّتي يكون اللَّفْظُ المستعار فيها كلاماً مركباً من عدّة ألفاظ مفردة، مثل:
(1)
"لكلِّ جوادٍ كبْوَة - ولِكُلِّ صَارِمٍ نَبْوَة".
هذان مُرَكّبَان من عدّة ألفاظ، يستعاران لمن يخطئ أحياناً، وليس من شأنه ولا من عادته أن يخطئ.
(2)
"أَعْطِ الْقَوْسَ بارِيها".
هذا لفظ مركّب يستعار للدلالة به على أنه ينبغي إسناد العمل إلى من يُحْسِنُه ويُتْقِنُه لسابق خبرته به.
ويُطلَقُ على هذا القسم الثاني عبارات: "استعارة تمثيليّة - استعارة على سبيل التمثيل - تمثيل على سبيل الاستعارة - تمثيل" والإِطلاق الأوّل أحسنها، أمّا الأخير فيَشْتَبِهُ بالتمثيل الذي سبق بيانه في التشبيه، فالأولى اجتنابه.
وسيأتي إن شاء الله شرح القسم الثاني بعد استيفاء الكلام على تقسيمات القسم الأوّل.
***
وبعد هذه المقدمة يأتي المبحثان المعقودان للاستعارة، وهما:
المبحث الأول: الاستعارة في المفرد.
المبحث الثاني: الاستعارة في المركّب.
***
المبحَثْ الأوَّل
الاستعارة في المفرد
(أ)
تقسيمات الاستعارة في المفرد
تنقسم الاستعارة في المفرد إلى تقسيمات متعدّدات باعتبارات مختلفات، وفيما يلي تفصيلٌ وبيانٌ للمهمّ منها:
التقسيم الأوّل
تقسيم الاستعارة في المفرد إلى أصليّة وتبعيّة
رأى البيانيون تقسيم الاستعارة في المفرد إلى قسمين:
القسم الأول: الاستعارة الأصليّة، وهي التي يكون اللّفظ المستعار فيها اسماً جامداً، مثل:"أسد - بدر - شمس - ظبي" ونحوها.
القسم الثاني: الاستعارة التبعيّة، وهي التي يكون اللفظ المستعار فيها فِعْلاً، مثل: أشْرَقَ - يُشْرِقُ - أَشْرِقْ" أو اسماً مشتقاً، مثل: "جَارِح - مَجْروح - جَرِيح - مَقْتَلَة - مَحْرقة -" أو حرفاً من حروف المعاني، مثل: "اللام الجارّة - مِنْ - في - لن -".
لقد رأى البيانيّون أنَّ التشبيه الذي هو أصل الاستعارة وعلاقتها يكون أوّلاً في الأسماء الجامدة، ومنها المصادر.
وبعد التشبيه الذي يكون في المصدر يُشْتَقُّ من المصدر الفعل الماضي، أو المضارع، أو الأمر، ثم يُشْتَقُّ اسم الفاعل، أو اسم المفعول، أو الصفة المشبّهة، أو اسم الزمان، أو اسم المكان، أو نحو ذلك.
* وبناءً على هذا التصوّر اعتبروا استعارة الأفعال والمشتقات من الأسماء إنّما كانت تبعاً للاستعارة في المصادر، وأجْرَوا الاستعارات فيها على هذا الأساس.
فإذا قال المتشكِّي من نوائب الدهر: "عَضَّنَا الدّهْرُ بِنَابِه" بمعنى أوقع بنا المصائب، قالوا:
شَبَّه وقع المصائب بالعضّ الذي هو مصدر فعل "عَضّ" بجامع الإِيلام في كلٍّ من المشبَّه والمشبَّهِ به، ثمّ استعار كلمة "العضّ" للعمل المؤلم الذي تُحْدِثُه النوائب، ثمّ اشتَقَّ من "العضّ" الذي هو مصدرٌ فِعْلَ "عَضَّ" فكان هذا الاشتقاق أمراً تابعاً للاستعارة في الاسم الجامد الذي هو المصدر.
فَسَمَّوا كُلَّ ما كان من هذا القبيل استعارةً تبعيّة.
* وكذلك رأوا في استعارة الحرف للدلالة به على معنى حرف آخر.
مثل: استعارة حرف "في" الجار الذي يدلُّ على الظّرْفية للدلالة به على معنى حرف "على" الذي يُدلُّ على الاستعلاء.
ورأوا أنّ أصل هذه الاستعارة تشبيه العلوّ المثبّت بالشَّيْءِ تثبيتاً قويّاً بالشيء الدّاخل في شيءٍ آخر دخولاً انْدِمَاجيّاً، أو دخولاً ظرفيّاً، واسْتُعِير لهذا المعنى اسْمٌ يدلُّ على هذا الدخول، ثمّ استغني عنه بحرف الجرّ "في" الذي يدلُّ على الظرفية،
استعارة تابعةً للاستعارة في الاسم الجامد، لأنّ معاني الحروف تابعةٌ لمعاني الأسماء.
وتُلاحَظُ هذه الاستعارة فيما حكى الله عز وجل في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) عن قول فرعون لِسَحَرته متوعّداً لهم بعد أن آمَنُوا بِرَبّ موسى وهارون:
لقد رأى البيانيّون في عبارة: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} استعارةَ حرف الجرّ "في" للدلالة به على معنى حرف الجرّ "على".
ورأوا أنّ علاقة هذه الاستعارة تشبيه العلوّ المثبّت في الجذوع بدخول شيءٍ في شيءٍ آخر، لأنّ تثبيتهم في الجذوع قد يكون بمسامير تدخل فيها، ولمّا كان حرف "في" يفيد هذا المعنى فقد حَسُنَت استعارته على طريقة الإستعارة التبعيّة، باعتبار أنّ معاني الحروف تابعة للمعاني في الأسماء.
مع أنّ مثل هذا المثال ليس من اللَاّزِم أن يكون وارداً على سبيل الاستعارة في الحرف، بل الأقرب أن يكون الكلامُ جَارياً على طريقة التَّضْمِين، وهو هنا تضمين فعل:{لأُصَلّبنكم} معنى فعل آخر يتعدّى بحرف الجرّ "في" فعُدِّي تعديته، وأصل الكلام: لأصلبنكم عَلَى جذوع النَّخْل ولأُثَبّتَنَّكُمْ فيها بالْمَسَامِير التي تَدْخُل في الجذوع، فَنَابَتِ التعدية بحرف الجرّ "في" مناب ذكر الفعل الذي حُذِف، وَضُمِّنَ الْفِعْلُ المذكُورُ معناه.
مع هذه المعترضة المتعلقة بهذا المثال أقول:
لَا نجد متكلّماً فصيحاً بليغاً أديباً يُلَاحِظُ هذه التبعيَّة، لا في الأفعال ولا في المشتقات من الأسماء، ولا في الحروف.
إنَّما تَنْقدح في ذهنه صورةُ التشابه بين مَعْنَى فعلٍ ومَعْنَى فعلٍ آخر، أو بين معنى اسم مشتقٍّ ومعنى اسم مشتق آخر، أو بين معنىً يُدَلُّ عليه بحرف ومعنىً يُدَلُّ عليه بحرف آخر، فَيَسْتَعِيرُ الفعل أو الاسم المشتَقَّ أو الحرفَ، ولا تَخْطُر بباله سلسلة الإِجراءات التحليليّة التي ذكرها البيانيون.
فما الداعي لاعتبار الاستعارة في الأفعال، والاستعارة في الأسماء المشتقَّةِ، والاستعارة في الحروف إنْ وُجدت، استعارة تبعيّة، مع إمكان أن نقول فيها جميعاً:
استعارَ المتكلّم الفعلَ للدلالة به على معنى فِعْلٍ آخر، بجامع التشابه بين الفعلَيْنِ في حَدَثهما وفي زمانِهما، وكذلك يقال في استعارة الأسماء المشتقة، واستعارة الحروف إن وُجدت؟!.
وعلى هذا نقول في مثال قَوْلِ المتشكّي من نوائب الدهر: "عَضَّنَا الدَّهْرُ بنابِهِ".
إنّ ما تُحْدِثه النَّوائب من أعمال مُؤْلِمَةٍ قد يُعَبَّرُ عَنْها بفِعْلٍ أو أفعال مختلفة، مثل:"أتْلَفَتِ النوائبُ بَعْضَ زرعه - وأهلَكَتْ بعض ماشيته - ومسَّتْ بعض أهله وحاجاته بسُوءٍ - فتألم لذلك" يُمْكن أن يُسْتَعْمِلَ بَدَلَها فعل: "عَضَّ" على سبيل الاستعارة، إذْ تُشَبَّهُ هذه الأفعال الدّالّة على الحدث والزّمن، بفعل "عضّ" بجامع الحَدثِ المؤلم المقرون بِزَمَنٍ في كلٍّ من المشبَّهِ والمشبَّه به.
ويُسْتَعَارُ هذا الفعل "عَضَّ" للدّلالة به على ما أحدثَتْهُ أفعال النوائب في أزمانها الماضية.
وتطبيق هذا التحليل على المشتقّاتِ من الأسماء المستعارة لغير معانيها الأصليّة أيْسَرُ وأوضَحُ.
وبناءً على هذا البيان أقول:
لا داعي لإِطالة الطريق على الدارس لنصوص الاستعارة بإجراءات تحليليّة لا لُزُومَ لها، وما أحْسِبُ شيئاً منها يَخْطُرُ في ذهن شاعر أو ناثر يصوغ كلاماً يضمّنُه استعاراتٍ في الأفعال أو في الأسماء أو في الحروف.
فالرأيُ الذي انتهيتُ إليه: أنْ نَصْرف النظر في بحوث الاستعارة عن تقسيمها إلى أصليّة وتبعيّة.
وحسبنا في كلِّ ذلك أن نقول: استعارةُ كلمة بدل كلمة، سواءٌ أكانت اسماً أمْ فعلاً أمْ حرفاً.
***
تقسيم الاستعارة في المفرد إلى تصريحيّة ومكنيّة
نظر البيانيون في الاستعارات الواردات في المفرد فرأوا أنّ اللّفظ المستعار فيها للدلالة به على غير ما وُضع له في اصطلاحٍ به التخاطب، قدْ يُؤْتَى به صريحاً بذاته، وقد يُطْوَى فلا يؤتَى به بلفظه، ولكن يُكنَّى عنه بذكر شيءٍ من صفاته أو لوازمه القريبة أو البعيدة، فظهر لهم أن يُقَسِّمُوا الاستعارة إلى قسمين:
القسم الأول: سمّوه "الاستعارة التصريحية" وهي الّتي يُصَرَّحُ فيها بذات اللّفظ المستعار، الذي هو في الأصل المشبّه به حين كان الكلام تشبيهاً، قبل أن تُحْذَف أركانه باستثناء المشبَّهِ به، أو بعض صفاته أو خصائصه، أو بعض لوازمه الذهنيّة القريبة أو البعيدة، مثل:
(1)
وقف الغضنفر على المنبر، وارتجل خُطْبَتَهُ العصماء، على عِلْيَةِ القوم والدّهماء، فبشّر وأنذر، وأطمع وحذّر، وقال: أنا أميركم المبعوث إليكم بالرحمة والسيف، والفضل والعدل، فمن أطاع واستقام، أصاب من الإِنعام والإِكرام، ومن عصى والْتَوى، فبنار إثْمِهِ احْتَرَقَ أو اكتوى.
إنّ كلمة "الغضنفر" التي هي بمعنى "الأسد" قد استعيرت بذاتها من الحيوان المفترس، وأُطْلِقَتْ على الأمير المبعوث لقومٍ أهل شقاق وخلاف.
فهي في هذا المثال استعارة تصريحيّة، إذْ جاء فيها التصريح بذات اللّفظ المستعار.
(2)
قول الحريري:
سَأَلْتُهَا حِينَ زَارَتْ نَضْوَ بُرْقُعِهَا الْقَانِي وإِيدَاعَ سَمْعِي أَطْيَبَ الْخَبَرِ
فَزَحْزَتْ شَفَقاً غَشَّى سَنَا قَمَرٍ
…
وسَاقَطَتْ لُؤْلُؤاً مِنْ خَاتَمٍ عَطِرِ
نَضْوَ بُرْقُعِهَا: أي: إزَالَتَهُ وإلْقاءَه، والْبُرقُع قناع تُغَطّي به المرأة وجهها، يقال: نضا الشيءَ إذا نزعَهُ وألقاه.
والمعنى سألتها أنْ تُزِيل القناع عن وجهها.
القاني: أي: الأحمر.
أطلق الحريري: كلمة "شَفَقاً" وأراد الْبُرْقُعَ، على سبيل الاستعارة التصريحيّه. وأطلقَ كلمة "قَمَر" وأراد وجْهَ حسنائه. وأطلَقَ كلمة "لُؤْلؤاً" وأراد كلامَها، وأطلق كلمة "خَاتم" وأراد فَمَها، كلُّ هذا على سبيل الاستعارة التصريحيّة، إذ جاء في هذه الإِطلاقات التصريح بذوات الألفاظ المستعارة.
القسم الثاني: سمّوه "الاستعارة المكنيّة".
وهي التي لم يُصَرَّح فيها باللّفظ المستعار، وإنما ذُكِرَ فيها شيءٌ من صفاته أو خصائصه أو لوازمه القريبة أو البعيدة، كنايةً به عن اللّفظ المستعار، مثل:
(1)
أن نقول من المثال الأول من مثالي الاستعارة التصريحيّة: "وقف ذو اللّبدة الأغبر - أو وقف أو الأشبال - أو وقف صاحب الزئير - أو وقف الذي تأكل السباع بقايا فريسته" أو نحو هذه العبارات.
فذو اللّبدة صفة للأسد. ومثلها أبو الأشبال، وصاحب الزئير، ونحن باستعمال هذه العبارات نُكَنّي عن اللّفظ المستعار، وهو الغضنفر، أو الأسد.
وأصل هذا المجاز تَشْبِيهٌ حُذِفتْ كلُّ أركانه باستثناء بعض صفات المشبّه به، فهو استعارة مَكْنيّة.
(2)
زُرْنا نقتبس عِلْمَ ذي فضْلٍ يأتي اللّيلُ إذا غاب، ويذهب اللّيلُ إذا حضر.
أي نقتبس عِلْماً من الشَمْس، فالشمس من لوازم غيابها مجيءُ اللّيل، ومن لوازم حضورها ذهابُ اللّيل.
فلفظ الشمس مستعارٌ من الكوكب المضيء للدّلالة به على الإِنسان الممدوح، والأصل في هذا تَشْبِيهُهُ بالشمس، لكن حُذِف اللّفظ المستعارُ ورُمِزَ إليه ببعض لوازمه كنايةً عنه.
وأصل هذا المجاز تَشْبِيهٌ حذفت كلّ أركانه باستثناء بعض لوازم المشبَّه به، فهو استعارة مكنيَّة.
وقد تلْتَبِسُ هذِه الاستعارة المكنيّة بالتشبيه المكنّي الّذي سبَقَ أنْ فَرَزْتُه بقِسْمٍ خاصٍّ عن التَّشْبيه البليغ، وذكرتُ طائفةً من أمثلته.
والفرقُ بينهما أنّ التشبيه المكنيّ يأتي فيه المشبَّهُ ضمن العبارة بلفظه الصريح، أو بما يُكنَّى به عنه، من جهة، ويأتي فيه المشبّه به بلفظ الصريح أو بما يُكنَّى به عنه، من جهة ثانية، على وجه يُنْبِئ عن التشبيه.
بخلاف الاستعارة إذْ لا يَجْتَمعُ فيها المشبَّه بلفظه الصريح أو بما يُكنَّى به عنه، مع المشبَّه به بلفظه الصريح أو بما يُكنَّى به عنه، على وجه يُنْبِئ عن التشبيه، وبهذا يصير الكلام مجازاً بالاستعارة، وإلَاّ فلا مجاز والكلام جارٍ وفق أسلوب التشبيه الْمُضْمَر الذي يُوجَدُ في العبارة ما يدلُّ عليه، ومعلوم أنّ عبارات التشبيه هي من الحقيقة ولا مِنَ المجاز.
وبسبب هذا الالْتِبَاس تختلط الأمثلة على كثير من الباحثين والكاتبين في علم البيان، فيجعلون ما هو من التشبيه المضمر الذي هو تشبيه مكنّي ضمن أمثلة الاستعارة المكنيّة، مع أنّ المشبَّه فيها مذكورٌ بلفظه الصريح أو بما يُكْنَّى به عنه، وقاعدة البيانيين أن لا يجتمعا اجتماعاً يُنْبئُ عن التشبيه.
وهذه دقيقة ينبغي للباحث أن يتَنَبَّه إليها.
رأي السكّاكي:
مع أنّ للسكّاكيّ نظرات ثاقبات في علوم البلاغة لكنّه فيما أرى أسرف هنا في التخيُّل وتعسّف، فعكس القضيّة، واعتبر التشبيه المضمر الذي هو من التشبيه المكنيّ على ما ظهر لي استعارةً تخييليّة، إذْ رأى أنّ لفظ "المشبّه" هو الذي استعمل في المشبّه به، بادّعاء أن المشبَّه هو عين "المشبه به" لا غيرُهُ بقرينة ذكر لازم المشبّه به.
ففي قول الْهُذَلي:
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا
…
أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ
رأى أنَّ كلمة "الْمَنَيَّة" وهي الموت مُسْتَعارَةٌ للدّلالة بها على الحيوان المفترس "السبع" فلمّا صَارتِ المنيّةُ في تَصَوُّر الشاعر عين السَّبع الذي هو في الأصل مشبَّه به تخيّلَ أنّ للمنيّة أظفاراً تَنْشَب، فقال: أَنْشَبَتِ المنيَّةُ أظفارها، وصاغَها شعراً فقال: وإذا المنيّةُ انشبت أظفارها، وسمّى هذا العمل "استعارة تخييليّة".
ومع أنَّ هذِه النظرة من السّكّاكي نظرةٌ بَدِيعَة وجميلة، إلَاّ أنها اعتمدت على تحليل متعسّف قلّما يخطر في ذهن أصحاب الكلام أنفسهم حين تجري ألسنتهم أو أقلامهم بمثل هذا الكلام.
والطريق الأَقربُ الذي يفهمه أصحاب الكلام أنفسهم هو أن يكون الكلام من قبيل التشبيه البليغ الذي يُذْكَرْ فيه المشبَّهُ به بلفظه، إنّما ذُكِرَ بَدَلَهُ مَا يَدُلُّ عليه من صفاته أو خصائصه أو لوازمه.
وأصل الكلام في عبارة "الْهُذَلِيّ" المنيةُ سَبُعٌ يُنْشِبُ أَظْفَارَه، فإذا أقلبتِ المنيّة لم تنفع التمائم.
هذا تشبيه بَلِيغٌ، لكنّه حذف لفظ المشَبَّه به، وهو كلمة "سَبُع" واكتفى بذكر أداة افتراسه، وهي أنْ يُنْشِبَ أظفارَه، واسند هذا الإِنشاب إلى المنيَّة بَدلَ أن يُسْنِدَ
لفظ السَّبعِ إِليها، واقتضى هذا الإِسناد مقتضيات لفظيّة نحويّة، فجاء بتاء التأنيث وضمير المؤنث، مراعاة للفظ "المنيّة".
وبهذا نكون قد أخذنا بالأظهر الذي لا تعقيد فيه ولا إبعاد، والتزمنا بقاعدة البيانيين بشأن الاستعارة، التي ذكروا لزوم عدم اجتماع المشبّه والمشبّه به فيها، أو ما يُكَنَّى به عنهما، على وجه يُنْبِئ عن التشبيه.
أمثلة للاستعارة بقسميها التصريحيّة والمكنيّة:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (إبراهيم/ 14 مصحف/ 72 نزول) خطاباً لرسوله صلى الله عليه وسلم:
في هذه الآية استعارتان تصريحيتان:
الأولى: استعارة كلمة "الظلمات" للدَّلالة بها على الكُفْرِ والجهل بعناصر القاعدة الإِيمانيّة، والجهل بمفاهيم الإِسلام وشرائعه وأحكامه ومنهاج الله للنّاسِ.
وأصلها تشبيه الجهل بهذه الأمور الجليلة الهادية للعقول والقلوب بالظلمات.
الثانية: استعارة كلمة النور للدلالة بها على الإِيمان والعلم بعناصر القاعدة الإِيمانية، وبمفاهيم الإِسلام وشرائعه وأحكامه ومنهاج الله للناس.
وأصلها تشبيه الإِيمان بعد العلم بهذه الأمور الجليلة الهادية للعقول والقلوب بالنور.
والقرائن الفكرية واللّفظيّة تدلُّ على المراد من الكلمتَيْن، فكلُّ منهما مستعمل في غير ما وُضع له في اصطلاح به التخاطب، وعلاقته المشابهة، ولم
يُذْكر في اللّفظ وجه الشَّبه ولا أداة التشبيه ولا لفظ المشبّه، فالاستعمال جارٍ على طريقة الاستعارة التصريحيّة.
ونظائر هاتين الاستعارتين مكرّرة جدّاً في القرآن المجيد، حتّى صارتا بمثابة الحقيقة الشرعيّة.
(2)
قول الله عز وجل في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول) :
يرجون تجارة: أي: يتوقَّعون أَرْباح تجارة عظيمة.
التجارة: هي أعمال البيع والشراء بممارسة وامتهان.
لن تَبُور: أي: لن تكْسَدَ، ولن تتعطّل، ولن تَخْسَر أو تَهْلِك.
جاء في هذه الآية استعمال لفظ "تجارة" مع وصفها بعدم البوار، على سبيل الاستعارة التصريحية.
والمراد أنّ التعامل مع الله عز وجل بأعمال العبادات والقُرُبَات، التي منها تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، وإنفاق الأموال في سبيل الله سرّاً وعلانيَة تعاملٌ يجني منه العبْدُ خيراً عظيماً.
وأصلها تشبيه ما يقدّمه المؤمنون من أعمال صالحة حَسَنَةٍ، يبتغون بها رضوان الله وثوابه العظيم بما يُقَدِّمُه التاجر في تجارته من سلعَة، مترقّباً من وراء ذلك ربحاً عظيماً.
فتعامل العبد مع ربّه بالأعمال الصالحة تُشْبِه التجارة الرابحة دواماً. إذْ هُو تَعَامُلٌ مضمون الرّبح، مأمون الخسارة، فهو بمثابة التجارة التي لنْ تكسد ولن تخسر ولن تضيع.
(3)
قول المتنبيّ من قصيدة يمدح بها "محمّد بْنَ سيَّار بْنِ مُكْرم التميمي، فيصف مسيره إليه، واستقبال ابْن سيّار له:
سَرَى السَّيْفُ مِمَّا تَطْبَعُ الْهِنْدُ صَاحِبِي
…
إلَى السَّيْفِ مِمَّا يَطْبَعُ اللَّهُ لَا الْهِنْدُ
فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلاً هَزَّ نَفْسَهُ
…
إِلَيَّ حُسَامٌ كُلُّ صَفْحٍ لَه حَدُّ
فَلَمْ أَرَ قَبْلِي مَنْ مَشَى الْبَحْرُ نَحْوَهُ
…
وَلَا رَجُلاً قَامَتْ تُعَانِقُهُ الأُسْدُ
في هذه الأبيات عدّة استعارت تصريحية.
يقول في البيت الأول: سَرَى السّيْفُ ممَّا تَطْبَعُ الْهِنْدُ صَاحِبي، أي: حالة كونه صاحباً لي. فأخَذَ المتنبّي من حَدَثِ سُراهُ هو حاملاً سيفه الذي هو من صُنْع الهند، لقطةً تصويريَّةً عَبَّرَ فيها أنَّ سَيْفَهُ هُو الّذِي سَرَى إلى شبيهه الممدوح مصاحباً له، فَأَسْنَدَ السُّرَى إلى السيف على طريقة المجاز العقلي "وهو هنا إسناد الفعل إلى غير ما هو له لعلاقة المصاحبة" توطئة للاستعارة التصريحيَّة التي أطلق فيها لفظة "السيف" على ممدوحه ابْنِ سيّار، فقال:"إِلَى السَّيف" ودلَّ على أنه أراد "ابْنَ سيّار" قوله: "ممّا يَطْبَعُ اللَّهُ لَا الهنْدُ".
وتابع يبني كلامه على اعتبار ممدوحه سيفاً، فقال: فَلَمَّا رَآنِيِ مُقْبلاً هَزَّ نَفْسَهُ إِلَيّ" فوصف حركة نهوضه وإقباله للاحتفاء بالمتنبّي بالسيف حين يهتزّ، فأطلق كلمة "هزَّ" على سبيل الاستعارة أيضاً بمعنى: تحرَّك يتلامع بإشراقه مقبلاً إلى زائره.
وتابع تأكيد أنه سيف توطئة لوصفه بأنّه ذو حدّين، إذا نظرت إلى أحد صَفْحَيْهِ رأيْتَ حدّاً، وإذا أدرتَهُ إلى الصَّفح الآخر وجَدْت حدّاً ثانياً، فقال:"حُسَامٌ كُلُّ صَفْحٍ لَهُ حَدُّ".
الصَّفْحُ: من السّيْف والْوَجْهِ عُرْضُه، ويجمع على صِفَاح وأصْفَاح.
وبعد هذا أطلق على ممدوحه "ابْن سيّار" على سبيل الاستعارة التصريحيَّة
كلمة "الْبَحْر" إشارة إلى جوده، وكلمة "الأُسْدُ" إشارةً إلى شدّة شجاعته إذْ جعله كمجموعة أسود في شخصٍ واحد فقال:
فَلَمْ أَرَ قَبْلِي مَنْ مَشَى الْبَحْرُ نَحْوَهُ
…
وَلَا رَجُلاً قَامَتْ تُعَانِقُهُ الأُسْدُ
(4)
قول "دِعْبِل الخُزَاعي" شاعر هجّاء، ولد بالكوفة وأقام ببغداد وتوفي عام "226هـ":
لَا تَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ
…
ضَحِكَ الْمَشِيبُ برَأْسِهِ فَبَكَى
يَا سَلْمُ: أي: يا سَلْمَى، مُسْتَثْنَى مُرخّم.
شبَّه "دِعْبِل" حَدَثَ ظهورِ الشيب في رأْسِه بِحَدَثِ ظُهُورِ الأَسْنَانِ الضّواحِكِ في الفمّ، ودلَّ على هذا الحدث بشيءٍ من خصائصه وهو حُدُوث الضَّحك. واستعمل فعل "ضَحِكَ" للدّلَالة على مُراده على سبيل الاستعارة المكنيَّة.
(5)
قول السَّرِيّ الرَّفاء يَصِفُ شِعْر نفسِه:
إِذَا مَا صَافَحَ الأْسْمَاعَ يَوْماً
…
تَبَسَّمَتِ الضَّمائِرُ والْقُلُوبُ
شبّه سمَاعَ أبياتِ شِعْرِه بقادمٍ زائرٍ خفيف الظل محبوب يزور الأسماع، وحذف المشبّه به ورمز إليه بشيء من صفات قدومه زائراً، وهي المصافحة، وأطْلَقَ فِعْل "صَافَحَ" على طريقة الاستعارة المكنيّة.
وشبّه الضمائر والقلوب بذي فَم يَتَبَسَّم حين سروره بأمر ما لكنه حذف المشبّه به ورمز إليه ببعض صفاته وهو التبسُّم، واستعمل فعل "تَبَسَّمَ" للدّلالة به على سرور الضّمائر والقلوب حين تستقبل عن طريق الأسماع شِعْرَه، على طريقة الاستعارة التصريحيّة.
(6)
قول البحتريّ يَصِفُ قصراً:
مَلأَتْ جَوَانِبُهُ الْفَضَاءَ وَعَانَقَتْ
…
شُرُفَاتُهُ قِطَعَ السَّحَابِ الْمُمْطِرِ
شُرُفَاتُ البناء: ما يُبْنَى في أعلاه للزّينة، مفردها شُرْفَة.
شبّه "البحتريُّ" دخول شرُفَاتِ القصر الذي وصفه في السحاب التي تموج، بِحَالَة تلاقي حَبيبَيْنِ في عناق.
واستعار لهذا الدخول كلمة "عَانَقَ" على سبيل الاستعارة التصريحيّة الجاريَةِ في الفعل.
(7)
قول الحماسي يصف سُرعة إقبال ممْدوحِيه لدفع الشرّ عن أنْفُسهم:
قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى ناجِذَيه لهم
…
طَارُوا إِلَيْه زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا
الناجذُ: الضرس، والجمعَ نواجذ.
زَرَافات: أي: جماعات، الزّرافَة: هي الجماعة من الناس هنا، وتُطْلَق الزرافة على الحيوان المعروف.
شبّه الشَّرَّ بحيوان مفترس، وحذف المشبّه به، وكنّى عنه بذكر "نَاجِذَيْه" لأنّ النواجذ أداةُ الْعَضّ، وهذا تشبيه مكني. وشبّه فعل إسراعهم إلى دَفْعِهِ وقمعه بفعل الطيران، واستعمل فعل "طَارَ" فقال:"طاروا إليه" أي: أسرعوا إليه إسراع طير يطير بجناحَيْهِ، على طريقة الاستعارة التصريحيّة.
(8)
قول الوأواء الدمشقي يصف حسناء تبكي:
وَأَسْبَلَتْ لُؤْلُؤاً مِنْ نَرْجِسٍ فَسَقَتْ
…
وَرْداً وَعَضَّتْ عَلَى الْعُنَّابِ بِالْبَرَدِ
أطْلَقَ على سبيل الاستعارة التصريحيّة اللّؤلؤ على الدَّمْع، والنّرجسَ على العيون العسليّة، والوردَ على الخدود، والْعنَّابَ على الأنامل، والْبَرَدَ على الأسنان.
(9)
قول المتنبّي يصف دخول رسول الروم على سيف الدولة:
وَأَقْبَلَ يَمْشِيِ في الْبِسَاطِ فَمَا دَرَى
…
إِلَى الْبَحْرِ يَسْعَى أَمْ إِلى الْبَدْرِ يَرْتَقِي
أطلق المتنبّي في هذا البيت على سيف الدولة أنّه البحر، وأنّه البدر على سبيل الاستعارة التصريحية إذ صُرّح فيها بلفظ المشبّه به.
والقرائن الحافّة من الحال ومن المقال دالّة على المراد، وأنّه لم يقصد البحر الحقيقي، ولا البدر الحقيقي.
***
تقسيم الاستعارة إلى مطلقة ومُرَشَّحة ومجرَّدة
تنقسم الاستعارة بالنظر إلى اقترانها بما يلائم المستعار منه "وهو المشبه به" أو المستعار له "وهو المشبّه" أو عدم اقترانها بشيءٍ من ذلك إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: "الاستعارة الْمُطْلَقة".
وهي الاستعارة التي لم تقترن عِبَارَتُها بأوصاف أو تفريعات أو كلامٍ مما يُلائم المستعارَ منه، أو يلائم المستعارَ له، باستثناء القرينة الصارفة عن إرادة المعنى الأصلي للّفظ المستعار.
مثل: "قطع وزير الداخليّة رأس الحيَّة الكبرى" بمعنى أنّه قطع رأس رئيس حزب الشرّ والفساد، إذا كانت قرينة الحال دالّة على المراد.
فالحيّةُ لفظ مستعار للدلالة به على رئيس حزب الشرّ والفساد، ويُلاحظ أنّ العبارة لم تقترن بما يلائم لفظ الحيّة، ولا بما يُلائم رئيس حزب الشرّ والفساد.
هذه الاستعارة استعارة تصريحيّة مطلقة.
فإذا قلنا فيها: "قطع وزير الداخليّة رأس الناهشة ذات السُّمّ القاتل" كانت استعارة مكنيّةً مطلقة، إذْ لم يصرّح فيها باللّفظ الدالّ على المستعار منه صراحة، وإنما جاء فيها استعمال ما يدلّ على بعض صفاته وبعض خصائصه.
القسم الثاني: "الاستعارة المرشحة".
وهي الاستعارة التي اقترنت بما يلائم المستعار منه.
وسمّيت مُرَشَّحة لأنّ ما اقترن بها يعطيها زيادة تقوية للمستعار منه بزيادة أَغْطِيَةٍ تحتاج زيادة عمل ذهني لكشف إرادة المعنى المجازي الّذي اسْتُعْمِل اللَّفْظ للدلالة عليه.
الترشيح في اللّغة: التربيةُ والتنمية، فهي تفيد تقوية الشيء وتمكينه.
مثل أن نقول في المثال السابق:
"قطع وزير الداخليّة رأسَ الحيّة الكبرى التي باضَتْ وفرّخت صغار الحيّات والثعابين وسعت تنهش وتنفثُ سُمَّها".
هذه العبارة اقترنت الاستعارة فيها بما يلائم المستعار منه، إذ الحيّة الحقيقيّة هي التي تبيض وتفرّخ وتنهش وتنفث سُمَّها.
فالاستعارة في هذا المثال استعارة تصريحيّة مُرَشَّحة.
ويمكن أن نبدّل فيها كما فعلنا في الاستعارة المطلقة فتكون مكنيّة مرشحة.
القسم الثالث: "الاستعارة المجرّدة".
وهي الاستعارة التي اقترنت بما يلائم المستعار له.
وسمّيت مجرّدة لأنّ المقارنات الملائمات للمستعار له تُجَرِّدُ الاستعارة من أغطيتها الساترة، فيظهر المعنى المجازيّ المراد دون تأمُّلٍ فكريّ.
كأن نقول في المثال السابق:
"قطع وزير الداخليّة رأس الحيّة الكبرى الّتي حزَّبت أشرار الناس، وأرادت الفتنة، وسعت في إفساد الأفكار والنفوس".
هذه العبارة اقترنت بما يلائم المستعار له الذي هو رئيس حزب الشرّ والفساد.
فالاستعارة في هذا المثال استعارة تصريحيّة مجرّدة.
ويمكن أن نبدّل فيها كما فعلنا في الاستعارة المطلقة فتكون مكنيّة مجرّدة.
وإذا اجتمع في العبارة المشتملة على الاستعارة الترشيح والتجريد معاً، كانت الاستعارة بحكم الاستعارة المطلقة.
وأبلغ هذه الأقسام الاستعارة المرشحة، فالمطلقة وما كان بحكمها، وتأتي المجرّدة في المرتبة الأخيرة، لأنّ التجريد، يُدْنِي الاستعارة من التشبيه، فيُضْعِفُ ادّعاء الاتحاد، بخلاف الترشيح، والإِطلاق فالترشيح يقوّي ادّعاء الاتّحاد بين المشبّه والمشبّه به، والإِطلاق يبدأ به.
أمثلة للمرشحة وللمُجَرَّدة:
(1)
قول بشّار بن بُرْد:
أتَتْنِي الشَّمْسُ زَائِرَةً
…
وَلَمْ تَكُ تَبْرَحُ الْفَلكا
فجاء بالشطر الثاني ترشيحاً للاستعارة، إذ استعار لفظ الشَّمْسِ لزائرتِه من النساء، فهي استعارة تصريحيّة مرشحة.
(2)
قول المتنبيّ يَمْدَحُ بني أوْس:
أَمَّا بَنُو أَوْس بْنِ مَعْنِ بْنِ الرِّضَا
…
فَأعَزُّ مَنْ تُحْدَى إِلَيْهِ الأَنْيُقُ
كَبَّرْتُ حَوْل دِيَارِهِمْ لَمَّا بَدَتْ
…
مِنْهَا الشَّمُوسُ ولَيْسَ فِيَها الْمَشْرِقُ
وعَجِبْتُ مِنْ أَرْضٍ سَحَابُ أكُفِّهِمْ
…
مِنْ فَوْقِهَا وصُخُورُها لَا تُورِقُ
استعار لرجال بني أوس كلمة "الشموس" وجاء بِما يُرَشِّح إرادة الشموس من الكواكب، بتعجبه الذي جعله يُكَبِّر إذ طلعت من منازلهم الواقعة في جهة المغرب، فالمشرق ليس فيها.
واستعار لجودهم السخيّ لفظ السّحاب، وجاء بما يرشّح المستعار منه، إذ تعجب من أن صُخور أرضهم لا تُورقُ، مع أنّ سحاب أكفّهم من فوقها تَهْمي مطراً.
(3)
قول كُثَيِّر عزّة بشأن معشوقته:
رَمَتْنِي بِسَهْمٍ رِيشُهُ الكُحْلُ لَمْ يَضِرْ
…
ظَواهِرَ جِلْدِي وهو لِلْقَلْبَ جَارْحُ
استعار كُثَيّر عزّة لنظرتها الجميلة النافذة إلى القلب كلمة "سَهْم" وبعد استعارته جاء بترشيخ وتجريد.
فجعل للسهم ريشاً، وهذا مما يلائم المستعار منه، وهو ترشيح، وأبان أنّ هذا الريش هو من الكُحْل وهذا مما يلائم المستعار له، وهو تجريد، وبعد ذلك أبان أن السّهم لم يَضِرْ ظواهر جلده بل جَرَحَ قلبه، وهذا مما يُلائم المستعار له، لأنّ النظر هو الذي يؤثر في القلوب، وهذا تجريد، إلَاّ أن كلمة جارح تلائم المستعار منه، وهو ترشيح.
وهكذا مزج في كلامه ترشيحاً وتجريداً، وهو في نظري بليغ جدّاً في ادّعاء اتّحاد المشبّه بالمشبّه به، ولا ينطبق على استعارته أنها بحكم المطلَقَة.
(4)
قول ابن هانئ المغربي:
وَجَنَيْتُمُ ثَمَرَ الْوَقَائِعِ يَانِعاً
…
بالنَّصْرِ مِنْ وَرَقِ الْحَدِيدِ الأَخْضَر
نلاحظ في هذا البيت أنّ ابن هانئٍ مَزَج ترشيحاً وتجريداً في مُقَارِنَاتِ استعارته.
فالثمر الذي استعارة لما جاء به النّصر رشّحه بعبارة "جَنَيْتُمْ" وبكلمة "يانِعاً" وبعبارة "مِنْ وَرَق" وجاء بتجريدٍ في عبارة "الْحَدِيد الأخضر" إذ هو حديد السلاح الذي قاتلوا به.
والقرينة الصارفة عن إرادة الثمر الذي يُجْنى من الشجر كلمتا "الوقائع" و"النَّصْر".
(5)
قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
جاء في هذه الآية استعَارة "اللِّباس" لما أنزل الله بأهل القرية من جوع وخوف، وقرنها بما يلائم المستعار له وهو عبارة "فأذاقها" وهذا تجريد، ولو أراد الترشيح لقال: فكساها، إلَاّ أنّ التجريد هنا بلغ، لما في الإِذاقة من إضافة معنى الإِيلام الذي يُحَسُّ به.
***
تقسيم الاستعارة في المفرد بالنظر إلى كون كلٍّ من ركْنَيْهَا مما يدرك بالحسّ الظاهر أولاً
بما أنّ الاستعارة فرع من فروع شجرة التشبيه، فلا بُدَّ أن تشتمل على ما يشتمل عليه التشبيه من كون كلٍّ من ركنيها ممّا يدرك بالحسّ الظاهر أو مما لا يدرك بالحسّ الظاهر، بل يُدْرَك بالفكر أو بالوجدان الذي هو حسٌّ باطنيّ.
وترجع التقسيمات ضمن هذا الاعتبار إلى أربعة أصول ناتجة من ضرب اثنين باثنين:
القسم الأول: استعارة مُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر لِمُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر.
* كقول الله عز وجل في سورة (الكهف/ 18 مصحف/ 69 نزول) بشأن حَجْزِ يأجوج ومأجوج وراء السّدّ:
{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
…
} [الآية: 99] .
جاء في هذه الآية استعارة فعل "يَمُوجُ" من حركة أمواج البحار، التي يختلط فيها الماء بعضُه ببعض، وهو أمْرٌ مُدْرَكٌ بالحسّ الظاهر، للدّلالة به على حركة جماهير "يأجوج ومأجوج" وراء السّدّ في أحداث متجدّدة متكرِّرة كتكرّر حركة أمواج البحار، وهذا أمْرٌ مُدْرَكٌ بالحسّ الظاهر أيضاً، فكثرةُ القوم تُشْبه البحر إذا اجتمعوا، وحركتُهم إذا اتَّجَهُوا إلى مصالحهم المختلفة تُشْبه حركة أمواج البحر في مرأى الأبْصار.
* وكقول الله عز وجل في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول) :
{وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} [الآية: 37] .
جاء في هذه الآية استعارة فعل "نَسْلَخُ" من عمليّة سَلْخِ جِلْدِ الذبيح من الحيوان بعد ذبْحِه، وهو أمْرٌ مُدْرَكٌ بالحسّ الظاهر، للدّلالة به على عمليّة إزالة ضوء النّهار شيئاً فشيئاً عن مواطن ظهوره على الأرض في حركات وأحداث متتابعات، وهذا أمْرٌ مُدْرَكٌ بالحسّا لظاهر أيضاً، فحركة ذهاب النهار عن المشارق وظهور اللّيل بالتدرج تُشْبه حركة سَلْخ الجلد شيئاً فشيئاً عن الحيوان المذبوح، فاستعير هذا لهذا بفنّيّة دقيقة جدّاً.
القسم الثاني: استعارة مُدْرَكٍ فكريٍّ أو وجداني لِمُدْرَكٍ فِكْرِيٍّ أو وَجْدَاني.
* كقول الله عز وجل في سورة (الملك/ 67 مصحف/ 77 نزول) في وصف نار جهنم وعذاب الّذين كفروا بربّهم فيها:
{إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ
…
} [الآية: 7 - 8] .
أي: تكاد تتفاصل أجزاؤها من الغَيْظِ الّذي يُحْدِثُ حركاتِ تفجُّرٍ داخلها.
فقد جاء في هذا النصّ استعارةُ كلمةِ "الغيظ" الّذي هو أَمْرٌ يُدْركُ دَاخِلَ النُّفوس بالحسّ الباطن، للدّلالة به على أمْرٍ يَحْدُث داخِلَ جَهَنَّمَ ممّا يُمْكِنُ أن يَتَخيَّلَهُ المخاطبون تخيُّلاً، ولكنّهم لا يُدْركونه بالحسّ الظاهر.
الْقِسْمُ الثالث: استعارةُ مُدْرَكٍ فِكْرِيٍّ أَوْ وِجْدَاني لِمُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر.
* كأن نقول:
"لمَّا اشتدّت الحرْب غَضَباً، دخَلَ فُرْسانُنَا الأبطال فجعلوا غَضَبَها لَهَباً على جَيْشِ الْعَدُوّ فاسْتَحَالَ رَمَاداً".
جاء في هذه العبارة استعارة "الغضب" وهو أمْرٌ يُدْرَكُ بالحسّ الباطن داخل النفوس، للدلالة به على مشاهد تُدْرَك بالْحسِّ الظاهر في الحرب، من متفجّرات ناريّة تَقْذِف بشظايا الحديد، وحركة الأليَّات الموجَّهة ضِدَّ بعضها للتدمير والإِبادة.
القسم الرابع: استعارة مُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر لِمُدْرَكٍ فِكْرَيٍّ أو وجْدَاني.
* كقول الله عز وجل لرسوله في سورة (الحجر/ 15 مصحف/ 54 نزول) :
{فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} [الآية: 94] .
الصَّدْعُ: كَسْرٌ في الزجاج ونحوه لا يَبْلُغُ حدّ الْفَصْلِ الْكَامل.
والصدع أمْرٌ يُدْرَكُ بالحسّ الظاهر، وقد اسْتُعِير هنا للدلالة به على التبليغ ذي التأثير في النفوس المشابه للتأثير الذي يُحْدِثُهُ من يَصْدَعُ الزجاج، وهذا أمر يُدْرَكُ بالفكر، وقد يُحِسُّ به مَنْ وجّه له التبليغ في وجدانه ومشاعر نفسه.
ولمّا كان التبليغ مهما كان أسلوبه مؤثراً في النفوس لا يَبْلُغُ أن يُحَقِّق التحويلَ الفعليّ من الكُفْر إلى الإِيمان، كان تشبيهه بالصَّدْع تشبيهاً دقيقاً جدّاً.
فالأمْرُ بالتبليغ يتضمَّن معنى اتخاذ الوسائل المؤثّرة في النفوس تأثيراً لا يَبْلُغ مبلغ التحويل، لأنّ التحوُّل من الكفر إلى الإِيمان إنّما يكون عن طريق إرادة المُتَبَلِّغ نفسه، وليس من شأن الوسائل أن تصنع تحويلاً، ولكن قد تُولّد إقناعاً أو إلزاماً جَدَلِيّاً، فتشبيه هذا التأثير بالصَّدْعِ هو بالغ الدقّة في التصوير، وجاءت الاستعارة تبعاً لهذا التشبيه.
* وكقول الله عز وجل في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) :
{بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ
…
} [الآية: 18] .
القذف في اللّغة: رمْيُ شيءٍ مملوسٍ كحجَر ونحوه إلى جهة ما. وقد اسْتُعِير في هذه الآية فعل: "نَقْذِف" للدّلالة به على توجيه الحقّ الفكريّ وتوجيه أدلّته، للإِقناع بها أو للإِلزام أو للإِفحام، ضدّ الباطل الفكري الذي يُؤمِنُ به، ويجادل به الْمُبْطِلُون.
والدّمْغُ في اللّغة: هو الشجُّ في الرَأسِ الذي يكسر الجمجمة ويَصِلُ إلى الدّماغ فَيُخْرِجه، وهذا عَمَلٌ قَاتِلٌ للْمَدْمُوغ.
وقد استعير في هذه الآية فعل: "يَدْمَغ" للدّلالة به على إبطال الباطل ببرهان الحقّ.
ففي الآية استعارتان جاء في كلّ منهما استعارة مُدْرَكٍ بالحسّ الظاهر للدّلالة به على مُدْرَكٍ فِكْرِي.
فإذا هو زاهق: أي: فإذا الباطل مستَبْعَدٌ أو مضمحلٌ أو زائل، لا تنخدع به الأفكار السّويّة، والعقول السَّليمة.
تنبيه:
أمّا الاستعارة التي يكون كلُّ من طرفيها صورةً تمتزج فيها الأشياء المدركة بالحسّ الظاهر بالمدركات الفكرية أو الوجدانيّة فهي تابعة للاستعارة في المركب الآتي بيانها إن شاء الله.
***
التقسيم الخامس
تقسيم الاستعارة إلى وفاقية وعنادية
من متابعة الدقّة في التقسيمات التحليليّة قسّم البيانيُّون الاستعارة بالنظر إلى المضمون الفكريّ للمستعار له والمستعار منه، إلى قسمين:
القسم الأول: "الاستعارة الوِفاقيَّة".
وهي الاستعارة التي يمكن اجتماع طرفيها المستعار منه والمستعار له في شيءٍ واحد.
كقول الله عز وجل في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول) :
جاء في هذه الآية استعارةُ كلمة "أَحْيَيْنَا" للإِنسان الذي اهتدى إلى الحقّ وآمن به، ومعلومٌ أَنَّ الْحَيَاةَ بمعناها الأصلي تجتمع في شخصٍ واحد مع الحياة وفق المعنى المجازي وهو الهداية.
فَبَيْنَ المعنيين وفاق.
القسم الثاني: "الاستعارة العناديَّة".
وهي الاستعارة التي لا يجتمع طرفاها المستعار منه والمستعار له في شيء واحد.
كقول عمرو بن معديكرب:
"تحيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ".
فقد استعار التحيَّة التي تكون عند الإِكرام للدلالة بها على الإِهانة التي من مظاهرها الضرب الوجيع، والغرض الهزء والسخرية والتهكم.
وظاهر أن الإِكرام والإِهانة أمران متعاندان لا يجتمعان.
وكقول عنترة:
وسَيْفِي كَانَ فِي الْهَيْجَا طَبِيباً
…
يُدَاوِي رَأْسَ مَنْ يَشْكُو الصُّدَاعا
الهيجاء: الحرب.
استعار فعل "يُداوِي" لَيَدُلَّ به على قَطْعِ رأس المقاتل الذي يشكو الصُّدَاع، ومعلوم أنَّ المداواة بالدُّواء تنافي قَطْعَ الرأس، فهما أمران متعاندان لا يجتمعان.
أقول:
إنَّ هذا التقسيم وأمثاله ينبغي أن تكون مفاتيح للدراسات الأدبيَّة، لا قوالب جاهزة حتى يقاس عليها، فمن شأن القوالب أن تُمِيتَ قدرات الإِبداع والابتكار.
***
(ب)
قيمة الاستعارة في البيان ومراقيها
(1)
تحتلُّ الاستعارة في البيان مرتبةً أعلى من مرتبة التشبيه بحسب الأصل، لعدة أسباب:
السبب الأول: أنّها أكثر من التشبيه توغُّلاً في أساليب البيان غير المباشر.
السبب الثاني: ما فيها من تجاهل التشبيه الذي هو أصلها، إذ الاستعارة تُشْعِرُ بادِّعَاء اتِّحاد المشبّه بالمشبَّه به.
السبب الثالث: ما فيها من استثارةٍ لإِعجاب أذكياء ذَوَّاقي الأدب، وَتَملُّكٍ لانتباههم وتأثيرٍ فيهم، ولا سيما حينما تكون استعارةً غريبة غير متداولة، ولا يتنبَّهُ لاصطيادها إلَاّ فُطنَاء البلغاء.
لكن لا يُشْتَرطُ أن تكون كُلُّ اسْتِعَارة أبلغ من التشبيه، إذْ قد تقتضي حال المتلقّي، أو يَقْتَضِي الموضوع المطروحُ للبيان، أنْ يُسْتَخْدَم التشبيه، فيكونُ التشبيه عندئذٍ هو الأبلغ.
(2)
وتكون الاستعارة حَسَنَةً جميلة إذا كان التشبيه الذي هو أسَاسُها حَسَناً جميلاً، مستوفياً الشُّروط التي سبق بيانها في فصل "التشبيه والتمثيل" تحت عنوان "صفات وخصائص التشبيهات المثلى".
وكلَّما قوي الشَّبه بين المشبَّه والمشبَّه به كان اللّجوء إلى الاستعارة أكثر فنيّة، وأرقى بياناً، وأبْعَد عن الإِطناب، وأرضى للأذواق الأدبيّة.
أمَّا إذا كان الشَّبَه ضعيفاً فإنّ التشبيه الذي يُذْكَرُ فيه وجه الشبه يكون هو الأولى.
(3)
وترتقي الاستعارة حُسْناً وإبداعاً بمقدار ما تجمع من العناصر التالية ونحوها:
* أن يخلو التعبير المشتمل عليها عمّا يُشْعر بالتَّشْبيه الذي هو الأصل، باستثناء القرينة الصارفة عن إرادة المعنى الأصلي.
* أن يكون وَجْهُ الشبه أبعد عن الابتذال والتداول على ألسنة وأقلام الكتّاب والشعراء والخطباء.
* أن تكون الاستعارة ذات غرابةٍ بالنظر إلى أصلها، أو بالنظر إلى ما اقترنت به من إضافات غريبةً رفعت من قيمتها.
* أن تكون الاستعارة دقيقة لطيفة المأخذ مع ظهورها.
* أن تكون الاستعارة ذات تفصيلات وتفريعات مبنيَّة عليها.
* أن تقترن بالترشيح الذي يقوِّيها.
كلَّ ما سبق مشروط بعد خفاء وَجْهِ الشّبه أو استهجانه.
فمن الخفاء ما يُفْضِي إلى التعمية والإِلغاز، بسبب عدم ظهوره في المشبَّه به أو في المشبَّه، أو بسبب اتِّجاه البلغاء لاختيار وصْفٍ من أوصاف المشبّه به ليكُون هو وجه الشَّبه في استعاراتهم وتشبيهاتهم، ككَوْنِ الأسَدِ شجاعاً مقداماً، دون كونه أبْخرَ ذا رَائحة مُنَفِّرَة، وككَوْن الْبَدْرِ جميلاً منيراً، دون كونه كوكباً مؤلفاً من جبال ووديان وصحاري وعناصر مشابهة لعناصر الأرض.
ومن الاستهجان انتزاع وجه شبه يكره الناس التَّنْبِيه عليه والتذكير به، كالمستقذرات والأشياء التي تتقَزَّز النفوس منها.
المبحَثْ الثَاني
الاستعارة في المركّب وهي "الاستعارة التمثليّة"
سبق في مقدمة الكلام على الاستعارة أنها تكون في المفرد وتكون في المركّب، وأن الاستعارة في المركب تسمّى "الاستعارة التمثيليّة".
وبعد أن انتهى المقصود عَرْضُه وبيانُه من صور الاستعارة في المفرد وتقسيماتها وأمثلتها، فقد جاء دور بيان القسم الآخر للاستعارة، وهو "الاستعارة في المركب".
الاستعارة في المركب: هي كما سبق بيانُه في المقدِّمة استعارة يكون اللّفظ المستعار فيها لفظاً مُرَكَّباً، وهذا اللّفظ المركب يستعمل في غير ما وُضِعَ له في اصطلاح به التخاطب، لعلاقة المشابهة بين المعنى الأصليّ، ويسمّى "الاستعارة التمثيليّة" وقد يطلق عليه "الاستعارة على سبيل التمثيل" أو نحو ذلك من غبارات.
وهذه الاستعارة يستعملها الناس في مخاطباتهم وأمثالهم الدارجة، في فصيح الكلام العربي، وفي اللِّسان العامّي الَّذي يتخاطبُ عامَّةُ الناس به، ويُسْتَعْمَل أيضاً في غير العربيَّة من اللُّغات الإِنسانيَّة الأخرى.
* فمن العاميّ قول الناس إذا رأَوا صاحب صنعه أَوْ مَهْنة يُهْمِلُ أشياءه
الخاصة التي يصنع مثلها لغيره بإتقان: "بابُ النجَّار مخلَّع" أو "السّكافي حافي والحايك عريان".
وهذه الاستعارة قائمة على تشبيه حال هذا المُهْمِل لأشيائه الخاصة بحال النجّار الذي يصنع الأبواب المتقنة للناس مقابل ما يناله من أجر، ويُهْمِلُ باب داره إهمالاً مثيراً للانتقاد والتلويم، أو تشبيه حاله بحال الإِسْكاف الذي يُصْلح أحذية الناس ويمشي حافيّاً مُهْمِلاً إصلاحَ حِذَائه، أو تشبيه حاله بحال الحائك الذي يحيك الثياب للناس ويبيعها لهم، ويمشي هو كالعريان، بثيات مُمَزَّقة رثَّة.
* وقول العامة إذا رأوْا إنساناً يعالج أمراً لا جدوى منه: "يَنْفُخُ في قِرْبة مَخْرُومَة".
الأمثلة من الفصيح:
(1)
قول المتنبّي يصف الذي يَعِيب الشعر الرائع بسبب خَلَلٍ ذوقيّ لَدَيّه، يَجْعَلُهُ يرى الجميل قبيحاً، والكامل ناقصاً، والحسن سيِّئاً:
وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ
…
يَجِدْ مُرّاً بِهِ الْمَاءَ الزُّلالَ
هذا الكلام الذي يدلُّ معناه الأصلي على أنَّ المريض الذي يُفْرِزُ فَمُهُ مُفْرَزاتٍ مُرَّةً، يَجدُ الماءَ الزُّلال مُرّاً في فمه، وليس ذلك من مرارة الماء، بل من الأشياء المرَّة الَّتي يُفْرِزُها فَمُه.
لكنَّ المتنّبي استعار هذا الكلام على طوله للدلالة به على حال من ليس لديه ملكة إدْراك الشعر الرائع النفيس، فهو بسبب ذلك يَعِيبُ الحسَنَ الجيّد منه، ويَنْتَقِدُه بغير فهم، ولا حُسْنِ تَذَوُّق.
(2)
قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لَا يُلْدَغُ المؤمن من جُحْرٍ مرَّتَيْن" هذه العبارة النبوية تُسْتَعْمَل على سبيل "الاستعارة التمثيليّة" للتحذير من تكرار العمل الذي جَرَّ مُصِيبة في نفسٍ أو مالٍ، أو أفضى إلى أمْرٍ غير محمود.
(3)
إذا رأى الناس اجتماع جمهورٍ غفيرٍ على عالمٍ أو واعظٍ أو زعيم، أو كثرةَ إقبالهم على سوقٍ من أسواق التجارة، تمثّل قائلهم بقول الشاعر:
"والْمَوْرِدُ الْعَذْبُ كَثيرُ الزِّحَام"
هذا القول يُسْتَخْدَمُ على سبيل "الاستعارة التمثيليّة" مراداً به غير معناه الأصلي الذي قاله الشاعر للدلالة به عليه.
(4)
ويقال فيمن يعمل عملاً لا جدوى منه، ويَبْذُلُ فيه جَهْداً ضائعاً:
* "ينْفُخُ في رماد".
* "تَضْرِبُ في حَدِيدٍ بارِد".
* "يَحْرُثُ في البحر".
فتُسْتَعَارُ هذه الجمل وأمثالُها للدلالة بها على أنَّ العامل الَّذي يُتَحَدَّثُ عنه يَعْمَلُ عملاً ضائعاً عَدِيمَ الأَثَرِ والنفع.
(5)
ويُقال فيمن يَغْتَرُّ بمَنْ لا خير فيه، ولا نَفْعَ يُرْجَى لديه:
* "يَسْتَسْمِنُ ذَا وَرَمٍ".
أو قول المتنبي:
أُعِيذُهَا نَظَرَاتٍ مِنْكَ صَادِقَةً
…
أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ
(6)
ويُقال لِمَنْ يُدْعَى لتحصيل مطلوبه ضِمْنَ العاملين الكثيرين الذين يعملون في أَمْرٍ مَا ليَحْصُلوا منه على مطلوبهم المماثل لمطلوبه:
"أَدْلِ دَلْوَكَ في الدِّلَاء".
مع أنه لا دلْوَ ولا بئر.
(7)
ويُقالُ لِمَنْ يُنْصَحُ بأنْ يَتَّخِذَ من وسائل القوة مَا يَصْلُح لتحقيق تَغَلُّبه على الصِّعاب الشديدة الَّتي تواجهه:
"إِنَّ الحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ".
يُفْلَحُ: أي: يُشَقُّ ويقطع.
(8)
ويقال لمن يعمل جاهداً في إقامة الفروع قبل العمل بتأسيس الأصول:
"مَنْ بَنَى على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَبِنَاؤُه مُنْهَارٌ".
أو "قَبْلَ أَنْ ترفع بناءَكَ أَرْسِ أُسُسَه ودَعَائِمه".
(9)
ويقال لمن يَتْرُكُ العملَ زاعماً أنَّ التوكُّلَ على الله يكفيه، ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين سأله: أأعْقِلُ ناقتي يا رسول الله أم أتوكّل:
"اِعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ".
(10)
ويقال لمن يَنَالُ جَزَاءَ عَمَلِه الذي كان قد عمله خيراً أو شراً:
"يَحْصُدُ ما زرع".
أو "يَدَاكَ أَوْكَتَا وَفُوكَ نفخ".
أَوْكَتَا: أي: شَدَّتَا الصُّرَّةَ أو القِرْبَةَ بالْوِكاء، وَهُوَ الخيطُ الذي يُشَدُّ به نَحْوُ فَمِ القِربة:
(11)
ويقال لمن يَنْقُل كلُّ ما يَسْمَع، أو يُدَوِّن في مؤلَّفَاتِه كلَّ ما يَطَّلعُ عليه دون تحقيق ولا تحرير ولا تمييز.
"حَاطِبُ لَيْلٍ".
إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة جدّاً.
تنبيه:
حين تجري العبارة مجرى الأمثال، وتغدو مثلاً، فإنَّها تُسْتَعار بلفظها دون تغيير، فيخاطَبُ بها المفرد والمذكر وفروعهما:"المؤنث - المثنى - الجمع" وفق
صيغتها التي وردت دون تبديلٍ ولا تعديل.
ومنها الأمثال التالية:
(1)
قولهم: "أحَشَفاً وَسُوءَ كِيلَة".
الْحَشَفُ: التمْر الردئ الذي فَقَدَ خصَائصه.
الكِيلَةُ: هَيْئة الكَيْل.
هذا مثل يضرب لمن يظلم من جهتين.
(2)
قولهم: "إنَّ الْبَغَاثَ بِأرْضِنَا يَسْتَنْسِرُ".
البَغَاث: طائر أبْغَثُ اللَّون، أي: فيه بُقَعٌ بيضٌ وسود، والْبَغَاثُ نوعٌ من الطير أصغر من الرَّخَم بطيء الطيران وهو ممّا يُصاد، الواحدة منه "بَغَاثَة".
يَسْتَنْسِرُ: أي: يصير كالنّسْر فلا يُستطاع صَيْدُه.
هذا مَثَلٌ يُضْرَبُ ويرادُ به الدلالة على أنّ من نزل بأرضنا وجاورنا قَوِيَ بِنَا وَعَزّ.
(3)
قولهم: "الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ".
هذا مثلٌ يُضْرَبُ لمن فرَّط بطلب حاجته عند تمكُّنه منها، ثمَّ طلبها بَعْدَ فواتِ أوانها.
وأصل المثل أنّ امرأة طَلَبْتْ من زوجها ذي اليسار الطَّلاق، وكان ذلك في زمن الصَّيف، فطلَّقها، فتزوّجَتِ ابْنَ عمّها، وكان شابّاً مُعْدِماً، فمرَّت في الشتاء بأرضها إبلُ زَوْجها السابق، فأرسَلَتْ خادِمَها إليه تطلُبُ منه لَبَناً، فقال:"الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَن" فسَارَتْ عبارتُه مثلاً.
(4)
قولهم: "أَنْ تَسْمَعَ بِالْمُعَيْدِيّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ".
هذا مثَلٌ يُضْرَبُ لمَنْ له ذِكْرٌ في النّاسِ كبير، ولكن ليس له جسْمٌ يملأُ عَيْنَ الناظر إليه.
قاله "النعمانُ بن المنذر" أو "المنذر بن ماء السّماء" في رجُلٍ سَمعَ بذكْرِه ينتهي نسَبُه إلى "مَعَدِّ" وتصغيره "مُعَيْد" فلمّا رآه اقْتَحَمَتْهُ عَيْنُه، أي: ازدَرَتْه، فقال كَلِمَتَهُ: فذهبت مثلاً.
قالوا: فقال الرَّجُلُ للمنذر بن ماء السماء: أبَيْتَ اللَّعْنَ، إنَّ الرّجَالَ لَيْسُوا بِجُزُرٍ تُرادُ مِنْهَا الأَجْسَام.
***
المقولة الثانية: المجاز المرسل
(1)
التعريف
سبق في مقدّمة فصل المجاز تعريف المجاز المرسل بأنه المجاز الذي تكون العلاقة فيه بين المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازي الذي استعمل اللفظ للدلالة به عليه أمراً غير المشابهة، أو قائماً على التوسع في اللّغة دون ضابطٍ معيّن.
وأنه سُمِّيَ "مجازاً مُرْسلاً" لكونه مرسلاً عن التقييد بعلاقة المشابهة.
وقد أدْخَلْتُ في عموم عنوان المجاز المرسل المجاز العقلي، إذ هو مجاز في الإِسناد علاقته غير المشابهة.
(2)
تقسيم المجاز المرسل إلى مجاز في المفرد ومجاز في المركب ومجاز عقلي في الإِسناد ومجازٍ قائم على التوسَع في اللغة دون ضابط معين
ينقسم المجاز المرسل إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: المجاز المرسل في اللّفظ المفرد، كاستعمال لفظ "الْيَد" مراداً
بها النعمة، نظراً إلى أنّ اليد هي الأداة التي تُعْطَى بها عادةً عطاءات الإِنعام، وكاستعمال لفظ "العين" مراداً بها الجاسوس الذي يُكَلَّف أن يطلَّع على أحوال الْعَدُوّ، ويأتي بالأخبار عنها، نظراً إلى أنّ العين هي الأداة الكبرى التي تستخدم في هذا الأمر.
القسم الثاني: المجاز المرسل في اللّفظ المركّب، وهي المركّبات التي تستعمل في غير معانيها الأصلية بهيئتها التركيبية لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
كاستعمال المركبات الخبرية في الإِنشاء، واستعمال المركبات الإِنشائية في الخبر.
القسم الثالث: المجاز المرسل في الإِسناد، وهو المسمّى بالمجاز العقلي.
وهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في الظاهر من حال المتكلم، لملابسة بين ما هو له في الواقع وبين ما أسند له، من قرينة صارفة عن أن يكون الإِسناد إلى ما هو له.
كقولنا: "بنى فلان عمارة عظيمة" مع أنّه لم يَبْنِها بعمل جسمه، وإنما اتّخذ الوسائل لبنائها، من استئجار المهندس، واستئجار العمال، وبذل الأموال، فالملابسة بين من بناها فعلاً وبَيْنَهُ هي كونُه صاحبَ الفكرة، والآمر بالبناء، وباذل المال، وربما كان المشرف على المتابعة ومراقبةِ الأعمال.
القسم الرابع: المجاز المرسل القائم على التوسُّع في اللّغة دون ضابط معيّن، ومنه المجاز بالحذف أو بالزّيادة.
فالحذف يكون للإِيجاز، كحذف كلمةٍ يوجد ما يَدُلُّ عليها، أو حذْفِ جُمْلةٍ أو أكثر.
والزيادَةُ تكون للتأكيد، كزياده بعض الحروف التي تزاد لغرض التأكيد،
مثل: "ما" التي تزاد بعد "إذا" وكحروف الجر التي تزاد للتأكيد، وقد سبق بيان هذا في بحث الإِطناب.
وقد سمّوا هذا القسم مجازا، وبعض الباحثين لم يره من قبيل المجاز.
وفيما يلي مباحث أربعة لشرح هذه الأقسام الأربعة:
***
المبحَثْ الأوَّل
شرح المجاز المرسل في اللّفظ المفرد
المجاز المرسل في المفرد: هو اللّفظ المفرد المستعمل في غير ما وُضع له في اصطلاحٍ به التخاطب على وجْهٍ يَصِحُّ ضمن الأصول الفكريّة واللّغوية العامّة، لعلاقة غير المشابهة مع قرينة صارفة عن إرادة المعنَى الأصليّ.
كاستعمال لفظ "الْيَد" بمعنى النّعمة، لعلاقة السببيّة. واستعمال كلمة:"الْعَيْن" مراداً بها الجاسوس، لأنّ أعظم أدوات تجسُّسه عيْنُه. واستعمال كلمة:"الأصابع" مراداً بها أطرافُها لعلاقة الكليّة والجزئيّة بينهما. واستعمال كلمة: "الناس" مراداً بها قِسْمٌ منهم للعلاقة الترابطيّة بين العام وبعض أفراده. وكتسمية الشيء باسم صانعه، للعلاقة الترابطيّة بين الصانع وما يصْنَعُ، كأن يُسْأَل طالب شراء سيارة: ما هي السيارة الّتي تُريد شراءها؟ فيقول: أُريد "شركة تيوتا" أي: أريد سيّارة من صنع هذه الشركة، وكتسمية الشيء باسم آلته، إلى نحو ذلك.
والمقصودُ من العلاقة، أو ما يعبّر عنه أحياناً بالْمُلَابَسَة، ما يكون من ارْتباط بين معنَيْين، وهذا الارتباط يسمح في مجالات التعبير التجوُّزيّ بإطلاق لفظ أحدهما على الآخر لغرض بلاغي.
وقد أحصى البيانيون ما يزيد على عشرين علاقة من العلاقات التي يَسْمَحُ كلُّ
واحد منها باستعمال المجاز المرسل، لدى وجوده بين المعنى الأصلي للّفظ، والمعنى الآخر الذي يُطْلَق عليه اللّفظ مجازاً.
وإنيّ أذْكُر فيما يلي ما اصطفيتُه منها، مع إيرادِ طائفةٍ من الأمثلة عليها.
علاقات المجاز المرسل:
يكفي وجود علاقة من العلاقات الآتيات ونحوها لإِطلاق اللّفظ إطلاقاً مجازيّاً على غير ما وُضِعَ له في اصطلاحٍ ما يجري به التخاطب:
(1)
كون المعنى الأصليّ سَبَباً للمعنى الذي يُطْلَقُ عليه اللّفظ مجازاً، أو مُسَبَّباً عنه، مثل:
* قول المتننبيّ يمدح محمّد بن عُبَيْد الله العلوي:
لَهُ أَيَادٍ إِلَيَّ سَابِقَةٌ
…
أَعُدُّ مِنْهَا وَلَا أُعَدِّدُهَا
أطْلَقَ لفظ "أيادٍ" وهي جمع "يَدٍ" بمعنى الإِحسان، لأنّ عطاءات الإِحسان تكون باليد، فهو من إطلاق السَّبَب وإرادة المسبّب.
* قول الله عز وجل في سُورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول) :
{هُوَ الذي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقاً
…
} [الآية: 13] .
أي: ويُنَزّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً وَضِيَاءً مِنَ الشمس فيُخْرِجُ لكُمْ بهما نباتاً له ثمراتٌ مختلفات هي رزْقٌ لَكُمْ، فالرّزق مُسَبَّبٌ عَمَّا يَنْزِلُ مِنَ السّماء، وهذا من إطلاق الْمُسبَّب وإرادة السبب، وفائدة هذا المجاز الدلالَةُ على المعنيين مع كمال الإِيجاز.
(2)
كون المعنى الأصلي للّفظ كُلاًّ للمعنى الذي يُرادُ منه على سبيل المجاز، أو بعضاً له، مثل:
* قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت
…
} [الآية: 19] .
أي: يجعلون بعض أصابعهم، وهي رؤوسُها، وهذا من إطلاق الكلّ وإرادة بعضه، وفائدة هذا المجاز الإِشعار بما في نفوسهم من الرغبة بإدخال كلّ أصابعهم في آذانهم حتى لا يصل إليها الصوت الشديد المميت الذي تحدثه الصواعق.
* قول الله عز وجل في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) :
{
…
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ
…
} [الآية: 92] .
أي: فعتْقُ رقيق مؤمن أو رقيقة مؤمنة، وهذا من إطلاق بعض العتيق وهو رقبته، وإرادةِ كلّه.
وفائدة هذا الإِطلاق المجازيّ الإِيجازُ في التعبير من جهة، لأنّ الرقبة تكون بعض كلٍّ من الذكر والأنثى، والإِشارةُ إلى أنّ الأرقاء كانوا يُغَلُّون من أعناقهم، فإذا أُعْتِقُوا حُرِّرُوا من هذه الأغلال.
(3)
كون المعنى الأصليّ للّفظ لازماً للمعنَى الذي يُرادُ منه على سبيل المجاز، أو ملزوماً له، مثل:
* أن يقول العامل المستأجَر من طلوع الشمس إلى غروبها، مشيراً إلى انتهاء وقت عمله:
أقْبَلَ اللَّيْلُ إِلَيْنَا وَالشَّفَقْ
…
أَفَأَبْقَى عَامِلاً حَتَّى الْغَسَقْ
أي: غابت الشمس، فأطْلٌَ إقبالَ اللّيل مريداً غيابَ الشمس، وذلك لأنه يلزم من غياب الشمس إقبال اللّيل، فهذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.
وأن يقول القائل: هذه الأقلام تكتب في الصُّحف، أي: أخذ الكاتبون يكتبون، فأطلق الأقلام وأراد أيدي الكتّاب، إذ يلزم من حركة الأيدي في الكتابة حركة الأقلام، فهذا من إطلاق الّلازم وإرادة الملزوم.
* قول القائل لصاحبه: هذا وقت زوال الشمس، أي: وقت وجوب صلاة الظهر، فهذا من إطلاق الملزوم وهو قت زوال الشمس، وإرادةِ لازِمه، وهو وقت وجوب صلاة الظهر.
(4)
كون المعنى الأصليّ للفظ مُطْلقاً، والمعنَى الذي يُطْلق عليه اللّفظُ مجازاً مقيداً، مثل:
* قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ
…
} [الآية: 222] .
جاء في هذه الآية الأمر باعْتزَال النساء في المحيض، وهو مطلَقٌ ولكن أريد منه اعتزال مقيّد وهو اعتزال جِمَاعِهِنّ.
وجاء في النهي عن الاقتراب منهنّ حتى يَطْهُرْن، وهو أيضاً مطلق، ولكن أريد منه اقترابٌ مُقَيَّدٌ، وهو الاقتراب منهنّ في الجماع.
وفائدة هذا المجاز تأكيد النهي بطلب الابتعاد عن الدواعي التي تدعو إلى ارتكاب المنهيّ عنه.
(5)
كون المعنى الأصلي للفظ عامّاً، والمعنى الّذي يُطْلق عليه اللّفظ على سبيل المجَاز خاصّاً، أو عكس هذا، مثل:
* قول الله عز وجل في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول) بشأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد:
{الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل} [الآية: 173] .
جاء في هذه الآية إطلاق اللفظ العام وهو كلمة "الناس" مرّتين والمراد ناسٌ خاصُّون.
فالقائل المبلّغ لمصلحة الناس المشركين أعرابيٌّ من خُزاعَة، وجاء التعبير عنه بلفظ "الناس".
والمراد من "الناس" الّذين جمعوا جموعهم للمؤمنين هم مشركو مكة.
فما في الآية هو من إطلاق العامّ وإرادة الخاص على سبيل المجاز المرسل، وفائدة هذا المجاز تدريب المؤمنين على التوكّلِ على الله، وعدم التأثر بأقوال الناس وجموعهم، ولو كانوا كلَّ الناس أو معظمهم.
* قول الله عز وجل في سورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
جاء في هذه الآية نَهْيُ الولد عن أن يقول لأحد والديه كلمة "أُفّ" وهذه الكلمة كلمة خاصّة من عُمُوم الكَلِماتِ الّتي يكون فيها إيذاءٌ لهما، وهي أدناها، والكلام المؤذي أمْرٌ خاصّ من عموم ما يؤذيهما كالضرب، والمراد كلّ ما يؤذيهما، وهذا من إطلاق خصوص أذىً معين، وإرادةِ كلّ ما يؤذي على وجه العموم، فهو من إطلاق الخاص وإرادة العامّ.
وفائدة هذا المجاز التنبيه بالأخفّ على الأشدّ، وتدريب المخاطبين على أن يُعْمِلوا عُقُولَهُمْ في فهم النصوص ليَقيسوا الأشباه والنظائر بعضها على بعض، ولِيعْلَمُوا أنّ النّهيَ عن الإِضرار أو الإِيذاء الأخف يَدُلُّ بداهة على ما هو أشدّ منه.
(6)
كون المعنى الأصلي للّفظ حالاًّ في معنى اللّفظ الذي يُرادُ استعماله بدله على سبيل المجاز، أو مَحَلاًّ له، مثل:
* قول الله عز وجل في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول) بشأن شجرة الزيتون:
{وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} [الآية: 20] .
أي: تَنْبُت بناتٍ وثَمَرٍ فيه الدُّهْنُ وهو الزيت، فجاء في هذه الآية إطلاقُ الدُّهْنِ مُراداً به النَّباتُ والثَّمَرُ الذي يُوجَدُ في داخله الدّهن، وهذا من إطلاق الحالِّ في الشيء وإرادَة مَحَلِّه، إذ الّذي يَنْبُتُ هي الفروع والْوَرَقُ والثَّمَرات التي يوجد فيها الدُّهن.
وفائدة هذا المجاز الإِيجاز، وتَوْجيهُ نظر المخاطبين لما في شجرة الزيتون من دُهْنٍ عظيم النفع للناس، كي يُولُوا زيتَ الزيتون اهتماماً خاصّاً، ويشكروا نعمة الله عليهم به.
ومثله: {خُذُوا زينتكم} [الأعراف: 31] أي: خُذُوا الأشياء الّتي فيها زينتكم، فهذا من إطلاق الحالِّ على المحلِّ.
* قول الله عز وجل في سورة (العلق / 96 مصحف/ 1 نزول) :
{فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية} [الآيات: 17 - 18]
فليْدعُ ناديه: أي: فلْيَدْعُ أهْلَ ناديه، وهذا من إطلاق المحلّ وهو النادي وإرادةِ الحالِّ فيه، وهم أهل هذا المحلِّ.
وفائدةُ هذا المجاز مع الإِيجاز إرادةُ التعميم، لأنّ الناديَ يَحْوِي كلّ أهله، وإرادةُ أنصارِه المصطفين، لأنّ الإِنسان يصطفى لناديه الخاصّ أخلَصَ المخلِصين له الذين يُدافعون عنه بصدق.
ومثله: {خذوا زينتكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجدٍ} [الأعراف: 31] : أي: عند كلّ صلاة، فهذا من إطلاق المحلّ على ما يجري فيه من عمل.
(7)
كوْنُ المعنى الأصلي للفظ والمعنى الذي يُطْلَق عليه اللّفظ على سبيل المجاز متجاوِرَيْن، مثل:
* قول الله عز وجل في سورة (البلد/ 90 مصحف/ 35 نزول) :
{وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة * فَكُّ رَقَبَةٍ} [الآيات: 12 - 13] .
جاء في هذا النصّ إطْلَاقُ لفظ الرَّقَبَة عَلَى الْغُلِّ الّذِي يَكُونُ مجاوراً لها ومحيطاً بها، إذِ الرَّقبةُ ليست هي الّتي تُفَكُّ، إِنَّما يُفَكُّ الْغُلُ المجاورُ لَها والمحيط بها، فهذا من إطلاق اللّفظ وإرادة ما جاوره، وفَكُّ الرَّقبةِ كنايةٌ عن عِتقِ الرقيق.
وفائدة هذا المجاز الإِشعارُ بأنّ فَكَّ الْغُلّ يُرادُ مِنْهُ إطلاقُ رَقبة المغلول به، لتحرير صاحب الرقبة من الأسْر، مع ما في هذا المجاز من إيجاز.
(8)
كونُ المعنى الأصلي للّفظ قد كان فيما مضَى على ما يُطْلَقُ عليه الآن، فيُطْلَقُ عليه مجازاً باعتبار ما كان عليه في الماضي.
أو كون المعنى الأصلي للفظ سيكون فيما سيأتي في المستقبل على ما يُطْلَق عليه الآن، فيُطْلَقُ عليه مجازاً باعتبار ما سيكون عليه في المستقبل. مثل:
* قول الله عز وجل في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) :
حُوباً كبيراً: أي: إثْماً كبيراً مُهْلكاً.
جاء في هذه الآية إطلاق لفظ "اليتامى" على من بلغوا رشدهم ممّن كانوا يتامَى قبل ذلك، لأنّ من بلغ رُشْده من ذكر وأنثى لا يُسَمَّى يتيماً، فهذا من إطلاق اللَّفظ مجازاً على الشيء بالنظر إلى ما كان عليه.
وفائدة هذا الإِطلاق الإِيجاز من جهتين:
الأولى: أنّ لفظ "اليتامى" يُطْلَقُ على المذكّر والمؤنث.
الثانية: أنّ إطلاق هذا اللفظ مجازاً يغني عن عبارة طويلة يقال فيها: وآتوا الذين كانوا يَتَامَى فبلغوا رُشْدَهُمْ أَمْوَالهم.
* وقول الله عز وجل في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) بشأن استفتاء أحد صاحبيه في السّجن عن رؤيَا رآها:
{وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً} [الآية: 36] .
أي: أَعْصِرُ عِنَباً ليكون فيما بَعْدُ خَمْراً، فَأُطْلِقَ في هذه العبارة لفظُ الْخَمْر عَلى الْعِنَب باعتبار المقصود من عَصْرِه وهو أن يكون فيما بَعْدُ خمْراً.
وظاهرٌ أَنَّ فائدة هذا المجاز الإِيجاز، وهو من الأغراض البلاغيّة الكبرى، فبدل أن يقول: إني أراني أعصر عنباً ليكون في المستقبل خمراً، قال: إني أراني أعْصِر خمراً. والقرينة الصارفة قرينة عقلية، لأنّ الخمر لا تُعْصَر.
(9)
كون المعنى الأصلي للّفظ آلة للمعنى الذي يُرادُ استعمال اللّفظ للدلالة به عليه، مثل.
* أن نقول: ضَرَبَ المؤدّب تِلْميذه عشرين سَوْطاً.
أي: عشرينَ ضرباً بالسّوط، فجاء في هذا المثال إطلاق لفظ السوط الذي هو آلة، وإرادةُ حدَثِ الضرب الذي كان بالسوط.
وظاهرٌ ما في هذا المجاز من إيجاز.
(10)
كون المعنى الأصلي للّفظ مُبْدَلاً أو بَدلاً، والمعنَى الذي يُسْتَعْمَل للدلالة به عليه مجازاً بَدَلاً أو مُبْدَلاً، فالعلاقة هي:"الْبَدَليّة". مثل:
* أن يقول العامل لربّ العمل الذي لم يُعطِه أجْرَ عمله: "أكَلْتَ عَمَلِي" أي: أكَلْت أجْرِي الي هو بدلُ عَمَلي.
فهذا من إطلاق المبْدَل وإرادة البدل.
ونظيرُهُ أن يقال: إنّ فلان أكلوا دَمَ القتيل الذي قتلوه، أي: أكلوا الديّة والتي هي بَدَلُ دَمِه الذي زهقت نفسه بإراقته.
فهذا من إطلاق المبْدَل وإرادة الْبَدَلَ أيضاً.
ومن عكس هذا أن يقال: دفع بنو فلان ديَةَ فلان، أي: قتلوه فدفعوا بدل إراقة دمه الدّية، إذَا دلّت القرينة على هذا.
فهذا من إطلاق البدل وإرادة الْمُبْدَل، وهو القتل.
وظاهرٌ ما في هذا المجاز من إيجاز.
(11)
علاقة الإِضافة بين المضاف وبين المضاف إليه، وهذه العلاقة تتبع معنى الحرف المقدر في الإِضافة، فقد يُحذَف المضافُ أو المضافُ إليه ويُطْلَقُ لفظ الباقي منهما على المحذوف مجازاً. مثل:
* أن نقول: فتح صاحب الدار دارَه وأذِنَ لقاصديه بالدخول. أي: فتح باب داره.
فهذا من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والإِضافة هنا على تقدير "لام" الاختصاص.
والغرض الإِيجاز، مع الإِشارة إلى أنّ فتح الباب إنّما قُصِدَ منه إباحة دخول الدر لقصدي صَاحِبِها.
* وأن نقول: "دخَلَتِ الوفودُ بابَ الملك" أي: دخلوا باب قَصْرِه.
فقد حُذِفَ من هذه العبارة كلمة "القصر" وهي بالنسبة إلى الباب مضاف إليه، وبالنسبة إلى الملك مضاف.
(12)
علاقة الضّدِّية، فقد يُطْلَق اللّفظ للدلالة به على ضدّ معناه، ومن الأغراض الداعية لهذا الإِطلاق الاستهزاء والسخرية والتهكم.
مثل:
* أن يقول السلطان لأعوانه بشأن مُجْرمٍ حضر بين يديه: "خذو فأكرموه في السجن" أي: فاضربوه وعذّبوه.
* قول الله عز وجل في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول) خطاباً للمشركين الذي كانوا يسألون الله الفتح ضدّ الرسول والذين آمنوا معه قبل موقعة بدر، فجاء الأمر على خلاف ما طلبوا:
{إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح
…
} [الآية: 19] .
أي: إنْ تسْتَنْصِرُوا باللَّهِ على الرسول والمؤمنين، فقد جاءكُمُ نَصْرُ الله للرسول والمؤمنين، فحلَّتْ بكُمُ الهزيمة والذّلّة.
فهذا من استعمال الضدّ للدلالة به على ضدّه.
(13)
توجد علاقة اشتقاقيّة عامّة قد تُطْلَقُ بملابَسَتِها صِيغَةٌ مَقام صيغة أخرى، فإذا لم يكن لها تأويل آخر غير الإِطلاق المجازي على سبيل المجاز المرسل، فهي لدى التحليل ترجع إلى علاقات فكرية، كاستعمال اسم الفاعل أو اسم المفعول مراداً به المصدر، لأنّ المعنى المصدري موجودٌ في كلٍّ منهما، وكذلك استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول.
(14)
إلى غير ما سبق من علاقات تفيد ملابسةً ما، وتصحّح في نظر البليغ استخدام المجاز المرسل في عبارته.
***
أمثلة تدريبيّة مختلفة للمجاز المرسل:
(1)
قول الشاعر:
كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْباً أَنْ تَرَاهُ
…
لَهُ وَجْهٌ ولَيْسَ لَهُ لِسَانُ
أطْلَقَ الشاعر لفظ "لسان" وأراد به القدرة على البيان الفصيح، والعلاقة هي الآليّة، لأنّ اللّسان هو آلة البيان الفصيح، فمن ليس له قدرة على هذا البيان فهو بمثابة من ليس له لسان.
(2)
قول الشاعر:
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءَ بأَرْضِ قَوْمٍ
…
رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا
أعاد الضمير في "رَعَينَاهُ" على السَّمَاء مريداً بالسّماء المطر لأنّه ينزل منها فالعلاقة هي "المكانية" أي: مكان نزول المطر.
لكنّه في الضمير أراد أثر المطر وهو نبات الأرض، والعلاقة "السببيّة".
وهذان الإِطلاقان من المجاز المرسل كما هو ظاهر.
(3)
قول ليلى الأخيليّة تتحدّث عن الإِبل وراكبيها:
رَمَوْهَا بِأَثْوابٍ خِفَافٍ فَلَا تَرَى
…
لَهَا شَبَهاً إلَاّ النَّعَامَ الْمُنَفَّرَا
أطْلَقَتْ كلمة "أثواب" وأرادت راكبيها من الرجال، والعلاقة كون الثياب ظرفاً للرجال، فهي التي تظهر للعيون.
والْغَرَض البياني الإِشعار بأنْ الرجال من رقتهم وخفتهم لم يظهَرُوا، فلم يَبْدُ على ظهور الإِبل المنطلقة في الجرْي إلَاّ أثوابٌ مَرْمِيَّةٌ عليها.
(4)
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{
…
فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ
…
} [الآية: 194] .
فاعْتَدُوا عليه: أي: فجازُوه، أُطْلِقَ فعْلُ "اعتدوا" بمعنى جازوا، لأنّ هذا الجزاء كان سَبَبُهُ اعتداءَ من اعتدى، فأُطْلِق على المُسَبَّب اللفظ الدالّ على السَّبَب، فالعلاقة السببيّة.
وفائدة استعمال هذا المجاز الدلالةُ على العدل الذي هو حق المعتَدَى عليه.
(5)
قول الشاعر الجاهلي "عمرو بن كلثوم":
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَد عَلَيْنَا
…
فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
فَنَجْهَلَ: أي: فنجازِيَه بمثل عمله، وإنْ كان هذا الجزاء لا يُسَمَّى جَهْلاً، لكن لمّا كانَ مُسَبَّباً عن جَهْلِ الجاهلين صَحَّ أن يُطْلِقَ عليه مجازاً الاسم الذي يُطْلَق على السبب. وفائدته الإِشارة إلى العدل.
(5)
قول امرئ القيس يخاطب صاحبته:
أَغَرَّك مِنّي أَنَّ حُبَّكِ قاتِلِي
…
وأَنَّكِ مَهُمَا تَأَمُرِي الْقَلْبَ يَفْعَلِ
أطلق "الْقَلْبَ" وهو جزء منه، وأرَادَ كُلَ ذَاتِهِ، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكُلّ.
والغرض البياني الإِشعار بأنّ حُبَّها الذي في قلْبِه، يجعله ذا سلطانٍ عليه، وهذا السلطان ينتقل من القلب المسيطر على ذاته لتكون ذاتُه كلُّها مُطيعة لأوامرها.
(6)
قول ابن المعتز في مَمْدوحه:
سَالَتْ عَلَيْهِ شِعَابُ الْحَيّ حِينَ دَعا
…
أَنْصَارَهُ بِوُجُوهٍ كالدَّنَانير
أطلق لفظ "الوجوه" وأراد أنصاره من الرِّجَال، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكُلّ على طريقة المجاز المرسل.
والغرض البياني الإِشعارُ بأنّ الناس حين يُقْبِلون جمّاً غفيراً كالسيول المتحدّرة في الشعاب، إنّما تُرى منهم وجوههم، فلا يُدَقِّق الناظر إليهم النظرَ في سائر أجسامهم.
(7)
قول الله عز وجل في سورة (الغاشية/ 88 مصحف/ 68 نزول) :
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تصلى نَاراً حَامِيَةً} [الآيات: 2 - 4] .
وقوله فيها:
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} [الآيات: 8 - 10] .
جاء في هذين النصَّيْنِ إطلاق كلمة وُجوه، والمرادُ أشخاصهم وذواتهم كُلُّها، فهو من إطلاق اسم الجزء على الكلّ.
والغرض البياني من هذا الإِطلاق، الإِشارةُ إلى أنّ الوجوه هي التي تظهر عليها علامات البؤس من العذاب، وعلاماتُ السُّرور من النعيم.
(8)
قول الشاعر:
بِلَادِي وإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ
…
وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ
أطْلَق كلمة "بلاد" مضافة إليه، وأراد أهْلَها وَسُكَّانَها، والعلاقة المحليّة.
والغرض البياني الإِيجاز، مع الإِشارة ضمناً إلى ذوي السلطة والنفوذ فيها، لأنَّهم هُمُ الّذين يمثِّلُونها، وبيدهم العدل والجور فيها.
(9)
قول الله عز وجل في سورة (الحج/ 22 مصحف/ 103 نزول) بشأن الْمُضِلِّ عن سبيل الله:
{لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق * ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلعَبِيدِ} [الآيات: 9 - 10] .
وقول الله عز وجل في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول) بشأن كفّار اليهود:
{وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق * ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [الآيات: 181 - 182] .
جاء في النصّ الأول إطلاق "اليدين" والمراد ما يكْسِبُ الإِنسان بكلّ جوارحه الظاهرة والباطنة.
وجاء في النص الثاني إطلاق "الأيدي" والمراد ما يكسبون بكلّ جوارحهم الظاهرة والباطنة.
وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، والغرض البياني الإِشارة إلى أنّ الأيدي هي أكثر الأعضاء كسباً للأعمال.
(10)
قول الله عز وجل في سورة (النور/ 24 مصحف/ 102 نزول) :
{وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ
…
} [الآية: 33] .
أُطْلِقَ "النكاح" والمرادُ مؤونَتُه من مَهْرٍ ونَفَقةٍ وما لا بُدَّ مِنْهُ لطالب النكاح، وهذا من إطلاق المسبَّب وإرادة سبَبه.
وفي هذا المجاز إيجاز في التعبير، مع الإِشارة إلى أنّ الرجال هم المسؤولون عن نفقات النكاح.
(11)
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
فأَخْرَجَهُما: أي: أغْوَاهُمَا إغْواءً كانً السَّبَبَ في إخراج الله لهما من الجنة، فالعلاقة السببيّة.
في هذا المجاز إيجاز في التعبير مع التنبيه على أنّ الشيطان قد توصَّل إلى هدفه من إغوائهما، وهو إخراجهما من الجنة.
(12)
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بالمعروف
…
} [الآية: 232] .
أَزواجَهُنَّ: أي: الّذين كَانوا أَزْوَاجَهُنّ سابقاً، وهذا من إطلاق اللَّفْظِ على الشْيءِ باعتبار ما كان عليه.
(13)
قول الله عز وجل في سورة (نوح/ 71 مصحف/ 71 نزول) :
{وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يلدوا إِلَاّ فَاجِراً كَفَّاراً} [الآيات: 26 - 27] .
أي: ولا يَلِدُوا إلَاّ مَوْلُودَاً يَؤُول أَمْرُهُ إلى أن يكون بعد بلوغه فاجراً كفّاراً.
فهذا المجاز هو من تسمية الشيء باسم ما يؤُول إليه.
(14)
قول الله عز وجل في سورة (الحجر/15 مصحف/ 54 نزول) بشأن الملائكة الذين بشْرُوا إبراهيم عليه السلام بغلام:
{إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} [الآيات: 52 - 53] .
جاء وصف الغلام عند البشارة بما يؤول إليه أمرُه من أنه سيكون عليماً. وهذا من تسمية الشيء باعتبار ما يؤول أمره إليه.
***
المبحَثْ الثَاني
شرح المجاز المرسل في اللّفظ المركب
المجاز المرسل في اللّفظ المركب: هو لفظ مركّب يستعمل بهيئته التركيبية في غير المعنى الذي وُضِعَتْ له صيغة جملته في اصطلاح التخاطب، لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ويكون هذا المجاز في قسمين:
القسم الأول: المركّبات الخبرية.
القسم الثاني: المركّبات الإِنشائية.
أمّا قسم المركبات الخبرية: فقد تخرج عن دلالتها الخبرية مجازاً للدلالة بها على معنىً آخر، فمنها ما يلي:
(1)
الخبر الْمَسُوق للتعبير عن التّحسر وإظهار الحزن، ومن أمثلته:
* قول الشاعر:
ذَهَبَ الشَّبابُ فَمَالَهُ مِنْ عَوْدَةٍ
…
وَأَتَى الْمَشِيبُ فَأَيْنَ مِنْهُ المْهَرَبُ؟
والعلاقة بين المعنى الأصلي وهو الإِخبار، والمعنى المجازي وهو التحسّر وإظهار الحزن "اللّزوم" إذ يلزم من الإِخبار بذهاب الشيء المحبوب المعلوم للجميع التحسُّر والحزن عليه.
إنّه يتحسّر ويحزن على ذهاب الشباب وإتيان المشيب ولا يخبر بذلك، وأصل صيغة الجملة موضوعة للإِخبار.
ونظير هذا أن تقف الثكْلَى على قبر ولدها وتقول: مَاتَ ولدي، مات ولدي، وتكرّر هذه العبارة وتبكي.
(2)
الخبر المسوق للدعاء، ومن أمثلته:
* قول الله عز وجل في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) حكاية لما قال يوسف عليه السلام لإِخوته:
{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين} [الآية: 92] .
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ: المعنى الأصلي الذي تدلُّ عليه الصيغة الإِخبار، وقد استعملت مجازاً في الدعاء، والعلاقة السببيّة على سبيل التفاؤل والطمع بكرم الله وفضله، إذ الدعاء الذي هو إنشاء طلب من الله سبب في تحقيق الاستجابة بمشيئة الله على سبيل التفاؤل والرجاء.
ونظيره قول الرسول صلى الله عليه وسلم بشأن المتحلّلين من إحرامهم بالحلْق أو التقصير على ما روى الإِمام أحمد بسنده إلى يحيى بن حُصَيْن، قال: سَمِعْتُ جَدَّتي تقول: سمعتُ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بعرفات يخطُبُ يقول:
"غَفَرَ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقِين، غَفَرَ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقين، غَفَرَ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقِين".
قالوا: والمقصّرين؟
فقال: "والمقصّرينَ" في الرابعة.
الصيغة صيغة إخبار، وقد استُعْمِلَتْ في الدّعاء.
والغرض البياني الرجاء والتفاؤل بتَحقيق المدعوّ به.
(3)
الصيغة الخبريّة المسوقة للدلالة بها على إنشاء الأمر أو النهي، ومن الأمثلة:
* قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحج
…
} [الآية: 197] .
فلا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في الحجّ: الصيغة موضوعة للنفي الخبري، وقد استعملت في النهي عن هذه الأمور مجازاً، والعلاقة المسببيّة لأنّ حصول النّفي في الواقع مُسَبَّبٌ عن طاعة المؤمنين في الحجّ لما ينهى الله عنه، وهذا هو المنتظر منهم، فأُطْلِقَ المسبّب، وأريد سببه.
واستعمال الخبر في مثل هذا المقام أبلغ من إنشاء النَّهْي، إذْ يُشْعِر بأنّه ليس
من شأن المؤمنين أن تكون منهم المخالفة في واقع حجّهم، الذي تحمَّلوا فيه المشقات الكثيرات، وبذلوا لأدائه أموالاً جمعوها بالجهد والكدّ وربما انتظروا سنين حتى تهيّأت لهم الاستطاعة.
* وقول الله عز وجل في سورة (البقرة/2 مصحف/ 87 نزول) :
{والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة
…
} [الآية: 233] .
الصيغة خبريّة في "يُرْضِعْنَ" واستعملت في الأمر الترغيبيّ أو الإِلزامي مجازاً، والعلاقة المسَّببِيّة، لأنّ الإِرضاع الفعلي مُسَبَّبٌ عن طاعة المؤمنات لأمر الله في شأن أطفالهنّ، وهذا هو المنتظر منهنَّ، فأُطْلِقَ المسبَّبُ وأُرِيد سبَبُه.
واستعمال الخبر في مثل هذا المقام أبلغ من إنشاء الأمر، إذْ يُشْعِر بأنّه ليس من شأن الوالدات ذوات الحنان والشفقة على أطفالهنّ، وهُنَّ مؤمناتٌ بربِّهنّ أن يترُكْنَ إرْضاع أولادهنّ دون ضرورة، أو حاجة شديدة جدّاً.
* وقول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرواء
…
} [الآية: 228] .
الصيغة خبرية واستعملت في الأمر الإِلزاميّ بالتربُّصِ، وهو الانتظار بعدم الزواج الجديد حتَّى تمضي العدة.
واستعمال الخبر في مثل هذا المقام أبْلَغُ من إنشاء الأمر، للإِشعار بأنّه ليس من شأن المؤمنات المسلمات في مجتمعٍ إسلاميٍّ تكون المطلّقات فيه تحت المراقبة لمعرفة هل يوجد حمل ينسب إلى الزوج السابق أولاً؟ أن يُسْرِعْنَ إلى زواج من زوجٍ آخر قبل انقضاء مدّة العدّة.
والعلاقة المسببّة، كما سبق في المثالَيْن السّابقين.
إلى غيرها من الأمثلة، ومنها:{ومَا تُنْفِقُونَ إِلَاّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} -[البقرة: 272]{وإذْ أخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَعْبُدُونَ إلَاّ اللَّهَ}
(4)
الصيغ الخبرية المستعملة للدلالة على الامتنان، أو الترغيب والحضّ، أو التلويم، أو التحسير والتنديم، أو المدح، أو الهجاء، أو السخرية والاستهزاء، إلى غيرها من معانٍ سبق بيانها في مبحث الجملة الخبرية، ومعانٍ أخرى قد تَتَفَتَّق عنها أذهان البلغاء.
وأمّا قسم المركبات الإِنشائيّة: فقد تخرج مجازاً عن معانيها للدلالة بها على معانٍ أُخرى، فمنها ما يلي:
(1)
إطلاق الأمر والنهي مراداً به الإِخبار مجازاً، ومن الأمثلة ما يلي:
* قول الله عز وجل في سورة (مريم/ 19 مصحف/ 44 نزول) خطاباً لرسوله:
فَلْيَمْدُهْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً: صيغة أَمْرٍ يُرَادُ بِهَا الإِخْبارُ عن سُنَّةِ اللَّهِ، وصيغة الأمر هنا مستعملَةٌ أوّلاً بمعنى الدعاء، والدُّعَاءُ مُسْتَعْمَلٌ بمعنى الخبر، أي: فالله يُمدُّ لَهُ مَدّاً.
وفي هذا المجاز إيجاز بالغ، وإشعار بأنّ الرّسُول يدعُو على من كان في الضلالة، بأَنْ يُجْري الله فيه سنَّتَهُ، فَيَمُدَّ لَهُ، ولا يدعُو عليه بتعجيل العقاب.
* قول الله عز وجل في سورة (العنكبوت/ 29 مصحف/ 85 نزول) :
وَلْنَحْمِلُ خَطَايَاكُمْ: هذِه صيغةُ أمْرٍ، يُرادُ بِها الإِخبارُ على سبيل الوعد بأنّهم سيَحْمِلُونَ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ إذَا اتَّبَعُوهم، وهم كاذبون بهذا الوعد، وغرضهم منه الاستدراج إلى الكفر.
وصيغة الأمر في هذا المقام أبلغ من صيغة الخبر، لأنّ فيها معنى إلزام أنفسهم بتحقيق الأمر الذي وعَدُوهم به.
* قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول) بشأن المنافقين الذين تخلّفوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك:
{فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الآية: 82] .
أي: هم يضحكون اليوم في دنياهم قليلاً ولكنّهم سيبكون في أخراهُمْ كثيراً جزاءً بِما كانوا في الحياة الدنيا يكسبون من آثام.
جاء هذا الإِخبار بصيغة الأمر في {فَلْيَضْحَكُواْ - وَلْيَبْكُواْ} على سبيل المجاز المرسل، وعلاقته هنا السببيّة، لأنّ الأمر الرّبَانِيّ التكويني هو الذي مكَّنَهُمْ في الحياة الدنيا من أن يكونوا منافقين وعصاةً محتالين يضحكُون في سِرِّهم إذا قَدَّمُوا أعذاراً كاذبةً قَبِلَهَا الرسول صلى الله عليه وسلم منهم معاملةً لهم بمقتضى ظاهر أحوالهم، فمن توابع الأمر التَّكْويني الذي جعلهم الله به مخيّرين أن يضحكوا، فأُطْلِقَ لفظ السّبب على المسبَّب.
ولأنّ الأمر التكوينيّ الجزائيّ يَوْمَ الدّين هو الذي سَيَجْعَلُهُمْ يتَقَلَّبُون في العذاب الذي يجعلُهُمْ يَبْكُون من شدّة ما يلاقون من آلام، فأطْلِق لفظ السبب على المسبب على طريقة المجاز المرسل.
* قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح:
"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
فَلْيَتَبَوَّأ: الصيغة إنشائيّة فيها معنَى الأَمر، والمرادُ الإِخبار بأنَّهُم سيَتَبَوَّؤُن مقعدهم من النار، أي: سَيُقِيمون به.
يقال لغة: تبوّأ المكانَ وتَبَوَّأ به، إذ نزلَهُ وأقامَ به.
والعلاقة السببيّة بين الأمر والخبر هنا، إذِ الأَمْر مستعمل أوّلاً بمعنى الدعاء، إذْ يطلب فيه الرسول من ربّه، ودُعَاءُ الرّسول على من كذب عليه متعمّداً بهذا التّبَوُّءِ مُتَحَقِّقُ الاستجابة فهذا الكاذب سيتبوّأ مقعده من النّار حتماً.
أو نقول: صيغةُ الأمر مستعملةٌ بمعنى الوعيد، والعلاقة بين الأمر والوعيد أَنَّ أَمْرَ التَّنفيذ الجزائي يلزم عنه وعيد بالجزاء، فالعلاقة هي اللّزوم، فجرى استعمال الأمر في الوعيد بما سَيَحْدُث من جزاء، ولو كان مُقَرِّرُ الجزاء غيْرَ مُسْتَعْمِلِ صيغةِ الأمر.
(2)
وقد تُطْلَقُ الْجُمَل الاستفهامية مُراداً بها معانٍ أخرى غيرُ الاستفهام، مثل:"التقرير - الإِنكار - الامتنان - التمنّي - الترجي" إلى غير هذه المعاني من معاني خبريّة سبق بيانُها في بحث الجملة الإِنشائية وأقسامها، تحت بحث: "خروج الاستفهام عن أصل دلالته إلى معاني أخرى.
(3)
إلى غَيْرِ ذَلِكَ من معاني تتفتّق عنها أذهان البلغاء.
***
المبحَثْ الثَالِثُ
المجاز في الإِسناد وهو المجاز العقلي
المجاز العقلي: إسناد المتكلّم الفعلَ أو ما في معناه إلى غير ما هو له في اعتقاده، لملابَسَةٍ بينهما، مع قرينةٍ صارفة عن أنْ يكون الإِسناد إلى ما هو له في اعتقاده.
هذا المجاز هو في حقيقته تجوّزٌ في حركة الفكر بإسناد معنىً من المعاني إلى غير الموصوف به في اعتقاد المتكلّم، لملابَسَةٍ مَا تُصَحِّحُ في الذهن هذا الإِسناد، بشرط وُجود قرينة صارفة عن إرادة كون الإِسناد هو على وجه الحقيقة.
وغالباً ما تكون القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة باعتقاد المتكلّم في هذا الإِسناد قرينة فكريّة، تُدْركُها الأذهان ولو لم يأت في العبارة ما يَدُلُّ عليها، وقد تكون قرينة لفظية أو حالية.
وسُمِّيَ مجازاً عَقْلِيّاً وقد يُطْلَقُ عليه "مجازٌ حُكْمِيّ" لأنّ كلاًّ من ركنَي الإِسناد قد يكون مستعملاً في معناه اللّغوي بحسب وضعه، إنّما حصل التجوّز في الإِسناد وفي النسبة فقط، وقد يكون مستعملاً في معنىً مجازيً على طريقة المجاز اللّغوي، وأضيفَ إلى ذلك مجازٌ عقليٌّ حاصل في الإِسناد، أي: في نسبة المسند إلى المسند إليه، سواء أكانت الجملة فعليّة أو اسميّة.
ما في معنى الفعل: المصدر والمشتقات التي تعمل عمل الفعل في الأسماء الظاهرة أو في ضمائرها، وهي اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبّهة، واسم التفضيل، واسم المصدر.
الملابَسَة: هي العلاقة التي سبق بيانُها في المجاز المرسل في المفرد، أو في المركب، كالسببيّة والمسببيّة، والكليّة والجزئية، واللّزوم، والمجاورة، والعموم والخصوص، والحالّية والمحليّة، واعتبار ما كان أو ما سيكون، والآليَّة، إلى غيرها من علاقاتٍ وملابسات.
وليس بلازم في المجاز العقلي "كما قال عبد القاهر" أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أُسْنِد إليه كان الكلام وارداً على وجه الحقيقة، إذْ لا يتأتَّى هذا في كلّ شيء، كأن تقول: ساقني إلى البلَد حقٌّ لي أطالب به.
أمثلة:
(1)
قول القائل في وصف متعبّد يقومُ اللّيل ويصوم النهار اسْمُه عبد الله: "عبدُ الله ليلُهُ قائم، ونهارُهُ صائم".
هذا الإِسناد قَدْ وُجِدَتْ نظائره في كلام بلغاء العرب، ويلاحظ في هذا المثال أنَّ كلَّ لفظة فيه مستعملة في معناها الأصليّ بحسب الوضع اللّغوي، لم يحدُث فيها تجوّزٌ ما، لكِنَّ الذي يحصل هو التجوُّز في الإِسناد، فبَدَل أنْ يُسْنَدَ القيامُ والصيامُ إلى المتعبِّد فيُقَالَ:"عبدُ الله قائِمٌ كُلَّ اللَّيْلِ، وصائمٌ كُلَّ النَّهار" أُسْنِدَا إِلى اللَّيْل والنّهار، والعلاقةُ هي الظرفيّة الزمانية.
ومع ما في هذا الإِسناد من فَنِّيَّةٍ أدبيّة تُعْجِبُ مشاعر الأديب، فله غرض بيانيّ، وهو الدلالة بإيجاز على أنَّ عبد الله يستغرق ليلَه بالقيام متعبّداً، أو هو بمثابة المستغرق له، ويستغرق نهاره بصِيامٍ مستوفٍ لشروطِه من الناحيتين المادّية والمعنويّة.
هذه العمليّة التجوُّزِيّة حركَةٌ فكريَّةٌ في الإِسناد والوصف، وليست تجوّزاً لُغَوِيّاً في استعمال الكلمة للدّلالة بها على غير معناها الأصليّ في الاصطلاح الذي يجري به التخاطُب.
ولهذا كان جديراً بأنْ يُسَمَّى "مجازاً عقليّاً" أو "مجازاً فكريّاً" أو مجازاً في الإِسناد" أو "مجازاً حُكْمِيَّاً" أي: في الحكم، ونحو هذه العبارات، وقد اشتهر عند البيانيّين أنه مجاز عقليّ.
(2)
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) بشأن المنافقين:
{أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [الآية: 16] .
نُلَاحِظُ في هذِهِ الآيَةِ أنَّ رُكْنَي الإِسْنَادِ حصَل فيهما مجازٌ لغويّ.
فالرّبح المنفيُّ اسْتُعِيرَ للدّلالة به على عدم حُصُول الفائدة من عَمَل المنافقين، وهذا مجاز لغوي.
والتجارة استعيرت للدلالة بها على أخذهم الضلالة وتَرْكِهم الهُدَى، كما يفعل التجّار في المبادلات عند البيع والشراء، وهذا مجازٌ لغويٌّ أيضاً.
لكِنَّ الشاهد من إيراد الآية هنا ليس فيهما، إنّما الشاهد في الإِسناد الذي حصَلَ في الجملة، فبَدَلَ أنْ يُسْنَد نفْيُ الرِّبْحِ إلى المنافقين أُسْنِدَ إلى تجارتهم، أي: إلى أخذهم الضلالة وتركَهم الهُدى.
والعلاقة التي صحّحت هذا الإِسناد هي كون هذا العمل عَمَل المنافقين أنْفُسِهم، إذْ قَصَدُوا مِنْه تحقيق الفائدة لهم، فلم يكن عمَلُهم سبباً لربحهم، بل كان سبباً لخسارتهم.
والملابسة بين العامل وعمله من أقوى الملابَسات الّتي تُصَحّح في الأفكار مثل هذا المجاز العقلي.
ولا يخفى ما في هذا المجاز من إيجاز، ومن فنيّة أدبيّة تُعْجِبُ أذواق الأدباء والْبُلَغاء.
أمّا القرينة فهي قرينة فكريّة عقليّة، إذ التجارة ليست هي التي تربح أو تخسر، بل الرابح أو الخاسر هو صاحب التجارة.
(3)
قول الله عز وجل في سورة (القصص / مصحف/ 49 نزول) :
جاء في هذه الآية إسنادُ تذبيح أبناء المستضعفين إلى فرعونَ، مع أنَّه لم يكن هو الذي يقوم بأعمال التذبيح، إنّما كان يأمُرُ جنوده بذلك فيُطيعون أمره.
والعلاقة أو الملابسة هي السَّبَبِيّة، فدلّ هذا المجاز العقلي بعبارته الموجزة على أمرين:
الأول: أنّ فرعون كان هو الآمر الْمُطَاع في أعمال تذبيح أبناء المستضعفين في مصر.
الثاني: أنّ جنوده كانوا يقومون فعلاً بهذا العمل الإِجراميّ الشنيع، طاعة لسيّدهم فرعون.
والقرينة الدليل الفكري المستند إلى ما هو معلوم في عادة الملوك الجبَّارين.
(4)
قول الله عز وجل في سورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول) :
{وَقَالَ فَرْعَوْنُ ياهامان ابن لِي صَرْحاً لعلي أَبْلُغُ الأسباب * أَسْبَابَ السماوات فَأَطَّلِعَ إلى إلاه موسى} [الآية: 36 - 37] .
أمَرَ فرعونُ وزِيرَهُ الأوّلَ هامان بأن يَبْنَي له صَرْحاً، معَ أنَّه لَا يسْتطيعُ أن يبنيَهُ بنفسه، إنّما يُوجِّه أوامره للبنّائين ويتخذ الوسائل لذلك.
والملابسة هي السببيّة، والقرينة دليلٌ فكريُّ يستند إلى العادة.
(5)
قول الله عز وجل في سورة (إبراهيم/ 14 مصحف/ 72 نزول) :
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار} [الآيات: 28 - 29] .
دار البوار: دارُ الهلاك المتجدّد الّذي يَذُوقُ أهْلُها بِه العذاب كلّما بدَّل الله جلودَهُمُ الَّتي نضِجَتْ جُلُوداً غيرها، فالْبَوارُ في اللّغة الهلاك، وهو يَحْمِلُ معنى العذاب، وفُسِّرَتْ دارُ البوار بقوله تعالى:{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} .
وجاء في هذا النصّ أن الّذين بدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً أحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البوار لأنّهم كانوا من العوامل التي جعلت قومهم يكفرون بربّهم، فيدخُلُون جهنّم.
فهذا مجاز عقليٌّ ملابسته التسبُّب عن طريق القيام بأعمال الإِغواء والإِغراء والمكر التي تغريهم وإن كانت استجابتهم تأتي من قبل إراداتهم الحرّة.
(6)
قول الله عز وجل في سورة (المزّمل/ 73 مصحف/ 3 نزول) :
{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً} [الآية: 17] .
عبارة: {يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً} هو كنايةٌ عن شِدَّة الْهَوْلِ الذي يكون يوم الدين، ولكنّ الشاهد هنا ليس في كون هذه العبارة كناية، إنّما الشاهد هنا في إسناد الفعل إلى اليوم، واليوم ليْسَ هو الذي يجعل الولدان شيباً، والملابسة هي "الظرفية" لأنّ ذلك اليوم هو الظرف الزّمانيّ للأهوال التي من شأنها لو وُجِدَ نظيرها في الدنيا أَنْ تَجْعَلَ الوِلْدَان شيباً.
(7)
قول الله عز وجل في سورة (الحاقة/ 69 مصحف/ 68 نزول) بشأن الذي يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابَهُ بِيَمِينِه:
{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} [الآيات: 21 - 22] .
جاء في هذا النّصِّ وصْفُ المؤمن في الجنّة بأنّ عِيشَتَهُ رَاضِية، والأصْلُ أنْ يكون هو الرّاضي بها، فأسْنِد الرّضا إلى العيشة، والملابَسَةُ أنّه هو صاحِبُ العيشة، فهي جزءٌ من ذاته.
والغرضُ البيانيُّ الإِشعارُ بمصاحبة الرضا لكلّ أجزاء عيشة المؤمن في الجنّة، فلا يُوجَدُ عُنْصرٌ منها، ولا أجزاءٌ زَمَنيّةٌ مرافقة لها، تخلُو من الرّضا، وهذا المعنى لا تؤدّيه عبارة: فهو راضٍ عن عيشته، وذلك لأنّ الإِنسان قد يرضى عن عيشته ولو دخلت ضمنها منغِّصات، إذ هو ينظر إلى عيشته باعتبار الأغلب من أحوالها، بخلاف العيشة نفسها التي تمرُّ أجزاءً مع توالي الأزمان، إذْ كُلُّ جزء منها مُنْفَكٌ عن سابقه وعن لاحقه، فإسناد الرضا إليها يدلُّ على أنّ كلَّ أجزائها مغمورٌ بالرضا.
(8)
قول الله عز وجل في سورة (محمّد/ 47 مصحف/ 95 نزول) بشأن تخوّف الذين في قلوبهم مرض من أن يَنْزلَ قرآن يوجب عليهم القتال:
{
…
فأولى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأمر فَلَوْ صَدَقُواْ الله لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} [الآيات: 20 - 21] .
العزْم على القتال والإِلزامُ به من شأن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، ثم من شأن أولياء الأمر من بعده، فالأَمْرُ هُو أَمْرُهُمْ.
وقد جاء في هذا النّصّ إسناد العزم إلى الأمر، بدلَ إسناده إلى صاحب الأمر على طريق المجاز العقلي، والملابسة تلاحظ من جِهَتَيْن:
الأولى: أنّ فاعل العزم على القتال هو الذي يَمْلِك الأمر به.
الثانية: أنّ الأمر بالقتال إلزاماً يكون معزوماً عليه.
والغرض البيانيّ فنيَّةُ الأَداء، مع الإِيجاز، ويوجَدُ في هذا المجاز إشعارٌ بأنّ الضرورة أو المصلحة الشديدة لجماعة المسلمين هي الّتي تجعل وليَّ الأمر يَعْزِمُ
على الأمر بِالقتال إلزاماً، حتَّى كأنَ أَمْرَ الْمُسْلِمين العامَّ هو صَاحِبُ العزم، وهذا معنى دقيق قد أدّته العبارة القرآنية بأبلغ إيجاز.
(9)
قول الله عز وجل في سورة (الرعد/ 13 مصحف/ 96 نزول) :
{أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا
…
} [الآية: 17] .
جاء في هذا النصّ إسناد السّيلان إلى الأودية، مع أنّه للماء فيها، والملابسة المكانيّة أو المجاورة.
والغرض البياني الإِشعار بأنّ الناظر إلى الأوديّة المغمورة بماء السّيول، يُخَيَّلُ إليه أنّ الوِدْيانَ تَسِيلُ أيْضاً مع المياه الّتي تسيل فيها.
(10)
قول الصَّلَتَان العَبْدي "هو قُثَمُ بْنُ خَبِيَّة" متوفى (80هـ) :
أشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الْكَبِيـ
…
ـرَ كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيّ
أسند فِعْلَيْ "أَشَابَ" و"أَفْنَى" إلى كَرِّ الْغَدَاةِ ومَرِّ الْعَشِيِّ، وهما لا يفعلان ذلك، لكنّهما زَمَنَانِ لِمَا يَحْدُثُ من تغييراتٍ فيهما بفعل الرّبّ الخالق وسُنَنهِ في كونه، فالملابسةُ الظرفية الزمانية.
(11)
قول الشاعر يَصِفُ عين جَمَلِه بأنّه تجوبُ لَهُ في اللَّيْلِ الدّامِسِ الظلماء فيهتدي بهَدْيها:
تَجُوبُ لَهُ الظَّلْمَاءَ عَيْنٌ كَأَنَّهَا
…
زُجَاجَةُ شَرْبٍ غَيْرُ مَلأَى ولا صِفْرِ
فأسند إلى عين الجمل أنّها تَجُوبُ للْجَمل الظَّلْماءَ، أي: تَخْرِقُ وَتَثْقُبُ لَهُ الظّلْماءَ فيرى بذلك طريقه، فجعل العين هي الّتي تفعلُ لصاحبها، والملابسةُ كَوْنُها أداة العمل.
الشَّرْبُ: القومُ يَشْرَبون ويجتمعُون عَلى الشَّراب.
والأمثلة على المجاز العقلي كثيرة جدّاً.
***
تقسيم المجاز العقلي باعتبار طرفيه المسند والمسند إليه
قسّم البيانيّون المجاز العقلي بالنظر إلى كون كلٍّ من طرفَيْه: "المُسْنَدِ والْمُسْنَدِ إِلَيه" حقيقةً لغويّة أو مجازاً لغوياً، إلى أربعةِ أقسام:
القسم الأول: أن يكون الطرفان حقيقتين، مثل:"سَالَ الوادي".
فالمسند وهو فِعْلُ "سَال" مستعملٌ فيما وُضع له لغة وهو السَّيَلان، ولا مجاز فيه.
والمسند إليه وهو "الوادي" مستعمل أيضاً فيما وضع له لغة ولا مجاز فيه.
لكنّ المجاز وقع في الإِسناد وهو نسبة السيلان إلى الوادي، وهذا من المجاز العقلي.
* ومثل قول الله عز وجل في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول) :
زَادَتْهُمْ إيِمَاناً: فعل الزيادة حقيقة، والأيات حقيقة، وإسناد الزيادة إلى الآيات مجاز عقليّ، ملابسته السببيّة.
* ومثل قول الله عز وجل في سورة (الزلزلة/ 99 مصحف/ 93 نزول) :
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا} [الآيات: 1 - 2] .
أخرجت الأرض: كُلُّ من المسند والمسند إليه حقيقة، والإِسناد مجاز عقليّ، لأنّ الأرض ليست هي التي تُخْرِجُ أثقالها حقيقة.
القسم الثاني: أن يكون الطرفان مجازيَّيْن، مثل:
* "أحْيَا الأرضَ شبابُ الزّمَان".
فعل "أحيا" مجاز يُرادُ به الإِنبات، و"شَبَابُ الزَّمان" مجازٌ يُرادُ به الْفَصْل الذي تَنْبُتُ فيه الزّروع، إذْ هو يشبه الشباب في الإِنسان، وكلاهما استعارة.
وإسنادُ الإِحياء إلى شباب الزمان مجازٌ عقلي، لأنّ الْمُنْبِتَ في الحقيقة هو الله.
* قول الله عز وجل في سورة (البقرة) :
{فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ} [الآية: 16] .
نفي الرِّبْح: مجاز عن عدم تحصيلهم نفعاً من أخذ الضلالة وترك الهدى.
تجارتهم: مجاز عن عملية أخذ الضلالة وترك الهدى.
وإسناد نفي الربح عن تجارتهم مجاز عقلي، إذ المنافقون هم الّذين لم يربحوا، وقد سبق شرح هذا النص.
* "أَنْطَقَتْ أيادي الإِحسان ورُودَ وجوه الحسان بالشكران" فالطرفان مجازان، والإِسناد مجاز عقلي.
القسم الثالث: أن يكون المسند حقيقة والمسند إليه مجازاً، مثل:"أَنْبَتَ الْبَقْلَ شبابُ الزمان".
الإِنبات: حقيقة. وشبابُ الزمان مجاز، والإِسناد مجاز عقلي، والملابَسَةُ السببيّة.
القسم الرابع: أن يكون المسند مجازاً والمسند إليه حقيقة، مثل:
* قول المتنبّي:
وتُحْيِي لَهُ الْمَالَ الصَّوَارِمُ والْقَنَا
…
وَيَقْتُلُ مَا تُحْيِي التَّبَسُّمُ والْجَدَا
الإِحياء مجازٌ عن الإِنْماء والتكثير، والصوارم والقنا حقيقة، وإسناد الإِحياء إلى الصوارم والقنا مجازٌ عقلي، والملابسة السببيّة.
* قول الله عز وجل في سورة (محمد/ 47 مصحف/ 95 نزول) :
{
…
حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا
…
} [الآية: 4] .
وضع الأوزار: مجاز عن انتهاء أعمال الحرب.
الحرْبُ: حقيقة.
وإسنادُ وَضْعِ الأوزار إلى الحرب مجازٌ عَقْلي.
***
قرينة المجاز العقلي:
تأتي قرينة المجاز العقلي علَى وَجْهَيْن:
الوجه الأوّل: أن تكون لفظيّة، مثل: بنَى صَالحٌ بيته مستأجراً أمْهَرَ البنّائين، أيْ: لم يَبْنِه بيده، إنما اتّخذ الوسائل لبنائه.
الوجه الثاني: أنْ تكون غير لفظية، وهذه القرينة:
* إمّا أن تكون آتية من دليل العقل، مثل: محبتك جَاءَتْ بي إليك، فالمحبة ليست هي الفاعلة على وجه الحقيقة، لكنّها كانت الباعث النفسي، وهذا يُدْرَك بالعقل.
* وإما أن تكون آتية من دليل العادة، مثل: طَبَخَ صاحب الوليمة لضيوفه طعاماً شهيّاً لذيذاً، أي: أمر بطبخ الطعام هذا، واتّخذ الوسائل لإِعداده، وهذا يُدْرَك بحسب العادة.
* وإمّا أن تكون آتية من دليل الحال، مثل: كتب عبد السميع رسالةً مؤثرةً لولده المسافر، أي: أمر بأن تُكْتب له، إذا كان هذا الرجل أميّاً لا يَقْرأ ولا يَكْتُب، وكانت حاله معروفة.
قيمة المجاز العقلي في البلاغة والأدب:
كلُّ من يقرأ أو يسْمَع كلاماً بليغاً مؤثّراً إذا رجَعَ إلى تحليل عناصر التأثير
فيه، القائمة على الإِبداع الرفيع يلاحظ أنَّ من أكثر هذه العناصر تأثيراً في نفسه، ما اشتَمَل الكلام عليه من مجاز بديع، وتكثُر فيه الفقرات التي تنتمي إلى قسم المجاز العقلي.
ولا يُحْسِنُ الإِبْدَاعَ المؤثّرَ من هذا المجاز إلَاّ أذكياء البلغاء.
قال "الشيخ عبد القاهر الجرجاني" متحدّثاً عن هذا النوع: "المجاز العقلي":
"هذا الضّرْبُ من المجاز على حِدَتِهِ كَنْزٌ من كنوز البلاغة، ومادَّةُ الشاعر الْمُفْلِق، والكاتب البليغ، في الإِبداع، والإِحسان، والاتّساع في طُرُق البيان.
ولَا يَغُرَّنَّك مِنْ أَمْرِه أَنَّكَ تَرَى الرَّجُلَ يقول: أتَى بِيَ الشَّوقُ إلَى لقائك، وسارَ بيَ الحنينُ إلى رؤيتَك، وأَقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي على إنسان، وأشباه ذلك، ممّا تَجِدُه لشهرته يجري مجرى الحقيقة، فلَيْس هو كذلك، بلْ يَدِقُّ ويلطُفُ، حتَّى يأتِيَك بالْبِدْعَةِ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْهَا، والنّادِرَة تَأْنَقُ لها".
***
المبحَثْ الرَّابع
المجاز المرسل القائم على التوسع في اللّغة دون ضابط معيّن
توجد أنواعٌ وصُورٌ متفرّقة من المجاز لا يجمعها جامع، ولا يحصرها ضابط معين، وهي من التوسّع في اللّغة، وينطبق عليها بوجْهٍ عامّ تعريفُ المجاز، وهو "إطلاق اللّفظ للدلالة به على غير ما وُضع له في اصطلاحٍ به التخاطب، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة المعنى الأصلي".
وقد رأيت أن أجعلها داخلةً تحت عنوان "المجاز المرسل" أي: المجاز الذي لا تكون العلاقة فيه المشابهة، سواء أكان له علاقة غَيْرُ المشابهة، أم ملابسة ما، أم لمْ تظهر فيه ملابسةٌ فكرية.
وقد يرجع بعض هذه الأنواع المتفرّقة أو بعض أمثلتها إلى أقسام المجاز التي سبق تفصيلها وشرحها.
عرض لبعض هذه الأنواع والصور:
* فمن هذه الأنواع والصور المجاز بالحذف أو بالزيادة.
كحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، إذا لم تظهر ملابسة أو علاقة واضحة.
وكزيادة بعض الحروف لمجرّد التأكيد أو التزيين اللّفظي، ومنها زيادة حرف "ما" بعد "إذا" الظرفية، وزيادة بعض حروف الجر للتأكيد.
وقد سبق بيان الأمثلة في الإطناب.
ومنها إطلاق وقوع الفعل للدلالة به على قُرْب وقوعه والإِشارة إلى أنه شَارَف أن يقع، أو للدلالة به على تحقُّق وقوعه في المستقبل، تنزيلاً لما سيقع أو سوف يقع منزلة ما وقع فعلاً، مثل قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
{أتى أَمْرُ الله فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ
…
} [الآية: 1] .
أي: سيأتي حتماً، فهو بسبب تحقُّقِ وُقُوعه مستقبلاً يُعَبَّر عنه بأنه "أتَّى".
وقول المنادي لإِقامة الصلاة: قد قَامتِ الصّلاة، أي: حان وقت الشروع بأدائها وإقامتها.
* ومنها إطلاق المصدر بدل اسم الفاعل، أو بدل اسم المفعول، ومن الثاني قول الشاعر:
هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ الْيَمَانِينَ مُصْعِدُ
…
جَنِيبٌ وجُثْمَانِي بِمكَّةَ مُوثَقُ
أي: من أَهْواهُ.
وقد سبق شرح هذا البيت.
* ومنها إطلاق اسم الفاعل بدل اسم المفعول والعكس، مثل قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هاذا بَلَداً آمِناً} [الآية: 126] .
آمِناً: أي: مَأْموناً فيه، هذا ما يقوله البيانيون، ويفسّره اللّغويوّن بقولهم: أي: ذا أمْنٍ.
* ومنها إطلاق اللّفظ الدالّ على المستقبل مراداً به الماضي، لإِفادة الدوام والاستمرار حَالاً فمستقبلاً، أو للدلالة على الاستعداد النفسيّ المستمرّ، كأن يقال لمن أُدِينَ بشُرب الخمر في الماضي: أنْتَ تَشْرَبُ الخمر، أي: هذا دَيْدَنُك في الماضي والحال والاستقبال.
* ومنها وضع النداء موضع التعجّب، مثل: يَا سُبْحانَ الله.
* ومنها وضع جموع القلّة بدل جموع الكثرة لغرض بلاغي، كتعظيم العدد القليل، والإِشعار بأنّ ما يشتمل عليه هذا العدد القليل من صفات جليلة وعظيمة يجعله معادلاً للعدد الكثير.
* ومنها وضع جموع الكثرة بدل جموع القلّة، لغرض بلاغيّ، كتحقير العدد الكثير، والإِشعار بأنّ ما يشتمل عليه هذا العدد الكثير من تناقض في صفات كماله يجعله معادلاً للعدد القليل.
* ومنها وضع المذكّر بدَل المؤنث والعكس، لغرض بلاغي أو لمراعاة دواعي جمالية في اللّفظ.
* ومنها التغليب، كتغليب المذكر على المؤنث في الخطاب عند اجتماعهما، وخطابهما معاً بخطاب الذكور، للإِيجاز في اللفظ، أو لدواعي بلاغية أخرى، أو لمراعاة ما كان عدده هو الأكثر، كاستعمال اسم الموصول "ما" الموضوع لغير العاقل، في الكلام عن العقلاء وغيرهم، باعتبار أن المخلوقات غير العاقلة أكثر من المخلوقات العاقلة.
وكتغليب الشمس على القمر، أو العكس، عند تثنيتهما معاً، فيقال مثلاً: الشمسان، أو القمران، أي: الشمس والقمر، والداعي الإِيجاز.
* ومنها استعمال صيغة الأمر في غير الطلب، كالتخيير والتعجيز.
* ومنها استعمال أدوات الاستفهام في غير طلب الفهم، واستعمال أدوات التمنّي والترجّي في غير ما وُضِعَتْ له لأغراض بلاغيّة.
وقد سبق شرح كثير من هذه الأمور في علم المعاني.
* ومنها ما يُسمَّى "التضمين" وأظْهَرُهُ تضمين فعل أو ما في معناه، معنى فعل آخر، وتعديته بما يلائم الفعل الذي ضُمِّنَه، مثل:
- قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ
…
} [الآية: 187] .
الرَّفَثُ: لا يتعَدَّى بحرف الجرّ "إلى" لكنّه ضُمِّنَ معنَى فعل "أفْضَى" فَعُدِّيَ تَعْدِيتَهُ، والمعنى: أُحِلَّ لكم الرفث مُفْضِين به إلى نسائكم، فأغنى هذا الأسلوب التضميني عن التعبير بجُمْلَتين، أو عن التصريح بالحال.
- وقول الله عز وجل في سورة (النازعات/ 79 مصحف/ 81 نزول) في حكاية خطابه لموسى عليه السلام:
{اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى} [الآيات: 17 - 18] .
أصل التعبير: هَلْ لَكَ أن تتزكَّى، ولكن لمَّا تضمَّنَ الْعَرْضُ معنى الدعوة إلى التزكية، عُدِّي تَعْدِيَة أَدْعو، فالمعنى: هل يطيبُ لَكَ أنْ أدْعُوكَ إلَى أن تتزَكَّى.
- وقول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) بشأن منافقي العرب:
{وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [الآية: 14] .
فعل "خلا" لا يُعَدَّى بحرف "إلَى" لكنّ الفعل ضُمِّنَ معنَى الرُّجوع، فعُدِّي تَعْدِيته، والتقدير: فإذا خَلَوْ من جماعة المؤمنين ورجعوا إلى شياطينهم من اليهود أو قادَتِهم من المشركين قالوا لهم: إنّا معكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئون.
وقد بسطتُ الكلام على ظاهرة التضمين في القرآن، وأنها فنٌّ من فنون البيان الإِبداعي في المقولة الثالثة من القاعدة "الرابعة عشرة" من كتابي "قواعد التدبّر الأمثل لكتاب الله عز وجل".
***
"
علم البيان" الفصل الرابع: نظرات تحليلية إلى استخدام الأشباه والنظائر والمجاز في التعبيرات الأدبيّة
يتضمّن هذا الفصل تحليل نظرات الأديب إلى الأشباه والنظائر في الوجود المادّيّ، وفي المعاني الفكريّة، وفي الحركات الاختيارية، وفي المشاعر الوجدانيّة، واستخدامها في تعبيراته الأدبيّة.
إنَّ فكر الإِنسان بجولانه في مستودعات الذاكرة، وبقيامه بأعمال التحليل للصُّوَر الموجودة في جوانبها المختلفة، وللمعاني المجرَّدة الَّتي يستطيع إدراكَها، مع استخدام جهاز التخيُّل، قادرٌ بما وهبه الله عز وجل أن يلحظ بين الأفكار وبين الأشياء، وبين الاحتمالات الممكنة والاحتمالات غير الممكنة ممّا يتصوّره تخيُّلاً، أشباهاً ونظائر، وعناصِرَ قابلةً لأن يلتقطها، ويُخْرِجها فكريّاً من مُركّباتها، ثم يجمع متناثراتها ويؤلِّف منها مركّبَاتٍ وصُوراً جديدة يُعَبِّرُ بها عن فكرة يريد توصيلَها إلى غيره، أو إقناعَ نفسه بإبداعها، لأنه إذا لم يستطع أن يخلُقَ لعجزه عن الخلْق، فلْيُصَوِّرْ بخياله الذي مكَّنَهُ الرَّبّ الخالق من الإِبداع صُوراً جديدة، من أجزاءٍ متناثرة في مصوِّرَته الَّتي التقط أصولها عن طريق حواسّه الظاهرة أو الباطنة، وأدْخَلَها في المحفوظات لَدَيْه.
إنَّ فكر الإِنسان بمساعدة المصوِّرة والمتخيّلة والذاكرة يستطيع أنْ يتصيّد أشباهاً ونظائر ويُبْدعَ صوراً لا حصر لها، ويتفاضلُ أفراد الناس بحسب ما لديهم من هباتٍ رَبَّانيّة في هذا المجال، حتَّى إنّ بعض الناس يستطيع بما وهبه الله أن يستدعي من المحفوظات المصنفة في حافظة الصور لديه ما لا يستطيع غيره، فهو يستدعي ممّا لا يرى الناس فيه أشباهاً ونظائر، عناصِرَ شَبَهٍ جُزْئِيّة، يتنبَّه إليها، بينما تخفى على معظم الناس.
فإذا استطاع بعبارته أن يدُلَّهم عليها وجَدوا في رؤيته شيئاً رائعاً، وتنبُّهاً عجيباً، وربَّما أمتعهم كثيراً بما التقط متنبّهاً إليه، وبما صوَّرَ بفكرته، ثم بما عبّر به في كلامه مُبْدِعاً.
وأفلام الكرتون التخيُّلِيَّة هي من هذا القبيل، وكذلك الصُّوَرُ الشعريّة والأدبيّة الَّتي تُصَاغ بالكلام صياغةً أدبيّة.
لمَّا ثَارَ الْعَجَاجُ في المعركة من حوافر الْخَيْل الَّتُي تكِرُّ وتفِرُّ تَحْتَ فُرْسَانِها رأى المتنبِّي أنَّ الخيْل صارت لا ترى بأعينها من كثرة الْعَجَاج، مع أنَّها ظلَّتْ تُحْسِنُ الكَرَّ والْفَرَّ، وأَدْرَكَ أنّها عن طريق السَّمْع تُوجّه حَرَكَتَها، فاسْتَدْعَى خيالُه المشابَهَة بين وظيفة الآذانَ في هذه اللحظة، ووظيفةِ العيون، إذْ أدَّتِ الآذانُ وَظيفة العيون بإتقان فَقَال في وصف الخيل من قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
فِي جَحْفَلٍ سَتَرَ الْعُيُونَ غُبارُهُ
…
فَكَأَنَّما يُبْصِرْنَ بِالآذَانِ
يقول البلاغيون: جعل السماع بالآذان مشابهاً للإِبصار بالأعين.
وأقول: التقط بخياله حالة التشابه بين وظيفة الآذان من السمع، ووظيفةِ الأعين من الإِبصار، وقيام الآذان بوظيفة الأعين في تأدية الغرض المطلوب، ورأى في تلك اللَّحظة كأنَّ الآذان تُبْصِرُ، ولو أنَّه حذف أداة التشبيه وجعل آذان الخيُول تُبْصِر على طريقة الاستعارة لزاد كلامُهُ إبداعاً، فقد كان بإمكانه أن يقول: فَخُيُولُهُ تبصرن بِالآذَانِ.
مثل هذا التعبير هو لدى التحليل الآليُّ للُّغةِ "استعارة" لكنَّه لدى التحليل الفكري تعبير عن التشابه في تأدية الوظيفة المطلوبة، والجهاز الذي أدرك هذه الرؤية الخيال البارع السَّريع الذي من خصائصه القدرة على الإِبداع.
واستخدام الألفاظ ذوات الدلالات اللّغوية وسيلة لِلأَداء التعبيري.
والرسّام التخييليُّ يستخدم الخطوط والألوان والأشكال في اللّوحات وفي المجسَّمات.
***
ولدى التحليل النفسيّ نلاحظ أنَّ التعبير الكلامي الأوليّ الكاشف للتشابه في الذهن، يجعل المعبِّر يضع أداة التشبيه، فيدُلُّ بعبارته على وجه الشبَه الذي رآه.
وهذا يناسب الكلام العاديّ، ويكون بليغاً إذا كانت حال المخاطبين تستدعيه.
وإذا كان وجه الشبه ممّا لا يَصْعُبُ على المخاطبين اكتشافُه بأنفسهم، كان من البلاغة عدمُ التَّنْبيه عليه بعبارة كاشفة.
وإذا كان الإِخبار عن المشبَّه به على سبيل الادعاء، يكفِي لتَنْبِيه المتلقّي على المشابهة بينهما دون اللّجوء إلى ذكر أداة التشبيه، كان هذا في مثل هذه الحال أكثر بلاغة، لأنّه أكثر إرضاءً لذكاء المتلقِّي، لما في التصريح بالأداة من اتّهامه بأنّه لا يكفيه التعبيرُ بادّعاء أنَّ المشبَّهَ به يُخْبَرُ به عن المشبَّه دون التصريح بأداة التشبيه، وهنا يأتي الحدُّ الفاصل بين التشبيه وبين الاستعارة، فَيَنْظُرُ المحلِّل من جهة ذكر لفظ المشبَّه وحَمْل اسم المشبَّه به عليه، فيَرى أنّه تشبيه بليغ حُذِفَتْ منه أداةُ التشبيه، وينظر من جهة ذكر لفظ المشبّه به دون أداة التشبيه فيرى أنّه استعارةٌ للفظ المشبّه به، وإطلاقٌ له على المشبّه بادْعاء أنَّه هو، لتنبيه المتلقي على عنصر التشابه بينهما مدحاً أو ذمّاً أو غير ذلك من مقاصد التشبيه.
ويرتقي الأديب ببيانه التعبيري درجةً أخيرة فيرى أنَّه لا داعيَ لذكر لفظ المشبَّه، ويكفي عن ذكره قرائنُ الحال أو المقال، فيكتفي بذكر لفظ المشبَّه به في عِبَارَته، أو بذكر صِفَاتٍ أو لوازم هي من خصائصه، ويَكُونُ في الكلام ما يمنع اللَّبْسَ، ويَدُلُّ على المراد، وهذه الدرجة العالية من البيان التعبيريّ عن التشابه تُنَاسِبُ من تُسْرِعُ أفهامُهُمْ لإِدْراك المراد، ويكون بالنسبة إليهم هو الكلام الأكثر
بلاغة، لما فيه من إرضاءٍ لذكائهم اللّماح، واستئثارٍ بإعجابهم، إذْ يُعْجِبُهُمْ من صاحب البيان ما لديه من قدرة على تقديم تعبير مختصَرٍ جدّاً، مُحَقِّقٍ لغَرَضِهِ في دلالة الأذكياء على ما يُريد.
وحين يكتفي الأديب المعبِّر بذكر اللّوازم البعيدة فقط، والصفات الغريبة للمشبَّه به، دُون ذكر اللَّفظ الخاصّ بالمشبَّه به، فإنَّه يكون بذلك قد ارتقى ارتقاءً جديداً، وأخَذَ في طريق الرَّمز.
فمن ذلك ما هو قريب يَسْهُل على الذكي اللَّماح أن يتنبَّهَ له، ومنه ما هو بعيد لا يُدْرَكُ إلَاّ بالتأمُّل العميق، وقد يدركه العبقريّ. ويخصُّ البلغاء مخاطبيهم بالإِشارات واللّوازم البعيدة على مقاديرهم.
وكلُّ كلام يكون هو الأنسب لحال المخاطب يكونُ هو الكلام الأبلَغَ بالنسبة إليه.
وبدءاً من حذف وجه الشَّبه وأداة التشبيه، يكونُ الكلامُ قد انتقل من حُدُودِ التوجيه المباشر، إلى أَبْعَادِ التوجيه غير المباشر.
وكلَّما توغَّل الكلام في الْبُعْدِ، مع بُعْدِ اللّوازم الَّتي يحتاج إدراكُها إلى فطنة الفطناء، كان الكلام ذا طبقةٍ أرقَى في طبقات التعبير، فإذا كان موجّهاً لمن يُدْرِكُه كان بالنسبَةِ إليه هو الأبلغ.
لكنْ إذا كان موجّهاً لمن لا يُدْركه فإنَّه لا يكون هو الأبلَغ بالنسبة إلى حاله، لأنه لا يكون مطابقاً لمقتضاها، أمَّا الأبْلَغُ بالنسبة إليه فهو الأدنَى في الطبقة البيانيّة، ممَّا يلائم ويطابقُ حاله.
ومن الخطأ بوجه عامّ أن نقول: هذه الطبقة البيانيّة أبلغ من هذه لمجرّد كَوْنِهَا أعلى مرتبةً، إذْ يحتاج فهمهما إلى ذكاء الأذكياء الفطناء، أو عبقريّات العباقرة، لأنَّ الكلام الأبلغ هو الأكثر مطابقةً لمقتضى حال المخاطب.
لكن نقول: إنَّ الكلام على طبقات بعضُها أرْفَعُ من بعض:
الطبقة الأدنى: هي طبقة التعبير المباشر دون استدعاء الأشباه والنظائر.
وفي هذه الطبقة درجات الإِيجاز والإِطناب والمساواة، وهذه الطبقة تلائم أحواله فئة من الناس.
الطبقة الوسطى: هي طبقة التعبير المباشر مع استدعاء الأشباه والنظائر.
وفي هذه الطبقة درجات: "التشبيه المرسل المفصل - والمؤكّد المفصّل - والمرسل المجمل - والمؤكّد المجمل - "وهو التشبيه البليغ" -".
وهذه الطبقة تلائم أحوال فئة من الناس.
الطبقة العليا: طبقة التعبير غير المباشر.
وفي هذه الطبقة درجات "التشبيه الضمني - الاستعارة التصريحيّة مع القرينة - الاستعارة المكنيّة مع القرينة -" وفي التصريحيّة والمكنيّة درجات: "الاستعارة المجرّدة الَّتي اقترنت بما يلائم المستعار له فوق القرينة الدّالّة على الاستعارة - الاستعارة المرشحة والتي اقترنت بما يلائم المستعار منه والمستعار له فوق القرينة الدّالة على الاستعارة - الاستعارة المرشحة التي اقترنت بما يلائم المستعارَ منه بعد القرينة الدَّالة على الاستعارة".
وينضمّ إلى هذه الطبقة درجات المجاز المرسل، والمجاز العقلي.
* فالتعبير الذي يُذكر فيه لفظ المستعار منه هو أدنَى درجات هذه الطبقة.
* والتعبير الذي لا يذكر فيه المستعار منه بل لازمه الذهنيُّ الأوّل يحتلُّ الدرجة الثانية.
* فإذا ذُكِرَ اللاّزم الذهني الثاني فقط ارتقى درجة.
* وهكذا ترتقي الدرجات مع بُعْدِ اللَّوازم، الثالث، فالرابع، فالخامس، حتّى اللازم الذي يدخل في باب الرَّمزيّة.
كذلك الحال في المجاز المرسل والمجاز العقليّ، فمنهما ما هو في أدنَى درجات طبقته، بحسب قُرْب إدْراكه، ومنهما ما هو أعلى درجةً وهكذا صاعداً بحسب بُعْدِ إدْراكه، ما لم يَخْرُجْ عما يُمْكن لأذكياء البلغاء أن يُدْرِكُوه.
فإذا قُلْنا: بنى الحاكم القصر، أي: أمر ببنائه، كان هذا مجازاً عقليّاً من درجة دُنيَا.
وإذا قُلْنا: سرق الحاكم بتهاونه أموال ذوي الأموال، أي: لم يحافظ على الأمن ولم يَقُمْ بواجباته، فمكَّنَ اللّصوص والمجرمين من العدوان على أموال ذوي الأموال، كان هذا مجازاً عقليّاً من درجة أعلى.
ويأتي في دَرَجَة أعلى من هذه الدرجة وأرفع ما نجده في قول الباري عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
{يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً
…
} [الآية: 26] .
أي: أنزلنا مطراً فأنبت زرعاً فيه خيوطٌ تُغْزَل وتُنْسَجُ فتكون لباساً، لِبُعْدِ اللَّوازم.
ولكل مقام مقال، ولكلّ مخاطَبٍ حال يلائمها طبقة من طبقات الكلام، ودرجة من درجاته.
والكلام الأبلغ هو الأكثر مطابقةً لمقتضى حال مَنْ يخاطَبُ به فرداً أو جماعة، ذكوراً، أو إناثاً، أو عَامّاً لِكُلِّ من يَتَلقّاه.
***
"
علم البيان" الفصل الخامس: منهج البيان القرآني في التنويع والتكامل وفي حكاية الأقوال والأحداث والقصص
مقدمة
دارس كتاب الله عز وجل بتدبُّرٍ وتأنٍّ وتفكيرٍ عميق يكتشف مناهج بيانيّة رائعة انفرد القرآن المجيد بها، ثم أخذ أذكياء البلغاء يتأسَّوْنَ بها على مقادير أَوْعيتهم الفكريّة، وما وهَبَهُم الله عز وجل من قُدْراتِ بيانٍ رفيع، فمنهم المجلّي، ومنهم من يأتي في الدرجة الأدنى فالأدنى وهكذا تنازُلاً، حتى آخِر الْمُسْتَنِّين في مِضْمار الْبَيان الأدبي.
وقد رأيت أن أضيف إلى علم البيان فصلاً يتعلّق بما اكتشَفْتُه في القرآن المجيد من ظاهرات بيانيّة يُفِيدُ منها متدبّر كتاب اللَّهِ عز وجل، الباحثُ في معانيه ومراميه، والمتذوّقُ لآدابه وفنونه البلاغيّة العجيبة الرائعة، ويهتدي بهديها البلغاء وأهل الأدب، فيما يُنْشِئونَ من كلام رفيع، يُحبِّرونه بأقلامهم من نثر أو شعر، وفيما يرتجلونه من قولٍ في خُطَبٍ ومحاضرات، أو دروس ومحادثات.
وأعرض في هذا الفصل الظاهرات التي اكتشفتها في القرآن المجيد ضمن مقولتين، وهي ممّا سبق أن شرحته في كتاب "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع":
الأولى: حول منهج البيان القرآنيّ في التنويع والتكامل.
الثانية: حول منهج البيان القرآني في حكاية الأقوال والأحداث والقصص.
المقولة الأولى: منهج البيان القرآني في التنويع والتكامل
(1)
التنويع في أساليب البيان القرآني
يلاحِظُ الأديب ذو الحسّ الأدبيّ المرهف التنويعَ العجيبَ البَدِيع في أساليب الأداء البيانيّ القرآنيّ، حتَّى في عَرْض الأقسام أو الأنواع الّتي تدخُلُ في مَقْسِمٍ واحِدٍ، أو جنْسٍ واحد، أو تدخُل تحت عنوانٍ واحد، إيثاراً للجمال الْفَنّيِ بالتنويع الْمُجَدِّد لِتَنْبِيهِ الفكر، أو إيثاراً للتّجديد في الإِبداع الاختياريّ، مع كلّ نَوْعٍ أَوْ قِسْمٍ أو صِنْف، فمِنْ شأن التجديد تحريكُ الذهن في مُخْتَلِفَاتٍ من الأساليب، والتمكينُ من وضْعِ أفكارٍ وأغراضٍ بيانيّةٍ وتَرْبويّة في ظلال النَّصّ، تُكْتَشف حيناً بعد حين، كلّما تكرّرَتْ قراءة النّص، أو تكرّر سَمَاعُه، مع إعطاء النّصِّ في موضوعه تفرُّداً بصياغته الكليّة، كتفرُّد كلِّ مخلوقٍ من مخلوقات الله عز وجل بهَيْكلٍ وسِمَاتٍ خاصّةٍ تميّزه عن غيره من أفراد جنسه، ونوعه، وصنفه، مراعاةً للإِبداع الاختياريّ في الأفراد، والأصناف، والأنواع، والأجناس، وربّما في كُلّ جزءٍ من أجزاء الفرد الواحد.
وقد يَقْتَرِنُ بإيثار الجمال الفنّيِّ غَرَضٌ بيانيٌّ آخر، كاخْتيار الأُسْلُوب الأَكثرِ مُلاءمةً للْقِسْم أو النَّوعِ أو الصِّنْفِ أو الْفَرْدِ الذي جرَى التنويعُ في الأسلوب عنْد ذكْرِه، أو الأُسْلُوبِ الأكثرِ مضامينَ فكريّةً يُرادُ الدَّلَالَة عَلَيْها مَعَ ذِكْرِهِ، أو الأَكْثرِ بَلاغةً وإيجازاً واقتصاداً في العِبارَةِ بالنّسبةِ إلَى مَضَاميِنه الفكريّةِ الّتي يُرادُ بَيَانُهَا، إلى غير ذلك من أغراض.
والْغَفْلَةُ عن مُلاحَظَةِ هذا التنويع في أساليب الأداء البياني، تَجْعَلُ المتدبّرَ لكلام الله عز وجل لا يُدْرِكُ الترابُطَ الفِكْريَّ في موضُوع النَّصّ، فَيَفْهَمُه وحَدَاتٍ مُجَزَّآتٍ غَيْرَ مُتَرابِطاتٍ، وتَنِدُّ عنْه بسبب ذلك روائِعُ مَفَاهِيمَ، وقَدْ يَقَعُ في أغَالِيطَ، إذْ يُحَاوِلُ أنْ يَنْتَزِعَ ارتِبَاطاً منْ قَريبٍ أَوْ بَعيدٍ لأدْنَى مُنَاسبَةٍ، أوْ شُبْهَةِ مُنَاسَبَةٍ، أوْ يخْتَرِعَ منْ عنده أُموراً لا أصْلَ لها ولا دليلَ عليها.
وفيما يلي طائفة من الأمثلة على ظاهرة التنويع في أساليب الأداء البيانيّ في القرآن:
المثال الأول:
عرَضَ القرآن المجيد ما كان في غزوة الأحزاب من المنافقين وضعفاء الإِيمان الذين في قلوبهم مرض، من أقوال وأعمال، هي مظاهر لما في قلوبهم، فقال الله عز وجل في سورة (الأحزاب/ 33 مصحف/ 90 نزول) :
{وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلَاّ غُرُوراً} [الآية: 12] .
هذا قِسْمٌ ممّا كان منْهم جاء بأسْلُوب: {وَإِذْ يَقُولُ} بإِذْ الظَّرْفِيَّة، أي: واذْكُرْ إذْ، وبالفعل المضارع {يَقُول} الذي يَدُلُّ على أنّ المقالة دارَتْ على الألسنة حتَّى شاعتْ، فقالها المنافقون، وقالَها تأثّراً بهمُ الّذين في قُلوبهم مرضٌ دُونَ النفاق، وهو مرضُ ضعيفِ الإِيمان.
* أمّا القسم الثاني ممّا كان منهم فقد جاء أسلوب عرضه كما يلي:
{وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ ياأهل يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فارجعوا
…
} [الآية: 13] .
فجاء بأسلوب: {وَإِذَ قَالَ} بإذْ الظرفيّة، أي: واذْكُرْ إِذْ، وبالفعل الماضي {قَالَ} الّذِي يَدُلُّ عَلى أَنَّ هذه المقالة قد قِيلَتْ منْ طائفةٍ منْهم، ثُمَّ لم تتكرّر، ولَمْ تَدُرْ عَلى الأَلْسِنة.
* وأمّا القسم الثالث ممّا كان منهم فقد جاء أُسْلوب عرضه كما يلي:
{وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَاّ فِرَاراً} [الأحزاب: 13] .
فجاء بأسْلوب: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ} بصيغة الفعل المضارع، للدلالة على تكرار الاستئذان من أفراد هذا الفريق، أو على الإِلحاح به، ولم يأتِ على النَّسَق السابق من استعمال كلمة {إذْ} قبله، لأنَّ حالتهم هذه كانت مستمرّة لا تستدعي التذكير بزمن حدوثها.
واعتنى القرآن المجيد بتربيةِ هذا الفريق المستأذن، وببيان حالته النفسيّة وإقناعه، لتصحيح العناصر المختلّة لدَيْه من عناصر القاعدة الإِيمانيّة.
* وأمّا القسم الرّابع ممّا كان منهُمْ، وهو التعويقُ والتثبيط عن الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم لمواجهة عدوّه، فقَدْ جاء أسلوب عرضه كما يلي:
{قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ البأس إِلَاّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 18] .
فاختلف الأسلوبُ هنا اختلافاً كلّيّاً، إذْ نُلاحظُ أنَّ التعويقَ قد عرضه الله عز وجل وصْفاً ثابتاً لفريقٍ من المنافقين، ولم يَذْكُرْهُ عَلى أنَّه مُجَرّد عَرَضٍ طارئ استدعَتْهُ حالَةٌ مُزْعِجَة، وهو الأَمْر الذي كان في غزوة الأحزاب، فحصل فَهْمُ قِسْمِ التَّعْويقِ والتثبيط من ذِكْرِ المعوّقين.
وقَبْلَ ذِكْر المعوّقينَ بيَّنَ اللَّهُ عز وجل تَحَقُّقَ عِلْمِه بهم، لِيُشيرَ هذا البيان من طَرْفٍ خفِيٍّ إشارةَ تَهْدِيدٍ لهم، بأنَّهُمْ مَكْشُوفُونَ مَعْلومُونَ لله، وبأن عقاب الله يَتَرصَّدُهُمْ.
فمع التنويع في الأسلوب لإِكساب التعبير جمالاً فنيّاً، وإبداعاً مُعْجِباً، اخْتِير لِعَرْض كلِّ قسم الأُسلوبُ الأكْثَرُ ملاءمةً له، والأَكْثَرُ مضامِينَ فكريَّةً يُرادُ الدّلَالَةُ عليها مع ذكره، كإضافة أنّ المعوّقين معلومون لله عز وجل، وأنَّ تَعْوِيقَهُم لإِخوانهم صِفَةٌ ثابتَةٌ من صفاتهم، ومُلازِمَةٌ لهم في كلّ الأحوال، فهم معوّقّون
دائماً، وقائلونَ في كلّ المعارك لإِخوانهم: هلُمَّ إلينا، لا تخرجوا مع محمّد إلى قتال.
***
المثال الثاني:
جاء في سورة (الماعون/ 107 مصحف/ 17 نزول) وهي من أوائل التنزيل المكّي بيانٌ لبعض صفات المكذّبين بالدّين، أي: بالجزاء الذي يُجْريه الله في الآخرة، بَعْد البعث ليوم الدين.
أمّا الصفات التي ذُكِرَتْ فيها للمكذِّب بيَوْم الدين فهي ما يلي:
(1)
أنّه يَدُعُّ اليتيم، أي: يدفَعُه بعُنْفٍ وقَسْوة، بسَبَب أنّ الرَّحْمَة نُزِعَتْ من قَلْبه، إذْ هُو لَا يُؤْمِنُ بيوم الدّين حتَّى يطْمَع بثواب الله، أو يخاف من عقابه.
(2)
أنَّه لا يحضُّ على إطْعَامِ الْمِسْكين، أي: فكيف يَبْذُل من طعامه أو ماله.
(3)
أنّه لا يهْتَمُّ بأنْ يُصَلِّيَ لِرَبّه، ولو آمن بوجوده، بلْ يظلُّ ساهياً، لأنّه مكذّبٌ بيَوْم الدّين، فإذا صلَّى أو عَمِلَ عملاً من أعمال الخير على عادة أهل الجاهليّة فإنّه يُرَائي الناسَ بذلك. ولا يَعْمَله لله عز وجل، وَغَرَضُه ممّا يرائي به جَلْبُ مَغْنَم، أو دفْعُ مَغْرَم، على أنَّ ما يُرائي به لا يكلّفُه في الغالب مالاً، والأصلُ فيمن يُصَلِّي لله حقّاً أنْ تَدْعُوَه صلاتُهُ لفعل الخير وأنْ تَنْهاه عن الفحشاء والمنكر، لكنّ المكذّب بالدِّين يكون ساهياً عمّا تدعو إليه الصلاة، وعمّا تنهى عنه الصّلاة، لأنّه إذا صَلَّى مُرَائياً، فصلاتُه وعَدَمُها سواء.
(4)
أنّه شحيحٌ كزُّ النَّفْسِ، يَمْنَعُ أَيَّةَ مَعُونَةٍ، حتَّى الأمْتِعَةِ الَّتي تُسَمَّى "الماعون" عند العرب، والّتي يَتَساهَلُ البخلاء بإعارتها، يمنَعُها إذا لم يكن له في إعارتها منفعةٌ دُنيويّة.
هذه الصفات الأربع جاءت في سورة (الماعون) على قِصَرها بأسْلُوبَيْنِ من الأساليب البيانيّة.
* فالصفتان الأولَيَان جَاءَتَا بأسْلُوب توجيه النظر إلى رُؤْيَةِ صفاتِه المنكرة على طريقة الاستفهام الاستهجاني، مع ما يتضمّنُه مِنْ إقناعٍ بأنَّ الإِيمان بيوم الدّين يُصْلح في الأفراد صفاتِهم وأخلاقَهُم الاجتماعيّة، ويجعلهُمْ رُحَمَاءَ، يَفْعَلُونَ الخيرات، ويَحُضُّون على فِعْلِها، فقال اللَّهُ عز وجل:
{أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين * فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم * وَلَا يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين} [الآيات: 1 - 3] .
أي: انظُرْ أَيُّها النَّاظِرُ أيّاً كُنْتَ إلى حال الذي يُكَذّبُ بيوم الدّين، تجدْ من صفاته أنّه يَدُعُ اليتيم، ولا يحضُّ على طعام المسكين.
* والباقي من الصفات المذكورة في السورة للمكذب بيوم الدين جاءت بأسْلُوبِ التهديد والوعيد بالعذاب يوم الدّين، فقال الله عز وجل فيها:
{فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الذين هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الذين هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الماعون} [الآيات: 4 - 7] .
أي: فويلٌ للمكذّبينَ بيَوْم الدّين، وإنْ صَلَّوْا على التقاليد والعادات الجاهليّة لله، لأنَّهم إذا صَلَّوْا فَهُمْ عن مَعَانِي صلاتِهم سَاهُونَ، إذْ هم بها يُرَاءُونَ، وأَدْنَى المعونات الاجتماعية بين الناس يَمْنَعُونَ.
فحصل بهذا الأسلوب التَّنْويع الجماليُّ الفنّي، مع التهديد والوعيد بالوَيْل، وهو العذابُ الشديد، ووادٍ في جهنَّم فيه عذابٌ شديد أليم.
***
المثال الثالث:
يجد المتدبّر لسورة (ق/ 50 مصحف/ 34 نزول) تنويعاً عجيباً رائعاً، في عَرْضِ الأدلّة، لدفْعِ شُبُهاتِ مُنْكري البعث، فقد جاء فيها ما يلي:
(1)
{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [الآية: 4] .
هذا دفْع شُبْهة أنَّ ما يتَلاشَى من أجسادهم وصفاتها بعوامل الفناء في الأرض يَجْعَلُ إعادتَهُمْ إلى ما كانوا عليه أمراً غير ممكن للجهل به، فجاء البيان مُثْبِتاً عِلْمَ اللَّهِ بكلِّ حَرَكةِ تغيير تَحْدُثُ في أجساد الموتى، وهو مُسجَّلٌ في كتابٍ يحفظ كلّ صغيرة فلا يَضِلُّ عن عِلْمِ الله وعن كتابه الحفيظ شيء.
(2)
{أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} [الآية: 6] .
قد جاء بأسلوب توجيه أنظار منكري الْبَعْثِ إلى أثَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ في الكَوْنِ، في السماء والأرض، ممّا هو في المظهر أكبر من خَلْقِ الناس، للتنبيه على دليلٍ عقليّ يدُلُّ أهل البصيرة على أنَّ خالق السماوات والأرض، ومدبِّرَ أمورهما لا بُدَّ أن يكون قادِراً على بَعْث الأحياء بعْدَ مَوْتِها، فالإِنكار لا ذريعة له مع وجود هذا البرهان.
وقد جاء توجيهُ الأنظار بأسلوب الاستفهام الذي فيه معنى التلويم والإِنكار عليهم إذْ لم يَتَنَبَّهُوا لهذا الدليل العقلي.
(3)
{أَفَعَيِينَا بالخلق الأول
…
} [الآية: 15] .
استفهامٌ يَتَضَمَّنُ التّنبيهَ على دليلٍ عقلِيّ بُرْهَانِيّ آخر، وهو قياسُ ما سيكونُ على ما كان، فالذي بدأ الخلْقَ الأوّل على غير مثال سبق قادرٌ على أن يُعِيدَهُ بعد فنائه، إنّه سبحانه لم يَعْيَ بالخلقِ الأول، أي: لم يعجز عن خلقه فكيف يَعْيَا بالخلق الثاني.
ومع هذا الدليل نلاحظ في النص أيضاً أنّه يتضمن إشارةً إلى دَفْعِ شُبْهَةِ أنَّ الخلْقَ الأوّل قَدْ أصابَ الخالِقَ بالإِعْيَاء، وجاء النصّ بأسلوب الاستفهام الإِنكاريّ، وداعي الإِنكار أنّ الْخَلْقَ أوّلاً وثانياً وإلى غير نهاية لا يحتاج من الخالق إلَاّ أن يقولَ للشيء المراد: كُنْ فيكون.
(4)
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد} [الآية: 16] .
جاء هذا البيان بأسلوب الإِثباتِ التقريريّ المؤكَّد، لِدَفْعِ شُبْهَةِ أنَّ أعْمَالَ الإِنْسانِ الباطِنَةَ وبَعْضَ أعْمَالِهِ الظّاهِرَةِ لا يُحيطُ بها الْعِلْمُ الرَّبَّانيّ، وهو تقريرٌ مسْبُوقٌ بالدّليل عليه، وهو كونُ الرَّبّ هو الخالق للإِنسان، والخالِقُ له لا بدَّ أن يكون عالماً بكلّ خصائصه النفسيّةِ وعناصره الّتي ركّبَهُ مِنْهَا، ومن لازم ذلك أنْ يَعْلَمَ مَا تُوَسْوِسُ به نفسُه، وأنْ يعلَمَ كُلَّ أعْمَالِهِ الظاهرةِ والباطِنة ويُحَاسبَهُ عليها.
هذه أنواعٌ من الأساليب البيانيّة، جاءت لتَرُدَّ شُبَهاتِ المنكرين لقضيَّةِ البعثِ للحساب والجزاء، ومِنَ الملاحَظِ أنّ الموضوع فيها واحِدٌ، ولو عَالَجْنَاه بأساليبنا الإِنسانيّة لقال أحْسَن أديبٍ فينا وأَبْرَعُ كَاتبٍ مقالاً ذكر فيه أنَّ شبُهَاتِ المنكرينِ تَرجِعُ إلى عِدَّة توهمات: فالأول: جوابه كذا. والثاني: جوابه كذا. والثالث: جوابه كذا. والرابع جوابه كذا.
أمّا أنْ يَطْوِيَ ذِكْرَ الشّبُهَاتِ والتَّوَهُّمات، ويأتي بالرُّدُود الإِقناعيّة ضمْن أساليبَ متنوّعة، فهَذَا ممّا يَنِدُّ عن الخواطر مهما كانَتْ لمّاحَةً ذاتَ فُنُونٍ أدَبيَّة.
***
المثال الرّابع:
قال الله عز وجل في سورة (الفرقان/ 25 مصحف/ 42 نزول) :
اعْتَرَضَ الْمُشْرِكُونَ عَلى إِنْزَالِ القرآن مُنَجَّماً، وطَالَبُوا بتَحْضِيضٍ أنْ يُنَزَّلَ جُمْلةً واحِدَة.
أي: ما الداعي إلى تنزيله مُفَرَّقاً مُنَجّماً؟ إِنَّ هذا الأسْلُوبَ التَّنْجيميَّ يَدْعُوا إلَى الشَّكِّ في أنّه كلامُ الله، ألَيْسَ اللَّهُ عليماً بكلّ شيءٍ، قديراً على أَنْ يُنَزّلَ الْقُرآن كُلَّه في وقْتٍ وَاحِدٍ؟!
فجاء الرّدّ القرآنيُّ مُبَيِّناً ثَلَاثَ حِكَمٍ لتَنْزِيلهِ مُفرّقاً مُنَجّماً، ولكِنَّ بيان هذهِ الْحِكَم جاءَ مُنَوَّعاً بأساليبَ مُخْتَلِفة، قَدْ لَا يَلْتَقِطُ منها التّالي للنصِّ إلَاّ الْحِكْمَةَ الأولى، لأنّ الحكمتَيْنِ الأخْرَيَيْنِ جاءتا بأُسلوبٍ آخر.
فالحكمة الأُولى: نُدْركُها في قول الله عز وجل خطاباً للرَّسول صلى الله عليه وسلم: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} .
وتثبيتُ الْفُؤادِ يكُون بما يُورثُهُ السُّكُونَ والطُّمَأْنينَةَ تُجَاهَ مَا يُمْكنُ أن يَهُزّهُ ويُقْلِقَهُ ويُزْعجَهُ مِنْ أحداثٍ يوميَّةٍ غيرِ سارّة.
وقد كان الرسولُ صلى الله عليه وسلم يتَعَرَّضُ منْ قِبَل كُفَّارِ قَوْمِه لأحْدَاثٍ كثيرةٍ غير سارّةٍ تُقْلِقُ وتُزْعِجُ أفْئِدَة عظماءِ الرجال. فإذا وجَدَ نفسَه على صلةٍ بالْوَحْي من آنٍ لآخر بصُورَةٍ متكرِّرة، لمْ تُزْعِجْهُ ولمْ تُقْلِقْه الأحداثُ، إذْ يشْعُرُ حِسِّيّاً بأنّ الرّبّ الجليلَ الذي أرسَلَهُ وأنزل عليه جِبْريلَ بالْوَحي، لم يَتْرُكْهُ لِنَفْسِه يُؤدّي وظائِفَ رِسَالته، بل هو على صِلَةٍ به، يُنَزّلُ عليه الآيَاتِ القرآنيّة تِباعاً، ويُعالجُ الأحداثَ التي يتعرَّضُ لها تِبَاعاً، ويُقَدِّمُ لَهُ الوصايَا والتعليمات الهاديات له في مسيرته، وهو يقوم بوظائف رسالته، ويَشْعُر أيضاً بأنّه مدعومٌ بقُوَّةٍ عظيمةٍ من الغيب، تتابعُهُ في كُلّ صغيرةٍ وكبيرة.
فلهذا الأمر شأنٌ عظيمٌ جدّاً في تثبيتِ فؤاده، ليقوم بجلائل الأمُور، ضِمْنَ قَوْمٍ يَخْشَى أَنْ يتألَّبُوا عليْهِ، ويَمْنَعُوهُ مِنْ مُتَابعةِ وَظائِفِ رسَالَتِه بالْقُوَّة.
والْحِكْمَةُ الثَّانية: نُدْرِكُها في قول الله عز وجل في النصّ: [الآية: 32] .
هذه الحكمةُ جاءتْ بأُسلوبٍ مخالفٍ لأسْلوبِ عَرْضِ الحْكْمَةِ الأولى، الأمْر الذي قد يجعل تاليَ النص لا يُدْرك أنّ النصّ يُتابعُ بيانيَ الْحِكَمِ منْ تنزيل القرآن مُنَجّماً.
التَّرْتِيل: هُو التَّمَهُّلُ والتَّأَنّي في الكلام، والتَّبْيِينُ له، للتَّمكينِ والتحقيق، وبناءِ الْمَعْرِفَة في المتَلَقّين بناءً تَكَامُلِيّاً، وذلك لا يحصُل بإنزاله جملةً واحِدةً، بل يحصلُ بإنْزَاله في دروسٍ تعليميّة قِسْماً بَعْد قِسْم، مع الاستفادة من الأحداث والمناسبات.
وقد جاء شرح هذه الحكمة في قول الله عز وجل في سورة (الإِسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
{وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الآية: 106] .
{فَرَقْنَاهُ} أي: جَزَّأْنَاهُ، وفَصَّلْنَاهُ، وبَيَّنَّاهُ، وأصْلُ معنَى الْفَرْقِ الفصْلُ بيْنَ الشّيْئَيْنِ أو الأشياء، وتمييزُ بَعْضِها عن بعْض.
وأَوْضَحُ صُوَرِ هذا الْفَصل والتَّمييزِ أَنْ يُنَزَّلَ الكتَابُ على مراحِلَ زمَنيّةٍ مُتَفاصِلَةٍ مُتَباعِدَةٍ.
{على مُكْثٍ} أي: عَلى تَمَهُّلٍ، وتَوَقُّفٍ، وانْتِظَارٍ، رَيْثَما تَثْبُتُ مَعْرِفَةُ الْقِسْمِ الْمُنَزَّلِ.
يُقال لغة: مكَثَ بالمكانِ يمكُثُ مُكْثاً وَمَكْثاً ومُكُوثاً، إذا توقّف وانتظَرَ.
{وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} أي: ونَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً بأناةٍ وتَمَهُّلٍ وتَحْقِيقٍ مع كلّ قِسْمٍ يُنَزّل منه، فالتأكيدُ بالمفعول المطلَقِ للإِشارة إلى نوع التنزيل.
والحكمة الثالثة: نُدْرِكُهَا من قول الله عز وجل في النصّ: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَاّ جِئْنَاكَ بالحق وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الآية: 33] .
الخطاب هنا مُوجّه للرسول ليَسْمَعَ أصحابُ الاعتراض على تنزيله مُفَرَّقاً، وقد سبقَ في سورة (الفرقان) نَفْسِها عَرْض طائِفَةٍ من اعتراضاتِهِمْ ومقترحاتهم التي جاءت الإجابة عليها في السورة.
والمعنى أنّ من حِكَمِ تنزيل القرآن مُنجَّماً مُتَابَعةَ جَدَليَّاتِ الذين كَفَرُوا فيما يُقَدّمونَه من أمْثِلَةٍ يصْطَنِعُونها بآرائهم، ويقترحونها، ويَرَوْن أَنَّها هيَ الصُّوَر الأفْضَل الَّتي ينْبَغِي أنْ يكون عليها حالُ الرسُولِ، أو حالُ القرآن، أو حالُ أحكام الشريعةِ والمنهاج.
فَبِهَذِهِ المتابعة يقدّم اللَّهُ عز وجل في النصّ اللَاّحق ما يكْشِفُ به وجْه الحقّ لمنْ يَطْلُب الحقَّ بصدْق، إذا كان ما اقترحه الكافرون من الأمور الباطلة.
ويقدّم في النّصّ اللاّحقِ ما يتضمَّن تفسير وجْهِ الحكمة من الطريقة الرَّبانيّة المختارة، إذا كان ما اقترحه الكافرون إحدى الصُّوَر الممكنة غير المرفوضة عقلاً، لكِنَّ الاختيارَ الرّبّانيّ قد كان هو الأفضل والأَحْسَن والأحْكَم، فيكُونُ تَفْسيرُ ما جاء من عنْد الله في كلّ ذلك لمُلَاءَمَةِ الأفْضَلِ والأحْسَنِ والأحكم، هو الأحْسَن والأفضل والأحكَمَ من تفسير ما اقترحوه.
وحينما يكون تفسير ما أنزل الله أحْسَنَ من تفسير ما افترحوه، يكونُ ما أنزل الله عز وجل أحْسَنَ ممّا اقترحوه حتماً، وهذا من الاستدلال بلازم الشيء عليه..
والمرادُ مِنَ المثَل هنا: النَّمُوذَجُ المقترحُ الذي يُقَدّمه الكافرون، في اعتراضاتهم وجَدَليّاتهم، حولَ ما ينبغي - بحَسَبِ آرائِهِمُ القاصرة - أنْ يكونَ عليه الرسولُ، أو القرآن، أو الْحُكْمُ الدينيّ، أو الطريقة الرَّبَّانيَّة في وسيلَةِ التبليغ، أو غير ذلك.
ولمّا كانت مقترحاتُ الناس بمثابة صُوَرٍ مُرْسُومَةٍ يُقَدِّمونَها، ليكونَ الواقعُ التَّطبيقيُّ على وَفْقِها، كَانَ أَدَقُّ تَعْبِيرٍ جامع هو التعبيرُ عنْها بأنَّها أمْثال، والواحِد منها "مَثَل" فقال اللَّهُ عز وجل لرسوله:{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَاّ جِئْنَاكَ بالحق وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الآية: 33] ، ومن الأمثال النماذج الّتي تُوضَع للمَباني التي ستقام أو يقترح المهندسونّ إقامتها.
والغرض من خطاب الرسول مخاطبتهم تعريضاً، ولو يواجِهِهُم الله عز وجل بالخطاب، لأنّ النصّ جاء في مَعْرِض إجابة الرسول على شكواه من أقوال كُفّار قومه.
والمعنى: ولَا تأتُون الرّسُولَ بِمَثَلٍ تَقْتَرِحُونه، إلَاّ أَنْزَلْنَاه في نُجُوم التَّنزيلِ اللاّحِقِ ما يَكْشِفُ وجْه الحقّ، أو يُبَيّن أَنَّ اختيارنا هو الأحسن والأفضل والأحْكَمُ ممّا اقترحْتُمْ.
***
المثال الخامس:
عرَضَ الله عز وجل في سورة (القمر/ 54 مصحف/ 37 نزول) موجَزاتٍ مختزلاتٍ من قصة قوم نوح، وقصّة عادٍ قوم هود، وقصة ثمود قوم صالح، وقصة قوم لُوطٍ، وقصّة فرعون وآله.
ويُلَاحَظُ في هذه المختزلَاتِ من قِصَصهم التَّنْوِيعُ في الأداء البيانيّ لدى عرضها، فلَمْ تُعْرَضْ فِقَراتُها على نَمَطٍ واحِدٍ.
* ففي عرض قصة قوم نوح عليه السلام قال الله عز وجل مُتَحَدّثاً عن الّذين كذّبُوا محمّداً إبَّانَ التنزيل:
نُلَاحِظُ أنَّهُ بَعْدَ عَرْضِ قِصَّة إهْلَاكِهِمْ جاءَ تَوْجِيهُ السُّؤال الّذي يَلْفِتُ النظرَ إلى الاتّعاظ والاعتبار بما جرى لقَوْمِ نوحٍ.
* أمّا عَرْض إهلاك عادٍ فقد جاء فيه توجيه السؤال نفسِه قَبْلَ ذكْرِ موجز
إهلاكِهِم إعداداً لتَلقِّي الجواب، وبَعْدَهُ تَوْجيهاً للاتّعاظ والاعتبار، فقال الله عز وجل:
ريحاً صَرْصَراً: أي: شديدة البرودة ذَات صَوْت.
أعجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر: أي: أصُول نَخُلٍ مُنْقَلِعٍ من مَنْبِتِه، بادِيَةٍ أَسَافِلُهُ المتشعّثة الممزّقة.
* وأمّا عَرْضُ مُوجَزِ إِهْلَاكِ ثَمُودَ فَقد جاءَ بطريقةٍ مُخْتَلِفَة عمّا سبَق، فقالَ اللَّهُ عز وجل في هذا العرض:
وبَعْدَ هذا يُقَدِّم النَّصُّ قولاً مُقْتطعاً من الحدَثِ إبّانَ حُدوثِهِ في الماضي فقال الله عز وجل فيه:
{سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر * إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً لَّهُمْ فارتقبهم واصطبر * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} [الآيات: 26 - 28] .
الشِّرْبُ: وقْتُ الشُّرْبِ، والنَّصِيبُ من الماء.
هذا القول كان قد وجَّهَه الله عز وجل لرسولهم صالح عليه السلام، قُدِّمَ هُنَا مقتطَعاً من الحَدَثِ الماضي، دون مقدّمَاتٍ تُشِيرُ إلى ذلكِ، وبعده عادَ النصّ، إلى حكاية القصّة، فقال تعالى:
{فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ} [الآية: 29] .
أي: فتمطَّى متطاولاً قائماً على أطراف أصابع رجْلَيْهِ رافِعاً يَدَيْهِ، فعقَرَ نَاقةَ
الله، وبعْدَ هذا البيان وجّه الله عز وجل السؤال السّابق فقال تعالى:
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} ؟؟ [الآية: 30] .
وأجابَ عليه بقوله: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر} [الآية: 31] .
إنّه مع التّشابُهِ في الْهَيكل العام، نُلاحظ أنّ الأساليب اختلفت وتنوّعَتْ.
* وأمّا عرضُ مُوجَزِ إهْلاكِ قَوم لُوطٍ عليه السلام، فقد جاء أيضاً بطريقَةٍ مختلفة، مع التناظُرِ في الهيكل العامّ كما سبق، فقدّم الله عز وجل صُورة إهلاكهم قبْلَ عَرْضِ أعمالِهِم، على خلاف ما جاء في موجز قصّة ثَمُود، إذْ جاء عرضُ أعْمالهم قَبْل عرْضِ صُورةِ إهْلَاكهم، فقال الله عز وجل:
ولَمْ يُورِدِ اللَّهُ عز وجل هنا السؤالَ السابق، إذ جاء هُنَا تكْرِيرُ عبَارَة:{فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} وهي عبارة مقتطعة من الحدَث الماضي.
وأمّا إهلاكُ فرْعَوْنَ وآلِهِ وجُنُودِه، فقد جاء موجزاً جدّاً بعبارة:
{وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ النذر * كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} [الآيات: 41 - 42] .
لقد جاء هذا البيان بطريقة مختلفة عما سبَق، مع بقاء التشابه والتناظُر في الهيكل العام، كما نشاهد اختلاف السِّمَاتِ والْخَصَائِصِ في أفراد المخلوقات، مع تشابه أفراد النوع الواحد في الهيكل العامّ.
وهذا من إعجاز القرآن وأدبه الرفيع.
***
(2)
التكامُل في أساليب البيان القرآن بين الأشباه والنظائر
من روائع الإِبداع في البيان القرآني ما يُمْكِنُ أن نُطْلق عليه اسم "التكامل في الدلالات بين الأشباه والنظائر" وهو تخصيص كلِّ صِنْفٍ من الأشباه والنظائر في النّصّ بتعبيرٍ يُفيدُ معنىً خاصّاً، وهذا التعبير يصْلُح اطّرادُه في سائر الأشباه والنظائر، وبتوزيع التعبيرات ذوات الدّلالات المختلفات على الأشباه والنظائر يحصُل الاستغناء عن إعادةِ كُلّ شبيهٍ ونظيرٍ عدّة بِعَدَدِ هذهِ التعبيرات، للإتيان به في كلِّ مرّةٍ مقترناً بواحدٍ منها حتى استغراقها.
وفي هذا الاستغناء إيجازٌ رائعٌ، واقتصادٌ في التعبير من جهة، ومَسَرَّةٌ لنباهَةِ الأذكياء من جهةٍ أخْرى، وتخلُّصٌ من الرّكاكة التي يجلُبُها التكرير في طريقة التعبير من جهة ثالثة.
وتتكامَلُ التعبيراتُ فيما بينها في أداء المقصود من دلالاتها المختلفات، ويُفْهَمُ هذا التكامل من قرينة جَمْع الأشباه والنظائر في نصٍّ واحدٍ، وقَدْ يَدُلُّ عليه بدءٌ وختام.
وقد يُلاحظُ معَ هذا التنويع التكامليّ في العبارات ذوات الدلالات المختلفات براعَةُ انتقاءِ التعبير الأكثر مُلاءَمَةً للنوع الذي يُقْرَنُ به من الأشباه والنظائر، مع صلاحيّة التعبيرات الأخريات له.
وأمثّل لهذا التكامل البديع بما يلي:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (الحجرات/ 49 مصحف/ 106 نزول) :
{ياأيها الذين آمَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تلمزوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُواْ بالألقاب بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان وَمَن لَّمْ يَتُبْ
فأولائك هُمُ الظالمون * ياأيها الذين آمَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ واتقوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الآيات: 11 - 12] .
يُدهشنا في هذا النّصّ ما اشتمل عليه من أدب التكامل البيانيّ البديع الذي سبق إيضاحُهُ، ففيه ينْهَى الله عز وجل الّذين آمَنُوا عن ستِّ قبائح اجتماعيّة، من شأنها بَذْرُ بُزور الفرقة والعداوة والبغضاء بين المسلمين، لما فيها من إيذاءٍ أو إضرارٍ من بعضٍ منهم لبعضٍ آخر.
وهي قبائح تشتمل على ظلم من الإِنسان لأخيه الإِنسان، وكُلُّ ظُلْم بين الناس من شأنه أن يُورِثَ العداوة والبغضاء، ويوقع الفرقة بين الجماعة الواحدة، وهذه القبائح السّت هي:
"السُّخرية - اللّمز - التنابز بالألقاب - اتّهامُ المؤمنين بالظّنون الضعيفة التي لا تقوى على الاتّهام - التجسُّس على المؤمنين - غِيبَة المؤمنين المتقين".
من الملاحظ في هذا النصّ أنَّ كلّ نَهْيٍ فيه قد انْفَرد بلَوْنٍ تَعْبيريٍ ذي دلالة خاصّة قابلةٍ لأن تكون شاملةً لسائر القبائح الّتِي جاء في النصّ النَّهْيُ عنْهَا.
(1)
ففي السخرية جاء التعبير بأسْلُوب: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ
…
ولا نِسَاءٌ من نسَاء}
(2)
وفي اللّمز جاء التعبير بأسلوب: {وَلَا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُم}
(3)
وفي النبر بالألقاب القبيحة جاء التعبير بأسلوب: {وَلَا تَنَابَزُوا بالألْقَابِ} .
(4)
وفي الظّن المنهيّ عنه جاء التعبير بأسلوب: {اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظّنّ} .
(5)
وفي التّجسّس جاء التعبير بأسلوب: {وَلَا تَجْسَّسُوا} .
(6)
وفي الغيبة جاء التعبير بأسلوب: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} .
ويُلاحَظُ أنَّه يَصِحُّ في كلٍّ منْها استعمالُ التعبيراتِ الأُخرى لتؤَدِّيَ فيه دَلَالَاتِها.
* فَيُقَالُ مثلاً في السُّخْرِية، مع ما جاء من تعبيرٍ حَوْلَها في النصّ:"لَا تَسْخَرُوا من أنفسكم - لا تَتَساخَروا - اجْتَنِبُوا السُّخُرِية - لَا تَسْخرُوا - لَا يَسْخَرْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض".
* ويُقَالُ في اللَّمْز، مع ما جاء من تعبيرٍ حولَهُ في النّصّ:"لَا يَلْمِزْ قَوْمٌ قوماً، وَلَا نِسَاءٌ نِسَاءً - لَا تَتَلَامَزُوا - اجْتَنِبُوا اللَّمْزَ - لَا تَلْمِزُوا - لَا يَلْمِزْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً".
* وَيُقَالُ في النَّبْزِ بالألْقَابِ القبيحة، مع ما جاء من تعبير حوْلَهُ في النّصّ:"لَا يَنْبِزْ بالألْقَابِ قَوْمٌ قَوْماً، وَلَا نِسَاءٌ نِسَاءً - لا تَنْبِزُوا بالألْقَاب أَنْفُسَكُم - اجْتَنِبُوا النَّبْزَ بالألْقَابِ - لَا يَنْبِزْ بَعْضُكُمْ بعْضاً".
وهكذا يُقَالُ في سائرها، فأغْنَى أسْلوبُ التعبير الذي جاء في واحدةٍ مِنْها عن إعادته في سائرها، فَتَكامَلَتِ التَّعَبِيراتُ في أداء المقصود من دَلَالَاتها المختلفات.
ومع هذا الأسلوب البديع الدّالّ على التكامل في الصِّيغ المختارة لكل صنف من هذه القبائح السّت، فقد اخْتِيرَ لكلّ قبيحةٍ منْها صيغَةُ التعبير الّتي تدُلُّ عَلى أبْرَزِ صُورَةٍ من صُورِها، وهذا من الدّقّةِ الفكريّة، والبراعةِ والإِبْدَاعِ الفّنّي.
(1)
فالسخريةُ تغلبُ فيها المشاركة الجماعيّة، إذِ السّاخِرُ يضْحَكُ بسُخْريتِه آخرون، فيكونون مشاركين له في عمله، فجاء التعبير فيها بأسْلُوب: "لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قوم
…
وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ".
وجاء في هذا التعبير إفراد النساء عن الذكور، لأنّ الغالبَ أنْ لا يسْخَرَ الرّجالُ من النساء، ولا يسْخَرَ النساءُ من الرجال، وللإِشارة ضِمْنَاً إلى أنّ المجتمعات الإِسلاميّة هي مجتمعاتٌ غيرُ مختلطة في الغالب من الأحوال، فتقِلُّ فيها السُّخْريَةُ بيْنَ الصّنفين، والخطابُ في النّصّ قد بدأَ بنداءِ الّذين آمَنُوا.
وأسلوبُ هذا التعبير يَصْلُحُ تَعْميمُهُ على القبائح السّت.
(2)
واللّمُزُ يَغْلِبُ فيه الْعَمَلُ الفرديّ الخفيُّ، الّذي يُدْرِكُهُ أهْلُ الفطانةِ والنَّباهة، فجاء التعبير بأسلوب:{وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} وللدّلَالَةِ أَيْضاً عَلى أنَّ مَنْ لَمَزَ أخاهُ المؤمِنَ فكأنّما لَمَز نَفْسه، لأن المؤمنين هم بمثابة الجسَدِ الواحد. وهذا المعنى مع أسلوب التعبير يصْلُحُ تعميمُهُ على سائِرِ القبائح السّت، فنقول:"لَا تَسْخُرُوا مِنْ أنفسكم - لَا تَبْزوا أنفسكُمْ بالألقاب - اجْتَنُبِوا كثيراً منَ الظّنّ في أنْفُسِكُمْ - لَا تَجَسَّسُوا على أنْفُسِكُمْ - لَا تَغْتَابُوا أنْفُسَكُمْ".
(3)
والنَّبْزُ باللَّقَب، وهوَ الشَّتْمُ بالألْقَابِ القبيحَة، عَمَلٌ تَغْلِبُ فيه المشاركَةُ بيْنَ فَرِيقَيْن، فَمَنْ نَبَزَ غَيْرَهُ رَدّ عَلَيْهِ المنْبُوزُ غالباً بِمِثْلِ قَوْلِهِ، أَوْ بأقْبَحَ منْه، انتقاماً لنفسه، فالتنابُزُ كالتَّقَاتُل، من أجل ذلك جاء التعبير بأسلوب:{وَلَا تَنَابَزُوا بالألقاب} . وهذا المعنى مع أسلوب التعبير يصْلُحُ تعميمه على سائر القبائح السّتّ، فنقول فيها:"لَا تَتَساخَرُوا - لَا تَتَلامَزُوا - لَا تَتَرَامَوْا بكثير من الظّنّ - لَا تتعامَلُوا فيما بينكُمْ بالتَّجَسُّس - لَا تترامَوْا فيما بينكُمْ بالغيبة".
(4)
وأفضل وسيلة لترك الظنّ الذي يأثم به صاحبُه، هو اجتنابُ كثيرٍ من الظّنّ، لأنّ من جرى مع ظُنونه أو صلَتْهُ إلى ما يأثَمُ به حتماً، لمَا لاتِّباع الظنّ من مزالق، وتسلُّطٍ على النفوس، فجاء التعبير فيه بأسْلُوب الأمر بالاجتناب، أي: بالابْتعادِ عنْ كثيرٍ مِنَ الظّنّ: {ياأيها الذين آمَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ} وأسلوبُ الأمر بالاجتناب يَصْلُحُ تعميمه على سائر القبائح السّتّ، ففي الابتعاد عن
حُدودها سلامةٌ وحفظ وورعٌ محمود، فنقول فيها:"اجتنوا السُّخْرية - اجْتَنبوا اللّمز - اجتنبوا التنابُزَ والنّبْزَ بالألقاب - اجتنبوا التجسُّس - اجتنبوا الغيبة".
(5)
والتجسُّس يغْلبُ فيه العملُ الفرديّ الذي يستخفي به فاعله فجاء التعبيرُ فيه بأسْلُوب: {وَلَا تجَسَّسُوا} فالنهيّ للجماعة عمّا يمكنُ أن يقوم به كلّ فردٍ منْهُم هو نهيٌ موجّه لكل فرد، وأسلوبُ هذا التعبير يصْلُح تعميمُه على سائر القبائح السّتّ: فنقول فيها: "لَا تَسْخَرُوا - لَا تَلْمِزُوا - لَا تَنْبِزُوا بالألقاب - لا تَتَّبِعُوا كثيراً مِنَ الظنّ - لَا تغتابُوا".
(6)
والغيبة ظاهرة من ظواهر القبائح الاجتماعية، التي يؤذي أو يَضُرُّ بهَا النَّاسُ بعضُهم بعضاً، إذْ فيها مُغْتَابٌ وسامع مشاركٌ لَهُ أو أكثر، فجاء التعبيرُ في النهي عنها بأسلوب:{وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} وهذا الأسلوبُ من التعبيرُ يَصْلُحُ تعميمُه على سائر القبائح السّتّ، فنقولُ فيها:"لَا يَسْخَرْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ - لَا يَلْمِزْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً - لَا يَنْبزْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً - لَا يَتَّبِعْ بَعْضُكُمْ كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ بِبَعْضٍّ - لَا يتجسَّسْ بَعْضُكُمْ عَلَى بعض".
بعد هذا الشرح المفصّل أقول: إنّ المتدبّر الْفَطِن يكشفُ أنّ جمع هذه التعبيرات ذوات الأداء المختلف، في نصٍّ واحد قد جمع عدّة رذائل اجتماعيّة، هي أشباهٌ ونظائر فيما بينها ويُمْكن أن يوضع لها عنوان واحد، بغيَة النهي عَنْها والتحْذيرِ مِنْها، يُشْعِر بأنّ كلّ تعبير منها يَصْلُح تعميمُهُ واستعماله في سائرها.
وهذا من روائع الإِيجاز والإِعجاز البيانيّ الّذي اشتمل عليه القرآن المجيد.
***
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) :
{قُلِ الحمد لِلَّهِ وَسَلَامٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفىءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ
السماوات والأرض وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السمآء مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أإلاه مَّعَ الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً أإلاه مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السواء وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأرض أإلاه مَّعَ الله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر وَمَن يُرْسِلُ الرياح بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلاه مَّعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض أإلاه مَّعَ الله قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الآيات: 59 - 64] .
هذه الآيات تشتمل على بيانٍ تعليميٍّ لمناظرةٍ جدليّة مع المشركين، وهي تسير ضمن خطوات:
(1)
يأمُرُ هذا التعليم بافتتاح هذه المناظرة بعبارة: الْحَمْدُ لله وسَلَامٌ على عباده الذينَ اصطفَى.
أي: كلُّ الحمد لله وحده، وبعد توجيه الحمد لله، يوُجِّهُ سلاماً على عباده الذين اصطفى، وهم أنبياؤه ورسُلُهُ عبْرَ تاريخ الناس، وهم الذين حملوا لواء الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنَّهْي عن الإِشراك به، وفي هذا تجرُّدٌ من معنى التعصّب للرسول الخاتم محمّد صلى الله عليه وسلم لشخصه.
(2)
وبعْدَ المقدّمة الافتتاحيّة يطرحُ المناظر المؤمن المسلم سؤالاً حول المقارنة بين الخالق الرّبّ وبين ما يتّخِذُه المشركونَ من شركاء على اختلاف أنواع شركهم، واختلاف ذوات شركائهم، وعبارة هذا السؤال:{ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} ؟؟.
وتحليل هذا السؤال يقتضي بياناً تَفْصِيليّاً لصفاتِ الرّبّ الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضارّ إلى سائر صفات الله عز وجل، وبَيَاناً تقصيليّاً لصفاتِ ما اتّخَذ المشركون من شركاء لله في العبادة.
وبهذا البيان التفصيليّ المقارن يظهر أنّ ما اتَّخذهُ المشركون من شركاء لا يملكون شيئاً من خصائص الربوبيّة، فلا ينفعونَ أحداً ولا يضُرُّونَ أحداً، بل هم عاجزون عن أن يجلبُوا لأنفسهم نفعاً أو أن يدفَعُوا عن أنفسهم ضرّاً.
وإذا كان هؤلاء الشركاء لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً، فإنّ أحداً منهم لا يستحقُّ أنْ يُعْبَدَ من دون الله، ولا أن يكون شريكاً للهِ في كونه إلهاً معْبُوداً.
(3)
فإذا ادّعَى المشركون أنّ لشركائهم نفعاً أو ضرراً أو مشاركة للهِ في ربوبيّته، فإنّ على المناظر أن يدخُلَ في عرضِ مظاهر ربوبيّة الله في كونه، فيطْرَحُ تساؤلاته التفصيليّة كما يلي:
* مَنْ خَلَق السّماوات والأرْضَ وأنزلَ لكُمْ من السماء ماءً فأنبتَ به حدَائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ؟.
* مَنْ جَعَلَ الأرضَ قراراً وجَعَلَ خلالَهَا أنهاراً وجَعَلَ لها رواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البحرَيْنِ حَاجزاً؟.
*مَنْ يُجيبُ المضطّرّ إذا دعَاهُ ويكشفُ السّوءَ ويجعلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ؟.
*مَنْ يَهْدِيكُمْ في ظُلُماتِ البرّ والْبَحْرِ ومَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رحْمَتِه؟.
* مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ والأرض؟.
هذه مجموعات خمس من الأسئلة التي تجري المناظرةُ حولها من شأْنها أنْ تُوصِلَ بَعْدَ تقديم الحجج والبراهين والأدلّةِ العلميّة إلى الإِقناع بأنّ كلَّ هذه الظواهر الكونيّة هيَ من آثار الرّبّ الخالق، وأنَّهُ ليس شيءٌ منْها من أعمال شركاء المشركين، لا على سبيلِ الاستقلال، ولا على سبيل المشاركة في الرّبوبيّة.
وبما أنّ الإِلهيَّة لا يَصِحُّ عَقْلاً أنْ تكونَ إلَاّ لِمَنْ لَهُ الرُّبوبية، أو لَهُ مُشَارَكَةٌ مَا فِيها.
وبما أنَّ أحداً غير الله عز وجل لَيْسَ رَبّاً ولَا مُشَارِكاً لِلَّهِ في جُزْءٍ من ربُوبيّته.
فإنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْلاً أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونَ اللَّهِ، ولَا أنْ يُجْعَلَ مَعَ اللَّهِ شريكاً في عبادة العابدين.
ويُلاحظُ أنّه قد جاء في النّصّ بعد كلّ مجموعةٍ من الأسئلة السابقة تعقيبٌ مبدوءٌ باستفهام إنكاريٍّ تَعْجِيبِيّ من شركِ المشركين، وبَعْدَهُ نوعُ بيان يتعلَّقُ بمذهبهم الباطل.
(1)
فبعد المجموعة الأولى جاء: {أإلاه مَّعَ الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} أي: يجعلون عباداً من عباد الله وخلْقاً من خَلْقِهِ مُعَادِلين لله في إلهيَّتِه الّتي لا يُشاركُهُ فيها أحَدٌ، لأنَّهُ لَا يُشاركُهُ في ربُوبيّته، ولا في جزءٍ منها أحد. ويَعْدِلُونَ عن صراطِ الحقّ متخِذينَ مَذَاهِبَ شركيّةً باطلةً.
(2)
وبعد المجموعة الثانية جاء: {أإلاه مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .
(3)
وبعد المجموعة الثالثة جاء: {أإلاه مَّعَ الله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} .
(4)
وبعد المجموعة الرابعة جاء: {أإلاه مَّعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
(5)
وبعد المجموعة الخامسة جاء: {أإلاه مَّعَ الله قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} .
إنّ المتدبّر المتأنِّي لهذا النّصّ يُلاحظُ أنَّ كُلَّ تعقيبٍ من هذه التعقيباتِ الخمسة صالحٌ لأنْ يُعَمَّم علَى كُلّ المجموعات من الأسئلة الّتي تُطْرَحُ على المشرك كما جاء في المناظرة التعليميّة.
وقد أغْنَى ذِكْرُ كُلِّ واحدٍ منها بعْدَ مجموعته عن ذكر سائرها معه، ودَلَّت قرينة كون هذه المجموعات من الأسئلة وإرادةً في مناظرة واحدةٍ، على أنَّ التعقيبات قد أريد منها صلاحيّتُها لأنْ تكونَ عامّة.
واقتضت فنّيَّةُ الأداء البيانيّ أن لَا تُكرَّرَ مع كُلّ مجموعة، وأن يُذْكَرَ كُلُّ منها عَقِبَ مجموعةٍ منها.
ولَوْ تكَرَّرَتْ لضَعُفَتْ بلَاغةُ النصّ، وكذلك لو أُخِّرَتْ وجاءت على صِيغَةِ تعقيبٍ واحدٍ متتابع الجمل.
فَمَا جاء في هذا النصّ هو من أمثلة التكامل الإِبداعي في أساليب البيان القرآنيّ المجيد.
***
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
جاء في هذا النصّ ذِكْرُ مجموعاتٍ من آيَاتِ الله في كونه الدّلالاّتِ على صفات رُبُوبيّته، والهادية إلى إثبات ذاته جلَّ وعلا.
وهذه الآيات إنما يستفيد من دلالاتها المتفكّرون فيها، الذين يعْقِلون النتائجَ بعد أن يتوصَّلُوا إليها بعقولهم الواعية، ثمّ بعد أن يعقلوها يعْمَلُون على تذكُّرِها آناً بَعْدَ آن للاستفادة منها في استنباط حقائق جديدة، وفي الهداية إلى ما يُحَقِّق رضوان
الرّبّ الخالق، وبعد الاهتداء إلى ذلك تتحرّك الدوافع الخلقيّة الكريمة فيهم للقيام بشُكْرِ الله على نِعَمِهِ الكثيرة الَّتِي اشتملت عليها آياتُهُ في كونه.
فالسلسلة التكامليّة الّتي يمرُّ بها الإِنسانُ السّويُّ حينما يُوجّه نظره الفكريّ إلَى آيات الله في كونه تأتي وفق الخطوات التاليات:
الخطوة الأولى: التفكّرُ في آيات الله في كونه، وقد جاء بيان هذه الخطوة بعد ذكر المجموعة الأولى من آيات الله التي وجّه النصّ النظر لها، فقال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
الخطوة الثانية: الْعَقْلُ بالإِمساك الواعي للنتائج التي أوْصَلَ إليها التفكر، وقد جاء بيان هذه الخطوة بعد ذكر المجموعة الثانية من آيات الله التي وجه النصّ النظر لها، فقال الله عز وجل:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
الخطوة الثالثة: التذكّر لمتابعة البحث التحليليّ، وللانتقاع عمليّاً وسلوكيّاً من النتائج الّتي تمّ التوصُّل إليها، وقد جاء بيانُ هذه الخطوة بعد ذكر المجموعة الثالثة من آيات الله التي وجّه النصُّ النظر لها، فقال الله عز وجل:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} .
الخطوة الرابعة: التوجّه لشكر الله على نعمه الّتي اشْتَمَلَت عليها آياته في كونه، وقد جاء بيان هذه الخطوة بعد ذكر المجموعة الرابعة من آيات الله الّتي وجّه النصّ النظر لها، فقال الله عز وجل:{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
ويُلاحظ متدبّر هذا النّصّ بأناةٍ أنّ هذه التعقيبات الأربعة صالحةٌ لأنْ تُذْكَرَ جميعُها عقب كلّ مجموعةٍ من المجموعات الأربع، ولكن جاء توزيعها عليها مراعاةً لفنّيّة الأداء البيانيّ، وابتعاداً عن تكريرها جميعاً مع كلّ مجموعة، أو حشرها جميعاً في آخر المجموعات، لأنّ كُلاًّ من التكرير والجمع أخيراً يُضْعِفُ بلاغة النصّ، ويُنْزلُ من قيمة صياغته الفنيّة.
وقرينة توجيه النظر لكلّ هذه المجموعات من آيات الله في كونه ضمن نصٍّ واحد، مع صلاحيّة هذه الآيات فكريّاً لأن يأتي التعقيبُ عليها بأيّ واحد من التعقيبات الأربعة، قرينةٌ دالّة على أنَّ المراد تعميمها على الجميع، وأنّ التعقيبات متكاملاتٌ فيما بينها.
فما جاء في هذا النصّ هو من أمثلة التكامل الإِبداعي في أساليب البيان القرآنيّ.
ولهذا الفنّ الأدبيّ المبتكر نظائر أُخْرى في كتاب الله عز وجل، والحمد لله على فتحه وتوفيقه.
***
المقولة الثانية: منهج البيان القرآني في حكاية الأقوال والأحداث والقصص
يشتمل البيان القرآنيّ في حكاية الأقوال والأحْدَاثِ والْقِصَص على وجُوهٍ فنّيّةٍ مختلفة، فيها إبداعٌ رائع لم يُعْرَف في بيان بُلَغاء الناس قبل القرآن.
ويُلاحِظُ مُتَدبّر كتاب الله عز وجل من هذه الوجوه المختلفة الفنون التالية:
الفنّ الأول: ما قد يشمل عليه النّصّ من تصوير الحدث الماضي، والحدث الآتي في المستقبل، كأنه حدَثٌ آنيٌّ يجري الآن، والصُّوَرُ التمثيليّة المستقطعة من الماضي أو من المستقبل يُؤتى بكل ظروفها الزمانيّة والمكانيّة وبأحداثها، فتُقَدَّمُ كأنّها أحداثٌ قائمة فعلاً، للإِشعار بأنها حقائق قد حدثت فعلاً، أو لا بدّ أن تحدثَ مستقبلاً.
الفنّ الثاني: ما قد يشتمل عليه النصّ من تصوير الحدث الذي سيأتي في المستقبل كأنّه حَدَثٌ جرى فعلاً فيما مضىَ، فهو يحكي أمراً قد وقع.
الفنّ الثالث: ما قد يشتمل عليه النصّ من التقاط لقطاتٍ مثيرات ذوات أهميّة من الحدث، وترك الذهن يملأ الفراغات بين اللقطات، وهو نظير اللّقطات الفنيّة التي اكتشفها أخيراً أصحابُ الفنّ السينمائي والتيلفزيوني، إذ يقتطعون من الأحداث التي يُقدّمها المشهد التمثيلي المصوّر، لقطات منتقيات تدلُّ على ما قبلها وعلى ما بعدها، ويعرضونها على شكل فقرات متتابعات من المشهد المعروض، مع أنّها متباعدات جدّاً في الواقع.
الفن الرابع: قد لا يُبْدأ في النّص بعرض الحديث من نقطة بدايته وميلاده، وتَسَلْسُلاً معه حتى آخر إجابةٍ عن التساؤلات حوله.
بل قد تستدعي فنّيّةُ الإِبداع بدْءَ العرض من أيّة فِقرَةٍ من أوساطه، والانْتِهاء عند أيّة فقرة، متى استوفى النبأ شروطه الفنيّة، أو استوفت القصّة شروطها الفنيّة وأدّت الغرض من عرضها في الموضع الذي عُرضَتْ فيه.
الفنّ الخامس: قد تُعْرَضُ في النصّ الأوصاف وعناصر المشاهد والأحداث في لقطات مجزّآتٍ موزعات في السّور، وكلّ مجموعة من هذه اللّقطات قلّت أو كثُرتْ تُبْرِزُ ما تستدعيه المناسبة، أو فنيّة تجزئه العرض، وتوزيعه، وتأتَلِف مع سائر مجموعات اللّقطات لأوصاف الشيء أو عناصر المشهد أو الحدث ائتلافاً تكامليّاً لا تنافُر فيه، ولا تَخَالف.
وتُؤدّي كلّ مجموعة منها أغراضها من فنيّة العرض وتقديم الصُّور الجمالية والبيان البليغ، وتربية الإِقناع، واستثارة العظة، والإِعلام بما يُقْصَدُ الإِعلام به من مسائل الدّين وقضاياه، وتأكيد العظة والتوجيه بما يشبه التكرار وليس هو منه، كمن يأتي للقضيّة الواحدة بعِدّةِ أدلّة أو شواهد مختلفة، فالأدلة غيرُ مُكرَّرَةٍ لكنّ القضيّة التي سيقتْ لأجْلِها قد تكرّر تأكيدها.
وبهذا يتحقّق الغرضان الفنيّان: "التأكيد وعدم التكرير" مع جمال الأداء البيانيّ وكماله.
الفنّ السادس: ظاهرة استقطاع النّصوص من أزمانهِا الماضية أو المستقبلة، وعرضُها بألفاظها دون الإِشارة إلى أنه كان كذا فيما مضى، أو سيكون كذا فيما سيأتي.
الفنّ السابع: التنقُّلُ بين الأزمان والأمكنة بأسلوب المفاجأة دون مقدّمة تُشْعِر بالانتقال، وكذلك التنقُّلُ والتراوح بين عالم الابتلاء وعالم الجزاء، على سبيل
التعاقب في النصّ الواحد، ونظيره التَّنَقُّل والتراوُحُ بين المشاهد، من موقف الحساب مثلاً إلى مُسْتَقرّ الجزاء، إلى غير ذلك من مشاهد ومواقف أُخْرويّة، فإلى الحياة الدنيا وما فيها من أحداث، أو إلى ما تستدعي من خطاب، حتى كأنّ الزَّمَنَ كلَّه ماضيَه وحاضرَهُ ومُسْتَقبَلَهُ، مع الأمكنة كلّها من عالَم الابتلاء ومن عالم الجزاء على لوحة واحدة، تَتَنَقَّلُ عَليْها عدساتُ البيان حسب مقتضيات الإِثارة، ولَفْتِ النَّظر وشدِّ الانتباه.
إنّ هذا التنقُّلَ والتراوح المفاجئ دون مقدّمة تُشْعِر الانتقال، هو من الإِبداع الفنّي الذي لم يكن معروفاً في فنون الأدب قبل القرآن المجيد.
ففي طائفة من النصوص القرآنية نُلاحِظُ أنَّه بينما يكونُ النّصّ يخاطبُ الناس وهُمْ في عالم الابتلاء الدُّنيويّ، إذا به يَنْتَقِلُ مُفَاجأةً إلى مَشْهدٍ من مشاهدهم، وهُمْ في عالم الجزاء الأخروي، فإذا به يفاجئ بالحديث عنهم وهم في عالم الابتلاء الدنيويّ، مع التنويع في الأساليب، والتغيير في منهج الخطاب، الأمر الذي يشُدُّ الفكر من أعماقه، لدى من هو حريصٌ على تَلَقِّي المعرفة، وتَذَوُّقِ جمال البيان، وروعةِ الكلام البليغ، فَهُو بسبب ذلك يُتابعُ التَّدَبُّر بنشاطٍ فكريّ متجدّد.
على خلاف النَّمطِيّة الوَاحِدَة في أسلوب تقديم الأفكار، وعرض المعارفِ وسَرْدِها على وتيرة واحدة، فإنَ هذه النمطيّة الواحدة تجلُبُ الفتور، وشرودَ الذهن، وربّما نام معه المتلقّي، ولو كان راغباً في التَّلقِّي وحريصاً عليه، وتكونُ حالُهُ كحال من ينام على نَعِيرِ الناعورة، وجعجعة الرَّحا.
***
هذه الفنون القرآنيّة البديعة فنونٌ تُرْضي وتُعْجبُ مشاعر الأذكياء، وتشُدُّهم إلى المتابعة والتفكُّرِ والاستنباط، فالإِنسان مجبولٌ بفطرته على الرغبة في الاستنباط، واستخراج الأشياء وفهمها بنفسه، ويَنْفِر من تَعْلِيمِه ما يستطيع اكتشافه
بنفسه، وينفر من إخباره بما يستطيعُ إدْراكَهُ وتصوُّرَه بنفسه، من سلسلة الأحداث والوقائع، ولا سيما دقائقها العاديّة التي تتكرَّر في الأشباه والنظائر.
وأُقَدّم فيما يلي طائفة من الأمثلة القرآنية الّتي تشتمل على روائع وبدائع من هذه الفنون السَّبْعَة:
المثال الأول:
جاء في سورة (ص/ 8 مصحف/ 38 نزول) قول الله عز وجل:
{واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [الآية: 41] .
"بِنُصْبِ": هذه قراءة جمهور القرّاء، وقرأ أبو جعفر المدني:"بِنُصُبٍ" وقرأ يعقوب البصري: "بِنَصَبٍ" وهي لغاتٌ عربيّة للكلمة، والمعنى فيها جَمِيعاً: بِتَعَبٍ وإعْيَاءِ ومَشَّقَّة.
في هذه الآية حكاية حدَثٍ مضى، وفق الأسلوب المعتاد في حكاية الأخبار، وعقِبَ هذه الحكاية للحدَث قال الله عز وجل:
{اركض بِرِجْلِكَ هاذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [الآية: 42] .
الرَّكْضُ: ضرْبُ الشّيءِ بالرّجْلِ ونحوها من أعضاء الجسد.
إنّنا نُلاحظ أنّ هذا مقطعٌ كَلامِيٌّ مُسْتقطعٌ من الماضي، محكيٌّ بصيغته الَّتي قيلت لأيّوبَ عليه السلام إبّانَ الحَدثِ الماضي، والذّهنُ يكشف أنّ الله عز وجل قال لأيّوبَ هذا القولَ، فَوْرَ ندائه رَبَّه:"أَنّي مَسَّنِي الشيطانُ بنُصْبٍ وعذاب" وطوى النصّ بعد ذلك ما فَعَل أيوبُ عليه السلام، من تنفيذ الأمر، وما أكرمَهُ به ربُّه من شفاء، وعطفَ الله عز وجل على هذا المطويّ قوله:
{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وذكرى لأُوْلِي الألباب} [الآية: 43] .
وعقبهُ مُبَاشرةً جاءَ نَصٌّ كلامِيٌّ مستقطعٌ من أحداث الماضي، محكيٌّ بصيغته التي قيلت لأيّوبَ عليه السلام، إِبّانَ الْحَدَثِ الماضي، فقال الله عز وجل:
{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ
…
} [الآية: 44] .
هذا القول يشير إلى قِصَّةِ يَمِينٍ حَلَفَهَا أيُّوبُ على زوجته أن يَضْرِبَها مئة ضربٍ بالقضيب لأمرٍ مَا، فأفْتَاهُ الله بأنّ باستطاعته أن يَبَرَّ بيمينه دون أن يؤذيَ زوجته، وذلك بأن يأخُذَ حُزْمةً فيها مئة قضيب من القضبان الرّفيعة جدّاً، ويَضْرِبَها بِها ضربة واحدةً تقوم في وقت واحدٍ مقام ضربها مئة مرّة.
المثال الثاني:
جاء في سورة (ص/ 38 مصحف /38 نزول) بعد حكاية ما أعطى الله عز وجل داود عليه السلام من مِنَحٍ وهبات، وما امتحنه به، وبعد بيان أنّ الله عز وجل قد غفر له، تأتي المفاجأة بنَصِّ كَلامِيّ مقتَطَعٍ من أحداثِ الماضي، وهو نصٌّ كان قد خاطب الله به داود عليه السلام بعد أن غفر له، فقال تعالى:
إنّ المعنَى الذهْنِي الذي يَقْتَضِيه النصّ هو عَلَى تقدير: وَبَعْدَ أنْ غَفَرَ اللَّهُ لِدَاوُد قال له: {ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ
…
} .
ولكِنْ في التحليل الأدبيّ لفَنِّ حكاية الحدثِ لا يَصِحُّ تقديرُ مثل هذا الكلام، الذي قد يُلاحَظُ ذهناً بأسرع من توارد الخواطر، التي تستدعيها الأشباه والنظائر، لأنّ مثل هذا التقدير يُفْقِد المفاجأة جَمالَها الأدبيَّ، وفَنِّيَّتَها الإِبداعيّة.
بل يَنْبَغِي أن تَبْقَى المفاجأةُ كاملةً في أدائها، ليَسْتَمْتِعَ مُتَذَوِّقُ الأدب بهذا اللّون من ألوان الجمال في أساليب الكلام الرفيع.
ونظير هذا النداء المفاجئ ما جاء في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) خطاباً لموسى عليه السلام، يقول الله عز وجل فيها:
إنّ المعنى الذهني هو على تقدير: فلمَّا وَلَّى مُدْبراً ولَمْ يُعَقِّبْ قُلْنَا لَهُ:
{ياموسى
…
} لكِنَّ مثْلَ هذا التقدير لا يُصَرَّحُ به لدى التحليل الأدبيّ لأنّه يُفْقِدُ المفاجأةَ جمالَها وفَنِّيَّتَها الإِبداعيّة.
***
المثال الثالث:
وجاء في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) قول الله عز وجل يحكي ما سيحدث للطاغين يوم الدّين من عذابٍ في جَهَنّم.
{هاذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المهاد} [الآية: 55 - 56] .
ففي هذا النصّ حكاية أمْرٍ سيحدث في المستقبل يومَ الجزاء الأكبر، وبَعْدَهُ مباشرة جاء كلامٌ مُسْتَقْطَعٌ من الحدث الذي سَيَحدُثُ مستقبلاً، وهو مذكور بصيغتِهِ نفسِها التي ستقال، فقال الله عز وجل:
{هاذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [الآيات: 57 - 58] .
حَمِيمُ: ماءٌ حارٌّ شَديد الحرارة.
غَسَّاق: سائل أصفر يشبه الماء الأصفر الذي تُفْرِزُه الجلودُ إذا تقرَّحَت أو احترقت.
وبعده جاء كلامٌ مستقطَعٌ أيضاً من الحدث الّذي سيكون، وهو كلامٌ سَيُقَالُ للطاغين وهم في جهنم:
{هاذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ
…
} [الآية: 59]
لَقَد كان الطّاغون قادةً لجماهير تَبِعَتْهُمْ فِي طغيانهم، فيقالُ لهم هذا القول حِينَ يُلْحَقُ بهم أتباعُهُم، وجاء عَقِبة في النصّ:
{لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النار
…
} [الآية: 59] .
وهذا قول مَسْتَقْطَعٌ من الحديث الذي سيكون، إذْ يجيبُ الطّاغون الأئمة بهذا القول، وظاهِرٌ أنّه قُدِّم في النّصّ على طريقة عرض المشاهد التمثيليّة، دون التصريح بأنّ الأئمة الطاغين يَرُدّون بهذا الرَّدّ. وعقبه مباشرة جاء في النّصّ:
{قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القرار} [الآية: 60] .
هنا نلاحِظُ تنويعاً في الأسلوب، إذْ صُدِّر هذا الْمَقطعُ الكلاميّ بفِعْلِ:"قالوا" كأنّ الحدث أمْرٌ جرى ووقع، واقتضت فنّيّة الأداء البيانيّ ذكر فِعْلِ:"قالوا".
وعقبَهُ جاء في النّصّ حكاية مقالٍ آخَر لِلْفَوج المقتَحِم من الأتباع، فقال الله عز وجل:
{قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هاذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار} [الآية: 61] .
دون حرف عطف، للدلالة على أنّ هذا القول والّذي قبله يُقالان يتعاقُبٍ دون عطفٍ، أو يقالان في وقتٍ واحد، على معنى أنّ بعضهم يقول القول الأول، وبعضَهُم يقول القول الآخر.
ويستَقِرُّ الأتباعُ المقتحمون في دار العذاب، وبَعْدَ استقرارهم يفتِّشُونَ عن شركائهم فيها، ويتصوّرن أنّ الّذين كانوا يَعُدُّونَهُمْ أشراراً في الدنيا من الذين آمَنوا واتَّبَعُوا الرسول لَا بُدَّ أنْ يكونوا معهم في دار العذاب، لكِنَّهُمْ لا يَرَوْنَهُم، كُلُّ هذا قَدْ طُوِي في النّصّ، لكن دلَّ عليه، ما جاء في السُّورَةِ من حكايَةٍ قولٍ قالوه بَعْدَ قولهم السّابق، فقال عز وجل:
{وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار} [الآيات: 62 - 63] .
إنّهم بعْدَ البحث والتفتيش لا يَرَوْنَ في دار العذاب رجالاً كانوا يَعُدُّونهم في الحياة الدنيا من الأَشْرار، لكِنَّهُمْ آمَنُوا وصَلَحُوا واتَّبَعُوا الرسول.
فيذكرونَ احْتِمَالَيْن:
الاحتمال الأول: أنّهم كانُوا يستضْعِفُونَهُمْ في الدّنْيا، فيتَّخِذُونَهُم سِخْريّاً، أي: مُسْتَذَلِّين مُسَخّرِينَ، يُكَلَّفُونَ حَمْلَ الأعباء والأعمال الشاقّة، مع السُّخْرِيَة بِهِمْ، وهم لا يستحقون هذه الإِهانة، ومَا كان يَصِحُّ اتّخاذُهم كذلك، لأنَّهم عند ربّهم مُكْرَمُونَ بإيمانهم.
الاحتمال الثاني: أَنَّهُمْ مَوجُودُون معهم في دار العذاب، إلَاّ أنّ الأبصار زاغت عن رؤيتِهِمْ، لمَا في دار العذاب من سَمُومٌ ولَهَبٍ يَجْعَلُ الأبصار تزيغ فَلا تَرَى بعْضَ من هم في دار العذاب.
ويقف النَّصّ هنا، ويطوي تخاصماً يجري بين أهْلِ النار، فلا تعرض السورة من مضمونه شيئاً، لكنْ يدُلُّ على حَدَثِ التخاصُم قول الله عز وجل عقب البيان السابق:
{إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار} [الآية: 64] .
وللذّهن أن يَنطَلِقَ في تَصْوِير ما يجري حولَهُ التخاصم، وأوّل ما يُدْرِكُهُ ما يكون بين الأتباع وقادتهم من تراشُقِ المسؤولية وتدافُعِها.
***
المثال الرابع:
وجاء في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) أيضاً بيانٌ عن هزيمة جندٍ من أحزاب المشركين، في المعارك التي سَتحْدُثُ مستقبلاً بينهم وبين المسلمين بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، على طريقة الإِنباء بالغيب المستقبلي، فقال الله عز وجل فيها:
{جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن الأحزاب} [الآية: 11] .
وصف الله عز وجل جُنْد المشركين بأنَّهم مَهْزُومون، مع أنَّهم لم يُهْزَمُوا بَعْدُ، بل كانوا كما جاء وصفهم في صَدْر السّورة:{في عِزَّةٍ وشِقَاق} [الآية: 2]، أي: في قُدْرَةٍ على التَّغَلُّب عَلى المسلمين، ووقوفٍ في شِقِّ المعادي المحارب.
وجاء هذا الإِنباءُ عنْ حَدَثٍ سيكونُ مستقبلاً على طريقة تصوير حالهم المستقطعِ من المستقبل، والمحكيّ عند التنزيل، باعتبار زمان ذلك الحال، ومكانه، لا باعتبار أنَّه خَبَرٌ يُذْكَرُ فيه ما سيَحْدُثُ مُسْتَقْبلاً.
ومن المعلوم أنَّ تصوير الحال المستقطَعِ من المستقبل يتضمَّن الْخَبَرَ بما سيَحْدُثُ لزُوماً عقليّاً، مع تأكيد تحقُّقِ الوقوع بجعله كأنَّه أمْرٌ حاصل وحدثٌ قائم.
كذلك شأن كلّ الصُّوَر التمثيليّة الْمُستَقْطَعة من الماضي أَوْ مِنَ المستقبل، إذْ يُؤْتَى بها مُحَاطةً بظروفِها الزمانيّة والمكانيّة، فتُقَدَّمُ كأَنّها أحداثٌ قائمةٌ فِعْلاً.
وهذا العرضُ الفنّيُّ يُشعِرُ بأنّ ما جاء في العرض هو من الحقائق الّتي حَدَثَتْ فِعْلاً في الماضي، أو هو من الحقائق التي ستحدثُ فِعلاً في المستَقْبَل، لأنَّ الْقُرْآن حقٌّ لَا يأتيِه الباطل من بَيْنِ يديْهِ ولَا مِنْ خَلْفِه، بخلاف قِصَصِ الناس وحكاياتهم وتمثيليّاتهم، فمُعْظَمُها من صُنْع خيال كاتبيها.
وقد تحقّق فيما بَعْد انْهِزامُ جُنْدِ كُفَّارِ قريشٍ في غزوة بدْرٍ الكُبْرَى، ثُمَّ في غَزْوةِ الأحزاب، إلى غير ذلك من غزوات، وكان هذا من معجزات القرآن الخبريّة الّتي أخْبَر عنها وتحقَّقَتْ كما جاء في خَبَرِه.
***
المثال الخامس:
وجاء في سورة (القمر/ 54 مصحف/ 37 نزول) حكايَةُ تكذيب ثمود بالنُّذُر، وحكايةُ بعض أقوالهم، فقال الله عز وجل فيها:
وسُعُر: أي: وجُنُون.
بل هُوَ كذّابٌ أشِرٌ: أي: بل هو كذّابٌ في ادّعاء الرسالة، مُسْتكْبرٌ طالبٌ للسلطانِ والْمَجْد بهذه الدعوى. أشِر: أي بَطِرٌ مُسْتكبر.
بَعْدَ هذا العرض الذي جاء بأسلوب حكايةِ خَبَرٍ، يُفَاجئ النّصّ بعرض صُورَةِ مقتطعةٍ من الحدث الماضي، دون أنْ تُقَدَّمَ بأسلوب حكاية خَبَرٍ، فقال الله عز وجل:
{سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر * إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً لَّهُمْ فارتقبهم واصطبر * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} [الآيات: 26 - 28] .
فِتْنَةً لَهُمْ: أي: امْتَحَاناً لَهُمْ.
كُلُّ شِرْبٍ مُخْتَضَرٌ: الشِّرْبُ: النّصيب من الماء الذي يُشْرَب، ووقْتُ الشُّرب.
والمعنى كلُّ ذي نصيب من الماء يحضُرُ في الوقْتِ المحدّد لأخذ نصيبه منه.
هذا ما قاله الله عز وجل لصالح عليه السلام إبّانَ الحدَث، جاءَ مقْتطعاً ومُقَدَّماً ضمن عرض حكاية ما جرى من ثمود، وقد جاء في موقعه من القصّة.
ويستأنِفُ النَّصُّ بعد هذا العرض المقتطع بصيغته من الحدث الماضي، دون أن يُورَدَ بأسلوب حكاية خَبَر، فَيَرْجِعُ إلى أُسْلوب حكاية مَا جَرَى حكايةً خبريّة، فقال الله عز وجل:
{فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ} [الآية: 29] .
أي: فتطاول فعقَرَ ناقَةَ الله.
وبعده يَطْرَحُ تساؤلاً على متلقّي القرآن ومتدبّري ما جرى لثمود، فيقول تعالى:
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [الآية: 30] ؟؟
وهذا التساؤل لا بُدَّ أن يَردَ في أذهان متلقيّ أحداث قصّة ثمود، ويأتي الجواب عليه بقوله تعالى:
{إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر} [الآية: 31] .
أي: كأكوام حطبٍ وشَوك أعدها صانِعُ حظيرة لدوابّه.
***
المثال السادس:
وجاء في سورة (يونس/ 10 مصحف/ 51 نزول) قولُ الله عز وجل:
الْفُلك: يطلق على الواحد فما فوق، والمراد هُنا الجمع بدليل:{وَجَرَيْنَ} .
قال البلاغيّون: في هذا النصّ التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، فبينما كان النصّ يخاطب المشركين بعبارة:{حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك} يتحوّل إلى الغيب بعبارة: {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
…
} .
أقول: إنّ الخطاب كان موجّهاً للذين يمكُرُونَ في آيات الله، لتحويلها عن دلالاتها الإِيمانيّة، والمخاطبون عند نزول النصّ قد لا يكونون من الذين ركبوا الْبَحْرَ وتعَرَّضُوا لمثل ما وَصَفَ النصّ بعد ذلك، لكنَّهُمْ لو تعرّضوا لمثله لكان حالُهُمْ مثل حال من وصفهم الله، نظراً إلى أن أهْلَ الكُفْر أشْبَاهُ في تصرُّفاتِهِم، إذِ الفطرةُ تُلْجِئُهُمْ إلى الله عند الاضطرار وشدّة الخوف، ثمَّ إنَّ كبرهم ورغبتهم في
الفجور لتلبية مطالب شهواتهم وأهوائهم، مع تعلُّقِهِمْ بالعاجلة وتشبُّثِهِمْ بزينتها، أُمُورٌ تَرُدُّهُمْ بَعْدَ الأمْنِ والاطمئنان والنِّعْمةِ والرَّخَاءَ، إلى مَا كانوا فيه من بغْي قبل ذلك.
فاقتضى تشبيه حالهم بحال أمثالهم السابقين لهم حكايَةَ قِصَّةٍ مِنْ قِصَص الكافِرِين السّابقين.
ولهذا توقّفَ النصّ عند الفِقَرةِ الأولى المتعلّقة بشأن المخاطبين إبَّانَ التنزيل وبَعْدَه، وانْتَقَلَ مُبَاشَرةً إلى تصوير مَشْهَد قومٍ كافِرينَ جرَتْ بهِمْ الْفُلْكُ بريحٍ طيّبة، فقال الله عز وجل بأسلوب حكاية خَبَرٍ عن حدَثٍ مضى:{وَجَرَيْنَ بِهِم} .
واكتَفَى النّصّ بالمقدّمة الّتي وُجّهَتْ للمخاطبين، عن ذكر نظيرها ممّا يخصُّ المتحدّث عنهم بالغيبة، فكأنّه قال لهم: فسيكون حالُكُمْ كحال كافرين قبلكم رَكبوا في الْفُلْكِ.
وحصل الاكتفاء بإشارةِ قول الله عز وجل للمخاطبين: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك} عن أن يقول لهم: إنّكُمْ لو تعرَّضْتُّمْ لمثل ما تعرّض له أصحابُ هذه القصّة لكنْتُمْ مثلَهُمْ، للتشابُه بينَكُمْ وَبينَهُمْ في أصْلِ الْفِطْرَةِ، وفي الدوافع إلى الكفر والبغي.
هذا فنٌّ من الإِبداع في الإِيجاز بعرض المشاهد الماضية مع الإِشارة التعريضيّة الضمنيّة إلى أنّ المخاطبين مثل أصحاب هذه المشاهد، غير فنّ الالتفاتِ من الخطاب إلى الغيبة، إنّه من الصُّور الأدبيّة العجيبة في البيان.
وإذْ تقرّر في هذا النصّ من سورة (يونس) هذا الوصف للمخاطبين، باعتبارهم نُظَراء أشباههم، أنزل الله بعده في سورة (العنكبوت/ 29 مصحف/ 85 نزول) قوله بشأن عموم الكافرين الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، وقد جاء في معرض الحديث عن مشركي مكة:
أي: فإذا رَكبوا في الْفُلْكِ مُسْتَقْبلاً، وتعرّضُوا لمثل ما سبَقَ ذِكْرُه في سورة (يونس){دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} كما دَعَا الّذين ذكرنا قصّتَهُمْ سابقاً.
{فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} فَأَضَاف النّصُّ بيانَ كُفْرِ الشّرْكِ بالله، الذي يناسبُ حال المخاطبين. ومن لوازم كُفْرِ الشّرك هذا أن يُفْضِيَ بهم إلى البغي في الأرض بغير الحقّ.
ودوافع الشرك الذي يختارونه، بعد إخلاص الدين عند الشدّة ترجع إلى أمْرَين:
الأمر الأول: الكفر بما أنعم الله به عليهم، حتّى لَا يؤدّوا واجب الشكر لله عليها بالطاعات والقربات.
الأمر الثاني: الرغبة في أن يتمتَّعُوا بلذّاتِ الحياة الدنيا، دون أيَّة ضوابط أوْ قيود، ومن كان كذلك فلا بدّ أن يكون فاجراً، منطلقاً انطلاقاً كُلّيّاً وبوقاحة تامّة، لارتكاب كلّ المنكرات من الأخلاق والأفعال.
***
المثال السابع:
وجاء في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) وَصفُ أَحْدَاثٍ من أحداث يَوْمِ الدّين، وتقديم صُوَرٍ من صُوَرِ ما يَجْري فيه، وعلى اللّوحَةِ البيانيَّة التّنَقُّلُ والتَّرَاوُحُ العجيبُ بين عالم الابتلاء وعالم الجزاء، ومن موقف الحساب إلى مستقرّ الجزاء، مع التعاقب واستخدام أسلوب المفاجأة، في حركاتٍ بيانيّة بالغةِ الإِثارة، جاذِبَة للانتباه، مُعْجِبةٍ لأذواق أذكياء البلغاء.
فبينما يقدّم النصّ لقطات من واقع حال الّذين كانوا في الدنيا قد آمَنُوا وعَمِلُوا الصالحات، وهم سُعَداءُ بالنعيم المقيم في الجنّة، بقول الله عز وجل:
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق
…
} [الآية: 43] .
إذَا بالنَّصِّ انتقَلَ إلَى عَرْض مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ موقف الحشر بعد الحساب وفصل القضاء، وهو يتعلّقُ بأهل الجنّةِ أنفُسِهِمْ، دون أن تستكمل الآيَةُ فاصلَتها، فقال الله عز وجل:
{ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الآية: 43] .
دلَّنا على هَذا الإِشارةُ الخاصّة بالمشار إليه البعيد، ولو كانوا فيها لكان الظاهر أن يقال لهم:{هذِهِ الجنّة} . ودلّنا عليه أيضاً، ما جاء بعْدَ هذه العبارة من عَرْضِ لقطاتٍ موصولاتٍ بهذا النداء، وهي مقتطعاتٌ من عُمُومِ المشهد نَفْسِه في موقف الحشر بعد الحساب وفصل القضاء، وتشتمل هذه اللقطات على تخاطُبٍ بصوتٍ عالٍ بَيْنَ أصْحَاب الجنّة المطمئنّين بأنّهم سيَدْخلونَها، وأصحاب النّار الَّذينَ قَضَى اللَّهُ عليهم بأنَّهم داخلوها خالدين، فقال الله عز وجل:
وبَعْدَ هذهِ اللّقطَةِ منْ مشاهدِ هذا الموقف، إذَا بالنصّ يتحدَّث عن هؤلاء الظالمين حَدِيث مُبيِّنٍ لبَعْضِ صفاتِهِمْ وهُمْ الآنَ في الحياة الدّنيا، فقال الله عز وجل:
{الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بالآخرة كَافِرُونَ} [الآية: 44] .
وقد دلّ على أنّ هذا الحديث هو حديثٌ عَنْهُمْ وهم ما زالوا في عالم الابتلاء في الحياة الدّنيا، استعمالُ الفعل المضارع في عبارة:{يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} وفي عبارة: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} ونحن نَعْلَمُ أنَّ الفعل المضارع يدُلُّ على الحركة المتكرّرة المتجدّدة، بدءاً من الحاضر، فتكراراً في المستقبل، وممّا يُضْعفُ إبداعَ
النصّ أنْ نُقَدِّرَ: الّذينَ كانوا يصُدُّون عن سبيل الله، وكانوا يبغونها عِوَجاً.
ويُضافُ إلى هاتَيْن الدّلالَتَيْن دلَالَةُ عبارة: {وَهُمْ بالآخرة كَافِرُونَ} فهي واضحةٌ في أنَّها تُعبِّرُ عن حالهم في الدّنيا، نظراً إلى أنَّهُمْ يومَ الدّين صاروا مؤمنين به إيمان شُهودٍ حسِّيّ.
وبعد هذه النقلة إلى الحياة الدّنيا، إذا بالنّصّ رجَعَ إلى عَرْض بقيّة اللّقطات المنتقيات، الّتي تحدث بعد أذان المؤذّن بين أَهْل الموقف في المحشر، فقال الله عز وجل:
{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ
…
} [الآية: 46] .
أي: ويوجَدُ في هذا الموقف في المحشر بعْدَ فصْل القضاء الْعَدْليّ حجابٌ، وهو نحو سُورٍ أَوْ جَبَلٍ مُمْتَدٍّ من أقْصَى الْمَوقِفِ إلى أقْصَاه المقابل له. وهو يفْصِل بَيْنَ زُمَر أهل الجنّة، الّذِينَ قَضَى اللَّهُ لهم بأنَّهُمْ من أهلها ابتداءً، وبَيْنَ زُمَر أصحاب النار الَّذين قضى اللَّهُ بأن يكونوا خالدين فيها.
ويَقِفُ عَلى الأَعْرَافِ من هذا الحجاب رجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ مِنْ أهل هذا الجانب منه، وأهل هذا الجانب منه، بعلاماتهم، فأهل الجنّةِ بيضُ الوجوه، ولو كانوا في الدّنيا سوداً أو شيئاً آخر من سائر الملوَّنين، وأهْلُ النّار سُودُ الوجوه، ولو كانوا في الدنيا بيضاً شُقْراً.
والأعراف هي مرتفعاتٌ مُشْرِفاتٌ عَلى الحِجَاب، يُشاهِدُ الواقِفُ عليْها أْصحَابَ اليمين، وأصْحَابَ الشِّمالَ.
وأصْحَابُ الأعرافِ هُمُ الّذينَ لمْ تكُنْ حَسَناتُهُمْ كافياتٍ لأنْ يُقْضَى لهم بسببها ابتداءً أنَّهُمْ من أهل الجنَّة، ولم تكن سيّئاتهم بالمقدار الذي يستحقون بسببه أن يكونوا من الخالدين في النار، أو من الذين قَضَى الله بتعذيبهِمْ فيها تَعْذِيباً مؤقّتاً، فأمْرُهُمْ موقوفٌ مؤقتاً حتّى يقضي الله بشأنهم إمّا بالتعذيب المؤقّت في دار
العذاب، أو بالتأخير والانتظار، أو بالغفران، وهؤلاء فيما ظهر لي هم من عُصَاة المؤمنين، الذين لم يتجاوز الله في محكمة العدل العامّة عن معاصيهم.
هؤلاء أصْحَابُ الأعراف يَبْدُو لهم أن يَتَقَرَّبُوا إلى أصْحابِ الجنّة، الذينَ هُمْ على الجانب الأيْمَنِ من الحجاب، بالسَّلامِ عَلَيْهِمْ، فقال الله عز وجل بشأنهم:
{
…
وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الجنة أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ
…
} [الآية: 46] .
ولم يذكُرِ القرآنُ رَدَّ أصْحَاب الجنَّة، ولعلَّهم لا يَرُدّونَ تحفُّظاً، ومخافة أن يكونَ هؤلاء الْمُسَلِّمُونَ منْ أهل النّار الذين لا يجوز الرّدُّ عليهم بالسَّلام، إذ الرّدّ عليهم بالسّلام دعاءٌ لهم.
بَعْدَ هذا أَدْخَلَ الْبَيَانُ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً تتعَلَّقُ بأصْحابِ الجنّة، فقال الله عز وجل:
{
…
لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الآية: 46] .
أي: لَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ أصْحابُ الجنّةِ الجنَّة، لكنَّهُمْ في حالَةِ طَمَعٍ مُتَجَدّدٍ بأَنْ يصْدُرَ أمْر تكريمِهِمْ بأنْ يَدْخُلُوا الجنَّة، لَا أنَّهُم يَطْمَعُون بأن يُقْضَى لهم بدخول الجنّة، فهذا الأمْرُ قَدْ قُضِي الْحُكْمُ به سابقاً في محكمة العدل الرّبّانية، فهم أصحابُ الجنّة، وتذاكِرُ الدُّخولِ في أيديهم، إنّما طَمَعُهُمْ هُو طَمَع مُتَرقِّبِ إعْلَانِ مُبَاشَرَةِ الدُّخول، كَمُنْتَظِرِي النداء بدخول بوّابَةِ الْعُبور إلى الطائرة، في الصّالة الدّاخليّة، بعْدَ استكمال كُلّ شروطِ الدُّخول ولوازمه.
بعْدَ هذهِ المعترضَةِ تَابَعَ النّصُّ عرْضَ لقطاتٍ من الْمَشْهَدِ تتعلْقُ بأصْحَاب الأعراف، فقال الله عز وجل:
{وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ النار قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين} [الآية: 47] .
هذا الدّاء يُناسِبُ أنْ يدعُوَ به مُشْفِقٌ خائف من العذاب، ينْظُرُ إلى سوابقِ
معاصِيه، فيخافُ أنْ يُقْضَى عليه بأنْ يكون مع الْقَوْمِ الظالمِينَ المخلَّدينَ في النّار، أو من المعذّبين فيها وَلَوْ تَعْذِيباً مؤقَّتاً.
وتابع النَّصُّ الحديث عنْهُمْ فقال اللَّهُ عز وجل:
{ونادى أَصْحَابُ الأعراف رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَآ أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أهاؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ
…
} [الآية: 49] .
هذا البيان يحكي حدثاً بصيغة الْفِعْلِ الماضي، وهو مُقْتَطَعٌ مِنَ الْمُسْتقْبَل، ومَقَدَّمٌ في المشهد البيانيّ.
أصْحَابُ الأعراف نَادَوا رجالاً من أصحاب النار الّذين هُمْ عَلَى شمال الحِجَاب، وهؤلاء الرّجال هُمْ من أئمة الكُفْر، ويَعْرِفونَهُمْ بعلاماتِهِمْ المميِّزَةِ لَهُمْ، فيقولون لهم مثيرين فيهم النّدمَ والتحسُّرَ: مَا أغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمُ الأموال والأنصار؟؟ ومَا أغْنَى عَنْكُمْ استكْبَارُكُمُ الذي كُنتُمْ تَسْتَكْبِرونه، وما كنْتُمْ تستكبرون به على عباد الله، وعن طاعة الله؟؟.
ويقولون لهم أيضاً مُشِيرين إلى بَعْضِ الضُّعَفَاءِ من أصحاب الجنة:
أهؤلَاءِ الّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا ينالُهُمُ اللَّهُ برَحمةٍ، وهُمُ الآن ينتظرون الإِذْنَ لَهُمْ بأن يَدْخُلوا الجنّة خالِدِين فيها.
عِنْدَ هذا الْمَفْصِلِ قَطَعَ البيانُ القرآنيُّ اللَّقَطَاتِ الْمُتَعَلِّقَاتِ بأصْحَاب الأعراف، وقدّم عبارة النداء لأصْحَاب الجنّة، بأنْ يدخُلوا الجنّة، فقال الله عز وجل:
{ادخلوا الجنة لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الآية: 49] .
لقد صدَر الأمْر التكريميّ بالإِذْنِ لَهُم بدخول الجنّة.
وطوى النصّ ما يتعلَّقُ بالأَمْرِ بِإدْخَالِ أهْلِ النار النارَ، وجَمْعِهِمْ رُكاماً، وكَبْكَبَتِهِمْ فِيها، اعْتِماداً عَلى أنَّه يُعْلَمُ ذَهْناً، ولَوْ لمْ يُذْكَرْ في النّصّ، وجاء البناء على الأمْرَيْنِ المذكُورِ والمطويِّ، فقال الله عز وجل:
هنا يتحدَّث الله عن سبَبِ كُفْرِهِمْ وَتَعْرِيضهِمْ أنْفُسَهُمْ للعذاب في النار، فقال الله عز وجل:
ألَيْسَ هذا التّنَقُّلُ العجيب في الأزمنة والأمكنة والأحداث مع استخدام مُخْتَلِف الأساليب من الإِعجاز البيانيّ في القرآن، ومن قِمَّةِ الأدَب الّتي لَا يَرْتقيها بشر؟!.
***
علمُ البَدِيع
وفيه مقدمة وثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: البدائع المشتملة على محسنات جمالية معنوية.
الفصل الثاني: البدائع المشتملة على محسنات جمالية لفظية.
الفصل الثالث: ملاحق.
"
علم البديع" المقدمة
(1) البواعث
اكتشف البلاغيون في النصوص البليغة ذات البيان الرفيع منثورات جماليّة متفرّقة، لفظيّة ومعنوية، وهذا المتفرقات المتناثرات يعْسُر تأليفها في أبواب وفصول، ولا يتضح في معظمها إلحاقُها بعلمي المعاني والبيان، وسمّوا كلّ واحدٍ ممّا اكتشفوهُ منها باسم خاصٍّ به، وجمعوها في مُسَمَّى علم واحد، أطلقوا عليه اسم "علم البديع".
وهذه الجماليّات البديعة التي يوجد فيها جماليّات معنويّة عبّروا عنها بعبارة "محسنّات معنويّة" ويوجد فيها جماليات لفظيّة عبَّروا عنها بعبارة "محسنّات لفظيّة" لها طبيعة مشابهة لأنواع الزينة التي تتزيَّن بها النساء، كقُرْطٍ، وسوارٍ، وخلخالٍ، وباقةِ وَرْدٍ، ونبات أخضر مزهر، وتَلْوين بصِبْغٍ أبيض أو أحمر أو أخضر أو أصفر أو غير ذلك، وتصفيف شعر وتثنيته أو إرساله أو رفعه أو خفضه، وتقصير ثوب أو إطالته، أو شقِّ جانب منه، أو تثقيبة أو توشيته وتطريزه وزخرفته، أو حركات خفَّة في الجسم، وتَثَنٍّ وتكسُّر في القامة وتضمير للخصْر وإبرازٍ وتعظيم لمواضع جماليّة، إلى غير ذلك مما يدركُه ذوّاقو الجمال، ويصعُبُ إحصاؤه، وقد أحسّ البلاغيون أنَّ الجماليات الَّتي اشتمل عليها علما المعاني والبيان جماليات ذاتية، أمّا جماليات علم البديع فهي جماليات عَرضية.
فإذا كانت هذه الجماليّات البديعة على اختلافها في الكلام أو في الأجسام، أو في غير ذلك منْ كلِّ ما يُرى أو يُسْمَعُ أو يُدْرَكُ بالفكر مصطنعةً متكلّفة، مُكْرَهةً إكراهاً على الدخول في مواضع غير ملائمة لها، أو مكْدُوسة كدْساً دون حسّ جماليّ رفيع، أعطت تأثيرات عكسيّة وربّما أفسدت الجوانب الجميلة الَّتي كانت تُلْحَظُ في المزيَّنِ بها قبل إضافتها للتزيين بها.
فالبدائع الجمالية لا تُضافُ اعتباطاً دون حسٍّ رفيع بالجمال، ولإِضافتها شُروطٌ بالغة الأهميّة، ومن أوائل شروطها وأهمها ما يلي:
الإِتقان البالغ، والطَّبَعِيَّة، والتِّلْقائية، وإخفاء قصد التجميل والتزيين بها، حتَّى لا يَشْعُر ذوّاقو الجمال الملاحظون لها في نظراتهم الأولى أنّها مصنوعة بتكلُّف، بل يشعرون أنَّها واردة بتِلْقائيّة السلوك المعتاد.
وما اكتشفه البلاغيون من هذه البدائع لا نعتبره اكتشافاً جامعاً كليّاً وحاصراً، فالبدائع الجماليّة يصعُبُ إحصاؤها كلّها، وهي قابلة للإِضافات الابتكاريَّة الَّتي تتفتَّق عنها مواهبُ المبدعين.
***
(2) تعريفات
تعريف البديع لغةً واصطلاحاً:
البديع في اللُّغة: كلمة "بديع" على وزن "فعيل" تأتي لغة بمعنى اسم الفاعل، وبمعنى اسم المفعول.
يقال لغةً: بَدَعَ فلانٌ الشيءَ يَبْدَعُهُ بَدْعاً إذا أنشأه على غير مثال سبَقَ، فالفاعل للشيء بَدِيع، والشيء المفعول بديع أيضاً.
ويقال أيضاً: أبْدَعَ، أي: أتى بما هو مُبْتكر جديد بديع على غير مثال سبق، فهو مُبْدِع والشيء مُبْدَعٌ.
وقد أطلقت كلمة "البديع" على العلم أو الفنّ الجامع والشارح للبدائع البلاغية المشتملة على المحسنات المعنويّة، والمحسنات اللفظية، من منثورات جمالية في الكلام، ممّا لم يلحق بعلم المعاني، ولا بعلم البيان.
فعلم البديع اصطلاحاً: هو العلم الذي تُعْرِف به المحسنات الجمالية المعنوية واللفظيّة المنثورة، الَّتي لم تُلْحَقْ بعلم المعاني، ولا بعلم البيان.
المحسنات الجمالية المعنويّة: هي ما يشتمل عليه الكلام من زينات جمالية معنوية قد يكون بها أحياناً تحسينٌ وتزيين في اللفظ أيضاً ولكن تبعاً لا أصالة.
المحسنات الجمالية اللفظيّة: هي ما يشتمل عليه الكلام من زينات جماليّة لفظيّة، قد يكون بها تحسين وتزيين في المعنى أيضاً، ولكن تبعاً لا أصالة.
(3) واضع علم البديع
(1)
قالوا: إنّ أوّل من دوَّن في هذا الفنّ "عبد الله بن المعتزّ العباسي" المتوفى سنة (274 هجرية) إذْ جمع ما اكتشفه في الشعر من المحسنات وكتب فيه كتاباً جعل عنوانه عبارة: "البديع".
ذكر في كتابه هذا سبعة عشر نوعاً، وقال: ما جمع قَبْلي فنون البديع أحد، ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف، ومن رأى إضافة شيء من المحاسن إليه فله اختياره.
وجاء من بعده من أضاف أنواعاً أُخَر، منهم على ما ذكر البلاغيون:
(2)
"جعفر بن قُدَامة" أديب بغدادي من كبار الكتّاب متوفي سنة (319هـ)
ألَّف كتاباً سمّاه "نقد قُدامة" ذكر فيه ثلاثة عشر نوعاً من أنواع البديع، إضافةً إلى ما سبق أن اكتشفه من قبل "عبد الله بن المعتزّ العبّاسيّ".
(3)
ثم "أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري" المتوفي سنة (395هـ) ، فقد جمع سبعة وثلاثين نوعاً من أنواع البديع.
(4)
"ابن رشيق الحسن بن رشيق القيرواني" فجمع في كتابه "العمدة" قرابة سبعة وثلاثين نوعاً من أنواع البديع.
(5)
ثم "شرف الدِّين أحمد بن يوسف القيسيّ التيفاشي" من أهل "تيفاش" وهي إحدى قرى "قفصة" بإفريقية، ولد فيها، وتعلَّم بمصر، وولي القضاء في بلده، له عدَّة مؤلفات، ولادته ووفاته في (580 - 651هـ) .
(6)
ثم "عبد العظيم المشهور بابْنِ أبي الإِصْبَع العدواني" البغدادي ثم المصري، شاعر من العلماء بالأدب، له تصانيف حسنة، منها كتابة "بديع القرآن ط" في أنواع البديع الواردة في القرآن، ولادته ووفاته (595 - 654هـ) وقد أوصل الأنواع إلى تسعين نوعاً".
(7)
ثم "صَفِيُّ الدين عبد العزيز بن سرايا السَّنْبسي الطائي الحِلّي" وهو معروف باسم "صفيّ الدين الْحِلّي" وُلد في الحِلَّة "بين الكوفة وبغداد"، ولادته ووفاته:(677- 750 هـ) فأوصل الأنواع إلى مئة وأربعين نوعاً، يمكن جمع بعضها في بعض.
(8)
ثم "عزّ الدّين علي بن الحسين الموصلي" شاعر، أديب، من أهل الموصل، سكن دمشق وتوفي فيها في (789هـ) له مؤلف سمّاه "بديعيّة" وشرحه، فذكر في كتابه ما ذكر صفي الدين الحلّي، وزاد زيادة يسيرة من ابتكاره.
وإني أذكر وأشرح من هذه البدائع ما هو مشهور ومتداول عند البلاغيين مع جمع بعضها ما أمكن ذلك، للتقليل من التفرد في الأنواع.
"
علم البديع" الفصل الأول: البدائع المشتملة على محسنات جمالية معنوية
البديعة المعنوية (1) : التورية
التورية: أن يَذكُرَ المتكلّم لفظاً مفرداً له معنيان، على سبيل الحقيقة، أو على سبيل الحقيقة والمجاز، أحدهما ظاهر قريبٌ يَتَبَادَرُ إلى الذهن وهو غير مراد، والآخَرُ بعيد فيه نوع خفاءٍ وهو المعنى المراد، لكن يُورَّى عنه بالمعنى القريب، لِيَسْبِقَ الذهن إليه ويَتَوهّمَهُ قبل التأمّل، وبَعْدَ التأمّل يَتَنبَّه المتلَقِّي فيُدْرَكُ المعنى الآخر المراد.
وأصل التورية في اللّغة: إرادةُ الشيءٍ وإظهارُ غيره إيهاماً، وقد جاء في كتب السيرة النبويّة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد غزاة أو سفراً إلى جهةٍ ورَّى بغيرها، ليعمّي الأخبار، حتَّى لا يترصَّد له الأعداء.
قال الزمخشري: لا ترى باباً في البيان أدقَّ ولا ألطف من التورية، ولا أنفع ولا أعْوَنَ على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله ورسوله منها.
أقسام التورية:
تنقسم التورية إلى ثلاثة أقسام: مجرّدة ومرشحة، ومبيَّنة.
* فالتورية المجرّدة: هي التي لم تقترن بما يلائم المعنى القريب، ولا بما يلائم المعنى البعيد.
* والتورية المرشّحة: هي التي اقترنت بما يلائم المعنى القريب، سواء أكان هذا المقارن قبل اللفظ المستعمل في التورية أو بعده.
* والتورية المبيَّنة: هي التي اقترنت بما يلائم المعنى البعيد المقصود باللّفظ.
أقول: ولا يحسُنُ بلاغيّاً استخدام التورية إلَاّ إذا دعا داعٍ بلاغي يقتضيه حال المتلقّي، وهذا الداعي ممّا يُقْصدُ لدى أذكياء البلغاء، كإخفاء المراد عن العامة وإشعار الخاصة من طرفٍ خفي، وكالتعبير عن المقصود بكلام يتأتَّى معه الإِنكار عند الحاجة إليه، وكاختبار ذكاء المتلقّي والتأثير في نفسه بما يُعْجِبُه من أداءٍ فنّيّ يستخدم فيه الأسلوب غير المباشر حتى الإِلغاز، إلى غير ذلك من دواعي.
فليس كلّ كلمة لها معنًى قريب ولها معنًى بعيد على وجه الحقيقة أو المجاز يحْسُنُ استخدامها، وقَصْدُ المعنى البعيد بها، على سبيل التورية، دون مراعاة أو ملاحظة داعٍ بلاغي يُقْصَد لدى البلغاء الفطناء.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في حكاية قول بعض أولاد يعقوب عليه السلام له، حين أخذ يُحِسُّ بريح يوسف عليه السلام، ولم يكن قد وصل البشير إليه يحمل قميصه من مصر، ولم يكن قد علم بما حصل لباقي بنيه في مصر الذين ذهبوا ليطلبوا الإِفراج عن بنيامين شقيق يوسف، فقال الله تعالى في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) :
{وَلَمَّا فَصَلَتِ العير قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ القديم} [الآيات: 94 - 95] .
تُفَنِّدُونِ: تُخَطِّئُوني بأنّي أُحسُّ بإحْسَاسِ من أصابَهُ الخرفُ وضعُفَ رأيُه، فصار يتصوّر تصورات باطلات.
وتلاحظ التورية في عبارتهم: {إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ القديم} فهذه العبارة لها معنيان:
الفريق الثاني: يَسُوءُ - الأعاديا.
المثال التاسع: قول الله عز وجل في سورة (الليل/ 92 مصحف/ 9 نزول) :
{فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى * وَصَدَّقَ بالحسنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى * وَكَذَّبَ بالحسنى * فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى} [الآيات: 5 - 10] .
في هذا النصّ مقابلة بين فريقين من المعاني يوجد بين عناصرهما طباق، وهي رُبَاعٌ:
الفريق الأول: أعْطَى - اتَّقَى - صَدَّق - الْيُسْرَى.
الفريق الثاني: بخل - استَغْنَى، أي: طغَى فلم يَتَّقِ - كَذّبَ - الْعُسْرَى.
المثال العاشر: قول أبي الطيّب المتنبيّ:
أزُررهُمْ وَسَوادُ اللَّيْلِ يَشْفَعُ لي
…
وَأَنْثَنِي وَبيَاضُ الصّبْح يُغْرِي بِي
في هذا البيت مقابلة فريقين من المعاني يوجد بين عناصرهما طباق، وهي خُمَاسَ:
الفريق الأول: أزورهم - سواد - اللّيل - يشْفَعُ - لِي.
الفريق الثاني: أنثني، أي: أعود من الزيارة - بياض - الصبح - يُغْرِي بِي.
***