الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا كانت العلاقة شيئاً آخر غير المشابهة خُصَّ هذا المجاز بعنوان: "المجاز المرسل".
مثل إطلاق الكلّ وإرادة الجزء في قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) في وصف حال قسم من المنافقين:
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت
…
} [الآية: 19] .
أي: يجعلون أناملهم في آذانهم، فأُطْلِق لفظ "الأصابع" مجازاً مراداً بها "الأنامل" للإِيحاء بأنّ حالتهم من الخوف تجعلهم يُدخِلونَ جميع أصابعهم في آذانهم لو كان واقع الحال يسمح بذلك. هذا المجاز هو من إطلاق الكلّ وإرادة الجزء، فالعلاقة بين المعنى الموضوع له في اصطلاح التخاطب، وبين المعنى المستعمل للدّلالة عليه مجازاً هي "الكليّة والجزئية" أو "الكلُّ والبعض" فهو من "المجاز المرسل".
***
(3) الدلالات الوضعية اللفظية
اقتبس البيانيّون من علماء المنطق ومن علماء أصول الفقه بعض مبحث الدلالات مقدّمة لبحوث علم البيان، نظراً إلى ارتباط هذا العلم بدلالات الألفاظ الوضعيّة على المعاني.
ولفائدة هذا البحث هنا أَثْبَتُّ أقسام الدلالة اللفظية الوضعيّة، أمّا الدلالات الأخرى (العقلية والطبيعيّة) فتركتها لأنّها من اهتمامات علماء المنطق.
تنقسم الدلالة اللفظية الوضعيّة إلى ثلاثة أقسام، وهي:
القسم الأول: دلالة المطابقة.
القسم الثاني: دلالة التضمّن.
القسم الثالث: دلالة الالتزام.
وذلِكَ لأنَّ الكلام:
* إمَّا أنْ يُسَاقَ ليَدُلَّ على تمام معناه الحقيقي أو المجازي، فتكون دلالته دلالة مطابقة تامّة بَيْن اللفظ والمعنى.
فإذا قُلْنَا مثلاً: "نزل المطر" قاصدين فعلاً نزول المطر من السماء في الواقع، كانت هذه الدلالة دلالة مطابقة بين اللفظ والمعنى.
* وإمّا أن يُسَاق ليَدُلَّ على بعض معناه الحقيقي أو المجازي، لا ليَدُلَّ على كلّ معناه، لأنّ العناصر الأخرى من معناه غير مطلوبة أو غيرُ مُحْتاجٍ إليها، فتكونُ دلالته دلالة تضَمُّن.
ومن أمثلة دلالة التضمّن أن يسأل الطبيب المريض: هل تناولت اليوم في طعامك ملحاً كثيراً حتَّى ارتفع ضَغْطُك؟.
فأجابه المريضُ بقوله: دعانا صديقُنَا فلان وأطعمنا طعاماً وضَعَتْ له الملْحَ أوَّلاً زوجته، ثم وضعت له الملْحَ مرّة ثانية أُمُّه ظانَّةً أنّه لم يُضَفْ إليه الملْحُ بَعْد، ثم وَضَعَتْ له الملح ثالثاً أخْتُه، فكان الطعام مالحاً جدّاً.
لقد ذكَرَ كُلَّ هذا الكلام الذي لا مصلحة للطبيب فيه ليَدُلَّ علَى أنّه تناول ملحاً كثيراً.
هذا الكلام دلَّ على بعض معناه لا على كلّ معناه، لأنَّ غرض الطبيب معرفة تناول مريضه الملح الكثير فقط، ولا مصلحة له بكلّ جوانب القصة التي ذكرها المريض، وهو في الغالب قد أهملها ولم يُعِرْها انتباهه.
* وإمّا أن يُساق ليَدُلَّ على معنىً آخر خارجٍ عن معناه الحقيقي أو المجازي، فتكون دلالته دلالة التزام.
ولازم المعنى الذي يدُلُّ عليه اللفظ قد يكون لازماً له عقلاً، أو لازماً له عادةً، أو لازماً له عُرْفاً.
كأن تقول: هذه الشجرة لا نستطيع قطف أعلى ثمارها إلَاّ بُسَلّم طوله عشرة أمتار.
أي: هي شجرة عالية يبلغ ارتفاع أغصانها قُرابة عشرة أمتار.
ومن دلالة الالتزام قول الخنساء في أخيها "صخر":
طَوِيلُ الْنِّجَادِ رَفِيعُ الْعِمَادِ
…
كَثِيرُ الرَّمَادِ إِذَا مَا شَتَى
وسيأتي إن الله شرح هذا البيت في الموضع المناسب للاستشهاد به.
***