الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البديعة اللفظية (2) : "السّجْع
"
يقال لغة: سجَعَت الحمامَةُ أو النَّاقةُ سَجْعاً، إذا رَدَّدَتْ صَوْتَها عَلى طريقةٍ واحدة.
ويقال: سجَعَ المتكلّم في كلامه، إذا تكلّم بكلامٍ له فواصل كفواصل الشّعر مُقَفّىً غير موزون.
والسّجْعُ في البديع: هو تواطُؤُ الفاصلتين من النَّثر على حرف واحد، وهو في النثر كالقافية في الشعر.
وأفضل السجع ما كانت فِقَرَاتُه متساويات، مثل:
(1)
قول الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه المتضمِّنِ الحثَّ على الإِنفاق في الخير، والتحذيرَ من الإِمساك:
"اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَأَعْطِ مُمْسِكاً تلفاً".
(2)
وقول أعرابي ذهب السَّيلُ بابْنِه:
"اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ قَدْ أَبْلَيْتَ، فَإِنَّكَ طَالَمَا قَدْ عَافَيْتَ".
يُقالُ لغة: بَلَاهُ وأبْلَاهُ، إذا اختبره، والمصائب من الأمور الّتي يختبر الله بها عباده كالنِّعم.
(3)
قولهم:
"الحرُّ إذَا وَعَدَ وَفَى، وإذا أَعَانَ كَفَى، وإِذَا قَدَرَ عَفَا".
وقد جاء في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم النَّهْيُ عن سَجْعِ الكُهَّان، إبعاداً عن التشبُّهِ بهم، وهُو غير السَّجْعِ الذي إذا كان تلقائياً غير متكلف ولا مُلْتزَمِ به في كلّ الكلام، كان من المحسِّنات اللفظيّة، وكان من البديع، لوروده في القرآن وفي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
والأسْجَاعُ مبنيّةٌ على سكُونِ الأعجاز (أي: الأواخر) مثل:
"مَا أبْعَدَ مَا فَاتْ، وَمَا أقْرَبَ ما هُو آتْ".
والأصل في السّجع، أن يكون في النثر، لكنَّه قد يأتي داخل فِقَراتِ البيت من الشعر، فيزيدُه حُسْناً إِذَا كان مستوفياً شروطه الفنيّة غير متكلّف.
وتأدَّب بعض العلماء فخصّ ما هو ملاحظٌ في القرآن من سجع باسم "فواصل".
ويُطلق على الفِقَرَةِ المنتهية بالفاصلة: "سَجْعه" وجمعها "سجعَات" ويُطْلَق عليها "قَرينة" لمقارنَتها لأختها، وتجمع على "قرائن" ويُطْلَقُ عليها "فِقَرَة" وجمعُها "فقْراتُ" و"فِقَرَات" و"فِقَر".
أقسام السجع:
من الدقة في التقسيمات والتفصيلات لدى علمائنا الأقدمين تقسيمُهُمُ السّجع إلى عدّة أقسام هداهم إليها واقع الأمثلة التي نظروا في شرحها وتحليلها، مع النظر في الاحتمالات العقلية التي تتعرّض لها الْجُمَل المسجوعة في اللّسان العربي.
فقسَّمُوا السَّجْع إلى عدّة أقسامٍ، ووضعوا لها أسماء اصطلاحية وفيما يلي بيانُها.
أوّلاً:
فمن جهة بناء كلمات السجعتين واتّفاقها في الوزن والحرف الأخير منها أو عدمه ظهرت لهم ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: "التَّرصِيع" ويقال فيه: "السَّجْعُ المرصَّع".
وهو أن تكون الألفاظ المتقابلة في السَّجْعَتَيْن متفقةً في أوزانها وفي أعْجَازِها، "أي: في الحرف الأخير من كلّ متقابلين فيها" مثل ما يلي:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (الغاشية/ 88 مصحف/ 68 نزول) :
{إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الآيات: 25 - 26] .
فالتقابُلُ في كَلِمَاتِ الفقرتين يُلاحَظُ فيه الاتفاق في الأوزان وفي الحرف الأخير.
إنّ - إِلَيْنَا - إِيَابَهُمْ - ثم.
إنَّ - عَلَيْنَا - حِسَابَهُمْ.
أمّا كلمة "ثُمَّ" فهي بمثابة المشترك بين الفقرتين.
(2)
قول الحريري:
"فَهُوَ يَطْبَعُ الأَسْجَاعَ بِجَوَاهِرِ لَفْظِهْ، ويَقْرَعُ الأَسْمَاعَ بِزَوَاجِرِ وَعْظِهْ".
التقابل في كلمات هَاتين الفِقْرتَيْن تقابُلُ اتّفاقِ في الأوزان وفي الحرف الأخير:
فهو: يَطْبَعُ - الأَسْجَاعَ - بِجَواهِرِ - لَفْظِهْ.
و: يَقْرَع - الأَسْمَاعَ - بزَواجرِ - وَعْظِهْ.
ويُلَاحَظُ فيهما مع التَّرْصِيع، تصَنُّع الجناس الناقص.
القسم الثاني: "المتوازي" ويقال فيه: "السَّجْع المتوازي".
وهو أن تكون الكلمتان الأخيرتان من السّجعَتَيْن متَّفِقَتَيْن في الوزن وفي الحرف الأخير منهما، مع وجود اختلافٍ ما قبلهما في الأمرين، أو في أحدهما، مثل ما يلي:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (الغاشية/ 88 مصحف/ 68 نزول) في وصف الجنة:
{فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ} [الآيات: 13 - 14] .
كلمتا: "مَرْفوعَة" و"موضوعة" متفقان في الوزن والحرف الأخير، لكنّ ما قبلهما وهما:"سُرُرٌ" و"أَكْوَابٌ" غير مُتَّفِقَتين فيهما.
(2)
قول أبي منصور الثعالبي:
"الْحِقْدُ صَدَأُ الْقُلُوبْ، واللَّجَاجُ سَبَبُ الْحُروبْ".
اللَّجَاج: التمادي في الخصومة.
كلمتا: "القلوب" و"الحروب" متفقتان في الوزن والحرف الأخير، لكنّ كلمتي "صَدَأ" و"سَبَب" مختلفتان في الحرف الأخير، وإن اتفقتا في الوزن، وكلمتي "الحقد" و"اللّجاج" مختلفتان في الأمرين كليهما.
(3)
قول الحريري:
"ارْتِفَاعُ الأخْطَارْ باقْتِحَامِ الأَخْطَارْ"
الأخطارْ الأولى: المنازل الاجتماعية.
والأخْطَارُ الثانية: المهالك.
(4)
وقال أعرابي لرجُلٍ سألَ لَئيماً:
"نَزَلْتَ بِوَادٍ غَيْرِ مَمْطُورْ، وَفِنَاءٍ غَيْرِ مَعْمُورْ، وَرَجُلٍ غَيْرِ مَيْسُورْ، فَأَقْدِمْ بِنَدَمْ، أو ارْتَحِلْ بِعَدَمْ".
(5)
وقال أعْرابيّ:
"بَاكَرَنَا وَسْمِيّ، ثُمَّ خَلَفَهُ ولِيّ، فالأَرْضُ كَأَنَّهَا وَشْيٌ مَنْشُورْ، عَلَيْهِ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورْ، ثُمَّ أَتَتْنَا غُيُومُ جَرَادْ، بِمَنَاجلِ حَصَادْ، فَجَرَدَتِ الْبِلَادْ، وَأَهْلَكَتِ الْعِبَادْ، فَسْبُحانَ مَنْ يُهْلِكُ الْقَوِيَّ الأَكُولْ، بالضِّعيفِ الْمَأْكُولْ".
الوسْمِيُّ: مطر الربيع الأول.
الْوَلِيُّ: المطر يسقُط بَعْدَ المطر.
القسم الثالث: "المطرّف" ويقال فيه: "السَّجْعُ الْمُطَرَّف".
وهو أن تكون الكلمتان الأخيرتان من السَّجْعتين مختلفتين في الوزن، متفقَتَيْن في الحرف الأخير، وعندئذٍ لا يُنْظَرُ إلى ما قبلهما في الاتفاق أو الاختلاف، مثل ما يلي:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (نوح/ 71 مصحف/ 71 نزول) حكايةً لما قال نوحٌ عليه السلام لقومه:
{مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} [الآيات: 13 - 14] .
كلمتا: "وَقَارا" و"أَطْوَارَا" مختلفتان في الوزن، متفقتان في الحرف الأخير.
(2)
قَوْلِ أحد البلغاء:
"الإِنْسَانُ بآدَابهْ لَا بِزِيِّهِ وَثِيَابِهْ".
ثانياً:
والسّجع في الشعر قد يأتي على وجوه السّجع في النثر، إلَاّ أنّه يختصّ بقسميْن لا يوجدان في النثر، هما: التصريع، والتشطير:
* فالتصريع: يكون بجعل الْعَرُوض (وهي آخر المصراع الأوّل من البيت) مقفّاةً تقفية الضَّرْب (وهو آخر المصراع الثاني من البيت) ومنه أغلب أوائل القصائد، مثل:
(1)
قول امرئ القيس:
أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ
…
وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
صَرْمِي: أي: قطع وصالي.
وقوله:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ
…
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
(2)
وقول أبي الطيّب المتنبّي:
مَغَانِي الشِّعْبِ طِيباً في الْمَغَانِي
…
بِمَنْزِلةِ الرَّبيعِ مِنَ الزَّمَانِ
* والتَّشْطِير: يكون بِجَعْلِ كلِّ شَطْرٍ مِنَ شطْرَي البيت مسجوعاً سجْعاً مخالفاً للسّجع في الشطر الآخر، مثل قول أبي تَمَّام:
تَدْبِيرُ مُعْتَصِمٍ: بِاللَّهِ مُنْتَقِمٍ
…
لِلَّهِ مُرْتَغِبٍ. في اللَّهِ مُرْتَقِبِ
فالسَّجْعُ في الشطر الأول على حرف الميم، وفي الشطر الثاني على حرف الباء.
أمثلة على السّجع من الشعر:
(1)
قول أبي تمّام يمدح أبا العباس "نَصْرَ بن بَسَّام":
سَأَحْمَدُ نَصْراً مَا حَيِيِتُ وإنَّنِي
…
لأَعْلَمُ أَنْ قَدْ جَلَّ نَصْرٌ عَن الْحَمْدِ
تَجَلَّى بِهِ رُشْدِي وَأَثْرَتْ بِهِ يَدِي
…
وَفَاضَ بِهِ ثَمْدِي وأَوْرَى بِهِ زَنْدِي
ثَمْدِي: الثَّمْدُ: الماء القليل.
أَوْرَى الزَّنْدُ: خَرَجَتْ نارُه، والزَّنْدُ هُوَ العودُ الأعْلَى الذي تقْدَحُ به النار.
(2)
وقول الخنساء:
حَامِي الحقيقةِ. مَحْمُودُ الْخَلِيقَةِ
…
مَهْديُّ الطَّريقة. نَفَّاعٌ وضَرَّارُ
جَوَّابُ قاصِيَةٍ. جَزَّارُ نَاصِيَةٍ
…
عَقَّادُ أَلْوِيَةٍ. لِلْخَيْلِ جَرَّارُ
ثالثاً:
والسَّجْع من جهة الطّول والقصر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: "السَّجْعُ القصير".
ومنه قول الله عز وجل في سورة (المرسلات/ 77 مصحف/ 33 نزول) :
{والمرسلات عُرْفاً * فالعاصفات عَصْفاً} [الآيات: 1 - 2] .
القسم الثاني: "السَّجْعُ المتوسط".
ومنه قول الله عز وجل في سورة (القمر/ 54 مصحف/ 37 نزول) :
{اقتربت الساعة وانشق القمر * وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} [الآيات: 1 - 3] .
القسم الثالث: "السَّجْعُ الطويل".
ومنه قول الله عز وجل في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول) :
درجات السّجع في الْحُسْن:
رتّب علماء البديع السَّجع من جهة الْحُسْن في ثلاث دَرجات:
الدرجة الأولى "العليا": مَا تَسَاوَتْ سَجْعاته، مثل قول الله عز وجل في سورة (الواقعة/ 56 مصحف/ 46 نزول) :
{وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} [الآيات: 27 - 30] .
مَخْضُود: أي: منزوع الشوك.
وَطَلْح منْضود: الطَّلْحُ: الموز.
منضود: أي: مضموم بعضه إلى بعض بتناسُق.
الدرجة الثانية "الوسطى": مَا طَالَتْ سجْعتُهُ الثانية، أو الثالثة، مثل ما يلي:
(1)
قول الله عز وجل في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول) :
{والنجم إِذَا هوى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى} [الآيات: 1 - 2] .
السجعة الثانية هنا أطول من الأولى.
(2)
وقول الله عز وجل في سورة (الحاقة/ 69 مصحف/ 78 نزول) بشأن من أوتي كتابه بشماله يوم الدّين:
{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ} [الآيات: 30 - 31] .
السجعة الثالثة هنا هي الأطول.
أقول:
هذه الدرجة الثانية قد تكون في موقعها الملائم مثل الدرجة الأولى في الْحُسْن، وطولُ السجعة الثانية أو الثالثة قد يزيد السَّجْعَ حُسْناً، لأنَّه يُخْرجه عن النّمطيَّة المتناظرة، فيكونُ أكثر تنبيهاً وإثارةً لنفس الأديب الذّواق للجمال، وكتابُ الله مُتَشابه في الْحُسْن.
الدّرجة الثالثة: مَا كانت سجعته الثانية أقصر من الأولى قصراً كثيراً، يُحسّ معه الذوق الجماليُّ عند الأديب بأنه كالشيء المبتور الذي قُطع قَبْل أن يسْتكْمل مَا كان ينبغي له.
أقول:
الْمُحَكَّمُ في كلّ ذلك الحسُّ الجماليّ لدى ذوّاقي الجمال في الكلام، لا التساوي في الفقرات المقترنات، ولا طول بعضها وقصر بعضها.
على أنّ المعاني ينبغي أن تكون صاحبة الحظّ الأوفر من الاعتبار، وما تستدعيه المعاني من تساوٍ في الفقرات أو تفاضل فهو الذي يَحْسُن أن يُصَار إليه دواماً، والقيود من وراء ذلك قيودٌ شكليّة لا لُزُوم لها.
أخيراً:
قد يلجأ البليغ إلى بعض تَصَرُّفٍ في الكلمة على خلاف قاعدتها في اللّسان العربي مراعاةً للسَّجْع المتناظر، ومنه ما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لِلَّوَاتي كُنَّ يَخْرُجْنَ إلى المقابرِ للنُّواحِ على الموتى:
"اِرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ".
أصل "مأزورات" أن يقال فيها "مَوْزورات" فحصل التصرف في الحرف الثاني، لِتُنَاظِرَ الكلمةُ السَّجعةَ الثانية "مَأْجُورَات".
***