الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البديعة المعنوية (21) : المُبَالغة
المبالغة في اللّغة: الاجتهاد في الشيء إلى حدّ الاستقصاء والوصول به إلى غايته، وتأتي بمعنى المغالاة، وهي الزيادة بالشيء عن حدّه الذي هو له في الحقيقة، يقال لغة: بالغَ في الأمر مُبالغةً وبلاغاً، إذا اجتهد فيه واستقصى، وإذا غالى فيه أيضاً.
والمبالغة اصطلاحاً هنا: أن يدّعي المتكلّم لوصفٍ ما أنَّه بلغ في الشدّة أو الضعف حدّاً مستبعداً أو مستحيلاً.
الآراء حول قبولها أو عدمه:
* يرى بعض المتشدّدين رَفْضَها مطلقاً، لخروجها عن منهج الحقّ والصّدق.
* ويرى المترخّصُون قبولها مطلقاً، في التعبيرات الأدبيَّة، بدعوى أنّ أعذب الشعر أكْذَبُه.
* أمّا جمهور العلماء والأدباء فقد توسَّطُوا في الأمْر، فقبلوا من المبالغة ما كان منها حسناً جميلاً جارياً مجرَى الاعتدال الذي لا يراه الناس مستنكراً ولا مُسْتَهْجَناً، أو قائماً على التصوير الخيالي في سياق من الكلام يَسْمَحُ بذلك، بشرط أن لا يكون في المبالغة إيهامٌ بأنّ المتكلّم يُقَرّرُ حقيقةً واقعة بكلّ عناصرها، بل يُدْرِكُ المتلقِّي أنَّ الكلام مَسُوقٌ على سبيل المبالغة، فيأخذ منها المعنَى المعتادَ في الكثرة مع زيادةٍ مقبولة.
أقسام المبالغة:
قسّم علماء البديع المبالغة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: "التبليغ" وهي المبالغة الممكنة عقلاً وعادةً.
القسم الثاني: "الإِغراق" وهي المبالغة الممكنة عقلاً لا عادةً.
القسم الثالث: "الغُلوّ" وهي المبالغة غير الممكنة لا في العادة ولا في العقل.
أمثلة:
المثال الأول: قول امرئ القيس، يصفُ فرسه بالقدرة على العدو الشديد، والمتابعة في الطِّراد، والصّبر على التردّد السّريع مُدَّةً طويلة بين طريدتَيْن، دون أَنْ يَتَصَبَّبَ عرقاً:
فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ وَنَعْجَةٍ
…
دِرَاكاً فَلَمْ يَنْضَحْ بمَاءٍ فَيُغْسَلِ
فَعَادَى عِدَاءً: أي: وَالَى مُطَاردَتَهُ لِصَيْدَيْنِ، يُتابِعُ كُلاًّ مِنَ الطَّرِيدَتَيْن.
والْعِدَاءُ: الشَّوْط الواحِدُ من الْعَدْو.
بَيْنَ ثَورٍ وَنَعْجَةٍ: أي: بين ثور من بقر الوحش، وبقَرَةٍ وحشيّة.
النَّعْجَةُ الأنْثَى مِنَ الضأن، والبقرة الوحشيّة، وهي المرادَةُ هُنَا.
دِرَاكاً: أي: مُلَاحقَةً، يقالُ: دَارَكَ الطريدة من الصَّيْدِ مُدارَكةً وَدِراكاً، إذا لَحِقَهَا.
فَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءِ فَيُغْسَلِ: أي: فلم يتصَبَّبْ عَرَقاً، كما يحدُثُ لغيره من الخيول.
هذه المبالغة يمكن أن نعتبرها من القسم الأول "التبليغ" لأنَّها ممكنة في العقل والواقع.
أمّا قوله في وصفه:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معاً
…
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
فمن غير الممكن أن يكون في كرِّهِ إلَى الجهة الّتِي يُقْبلُ عَلَيْها فارّاً عنها، فهي مبالغةٌ من القسم الثالث "الغلوّ" لكنَّها مع ذلك مبالغةٌ مقبولة، لأنّ امْرأ القيس يُصوِّر مَشاعِرَهُ، ويُعَبِّر عمّا يَتَمَثَّلُ في خيَالِ الْمُشَاهِدِ حينَ يرى سُرْعَتَهُ الفائقة الّتِي يختَلِطُ فيها الكرّ والفرّ، حتى كأنّه يَكِرُّ ويَفِرُّ معاً، وهذا ما يُسَمَّى عند الأدباء المعاصرين "الصِّدْقَ الْفَنِّي".
المثال الثاني: قول "المتنبّي" يصف فرسه:
وَأَصْرَعُ أَيَّ الْوَحْشِ قَفَّيْتُهُ بِه
…
وَأَنْزِلُ عَنْهُ مِثْلَهُ حِينَ أَرْكَبُ
يقول: إذا طَرَدْتُ بفرسِي وَحْشاً أَيَّ وَحْشٍ بَلَغَهُ فتمكَّنْتُ منه، فصَرَعْتُه، وأَنْزِلُ عنه بعد ذلك، فأَجدُه مثْلَهُ حينَ أَرْكَبُه، أي: لم يَلْحَقْهُ التّعَبُ وَلَمْ يَكِلَّ، لقُوَّتِهِ وعِزَّةِ نفسه.
قال العكبري: كقول ابن المعتزّ:
تَخَالَ آخِرَهُ في الشَّدِّ أوَّلَه
…
وَفِيهِ عَدْوٌ وَرَاءَ السَّبْقِ مَذْخُورُ
أقول: المبالغة في هذين البيتين من قسم "التبليغ".
المثال الثالث: قول "الحماسي":
رَهَنْتُ يَدِي بالْعَجْزِ عَنْ شُكْرِ برِّه
…
وَمَا فَوْقَ شُكْرِي للشكُور مَزِيدُ
وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُسْتَطَاعُ اسْتَطَعْتُهُ
…
ولَكِنَّ مَالاً يُسْتَطَاعُ شَدِيدُ
بالَغَ فادّعَى أنَّه قَدَّمَ غَايَةَ ما يَسْتَطِيعُ مِنْ شُكْر، وإِنْ كان ما قدّمَهُ لا يُسَاوِي مَا نَالَ من ممدوحه من برّ.
هذه المبالغة من قسم "التبليغ" أيضاً.
المثال الرابع: قول "ابن نُباتَة السعدي" في سيف الدولة:
لَمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئَاً أُؤَمِّلُهُ
…
تَرَكْتَنِي أصْحَبُ الدُّنْيا بِلَا أَمَلِ
هذه المبالغة ممكنة عقلاً، لكنّها مستبعدة واقعاً بحسب العادة، فهي "إغراق".
المثال الخامس: قول المتغزّل:
خَطَرَاتُ النَّسِيمِ تَجْرَحُ خَدَّيـ
…
ـهِ ولَمْسُ الْحَرِيرِ يُدْمِي بَنَانَهُ
هذه المبالغة من قسم "الإِغراق".
المثال السادس: قول "عَمْرو بْنِ الأَيْهَم التَّغْلِبي":
وَنُكْرِمُ جَارَنَا مَا دَامَ فِينَا
…
ونُتْبِعُهُ الْكَرَامَةَ حَيْثُ مَالَا
هذه المبالغة من قسم "الإغراق".
المثال السابع: قول ابن الرّومي يذمّ بخيلاً ببخله:
لَوْ أنَّ قَصْرَكَ يَا ابْنَ يُوسُفَ مُمْتَلٍ
…
إِبَراً يَضِيقُ بِهَا فِنَاءُ الْمَنْزِلِ
وَأَتَاكَ يُوسُفُ يَسْتَعِيرُكَ إِبْرَةً
…
لِيَخِيطَ قَدَّ قَمِيصِهِ لَمْ تَفْعَلِ
هذه المبالغة من قسم "الغلوّ".
ومثلُهُ قولُ ابن الرومي أيضاً يَصِفُ بخيلاً:
فَتَىً عَلَى خُبْزِهِ وَنَائِلِهِ
…
أَشْفَقُ مِنْ وَالِدٍ عَلَى وَلَدِهْ
رَغِيفُهُ مِنْهُ حِينَ تَسْأَلُهُ
…
مَكَانَ رُوحِ الْجَبَانِ مِنْ جَسَدِهْ
المثال الثامن: قول "أبي نواس" من قصيدةٍ يمدح بها الرّشيد:
وأَخَفْتَ أَهْلَ الشِّرْكِ حَتَّى إنَّهُ
…
لَتَخَافُكَ النُّطَفُ الَّتِي لَمْ تُخْلَقِ
هذه المبالغة من "الغلوّ".
قالوا: إنّ "العتابي" لقي أبا نواس فقال له: أما اسْتَحْيَيْتَ من الله بقولك: "وأخَفْتَ أهلَ الشّرْك".
فقال له "أبو نواس": وأنت ما استحييت من الله بقولك:
مَا زِلْتُ في غمَرَاتِ الْمَوْتِ مُطَّرَحاً
…
يَضِيقُ عَنِّي وَسِيعُ الرّأي مِنْ حِيَلي
فَلَمْ تَزَلْ دَائِباً تَسْعَى بِلُطْفِكَ لِي
…
حتَّى اخْتَلَسْتَ حَيَاتِي مِنْ يَدَيْ أَجَلِي
المثال التاسع: قول البحتري في مدْح أمير المؤمنين "المتوكّل على الله":
فَلَوَ أنَّ مُشْتَاقاً تَكَلَّفَ فَوْقَ مَا
…
فِي وُسْعِهِ لَسَعَى إِلَيْكَ الْمنْبَرُ
هذه المبالغة من "الغلوّ" المقبول.
المثال العاشر: قول "المتنبّي" في صباه في المكتب:
أَبْلَى الْهَوَى أسَفاً يَوْمَ النَّوَى بَدَني
…
وفَرَّقَ الْهَجْرُ بَيْنَ الْجفْنِ وَالْوَسَنِ
رُوحٌ تَرَدَّدُ في مِثْل الْخِلَالِ إِذا
…
أَطَارَتِ الرّيحُ عَنْهُ الثَّوْبَ لَمْ يَبِنِ
كَفَى بِجِسْمِي نُحُولاً أَنَّنِي رَجُلٌ
…
لَوْلَا مُخَاطَبَتِي إِيَّاكَ لَمْ تَرَنِي
الأسف: الحزن. والوسَنُ: النوم.
في المبالغة هنا "غُلُوّ" مقبول.
والأمثلة من شعر الشعراء على أقسام المبالغة كثيرة.
المقبول من قسم "الغلوّ".
قال البلاغيّون: والمقبول من قسم "الغلوّ" عدّة صُور، منها:
(1)
أن يدخل عليه مَا يُقَرِّبُهُ إلى الصحة، كقول الله عز وجل في سورة
(النور/ 24 مصحف/ 102 نزول) في وصف زيت شجرة الزيتون التي ليست شرقيّة ولا غربية:
{يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ
…
} [الآية: 35] .
فعبارة: {يكاد} قرّبَتْ فِكْرَةَ إضاءَة الزّيتِ بِبَرِيقه الشدّيدِ من الصحّة، وجعلت المبالغة مقبولة.
(2)
أن يُقَدَّمَ في صُورَةٍ جميلة تخيُّليّة، كقول القاضي الأرجاني يصف اللَّيْلَ بالطّول على طريقة التخيُّل:
يُخَيَّلُ لي أَنْ سُمِّرَ الشُّهْبُ في الدُّجَى
…
وشُدَّتْ بأَهْدَابِي إلَيْهِنَّ أجْفَانِي
(3)
أنْ يكُونَ تعبيراً عن حالة الشعور النفسيّ، فيما يُسمَّى بالصدق الفني، كقول امْرِئ القيس في وصف فرسه:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً
…
كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
(4)
أن يُسَاقَ مَساقَ الْهَزْل، كقول الهازل الْخَلِيع:
أَسْكَرُ بالأَمْسِ إِنْ عَزَمْتُ عَلَى الشُّرْ
…
بِ غَداً. إِنَّ ذَا مِنَ الْعَجَبِ
المبالغة بالصيغة:
وذكر الباحثون في بدائع القرآن المبالغة بصيغةٍ أو لفظٍ من ألفاظ المبالغة السّماعية أو القياسية.
وصيغ المبالغة هي:
(1)
فَعْلَان: مثل: رحمن.
(2)
فَعِيل: مثل: رَحيم.
(3)
فَعَّال: مثل: توَّاب - غَفَّار - قَهَّار.
(4)
فَعُول: مثل غَفُور - شَكُور - وَدُود.
(5)
فَعِل: مثل: حَذِر - أَشِر - فَرِح.
(6)
فُعَال: مثل: عُجَاب.
(7)
فُعَّال: مثل: كُبَّار.
(8)
فُعَل: مثل: لُبَد.
(9)
فُعْلَى: مثل: عُلْيَا - حُسْنَى - شُورَى - سُوأَى.
وتوجد صيغ أخرى، مثل: رحموت، ورهبوت، مما هو سماعي.
ودار نقاش حول استعمال صيغ المبالغة أو صافاً وأسماءً لله عز وجل:
* فزعم بعضهم أنّها مستعملة بجانب الله على سبيل المجاز، إذ هي موضوعة للمبالغة، ولا مبالغة فيها حين يوصف الله بها.
* وقال بعضهم المبالغة فيها بحسب تعدّد المفعولات التي تفوق تصوّرات الخلائق.
أقول: هذا النقاش الذي دار حول هذا الموضوع سببه الفكرة الّتي سبقت إلى تصوّر الناس حول الصّيغ التي أسماها علماء العربية اصطلاحاً صِيَغَ مبالغة، مع العلم بأنّ العرب قد استعملوا هذه الصِّيغ ولو يقولوا: إنّها صيغ مبالغة، بمعنى أنّها تدلّ دواماً على ما هو زائد على الواقع والحقيقة حتى ترد الإِشكالات الّتي أوردها المستشكلون حول صفات الله عز وجل.
وباستطاعتنا أن نقول: إنّ هذه الصيغ موضوعة في الأصل للدلالة على كمال الصفة، وهذا الكمال لا يوجد في الناس، أو للدلالة على الكثرة والوفرة في أجزاء
الصفة، دون أن يكون ذلك على سبيل المبالغة بمعنى الزيادة على الحقيقة والواقع دواماً، فإذا أطلقت على غير مستحقّ الكمال فيها كان هذا الإِطلاق على سبيل المبالغة، وإذا أطلقت على مستحقّ الكمال أو الكثرة فيها فهو إطلاق على وجه الحقيقة ولا مبالغة فيه، فما يسمَّى بصيغ المبالغة إذا أطلقت على الله عز وجل فهي مطلقة بحسب وضعها اللُّغوي، ولا مبالغة فيها، وبهذا ينحلّ الإِشكال من أساسَه، وسببُ الإِشكال التقيّد بتعريفات اصطلاحيّة جاءت على ألسنة علماء اللّغة، دون الرجوع إلى التبصّر بأصل الاستعمالات العربية، وتحرير المراد من الاصطلاح.
***