الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البديعة المعنوية (20) : المذهب الكلامي
المذهب الكلامي: أن يأتي الأديب البليغ على صحّة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجّة عقليّة برهانيّة أو دُونَها.
قالوا: هذه التسمية تُنْسَبُ إلى الجاحظ، والسبَبُ في إطلاق هذه التسميّة أنَّ عِلْمَ الكلام يَسْتَنِد في حُجَجه إلى الحجج العقلية، فإذا استخدم الأديبُ الحجج العقليّة في كلامه، فقد ذهب مذْهَبَ عُلَماءِ الكلام.
أمثلة:
المثال الأوّل: قول الله عز وجل في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) :
{أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلَاّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ} [الآيات: 21 - 22] .
هُمْ يُنْشِرُونَ: أي: هُمْ أرْبَابٌ يُحْيُونَ الْمَوْتَى.
لَوْ كَان فيهما: أي: في السماوات والأرض.
ففي قول الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلَاّ الله لَفَسَدَتَا} حُجَّةٌ عقليّة، ممّا يحتَّجُّ بِه عُلَمَاءُ الكلام. والدليلُ فيه يُسمَّى عند عُلَمَاء المنطق، "قياساً استثنائيّاً" وهو من قسم الشرطيّة المتصلة، فهو قياس استثنائيٌّ متّصِل، له مقدّم وتالي كما يلي:
مقدم التالي
* لو كان فيهما آلِهَةٌ إلَاّ الله لفَسَدَتا (هذه القضية الكبرى)
* لكنّهما لم تَفْسُدا، كما هو مشاهد في الواقع. (هذه القضية الصغرى) .
إذن: فَلَيْسَ فيهما آلِهَةٌ بِحَقٍّ إلَاّ الله (هذه النتيجة - وقدْ رُفِعَ فيهما المقدّم) .
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (الأنعام / 6 مصحف/ 55 نزول) :
قال اليهود في دعواهُمُ الكاذبة {مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} ليتَسَنَّى لَهُمْ إِنْكارُ كوْن القرآن مُنَزَّلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عز وجل.
فجاء في النصّ تعليمُ الرسول وكلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَطْرَحَ عَلَيْهم سؤالاً يَتَضَمَّنُ حُجَّةً بُرْهَانِيَّةً ضِدَّهُم، وهو:{مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى} وهو التوراة؟.
إِنَّهُمْ يؤمنون بأنّ اللَّهَ أنْزَلَه، وكتُبُهُمْ شاهِدَةٌ بذلك، فإذا جَحَدُوا أن يكون منزَّلاً من عند الله فقد نَقَضُوا قَضِيَّةً كُبْرى من قضايا إيمانهم في دينهم، وإذا قالوا كما يعتقدون: أنزلَهُ اللَّهُ على موسى، فقد نَقَضُوا قَوْلَهُمْ:{مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} .
فالحجَّةُ البرهانيَّةُ دامِغَةٌ لهم.
المثال الثالث: قولي من قصيدة بعنوان: "الصراع بَيْنْ الْحَقِّ والباطل":
فَرِيقَانِ كُلٌّ لَهُ خِطَّةٌ
…
تُدَنِّسُ في الأَرْضِ أَوْ تَغْسلُ
نَقِيضَانِ مَا ائتَلَفَا طَرْفَةً
…
وَجَمْعُ النَّقِيضَيْنِ لَا يُعْقَلُ
فمن القضايا العقليّة المنطقيّة أنّ النقيضَيْنِ لَا يجتمعان في شيءٍ واحد، وإلى هذه الحقيقة أشار الله عز وجل بقوله في سورة (الأحزاب/ 33 مصحف/ 90 نزول) :
أي: فالقلب الواحد لا يقبل فكْرَتَيْنِ مُتَنَاقِضَتَيْن، والزوجات لا تكون أمُّهَات، والأدعياء لا يكونون أبناءً.
المثال الرابع: قول "النابغة الذبياني" من قصيدة يعتذر فيها إلى "النُّعْمَان بن عَمْرو بن الْمُنْذِر" أحد ملوك آل غسّان في الجاهلية، كانت له حوران وعبر الأردن وتلك الأنحاء، وكان النابغة قد مدح آل جفنة بالشام، فسَاءَ ذلك النعمان:
حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً
…
ولَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ لِلْمَرءِ مَطْلَبُ
لَئِنْ كُنْتَ قَدْ بُلّغْتَ عَنِّي خِيَانَةً
…
لَمُبْلِغُكَ الْواشِي أَغَشُّ وأَكْذَبُ
وَلَكنَّنِي كُنْتُ امْرَأً لِيَ جَانِبٌ
…
مِنَ الأَرْض فِيه مُسْتَرَادٌ وَمَذْهَبُ
مُلُوكٌ وإخْوَانٌ إِذَا مَا مَدَحْتُهُمْ
…
أُحَكَّمُ في أَمْوَالِهِمْ وَأُقَرَّبُ
كَفِعْلِكَ فِي قَوْمٍ أَرَاكَ اصْطَفَيْتَهُمْ
…
فَلَمْ تَرَهُمْ فِي مَدْحِهِمْ لَكَ أذْنَبُوا
رِيبَةً: أي شكاً.
مُسْتَرَادٌ: مَكانٌ أَتَرَدَّدُ فيه لِطَلَبِ الرّزْق، يُقَال لغة: استرادَ الشيءَ، إذا طلَبَهُ مُقْبلاً مُدْبراً في مَكانِ الطَّمَع في الحصول عليه.
يقول "النابغة" في اعتذاره "للنعمان": إنَّ لي مَصَالح في الأرض الَّتي أَخْتَلِفُ إليها، وأتردّدُ في أنحائها، ويُوجَدُ في هذه الأرض مُلُوك وإخوان، إذا أنَا مَدَحْتُهُمْ حَكَّمُوني في أموالهم وقرّبُوني إليهم، كَمَا تَفْعَلُ أنْتَ حِينَما يأتيكَ شُعَراءُ مِنْ غَيْرِ شُعرائِكَ الخُاصِّينَ بك، فيَمْدَحُونَكَ، فإنَّكَ تُكْرِمُهم، وتُجْزِلُ لهم العطايا، ولا تراهُمْ مُذْنبين، مع أنَّهم في الأصل شعراء لغيرك، فعاملين كما تعاملهم.
الشاعر هنا يَقِيسُ حالَتَهُ على حالة شعراء آخرين، فعلوا مثله، ولم يعتبرهم النعمان مذنبين، وهذا الاستدلال المنطقيُّ في الشعر وارد على مذهب علماء الكلام في تقديم الحجج العقليّة، على أنّ النابغة جاهليٌّ جاء قبل عُلَماء الكلام بقرون، لكنّه ساق في شعره دليلاً عقليّاً.