الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كالقادري والعدوي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار: كالشامي والعراقي والمصري، فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي وظيفة كان"1.
ومما هو جدير بالتنبيه عليه في هذا المقام، أنه سبقت لأهل السنة والجماعة أسماء أخرى وردت بها النصوص، وهو من باب إطلاق الأسماء المختلفة على مسمى واحد.
فالانتساب إلى أهل السنة والجماعة أو السلف، أو الفرقة الناجية كل ذلك سواء وقد أطلق شيخ الإسلام ابن تيمية لقب السلفية في بعض مصنفاته2، وكذا الشيخ المعلمي اليماني3 والشيخ الألباني4، والشيخ ابن باز5 وغيرهم من أهل العلم والاتباع سلفا وخلفا.
1 مجموع الفتاوى "3/ 416".
2 بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية "1/ 122".
3 القائد إلى تصحيح العقائد للمعلمي اليماني ص47، 51، 55، 199.
4 مختصر العول للألباني ص122، ومقدمة الشيخ الألباني لشرح الطحاوية ص57.
5 تنبيهات هامة على ما كتبه محمد علي الصابوني في صفات الله عز وجل للشيخ ابن باز ص34، 35.
ثانيا: أهل السنة لا يجمعهم مكان واحد، ولا يخلو عنهم زمان:
إن أهل السنة هم أهل الحق، فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة، في أي مكان وجد، وفي أي زمان كان.
ويشهد لذلك ما سبق عن الأوزاعي، قال:"كتب إلي قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة"1.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "ولا يلزم أن يكونوا -أي: الطائفة المنصورة-
1 سير أعلام النبلاء للذهبي "7/ 121".
مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض"1.
وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعون وأئمة الدين من بعدهم، مفرقين في الأمصار، لا يجمعهم مكان واحد، ومع ذلك كانوا جميعا من أهل السنة، بل أئمة أهل السنة وأعلامهم.
وأما الأحاديث التي حددت وجودهم بالشام2 فقد يجاب عليها بما يلي:
1-
قد يراد بها -والله أعلم- فترة تاريخية معينة، هي التي تكون قبل قيام الساعة، حيث تدل النصوص الكثيرة على أن معظم الأحداث المتعلقة بالمهدي وعيسى بن مريم، ونحو ذلك من أشراط الساعة، إنما يتكون بالشام.
2-
كما يحتمل أن يكون المقصود قتالهم للروم المذكور في الأحاديث، ثم للدجال، حتى يأتيهم أمر الله وهم بالشام، فيكون قوله صلى الله عليه وسلم:"وهم بالشام"، أي: حال إتيان أمر الله.
3-
وهذا كله على فرض صحة هذه الأحاديث، فكيف وأسانيدها لا تصح، والأصح والأشهر من الأحاديث بدون تقييد، وأعلى ما ورد في الشام قول معاذ:"وهم بالشام"، وفي رواية له:"وهم أهل الشام" ونحو هذا، وأكثر الرواة لم يذكروا هذه الزيادة في الحديث، ورواية الجماعة أولى بالصواب، وقد سبق هنا استغراب أي نعيم لهذه الزيادة.
1شرح النووي على صحيح "13/ 67".
2 من ذلك: ما روي من قول مالك بن يخامر عن معاذ: "وهم بالشام"، أخرجه أبو عوانة "7502"، وأبو يعلى "7383"، واللالكائي "166"، وأبو نعيم في الحلية "5/ 159".
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث عمير، تفرد به عنه ابن جابر، وهذه الزيادة من قبل معاذ لا تحفظ إلا في هذا الحديث". وروي من وجه آخر عن معاذ قال: "وهم أهل الشام". وانظر: تاريخ دمشق لابن عساكر "1/ 261-269". ورواه البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة حسان بن وبرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى لله عليه وسلم: $"لا تزال عصابة بدمشق ظاهرين""3/ 35 رقم 147"، وحسان لم يوثقه معتبر، وهو حيان بالياء بدل السين انظر: الإصابة لابن حجر "2/ 188"، ونحو ذلك من الأحاديث.
وأهل السنة كما أنه لا يجمعهم مكان واحد، فإنهم لا يخلو عنهم زمان حتى قيام الساعة.
فقد صحت البشارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باستمرار وجود الطائفة المنصورة -أهل السنة والجماعة- من هذه الأمة إلى أن يأتي أمر الله، لا يضرهم خلاف المخالف، ولا خذلان الخاذل.
وجاء ذلك في أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة، حتى لقد صرح عدد من العلماء المعتبرين بتواتر هذا الحديث، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والسيوطي، والزبيدي، والكتاني، وغيرهم1.
ومن هذه الأحاديث.
ما جاء عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"لا يزال ناس من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرين"2.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"لن يبرح هذا الدين قائمًا، يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة"3.
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين، إلى يوم القيامة"4.
فهذه الأحاديث وما ماثلها توضح أن أهل السنة -الطائفة المنصورة- سيستمر بقاؤهم إلى يوم القيامة، فلن يخلو عنهم زمان حتى يأتيهم أمر الله عز وجل.
1 قد سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول ص39.
2 رواه البخاري "3640"، ومسلم "1921" من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
3 رواه مسلم "1922" من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه.
4 سبق تخريجه.