الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس: درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل
مما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها، لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالًا وتفصيلًا، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل بصحة النبوة وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.
وأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقًا وتعضيدًا، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إداكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.
فإن وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح أو يكون صحيحًا ليس فيه دلالة على المدعي، وإما أن يكون العقل فاسدًا بفساد مقدماته.
فمن احتج -مثلًا- في إنكار الصفات الإلهية بأن لازم ذلك إثبات آلهة مع الله، فقد احتج بعقل غير صحيح؛ بل لا يجوز تسمية ذلك عقلًا أصلًا؛ إذ لا يجوز في العقل وجود موجود مجرد من الصفات؛ بل هو من أعظم الممتنعات العقلية؛ لأنه يستلزم رفع النقيضين، حيث يقال: هو موجود ولا موجود، ولا يقال هذا في حق المخلوق، فلا يستلزم إثبات المخلوق متصفًا السمع والبصر والكلام، والحياة أن يتعدد المخلوق، بحيث تكون كل صفة منها إنسانًا قائمًا بنفسه، وهذا معلوم البطلان في حق
المخلوق، وبطلانه في حق الخالق أظهر، وأولي فهذا عقل فاسد لا يقاوم النقل الصحيح الصريح من آيات الصفات وأحاديثها.
وقد يكون النقل مكذوبًا والعقل صحيحًا، كما في حديث يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:"قيل يا رسول الله: مم ربنا؟ قال: "من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلًا فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق.."1.
ففي هذا الكذب وأمثاله لا يقال: إنه يعارض دليل، فلا يصلح أن يكون دليلًا فضلً عن أن ينسب إلى الشرع ليعارض به العقل، علاوة على أن الأدلة الشرعية تنقضه وتبطله.
وقد يكون النقل صحيحًا، إلا أنه لا يدل على المعنى المدعى، فيتوهم التعارض بين المنقول والمعقول، كما في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني.... الحديث"2.
فمن فهم من الحديث أن الله تعالى يمرض أو يجوع، ويعطش لم يفهم معنى الحديث؛ لأن الحديث فسره المتكلم به، وبين المراد منه، وهو أن العبد هو الذي جاع وعطش ومرض، وأن الله تعالى منزه عن ذلك.
"والمقصود هو بيان أنه إذا ظهر تعارض بين الدليلين النقلي والعقلي، فلا بد من أحد ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون أحد الدليلين قطعيًا والآخر ظنيًا، فيجب تقديم القطعي نقليًا كان أم عقليًا، وإن كانا ظنيين فالواجب تقديم الراجح، عقليًا كان أم نقليًا.
1 تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة لأبي حسن الكناني "1/ 134".
2 أخرجه مسلم "2569".
الثاني: أن يكون أحد الدليلين فاسدًا، فالواجب تقديم الدليل الصحيح على الفاسد سواء أكان نقليًا أم عقليًا.
الثالث: أن يكون أحد الدليلين صريحًا والآخر ليس بذاك، فهنا يجب تقديم الدلالة الصريحة على الدلالة الخفية، لكن قد يخفي من وجوه الدلالات عند بعض الناس ما قد يكون بينًا وواضحًا عن البعض الآخر، فلا تعارض في نفس الأمر عندئذ.
أما أن يكون الدليلان قطعيين -سندًا ومتنًا- ثم يتعارضان، فهذا لا يكو أبدًا، لا بين نقليين، ولا بين عقليين، ولا بين نقلي وعقلي"1.
وخلاصة اعتقاد أهل السنة في هذا الباب: "أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه"2.
وقد أعمل الصحابة رضي الله عنهم هذا الأصل، وتلقاه عنهم التابعون، وتواترت عبارات أهل العلم بهذا المعنى.
قال ابن تيمية رحمه الله: "فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه، ولا ذوقه
ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهن القطعيات، والآيات
البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم"3.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "كل شيء خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد معه أمر
1 منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان علي حسن "1/ 366".
2 درء التعارض لابن تيمية "1/ 231، 232".
3 مجموع الفتاوى "13/ 28".
ولا نهي غير ما أمر هو به"1.
وقال الإمام مالك رحمه الله: "أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر، رد ما أنزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم"2.
ومن ثمرات الالتزام بهذه القاعدة، إثبات عصمة الشرع الحكيم إذ ليس فيه ما يخالف العقل الصحيح، وسد باب التأويل والتفويض، واستقامة الحياة على الوجه الأتم الأكمل عند نفي التعارض بين وحي الله تعالى وخالقه، فتنعم البشرة بهدي الله وشرعه، وتنتفع بما أنعم على خلقه.
1 الأم للشافعي "2/ 193".
2 شرح أصول اعتناق أهل السنة للالكائي "1/ 144".