الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة:
أحمد الله تعالى على انتهائي كما حمدته في ابتدائي، وأصلي وأسلم على البشير الهادي، وعلى آله وأصحابه وأتباعه من كل حاضر وباد، وبعد:
فقد اجتمع في رحلة هذا البحث جملة من النتائج المهمة يمكن تحديدها في النقاط التالية:
1-
أطلب السلف لفظة "السنة" على أصول الدين، وفرائض الإسلام وأمور الاعتقاد، والأحكام القطعية في الدين، وكثير من المتأخرين خصها بما يتعلق بالاعتقاد، والسبب في ذلك أن السنة من مصادر التلقي للعقيدة الصحيحة.
2-
قد تطلق السنة باصطلاح أعم يشمل كل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والعمل، والهدي الظاهر والباطن في أصول الدين وفروعه.
3-
الجماعة هم الذين اجتمعوا على أمير على مقتضى الشرع، وهذه الجماعة يجب لزومها، ويحرم الخروج عليها، وعلى أميرها جار أو عدل.
4-
أهل السنة والجماعة هم: المستمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اجتمعوا على ذلك، وهم الصحابة والتابعون، وأئمة الهدى المتبعون لهم، ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل إلى يوم الدين.
5-
سمي أهل السنة والجماعة لذلك؛ لأنهم يتبعون سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعتبرون الكتاب والسنة والإجماع مصادر معصومة من الضلال، فبها يأخذون وعليها يعتمدون، وهم مجتمعون مع أئمتهم يجاهدون معهم، ويقومون بواجب الأمر والنهي، ويحرصون على الاتباع والاجتماع، ينهون عن الفرقة والابتداع.
6-
تستند مشروعية تسمية أهل السنة والجماعة إلى دلالة الكتاب، وصريح السنة، وآثار الصحابة والسلف، ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم وتسميتهم قديمة كذلك تبدأ ببداية الإسلام؛ لأن أهل السنة على الحقيقة هم أهل الإسلام، المتبعون لسيد الأنام صلى الله عليه وسلم.
7-
الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، وأهل السنة والجماعة، وأهل الحديث مصطلحات شرعية مترادفة في معناها، وعند إطلاقها يدخل بعضها في بعض.
8-
السلف في اصطلاح علماء العقيدة هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وتابعوهم، وأئمة الإسلام العدول ممن اتفقت الأمة على إمامتهم وفضلهم.
9-
كل من رضي بالله وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، مقبلًا على الالتزام بالإسلام جملة، وعلى التحكيم لشريعته مطلقًا، وبرئ من تبنى مذهب بدعي، أو الانتساب إلى فرقة ضالة فهو من أهل السنة، وهذا يشمل عوام المسلمين المتبعين لأهل العلم.
10-
كمال الانتساب إلى أهل السنة والجماعة يكون بتحقيق المنهجية التي تعني العودة بأصول الفهم، والتلقي إلى الكتاب والسنة، مع تعظيم قدر السلف، واعتماد مرجعيتهم، وضبط وإحكام القواعد والأصول في العقيدة، والعلم والاتباع، والعبادة والتربية، والأمر والنهي، والبصيرة بالواقع.
11-
علم التوحيد هو العلم بالأحكام الشرعية العقدية المكتسب من الأدلة المرضية، ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية، وهو يبحث في ذات الله، وما يجب له وما يجوز وما يمتنع، وهو يقوم على دعامتين هما التصديق بجملة من العقائد المتعلقة بالله تعالى وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر، والقدرة التامة
على إثبات تلك العقائد الصحيحة بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها.
12-
من الأسماء المعتبرة لعلم التوحيد عند أهل السنة والجماعة: العقيدة، والإيمان، والسنة، وأصول الدين، والشريعة، والفقه الأكبر.
13-
علم الكلام هو أشهر الأسماء التي تطلقها الفرق على علم التوحيد، واختلف في سبب هذه التسمية على أقوال متعددة، ويرى أهل السنة أنها تسمية مبتدعة، وإن استعملها بعضهم فهذا فيه نوع مسامحة، وهو خلاف الصحيح والمعتمد عندهم.
14-
الفلسفة إعمال للعقل في الإلهيات، وسائر الغيبيات بلا أي منطلقات سابقة من دين أو وحي، ولذلك فقد ضل من سمي بفلاسفة المسلمين، فأنكروا البعث والمعاد، وقالوا بقدم العالم، وجاءوا بالكفريات، ولذلك تعد تسمية علم التوحيد بالفلسفة تسمية للإيمان بضده.
15-
موضوع علم التوحيد هو الإلهيات أو البحث في ذات الله من حيث ما يتصف به، وما يتنزه عنه، وحقه على عباده، والنبوات أو البحث في ذوات الأنبياء من حيث ما يلزمهم، وما يجوز في حقهم وما يستحيل، وما يجب لهم على أتباعهم، وقضايا الغيب واليوم والآخر من حيث اعتقادها والتصديق بها، وبيان نواقض التوحيد وقوادحه.
16-
تعلم علم التوحيد منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، ففرض العين منه هو ما تضح به عقيدة المسلم في ربه، وأما فرض الكفاية فما زاد على ذلك من التفصيل والتدليل والتعليل، وتحصيل القدرة على رد الشبهات، وإلزام المعاندين، وإفحام المخالفين.
17-
يشترط للتكليف بالتوحيد: العقل ويقصد به الوصف الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان، والبلوغ ويقصد به انتهاء حد الصغر، وسلامة إحدى حاستي السمع أو البصر، وبلوغ الدعوة وقيام الحجة؛ فلا حساب ولا عذاب إلا بعد قيام الحجة بإرسال الرسل، وإنزال الكتب وبلوغ العلم.
18-
الناس بحسب بلوغ الدعوة وقيام الحجة ينقسمون إلى: أهل القبلة وهم الذين بلغتهم الدعوة فآمنوا وشهدوا بالتوحيد وماتوا على ذلك، وأهل الفترة وهم كل من لم تبلغه دعوة الرسل، ولم تقم عليه الحجة، أو عاشوا بين موت رسول وبعثة رسول آخر، ولم تبلغهم دعوة الأولى، والكفار وهم كل من سمع بدين الإسلام، ونبيه صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا.
19-
علم التوحيد قد حاز الشرف الكامل دون سائر العلوم؛ لأنه متعلق بأشرف ذات وأكمل موصوف وهو الله عز وجل؛ ولأن معلومه هو مراد الله الشرعي الدال عليه وحيه وكلامه؛ ولأن الحاجة إليه عظيمة، فقد طلبه الله وأمر به كل مكلف، وأثنى على أهله على لسان جميع الرسل، فسعادة البشرية في الدنيا والآخرة متوقفة عليه.
20-
يستمد علم التوحيد من الكتاب والسنة، وإنما يتم ذلك بمعرفة مناهج الاستنباط وطرائق الاستدلال، واستخراج الأحكام عند أهل السنة والجماعة، وأما أنواع أدلته المرضية فهي: صحائح المنقول، والاجماع المتلقى بالقبول، والعقل السليم، والفطرة السوية.
21-
علم التوحيد فن مستقل بذاته قائم بنفسه، له أصوله ومصادره، ومناهجه، ومسائله، ولا يغني عنه غيره، وهو كالأساس لعلوم الإسلام الآخرى.
22-
مر علم التوحيد في وضعه وتدوينه بطورين: طور الرواية في عهد الرعيل
الأولى من الصحابة إذ كانوا يتلقون الوحيين عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم طور التدوين الذي بدأ في حياة التابعين بكتابة السنة، ثم جاء دور التصنيف في زمن تابع التابعين، فكان كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة هو أول مدون في العقيدة، ثم تتابع التأليف بعد أبي حنيفة.
23-
ثمرة علم التوحيد في الدنيا هي السعادة والحياة الطيبة المطمئنة، والعيش في عزة وشرف وكرامة، وزيادة القوة العلمية والعملية للمؤمن الموحد، أما في الآخرة فامتناع الخلود في النار لمن ظلم نفسه، ودخول الجنة ابتداء للمقتصد، والفوز بالدرجات العلى لمن سبق بالخيرات.
24-
من ثمرات علم التوحيد: حفظ هذا العلم بحفظ قواعده وأصوله ومسائله، وفي هذا حفظ للدين نفسه، وتحصل القدرة على إرشاد المسترشدين، وهداية المنحرفين، والوقوف أمام التيارات الإلحادية والأهواء البدعية.
25-
مسائل علم التوحيد هي معرفة أحكام القضايا الاعتقادية المتعلقة بالله تعالى وملائكته، ورسله واليوم الآخر والغيبيات، من حيث الوجوب والجواز والاستحالة، وما توقفت عليه تلك الأحكام لاستفادتها على منهج أهل السنة والجماعة.
26-
من خصائص العقيدة عند أهل السنة والجماعة: التوقيفية؛ وتعني الاعتماد على الكتاب والسنة في تلقي العقيدة بفهم الصحابة، والتسليم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم من غير تعرض لنصوص الوحيين بتحريف، أو تأويل، أو تعطيل، أو تكييف، أو تمثيل، واعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد، وسد باب الابتداع والإحداث في الدين.
27-
من خصائص العقيدة: الغيبية، وتعني قيام العقيدة على التسليم بوجود
الغيب، كما تعني الإيمان بكل ما ورد في النصوص الشرعية من أمور الغيب، وعدم رد شيء منها أو تأويلها.
28-
من خصائص العقيدة: الوسطية، وتعني التوازن بين الأمور المتقابلة والتوسط بين الأطراف المتباعدة على ما تقتضيه النصوص الشرعية، وتقرر عن أهل السنة.
29-
من خصائص العقيدة: العقلانية، وتعني موافقة العقل، وإعلاء منزلته ومكانته، وتوفر طاقته وتصريفها فيما يفيد.
30-
الفطرية من أظهر خصائص العقيدة عند أهل السنة والجماعة، فقد جاءت سهلة واضحة، لا عسر فيها ولا تعقيد، بعيدة عن الغلو والتشدد في أمر الدين أصولًا وفروعًا، وعن التكلف في طلب علم ما حجب علمه.
31-
الشمولية من خصائص العقيدة عن أهل السنة لشمولها للتصور الكامل للقضايا الكبرى التي ضل في تصورها كثير من الناس، وشمولها لحياة المسلم من جهاتها المختلفة، فهي شاملة فيما تقوم عليه من أركان الإيمان وقواعده، وما يتفرع عنه، وشاملة في نظرتها للوجود كله.
32-
من أهم القواعد والضوابط المنهجية في تقرير مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة: الإيمان والتسليم والتعظيم لنصوص الوحيين، وجمع النصوص في الباب الواحد ورد المتشابه إلى المحكم، والصدور في كل ما يلزم اعتقاد عن الوحي الصادق الكتاب والسنة، وما يرجع إليهما من إجماع صحيح أو عقل صريح، مع اعتماد فهم السلف الصالح لنصوص الوحي حجة، وأمارة على الفهم الصحيح، مع إجراء نصوص الوحي على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم طالما لم تحتف بالنص قرينة تصرفه
عن دلالته الظاهرة، ودفع التأويل الفاسد المتعسف، ودرء التعارض بين العقل والنقل؛ لأن من مسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل، فإن وجد ما يوهم التعارض فإما أن يكون النقل غير صحيح، أو صحيحًا ليس فيه دلالة صحيحة على المدعي، وإما أن يكون العقل فاسدًا بفساد مقدماته، واعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد وأصول الدين، والتعبير بها عن المعاني الشرعية، وفق لغة القرآن وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم، والكف عما لم يرد في الشرع، والسكوت عما سكت عنه الله ورسوله وأمسك عنه السلف، وترك الخوض فيما لا علم للإنسان به من دليل أو أثر.
33-
تميز منهج أهل السنة في تدوين العقيدة بإثبات المسائل بأدلتها من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وذلك في مقابل منهج الفرق المبتدعة في اتباع قواعد الجدل والمنطق لإثبات مسائل الاعتقاد.
وقد عرض البحث لنمادج من كتب أهل السنة في الاعتقاد على مر العصور، مع دراسة لبعض هذه المصنفات، وبيان لأهم خصائصها ومناهجها.