المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الرابع: العقلانية - طريق الهداية مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة

[محمد يسري إبراهيم]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: أهل السنة والجماعة

- ‌الفصل الأول: مصطلح أهل السنة والجماعة

- ‌أولًا: تعريف المصطلح باعتبار مفرداته:

- ‌ تعريف السنة لغة واصطلاحًا:

- ‌ثانيا: تعريف المصطلح باعتبار تركيبه الإضافي:

- ‌الفصل الثاني: سبب التسمية وذيوعها:

- ‌الفصل الثالث: مشروعية هذه التسمية:

- ‌الفصل الرابع: بين مصطلح أهل السنة ومصطلحات أخرى

- ‌أولاً: الفرقة الناجية

- ‌ثانيا: الطائفة المنصورة:

- ‌ثالثا: أهل الحديث:

- ‌رابعا: السلف:

- ‌الفصل الخامس: الخصائص والصفات العامة لأهل السنة والجماعة

- ‌أولا: أهل السنة ليس لهم اسم يجمعهم سوى هذا الاسم:

- ‌ثانيا: أهل السنة لا يجمعهم مكان واحد، ولا يخلو عنهم زمان:

- ‌ثالثا: أهل السنة مشتغلون بأبواب الخير كافة:

- ‌رابعا: أهل السنة نمط واحد في باب الاعتقاد وأصول الدين:

- ‌خامسًا: أهل السنة أحرص الناس على الاتباع والائتلاف، وأبعد الناس عن الافتراق والاختلاف

- ‌سادسًا: أهل السنة أعلم الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبعهم:

- ‌سابعًا: أهل السنة يجمعون بين واجب الاجتماع على الأئمة وأهل الحل والعقد من الأمة

- ‌ثامنا: أهل السنة يوالون بالحق ويعادون بالحق ويحكمون بالحق:

- ‌تاسعًا: أهل السنة أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌عاشرًا: أهل السنة لا يتخلون عن واجب، ولا تزال طائفة منهم قائمة به إلى قيام الساعة:

- ‌الفصل السادس: الانتساب لأهل السنة والجماعة:

- ‌الباب الثاني: علم التوحيد مبادىء ومقدمات

- ‌الفصل الأول: مبادىء علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: حد علم التوحيد

- ‌المبحث الثاني: أسماء علم التوحيد

- ‌المبحث الثالث: موضوع علم التوحيد

- ‌المبحث الرابع: حكم علم التوحيد

- ‌المبحث الخامس: فضل علم التوحيد

- ‌المبحث السادس: استمداد علم التوحيد

- ‌المبحث السابع: نسبة علم التوحيد

- ‌المبحث الثامن: واضع علم التوحيد

- ‌المبحث التاسع: غاية علم التوحيد

- ‌المبحث العاشر: مسائل علم التوحيد

- ‌الفصل الثاني: خصائص العقيدة عند أهل السنة والجماعة

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: التوقيفية "الربانية

- ‌المبحث الثالث: الوسطية

- ‌المبحث الرابع: العقلانية

- ‌المبحث الخامس: الفطرية

- ‌المبحث السادس: الشمولية

- ‌الفصل الثالث: قواعد وضوابط الاستدلاال على مسائل الاعتقاد

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: الإيمان والتسليم والتعظيم لنصوص الوحيين

- ‌المبحث الثاني: جمع النصوص في الباب الواحد وإعمالها

- ‌المبحث الثالث: اشتمال الوحي على مسائل التوحيد بأدلتها

- ‌المبحث الرابع: حجية فهم الصحابة والسلف الصالح

- ‌المبحث الخامس: الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل

- ‌المبحث السادس: درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل

- ‌المبحث السابع: موافقة النصوص لفظًا ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ

- ‌المبحث الثامن: الكف عما سكت عنه الله ورسوله وأمسك عنه السلف

- ‌الملاحق

- ‌الملحق الأول: فهرس تفصيلي لمسائل العقيدة عند أهل السنة والجماعة

- ‌الملحق الثاني: تعريف ببعض مصنفات العقيدة عند أهل السنة والجماعة

- ‌الخاتمة:

- ‌المراجع:

- ‌فهرس الكتاب:

الفصل: ‌المبحث الرابع: العقلانية

‌المبحث الرابع: العقلانية

ومع أن مدار العقيدة على الإيمان والتسليم للنصوص، فإن هذا لا يعني إلغاء العقل وإهداره، ومناقضته.

وعيه فإنه يقصد بالعقلانية موافقة عقيدة أهل السنة والجماعة للعقل الصريح، واهتمامها به، وإعلاء منزلته ومكانته، وتوفير طاقته وتصريفها فيما يفيد.

قال شيخ الإسلام: "والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه معصومون لا يقولون على الله إلا الحق، ولا ينقلون عنه إلا الصدق، فمن ادعى في أخبارهم ما يناقض صريح المعقول كان كاذبًا، بل لا بد أن يكون ذلك المعقول ليس بصريح، أو ذلك المنقول ليس بصحيح، فما علم يقينا أنهم أخبروا به يمتنع أن يكون في العقل ما يناقضه، وما علم يقينا أن العقل حكم به يمتنع أن يكون في أخبارهم ما يناقضه، بل الأنبياء عليهم السلام قد يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته لا بما يعلم العقل بطلانه، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول1"2.

مظاهر العقلانية:

ومن مظاهر العقلانية في العقيدة الإسلامية بصفة عامة، وعقيدة أهل السنة بصفة خاصة ما يلي:

أولًا: احترام عقيدة أهل السنة للعقل، والحث على التعقل:

رفع الوحي من قيمة العقل وحث على التعقل، وأثنى على العقلاء، فقال تعالى:

1 المحالات: المستحيلات عقلًا، كاجتماع النقيضين: الموت والحياة. والمحارات: ما لا يدخل تحت فهم العقل وإدراكه، لكنه ليس مستحيلًا في العقل يحكم بامتناعه.

2 الجواب الصحيح لابن تيمية "3/ 136".

ص: 233

{فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17-18] .

كما عنيت كثير من الآيات بالدعوة إلى التعقل، كما جاء في مثل قوله تعالى:{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، وقوله تعالى:{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [هود: 51]، وقوله تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ} [محمد: 24] .

ويخص الوحي العقلاء بالتذكر مثنيًا عليهم فيقول تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19][الزمر: 9]، ويقول تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21] .

عن أبي العلاء قال: "ما أعطي عبد بعد الإسلام أفضل من عقل صالح يرزقه"1.

وقال مطرف: "ما أوتي أحد من الناس أفضل من العقل"2.

وعن يوسف بن أسباط قال: "العقل سراج ما بطن، وملاك ما علن، وسائس الجسد، وزينة كل أحد، ولا تصلح الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه"3.

ويخصهم الوحي بطلب التقوى منهم فيقول تعالى: {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197] .

ويخصهم بالخطاب عند التشريع، وبيان الأحكام تقديمًا لهم فيقول سبحانه:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] .

1 رواه ابن أبي شيبة في مصنفه "25942".

2 المصدر السابق "35139".

3 الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي "2/ 39".

ص: 234

وعن أبي مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"1.

قال النووي رحمه الله: "ولا يختص هذا التقديم بالصلاة؛ بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها.. ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم، والعقل، والشرف، والسن، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك"2.

كما يخصهم بالانتفاع عند النظر في ملكوت الله والتدبر في آياته، فيقول سبحانه:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، ويقول:{لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] .

وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة"3.

قال ابن حجر رحمه الله: "قال النووي: يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن، وكثرة التجارب، وقوة العقل"4.

1 رواه مسلم "432".

2 شرح النووي على صحيح مسلم "4/ 155".

3 رواه البخاري "3611، 5057، 6930"، ومسلم "1066".

4 فتح الباري لابن حجر "12/ 287".

ص: 235

وقال عمر رضي الله عنه: "حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله"1.

كما أمر سبحانه وتعالى بالنظر في كتابه والتدبر في آياته واستخراج الأحكام منها؛ فقال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، وقال:{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] .

وذم سبحانه وتعالى إغلاق العقل وحجبه عن التدبر؛ فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقال:{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68] .

وعني الخطاب القرآني والنبوي بسوق الأدلة العقلية النقلية على المسائل العقدية، قال تعالى:{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]، وقوله تعالى:{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78، 79] .

ثانيًا: ذم التقليد الأعمى الذي هو حجاب العقل وغطاء الفهم:

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُو نَ} [البقرة: 170] .

قال القرطبي رحمه الله في معرض تفسيره لهذه الآية الكريمة: "قال ابن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد، وذكر فيه غيره خلافًا كالقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي عمرو عثمان بن عيسى بن درباس الشافعي.

1 رواه ابن أبي شيبة في مصنفه "25943".

ص: 236

قال ابن درباس في كتاب الانتصار له: وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد وهو خطأ لقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 23] ، فذمهم بتقليدهم آبائهم وتركهم اتباع الرسل، كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبرائهم وتركهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه؛ ولأنه فرض على كل مكلف تعلم أمر التوحيد والقطع به، وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسنة"1.

وقال ابن القيم رحمه الله: "وقد ذم الله سبحانه التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] . وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء"2.

وروي عن أبي حنيفة أنه كان يقول: "لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي". وكان إذا أفتى يقول: "هذا رأي النعمان بن ثابت -يعني نفسه-، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب"3.

وجاء في إيقاظ الهمم: "وروي عن عصام بن يوسف أنه قال: كنت في مأتم فاجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة: زفر بن الهذيل، وأبو يوسف، وعافية بن يزيد، وأخر، فكلهم أجمعوا أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه. انتهى. قلت: ومعنى قوله: "من أين قلناه" أي ما لم يعلم دليل قولنا وحجته"4.

1 تفسير الطبري: "2/ 212".

2 إعلام الموقعين لابن القيم "2/ 188".

3 عقد الجيد لأحمد بن بن عبد الحليم الدهلوي ص32، وإيقاظ الهمم لصالح العمري ص52.

4 إيقاظ الهمم لصالح العمري ص52.

ص: 237

وكان الإمام مالك يقول: "ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم"1.

وعن الشافعي أنه كان يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وفي رواية:"إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث، واضربوا بكلامي الحائط". وقال يومًا للمزني: "يا إبراهيم لا تقلدني في كل ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك؛ فإنه دين" وكان يقول: "لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كثروا، ولا في قياس ولا في شيء، وما ثم إلا طاعة الله ورسوله بالتسليم"2.

وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: "ما قلت وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بخلاف قولي مما يصح، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى، لا تقلدوني"3.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن تحدث عن فتنة الإمام أحمد، وموقف الإمام فيها:"فأما أن المسلمين يثبتون عقيدتهم في أصول الدين بقوله -أي الإمام أحمد- أو بقول غيره من العلماء، فهذا لا يقوله إلا جاهل".

وأحمد بن حنبل نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء في الفروع، وقال: لا تقلد دينك الرجال؛ فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا. وقال: لا تقلدني، ولا مالكًا، ولا الثوري، ولا الشافعي، وقد جرى في ذلك على سنن غيره من الأئمة، فكلهم نهوا عن تقليدهم، كما نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره من العلماء، فكيف يقلد أحمد وغيره في أصول الدين!.

وأصحاب أحمد مثل أبي داود السجستاني، وإبراهيم الحربي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وبقي بن مخلد، وأبي

1 عقد الجيد لأحمد بن عبد الرحيم الدهلوي ص32.

2 المصد السابق ص32.

3 إعلام الموقعين لابن القيم "2/ 285".

ص: 238

بكر الأثرم، وابنيه صالح وعبد الله، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد بن مسلم بن وارة، وغير هؤلاء الذين هم من أكابر أهل العلم والفقه والدين، لا يقبلون كلام أحمد، ولا غيره إلا بحجة يبينهما لهم، وقد سمعوا العلم كما سمعه هو، وشاركوه في كثير من شيوخه، ومن لم يلحقوه أخذوا عن أصحابه الذين هم نظراؤه، وهذه الأمور يعرفها من يعرف أحوال الإسلام وعلمائه"1.

ثالثًا: توجيه العقل إلى مجالاته النافعة، وكفه عن الخوض فيما لا يطيقه:

والمنهج الذي سار عليه القرآن -وهو المنهج الأقوم- أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته، فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر، وليس في هذا حجر على العقل أن يعمل، ولكن فيه توجيه لهذا العقل أن يعمل في حدوده، وفي مجاله الذي يدركه، فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه؛ لأنه لا يملك وسائل إدراكه.

فمن توجيهات القرآن الكريم للعقل: الأمر بالنظر والتدبر في آياته سبحانه، قال عز وجل:{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} [ق: 6]، وقال تعالى:{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .

ومن ثم نصب الله عز وجل العلامات والبراهين لهداية العقل على ما ينفع، كما قال تعالى:{وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] .

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "فخلق لهم العلامات، ونصب لهم المسجد الحرام، وأمرهم أن يتوجهوا إليه، وإنما توجههم إليه بالعلامات التي خلق لهم، والعقول التي ركبها فيهم، التي استدلوا بها على معرفة العلامات، وكل هذا بيان ونعمة منه جل ثناؤه"2.

1 مجموع الفتاوى "6/ 215، 216".

2 الرسالة للشافعي ص38.

ص: 239

وأمر الله عز وجل أهل العلم برد النظير إلى نظيره، والاجتهاد في استنباط الأحكام من القواعد العامة للشريعة، وترك الباب مفتوحًا أمام العقل لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ولو شاء لأنزل حكم كل شيء على الخصوص والأعيان، لكنه أنزل قواعد عامة تشتمل على أحكام طائفة من الأفراد؛ فكان هذا توجيهًا منه سبحانه وتعالى إلى الاستفادة بالعقل فيما ثمر وينتج.

وسارت السنة في ركاب الكتاب في هذا المجال، فوردت النصوص النبوية تحث العقل على العمل، وتحجبه عن الركود والكسل، وتعلي من شأن الاجتهاد والنظر في النصوص الشرعية لاستخراج الأحكام، وبيان فقه النوازل المستجدة في حياة الناس، وجعلت خير الناس من تعلم العلم وعلمه، فقد ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال صلى الله عليه وسلم:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير"1. وفي هذا توجيه العقل إلى مجاله النافع المثمر؛ بل جعلت السنة للمجتهد المخطئ أجرًا على اجتهاده، وللمصيب أجرين على الاجتهاد والإصابة، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" 2.

وحظر الشرع على العقل الخوض فيما يضره الخوض فيه، ليوفر طاقته فيما يطيق ويحسن.

وخوض العقل في أمور الإلهيات باستقلال عن الوحي مظنة الهلاك، وسبيل الضلال.

1 رواه الدارمي "289". والترمذي "2685" من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.

2 رواه البخاري "7352"، ومسلم "1716" من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.

ص: 240

فثبت النهي في الكتاب والسنة عن الخوض في حقيقة الذات، وكنه الصفات، والقدر، وورد ذلك عن الصحابة والتابعين، وأئمة أهل السنة.

فمن ذلك ما ورد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله"1.

قال المناوي في فيض القدير: ""تفكروا في آلاء الله" أي أنعمه التي أنعم بها عليكم. قال القاضي: والتفكر فيها أفضل العبادات. "ولا تفكروا في الله"، فإن العقول تحير فيه.. والنظر إلى ذات الله يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل، فالصواب أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذاته وصفاته؛ لأن أكثر العقول لا يحتمله"2.

ولعل من أشهر ما ورد في ذلك، ما أثر عن الإمام مالك رحمه الله حين جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، "الرحمن على العرش استوى"، كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموجدته من مقالته، وعلاه الرحضاء -يعني العرق- قال: وأطرق القوم وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه فيه قال: فسري عن مالك فقال: "الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأخرج"3.

قال ابن حجر رحمه الله: "قال القرطبي: الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في

1 العظمة لابن حيان الأصبهاني "1/ 210". وحسنه الألباني في صحيح الجامع "2975".

2 فيض القدير للمناوي "3/ 263".

3 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "664"، وذكرها البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بسندين آخرين إلى مالك: عن عبد الله بن وهب وعن يحيى بن يحيى "408"، وقد جود ابن حجر طريق ابن وهب فقال:"وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب.. فذكره" الفتح "13/ 406، 407"، وذكره البغوي بدون سند في شرح السنة "1/ 171".

ص: 241

أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة،

واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء

سوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز

عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا

أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها البله ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها، واتحادها في نفسها، وهل هي الذت أو غيرها، وفي الكلام هل هو متحد أو منقسم، وعلى الثاني هل ينقسم بالنوع أو الوصف، وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثًا، ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى التعلق، وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا هو نفس الأمور لعمرو بالزكاة؟ ذلك مما ابتدعوه مما لم يأمر به الشارع وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم؛ بل نهوا عن الخوض فيها لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل؛ لكون العقول لها حد تقف عنده ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حجب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز"1.

ولذا رجع كثير من أئمة أهل البدع -كما ذكر ابن حجر رحمه الله عن عقيدتهم الباطلة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في آخر حياتهم، حيث وجدوا فيه ضالتهم المنشودة، وأجابت لهم على ما يدور في أذهانهم من سؤالات، وما يختلج في صدورهم من حيرة واضطرابات، "كما حصل للإمام أبي الحسن الأشعري "ت324هـ" حيث رجع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في "الإبانة عن أصول الديانة"، بعد الاعتزال، ثم

1 فتح الباري لابن حجر "13/ 349، 350".

ص: 242

التلفيق، والباقلاني "ت403هـ" في "التمهيد"، ومثله أبو محمد الجويني "ت438هـ"، والد إمام الحرمين في "رسالة في إثبات الاستواء والفوقية"، ومثله إمام الحرمين "ت478هـ" في "الرسالة النظامية"، والشهرستاني "ت548هـ" في "نهاية الإقدام"، وفخر الدين الرازي "ت606هـ" في "أقسام اللذات"، وغيرهم كثيرون"1.

أما فيما يتعلق بالقدر فمما ورد في ذلك:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال:"أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه"2.

وعن أبي بكر عبد الرحمن رفع الحديث إلى علي رضي الله عنه أنه سأله فقال: "يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، فقال: يا أبا الحسن ما تقول فيه القدر؟ فقال: بحر عظيم فلا تلجه. فقال: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: سر الله فلا تكلفه"3.

وقال وهب بن منبه: "نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فيه فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه"4.

1 المنهج السلفي د. مفرح بن سليمان ص439.

وراجع مصادر: مجموع الفتاوى "4/ 72، 73"، ودرء التعارض لابن تيمية "1/ 157، 170"، وشرح الطحاوية لابن أبي العز ص156، 159، ومقدمة شعيب الأرناؤوط على كتاب أقاويل الثقات لمرعي بن يوسف الكرمي ص13-22.

2 رواه الترمذي "2133" عن أبي هريرة رضي الله عنه.

3 رواه الآجري في الشريعة ص202، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد "4/ 629".

4 شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص69.

ص: 243

وعن زياد بن عمر القرشي عن أبيه قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فسئل عن القدر، فقال:"شيء أراد الله أن لا يطلعكم عليه، فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم"1.

ومما ورد النهي عن الخوض في أمره الروح والغيب الذي لا يدركه العقل، ولا يصل إلى حقيقته، قال تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} [الإسراء: 85] .

رابعًا: أهل السنة والجماعة وسط بين المهملين للعقل، والمقدسين له.

فكثير من جهلة المتصوفة ألغوا عقولهم، وساروا وراء أذواقهم وأوهامهم، وزعموا أنه لا تحصل الأحوال الكاملة إلا مع غياب العقل بالجنون، والسكر والوله! وكثير من المتكلمة عظموا عقولهم وآراءهم، وزعموا أن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفوه، وعقيدة أهل السنة أن:"الأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة"2.

ومن أبرز الفرق البدعية التي غلت في العقل ورفعته فوق قدره المعتزلة، القائلين بالتحسين والتقبيح العقلي.

فالعقل عندهم يعلم العلم الكامل بحسن الفعل أو قبحه، ومن ثم فهو الحاكم عليه بالحسن والقبح، والفعل حسن أو قبيح في نفسه: إما لذاته، وإما لصفة حقيقية توجب ذلك، وإما لوجوه واعتبارات هو عليها -على خلاف بينهم في ذلك.

قال العزالي: "ذهبت المعتزلة إلى أن الأفعال تنقسم إلى حسنة وقبيحة، فمنها ما يدرك بضرورة العقل كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى، وشكر النعم، ومعرفة حسن

1 رواه الآجري في الشريعة ص235، وابن بطة في الإبانة الكبرى "11/ 313".

2 مجموع الفتاوى "3/ 339".

ص: 244

الصدق، وكقبح الكفران، وإيلام البريء، والكذب الذي لا غرض فيه، ومنها ما

يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر، وقبح الكذب الذي في نفع، ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات، وزعموا أنها متميزة بصفة ذاتها من غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى الطاعة، لكن العقل لا يستقل بدركه"1.

فجميع الأفعال عند المعتزلة -ما عدا العبادات المحضة- إما إنه ثبت قبحها والعقاب عليها عقلًا، أو ثبت حسنها والثواب عليها عقلًا.

وقالوا -بناء على ذلك: إن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع، حيث قالوا: إنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وأن يعلم أيضًا حسن الحسن وقبح القبيح، ويجب عليه الإقدام على الحسن، والإعراض عن القبيح كل ذلك يجب قبل ورود الشرع به، فإن قصر في ذلك استوجب العقوبة أبدًا2.

وكان من آثار غلوهم -أيضًا- في الاعتماد على العقل أنهم أخذوا يؤولون صفات الله سبحانه وتعالى بما يوافق عقولهم القاصرة؛ حتى نفوا جميع الصفات.

ومن آثار ذلك أيضًا طعنهم في كبار الصحابة، حتى زعم واصل بن عطاء: أن إحدى الطائفتين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين فاسقة3.

وبناء على ما أصلوه من أصول ومعتقدات فاسدة مبناها على عقول قاصرة وأهواء فاسدة، أخذوا يردون الأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول، وقد أدى هذا المنهج العقلاني المنحرف إلى

1 المستصفى للغزالي "1/ 45".

2 الملل والنحل للشهرستاني "1/ 46، 47".

3 المصدر السابق "1/ 43".

ص: 245

جملة من البدع والمعتقدات الفاسدة: كإنكار عذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية الله عز وجل في الآخرة.. وغير ذلك من البدع التي لا تدخل تحت حصر.

وخالفت الأشاعرة أهل السنة في مسألة التحسين والتقبيح العقلي، وكانوا فيه على طرف النقيض من المعتزلة حيث قالوا: إن العقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع، وموجب السمع، ولو عكس الشرع فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه لم يكن ذلك ممتنعًا.

واتفقوا مع أهل السنة في أنه لا يجب على الله شيء من جهة العقل، ولا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع1.

وعليه فمن انضبط بمنهج أهل السنة في دراسة العقيدة وعلم التوحيد، اهتدى عقله، واستنار رأيه، وسلم ذهنه من الانحراف، وأنجى نفسه من محارات الفلسفة، وخيالات المتصوفة، وجهالات المتكلمة، وشطحات الفرق جميعًا، ووقف على الحجج البينة، والأدلة القاطعة، والبراهين الظاهرة، في مسائل العقيدة، وكثر صوابه، وقل خطؤه، واجتمعت عنده محاسن الفرق خالصة من كل كدر، وأمن من شرور البدع.

خامسًا: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول:

وأخيرًا فإن أئمة أهل السنة والجماعة يرفعون شعار "العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح"، وبلغ من اهتمامهم ببيان هذه القضية وتجليتها، أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله صنف كتابًا مستقلًا في بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وهو كتابه الجليل، الفريد في بابه:"درء تعارض العقل والنقل"، وبين فيه رحمه الله بطلان دعوى التعارض بين العقل والنقل بيانًا شافيًا كافيًا، ورد مذهب القائلين بذلك ونقضه

1 انظر: المحصول للرازي "1/ 159-192".

ص: 246

من وجوه كثيرة، كما أوضح ضعف استدلالاتهم، ومخالفتها للعقل والنقل معًا.

وإن وقع تعارض ظاهر فإما الخلل في موازين العقل أو لضعف في دليل الشرع، فإن لم يظهر خلل في ميزان العقل أو ضعف في دليل الشرع، فإن الشرع مقدم على العقل لعصمة الشرع دون العقل.

وقد سبق قول شيخ الإسلام رحمه الله: "وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛ لأن ما خالف العقل الصريح باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنى باطلًا، فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة"1.

وأما أهل الأهواء فيدعون إمكانية حدوث التعارض بين العقل الصريح، والنقل الصحيح، ويضيفون إلى هذا الأصل الباطل أصلًا آخر أشد بطلانًا، وهو: وجوب تقديم العقل على النقل عند حدوث هذا التعارض المزعوم.

يقول الرازي في كتابه: "تأسيس التقديس": "الفصل الثاني والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية، فكيف يكون الحال فيها؟

اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:

إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين، وهو محال.

وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال.

وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع

1 مجموع الفتاوى "11/ 490".

ص: 247

وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهور المعجزات على يد محمد صلى الله عليه وسلم، ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا وأنه باطل.

ولما بطلت الأقسام الأربعة1 لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة2 بأن هذه الدلائل النقلية: إما أن يقال: إنها غير صحيحة3، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.

ثم إن جوزنا التأويل: اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات"4.

وقد اشتهر هذا القانون عند الأشاعرة، وأصبح عندهم من القضايا المسلمة، وأدى إلى كثير من البدع والانحرافات، مثل: نفي العلو عن الله تعالى، ونفي الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله عز وجل: كالاستواء، والنزول، والمجيء، وكلام الله إذا شاء متى شاء، وغيرها..، وكذلك نفي الصفات الخبرية: كالوجه، واليدين، وغيرها..5.

1 هكذا في المطبوعة، ولعل الصواب: الأقسام الثلاثة.

2 لا يوجد ضابط ظاهر -عند الأشاعرة- لقطعية الدلائل العقلية، فبعضهم يتوهم ما ليس بقطعي قطعيًا، ويقدمها على الأدلة النقلية عند التعارض، ويعد هذا من أبرز مظاهر الخلل في هذا المنهج.

3 الأدلة النقلية تشمل نصوص الكتاب والسنة معًا، ولا يجوز إطلاق إمكان عدم الصحة إلا على نصوص السنة غير المتواترة فقط، والحكم على الحديث بالصحة، أو الضعف فن لا يتقنه إلا أهل العلم المشتغلون بالحديث وعلومه، وفق قواعد وضوابط دقيقة.

4 أساس التقديس للرازي ص172، 173.

5 انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود "2/ 818-821".

ص: 248

وقد أدى هذا المنهج المنحرف أيضًا إلى رد الكثير من الأحاديث الصحيحة، والطعن في رواتها وإن كانوا من الصحابة رضي الله عنهم، أو التابعين رحمهم الله، أو من اتفق أئمة المحدثين على عدالتهم.

ص: 249