الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع: موافقة النصوص لفظًا ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ
لا شك أن متابعة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى أكمل وأتم من متابعتهما في المعنى دون اللفظ، ويكون ذلك باعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد وأصول الدين، والتعبير بها عن المعاني الشرعية، وفق لغة القرآن، وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "الأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبته الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه"1.
وقال ابن القيم رحمه الله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديمًا وتأخيرًا، وتعريفًا وتنكيرًا كما يحافظ على معانيه، ومنه قوله وقد بدأ بالصفا: "ابدأ بما بدأ الله به" 2، ومنه بداءته في الوضوء بالوجه ثم اليدين اتباعًا للفظ القرآن3، ومنه قوله في حديث البراء بن عازب: "آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت" 4 موافقة لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} [الأحزاب: 45]5.
ولهذا منع جمع من العلماء نقل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعنى، ومن أجازه اشترط أن
1 مجموع الفتاوى "16/ 423".
2 رواه مسلم "1218" من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
3 قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] .
4 عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم: علمه ما يقول إذا أوى إلى فراشه، فكان مما علمه أن يقول:"اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت"، قال البراء: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال:"لا، ونبيك الذي أرسلت". رواه البخاري "247، 6311"، ومسلم "2710".
5 بدائع الفوائد لابن القيم "4/ 912-913".
يكون الناقل عالمًا بما يحيل المعنى من اللفظ، مدركًا لأساليب العرب حتى يستبين الفروق، وأما شأن العقيدة خاصة فهو أعظم وأخطر؛ لذا كان هدي أهل السنة والسلف مراعاة الألفاظ ومعانيها معًا.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "إن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه، وينفونه في الله وصفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات؛ بل كل معنى صحيح، فإنه داخل فيما أخبر به الرسول"1.
وقال رحمه الله: "والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من التعبير عنها بغيرها، فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد، والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحكم والمعاني ما لا تنقضي عجائبه.
والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع، ثم قد يجعل اللفظ حجة بمجرده، وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق وقد يضطرب في معناه، وهذا أمر يعرفه من جربه من كلام الناس، فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام، كما قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران: 103] ، ومتى ذكرت ألفاظ القرآن والحديث وبين معناه بيانًا شافيًا، فإنها تنتظم جميع ما
يقوله الناس من المعاني الصحيحة، وفيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في كلام الناس من الباطل كما قال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال تعالى:{وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41-42]، وقال تعالى:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]، وقال:{تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1] ، وفيه من دلائل الربوبية
1 مجموع الفتاوى "5/ 432".
والنبوة، والمعاد ما لا يوجد في كلام أحد من العباد، ففيه أصول الدين المفيدة لليقين، وهي أصول دين الله ورسوله لا أصول دين محدث ورأي مبتدع"1.
والألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة، إما أن تكون اصطلاحًا متعينة للدلالة على الحق ولا تستعمل في غير هذا، فليزم استعمالها فيما اصطلح عليه من المعاني الصحيحة، وهكذا الأمر فيما استعمله السلف الصالح من الألفاظ الشرعية.
وإما ألا تتعين للدلالة على الحق، بل تكون مجملة تحتمل حقًا وباطلًا، فإذا عرف مراد صاحبها، وكان موافقًا للمعنى الصحيح، قبل منه المعنى، ومنع من التكلم باللفظ المجمل، وع ل م الألفاظ الشرعية في ذلك.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا، فليس على أحد؛ بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد به حقًا قبل، وإن أراد به باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه؛ بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والتحيز، وغير ذلك"2.
وقال رحمه الله في موضع آخر: "وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره، ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه، أو إجمال عبر بغيرها، أو بين مراده بها بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرع"3.
1 النبوات لابن تيمية ص235، 236.
2 التدمرية لابن تيمية بتحقيق محمد السعوي ص65، 66.
3 مجموع الفتاوى: 12/ 114".
وقال ابن أبي العز رحمه الله: "والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني، وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها، فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن كان معنى صحيحًا قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد، والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها1 ونحو ذلك"2.
وإنما توجه القول بمنع استعمال هذه الألفاظ المحتملة سدًا لباب التلبيس الذي قد يدخل منه أهل البدع على عامة الناس، فيروجوا بضاعتهم الفاسدة.
قال الإمام أحمد رحمه الله في مقدمة كتاب في الرد على الجهمية: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من الفتن"3.
قال شيخ الإسلام رحمه الله معلقًا على كلام الإمام أحمد: "والمقصود هنا قوله: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم. وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجود مستعملة في الكتاب والسنة، وكلام الناس لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معان أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال، كلفظ العقل والعاقل والمعقول، فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدل على عرض إما مسمى مصدر عقل
1 وذلك مثل مخاطبة أهل الكلام والفلسفة في أبواب البحث والمناظرة لإقامة الحجة عليهم بما التزموه من أصول.
2 شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "1/ 239".
3 الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد ص6.
يعقل عقلًا، وإما قوة يكون بها العقل وهي الغريزة، وهم يريدون بذلك جوهرًا مجردًا قائمًا بنفسه، وكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر، والعرض، والجسم، والتحيز، والجهة، والتركيب، والجزء، والافتقار، والعلة، والمعلول، والعاشق، والعشق، والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث والقدم، بل ولفظ الواجب والممكن، بل ولفظ الوجود والموجود والذات، وغير ذلك من الألفاظ"1.
وقال رحمه الله: "هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني متعددة، وصاروا يدخلون فيها من المعاني ما ليس هو المفهوم منه في لغات الأمم، ثم ركبوها وألفوها تأليفًا طويلًا بنوا بعضه على بعض، وعظموا قولهم وهولوه في نفوس من لم يفهمه، ولا ريب أن فيه دقة وغموضًا لما فيه من الألفاظ المشتركة والمعاني المشتبهة، فإذا دخل معهم الطالب وخاطبوه بما تنفر عنه فطرته فأخذ يعترض عليهم، قالوا له: أنت لا تفهم هذا، وهذا لا يصلح لك، فيبقى ما في النفوس من الأنفة والحمية يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها عنده، وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل"2.
وقال رحمه الله: "فعامة ما يلبس به هؤلاء النفاة -أي نفاة الصفات- ألفاظ مجملة متشابهة، إذا فسرت معانيها وفصل بين ما هو حق منها، وبين ما هو باطل زالت الشبهة، وتبين أن الحق الذي لا محيد عنه هو قول أهل الإثبات للمعاني والصفات"3.
1 درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "1/ 222".
2 المصدر السابق: "1/ 295".
3 المصدر السابق "4/ 227".
وكذا فإن منع استعمال هذه الألفاظ المحتملة قطع لما تقضي إليه من التنازع والاختلاف في الأمة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فإن كثيرًا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلًا عن أن يعرف دليله، ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئًا؛ بل يكون في قوله نوع من الصواب، وقد يكون هذا مصيبًا ممن وجه وهذا مصيبًا من وجه، وقد يكون الصواب في قول ثالث. وكثير من الكتب المصنفة في أصول علوم الدين وغيرها، تجد الرجل المصنف فيها في المسألة العظيمة كمسألة القرآن والرؤية، والصفات والمعاد وحدوث العالم وغير ذلك، يذكر أقوالًا متعددة، والقول الذي جاء به الرسول وكان عليه سلف الأمة ليس في تلك الكتب؛ بل ولا عرفه مصنفوها ولا شعروا به، وهذا من أسباب توكيد التفريق والاختلاف بين الأمة، وهو مما نهيت الأمة عنه كما في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 105، 106] ، قال ابن عباس: "تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة"1.
1 مجموع الفتاوى "12/ 114، 115".