الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدليل الرابع: القياس
1
1-
تعريفه.
2-
حجيته.
3-
أركانه: الأصل والفرع وحكم الأصل وعلة الحكم.
تعريفه:
القياس في اصطلاح الأصوليين: هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها، في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة هذا الحكم.
فإذا دل النص على حكم في واقعة، وعرفت علة هذا الحكم بطريق من الطرق التي تعرف بها علل الأحكام، ثم وجدت واقعة أخرى تساوي واقعة النص في علة تحقق علة الحكم فيها، فإنها تسوي بواقعة النص في حكمها بناء على تساويهما في علته؛ لأن الحكم يوجد حيث توجد علته.
وهذه أمثلة من الأقيسة الشرعية والوضعية توضح هذا التعريف:
1-
شرب الخمر: واقعة ثبت بالنص حكمها، وهو التحريم الذي دل عليه قوله سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} لعلة هي الإسكار، فكل نبيذ توجد فيه هذه العلة يسوي بالخمر في حكمه ويحرم شربه.
2-
قتل الوارث مورثة: واقعة ثبت بالنص حكمها، وهو منع القاتل من الإرث الذي دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يرث القاتل". لعلة هي أن قتله فيه استعجال الشيء قبل أوانه فيرد عليه قصده ويعاقب بحرمانه، وقتل الموصى له للموصي توجد فيه هذه العلة فيقاس بقتل الوارث مورثه، ويمنع القاتل للموصي من استحقاق الموصى به له.
3-
البيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة: واقعة ثبت بالنص حكمها وهو الكراهة التي دل عليه قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ
1 القياس معناه في اللغة: التقدير للشيء بما يماثله، يقال: قاس الثوب بالمتر أي قدر أجزاءه به، ويطلق القياس على التسوية؛ لأن تقدير الشيء بما يماثله تسوية بينهما ومنه: فلان لا يقاس بفلان أي لا يسوى به.
الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} لعلة هي شغله عن الصلاة، والإجازة أو الرهن أو أية معاملة وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة توجد فيها هذه العلة، وهي شغلها عن الصلاة، فتقاس بالبيع في حكمه وتكره وقت النداء للصلاة.
4-
الورقة الموقَّع عليها بالإمضاء: واقعة ثبت بالنص حكمها وهو أنها حجة على الموقَّع الذي دل عليه نص القانون المدني، لعلة هي أن توقيع الموقع دال على شخصه، والورقة المبصومة بالأصبع توجد فيها هذه العلة فتقاس بالورقة الموقع عليها في حكمها، وتكون حجة على باصمها.
5-
السرقة بين الأصول والفروع وبين الزوجين: لا تجوز محاكمة مرتكبها إلا بناء على طلب المجني عليه، في قانون العقوبات، وقيس على السرقة النصب واغتصاب المال بالتهديد وإصدار شيك بدون رصيد وجرائم التبديد لعلاقة القرابة والزوجية فيها كلها.
ففي كل مثال من هذه الأمثلة سويت واقعة لا نص على حكمها، بواقعة نص على حكمها في الحكم المنصوص عليه، بناء على تساويهما في علة هذا الحكم، وهذه التسوية بين الواقعتين في الحكم، بناء على تساويهما في علته هي القياس في اصطلاح الأصوليين، وقولهم: تسوية واقعة بواقعة، أو إلحاق واقعة بواقعة أو تعدية الحكم من واقعة إلى واقعة، هي عبارات مترادفة مدلولها واحد.
حجيته:
مذهب جمهور علماء المسلمين أن القياس حجة شرعية على الأحكام العملية، وأنه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم بنص أو إجماع، وثبت أنها تساوي واقعة نص على حكمها في علة هذا الحكم، فإنها تقاس بها ويحكم فيها بحكمها، ويكون هذا حكما شرعيًّا، ويسع المكلف اتباعه والعمل به، وهؤلاء يطلق عليهم: مثبتو القياس.
ومذهب النظامية والظاهرية وبعض فرق الشيعة أن القياس ليس حجة شرعية على الأحكام، وهؤلاء يطلق عليهم: نفاة القياس.
أدلة مثبتي القياس: استدل مثبتو القياس بالقرآن، وبالسنة، وبأقوال الصحابة وأفعالهم، وبالمعقول.
1-
أما القرآن فأظهر ما استدلوا به من آياته ثلاث آيات: الأولى: قوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} .
ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله سبحانه أمر المؤمنين، إن تنازعوا واختلفوا في شيء، ليس لله ولا لرسوله ولا لأولي الأمر منهم فيه حكم، أن يردوه إلى الله والرسول، وردوه وإرجاعه إلى الله وإلى الرسول يشمل كل ما يصدق عليه أنه رد إليهما، ولا شك أن إلحاق ما نص فيه بما فيه نص لتساويهما في علة حكم النص؛ من رد ما لا نص فيه إلى الله والرسول؛ لأن فيه متابعة لله ولرسوله في حكمه.
والآية الثانية: قوله تعالى في سورة الحشر: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} .
وموضع الاستدلال قوله سبحانه {فَاعْتَبِرُوا} ووجه الاستدلال أن الله سبحانه وتعالى بعد أن قص ما كان من بني النضير الذين كفروا، وبين ما حاق {بِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} قال:{فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} أي فقيسوا أنفسكم بهم؛ لأنكم أناس مثلهم إن فعلتم حاق بكم مثل ما حاق بهم.
وهذا يدل على أن سنة الله في كونه، أن نعمه ونقمه وجميع أحكامه هي نتائج لمقدمات أنتجتها، ومسببات لأسباب ترتبت عليها، وأنه حيث وجدت المقدمات نتجت عنها نتائجها، وحيث وجدت الأسباب ترتبت عليها مسبباتها، وما القياس إلا سير على هذا السنن الإلهي، وترتيب المسبب على سببه في أي محل وجد فيه.
وهذا هو الذي يدل عليه قوله سبحانه وتعالى: {فَاعْتَبِرُوا} وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} ، وقوله:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ} فسواء فسر الاعتبار بالعبور أي المرور، أو فسر بالاتعاظ، فهو تقرير لسنة من سنن الله في خلقه، وهي أن ما جرى على
النظير يجري على نظيره، ألا ترى أنه إذا فصل موظف من وظيفته بأنه ارتشي فقال الرئيس لإخوانه الموظفين: إن في هذا لعبرة لكم واعتبروا. لا يفهم من قوله إلا أنكم مثله فإن فعلتم فعله عوقبتم عقابه.
الآية الثالثة: قوله تعالى في سورة يس: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} جوابًا لمن قال: من يحيي العظام وهي رميم؟ ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله سبحانه استدل على ما أنكره منكرو البعث بالقياس، فإن الله سبحانه قاس إعادة المخلوقات بعد فنائها على بدء خلقها وإنشائها أول مرة، لإقناع الجاحدين بأن من قدر على بدء خلق الشيء وإنشائه أول مرة، قادر على أن يعيده بل هذا أهون عليه، فهذا الاستدلال بالقياس إقرار لحجية القياس وصحة الاستدلال به.
وهذه الآيات الدالة على حجية القياس أيدها في دلالتها أن الله سبحانه في عدة آيات من آيات الأحكام قرن الحكم بعلته مثل قوله سبحانه في المحيض: {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ، وقوله في إباحة التيمم:{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} ؛ لأن في هذا إرشاد إلى أن الأحكام مبنية على المصالح ومرتبطة بالأسباب، وإشارة إلى أن الحكم يوجد مع سببه وما بني عليه.
2-
وأما السنة فأظهر ما استدلوا منها دليلان:
الأول: حديث معاذ بن جبل أن رسول الله لما أراد أن يبعثه إلى اليمن، قال له:"كيف تقضي إذا عرض لك قضاء"؟ قال: أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله على صدره وقال:"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".
ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن رسول الله أقر معاذا على أن يجتهد إذا لم يجد نصا يقضي به في الكتاب والسنة، والاجتهاد بذل الجهد للوصول إلى الحكم، وهو يشمل القياس؛ لأنه نوع من الاجتهاد والاستدلال، والرسول لم يقره على نوع من الاستدلال دون نوع.
والثاني: ما ثبت في صحاح السنة من أن رسول الله في كثير من الوقائع التي عرضت عليه، ولم يوح إليها بحكمها استدل على حكمها بطريق القياس، وفعل الرسول في هذا المقام تشريع لأمته، ولم يقم دليل على اختصاصه به، فالقياس فيما لا نص فيه من سنن الرسول، وللمسلمين به أسوة.
ورد أن جارية خثعمية قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها:"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك"؟ قالت: نعم، فقال لها:"فدين الله أحق بالقضاء".
وورد أن عمر سأل الرسول عن قبلة الصائم من غير إنزال، فقال له الرسول:"أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم"؟ قال عمر: قلت: لا بأس بذلك، قال:"فمه". أي: اكتف بهذا.
وورد أن رجلًا من "فزارة" أنكر ولده لما جاءت به امرأته، فقال له الرسول:"هل لك من إبل"؟ قال: نعم. قال: "ما ألوانها"؟ قال: حمر، قال:"هل فيها من أورق" 1؟ قال: نعم. قال: "فمن أين"؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: "وهذا لعله نزعه عرق". وفي الجزء الأول من أعلام الموقعين أمثلة كثيرة لأقيسة الرسول.
3-
وأما أفعال الصحابة وأقوالهم فهي ناطقة بأن القياس حجة شرعية، فقد كانوا يجتهدون في الوقائع التي لا نص فيها، ويقيسون ما لا نص فيه على ما فيه نص، ويعتبرون النظير بنظيره، قاسوا الخلافة على إمامة الصلاة، وبايعوا أبا بكر بها وبينوا أساس القياس بقولهم: رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا، وقاسوا خليفة الرسول على الرسول، وحاربوا مانعي الزكاة الذين منعوها استنادا إلى أنها كان يأخذها الرسول؛ لأن صلاته سكن لهم لقوله عز شأنه:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} .
قال عمر بن الخطاب في عهده إلى أبي موسى الأشعري: "ثم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس فيه قرآن ولا سنة، ثم قايس بين الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق.
وقال علي بن أبي طالب: ويعرف الحق بالمقايسة عند ذوي الألباب، ولما روى ابن عباس أن الرسول نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبض قال: لا أحسب كل شيء إلا مثله، وقد نقل ابن القيم في الجزء الثاني من أعلام الموقعين ابتداء من صفحة 244 عدة فتاوى لأصحاب رسول الله أفتوا فيها باجتهادهم بطريق القياس،
1 الأورق من الإبل: الأسود غير الحالك أي الذي يميل إلى الغبرة لله.
وما أنكر الرسول في حياته على من اجتهد من صحابته، وما أنكر بعض الصحابة على بعض اجتهاد الرأي وقياس الأشباه بالأشباه، فإنكار حجية القياس تخطئة لما سار عليه الصحابة في اجتهادهم وما قرروه بأفعالهم وأقوالهم.
4-
وأما المعقول فأظهر أدلتهم منه ثلاثة:
أولها: أن الله سبحانه ما شرع حكما إلا لمصلحة، وأن مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعة التي لا نص فيها الواقعة المنصوص عليها في علة الحكم التي هي مظنة المصلحة قضت الحكمة والعدالة أن تساويها في الحكم تحقيقا للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، ولا يتفق وعدل الله، وحكمته أن يحرم شرب الخمر لإسكاره محافظة على عقول عباده، ويبيح نبيذا آخر فيه خاصية الخمر وهي الإسكار؛ لأن مآل هذا المحافظة على العقول من مسكر، وتركها عرضة للذهاب بمسكر آخر.
وثانيها: أن نصوص القرآن والسنة محدودة ومتناهية، ووقائع الناس وأقضيتهم غير محدودة ولا متناهية، فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية وحدها هي المصدر التشريعي لما لا يتناهى، فالقياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقائع المتجددة، ويكشف حكم الشريعة فيما يقع من الحوادث، ويوفق بين التشريع والمصالح.
وثالثها: أن القياس دليل تؤيده الفطرة السلمية والمنطق الصحيح، فإن من نهى عن شراب؛ لأنه سام يقيس بهذا الشراب كل شراب سام، ومن حرم عليه تصرف؛ لأن فيه اعتداء وظلما لغيره يقيس بهذا كل تصرف فيه اعتداء وظلم لغيره، ولا يعرف بين الناس اختلاف في أن ما جرى على أحد المثلين يجري على الآخر ما دام لا فارق بينهما.
بعض شبه نفاة القياس:
من أظهر شبههم قولهم: إن القياس مبني على الظن بأن علة حكم النص هي كذا والمبني على الظن ظني، والله سبحانه نعى على من يتبعون الظن وقال سبحانه:{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، فلا يصح الحكم بالقياس؛ لأنه اتباع الظن.
وهذه شبهة واهية؛ لأن المنهي عنه هو اتباع الظن في العقيدة، وأما في الأحكام العملية فأكثر أدلتها ظنية، ولو اعتبرت هذه الشبهة لا يعمل بالنصوص الظنية الدالة؛ لأنه اتباع للظن، وهذا باطل بالاتفاق؛ لأن أكثر النصوص ظنية الدلالة.
ومن أظهر شبههم قولهم: إن القياس مبني على اختلاف الأنظار في تعليل الأحكام فهو مثار اختلاف الأحكام وتناقضها، والشرع الحكيم لا يتناقض بين أحكامه، وهذه شبهة أوهى من سابقتها؛ لأن الاختلاف بناء على القياس ليس اختلافا في العقيدة أو في أصل من أصول الدين، وإنما هو اختلاف في أحكام جزئية عملية لا يؤدي الاختلاف فيها إلى أية مفسدة بل ربما كان رحمة بالناس وفيه مصلحتهم.
ومن أظهر شبههم عبارات نقلوها عن الصحابة ذموا فيها الرأي، والقول في الأحكام بالرأي، مثل قول عمر:"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا".
هذه الآثار فوق أنها غير موثوق بها ليس المراد منها إنكار القياس، أو الاحتجاج به، وإنما المراد منها النهي عن اتباع الهوى، والرأي الذي ليس له مرجع من النصوص.
أركانه:
كل قياس يتكون من أركان أربعة:
"الأصل": وهو ما ورد بحكمه نص، ويسمى: المقيس عليه، والمحمول عليه، والمشبه به.
"والفرع": وهو ما لم يرد بحكمه نص، ويراد تسويته بالأصل في حكمه، ويسمى: المقيس، والمحمول عليه والمشبه.
"وحكم الأصل": وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل، ويراد أن يكون حكما للفرع.
"والعلة": وهي الوصف الذي بني عليه حكم الأصل وبناء على وجوده في الفرع يسوى بالأصل في حكمه.
فشرب الخمر أصل؛ لأنه ورد نص بحكمه وهو قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوهُ} الدال على تحريم شربه لعلة هي الإسكار، ونبيذ التمر فرع؛ لأنه لم يرد نص بحكمه، وقد ساوى الخمر في أن كلا منها مسكر، فسوى به في أن يحرم، والأشياء الستة: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح: أصل، لأنه ورد النص بتحريم ربا الفضل والنسيئة فيها إذا بيع كل واحد منها بجنسه، لعلة هي أنها مقدرات مضبوط قدرها بالوزن أو الكيل مع اتحاد الجنس، والذرة والأرز والفول فرع؛ لأنه لم يرد نص بحكمها، وقد ساوت الأشياء الواردة بالنص في أنها مقدرات، فسويت بها في حكمها حين المبادلة بجنسها.
أما الركنان الأولان من هذه الأركان الأربعة، وهما: الأصل والفرع، فهما واقعتان، أو محلان، أو أمران، أحدهما دل على حكمه نص والآخر لم يدل على حكمه نص ويراد معرفة حكمه، ولا تشترط فيهما شروط سوى أن الأصل ثبت حكمه بنص والفرع لم يثبت حكمه بنص ولا إجماع، ولا يوجد فرق يمنع من تساويهما في الحكم.
وأما الركن الثالث وهو حكم الأصل، فتشترط لتعديته إلى الفرع شروط؛ لأنه ليس كل حكم شرعي ثبت بالنص في واقعة يصح أن يعدى بواسطة القياس إلى واقعة أخرى؛ بل تشترط في الحكم الذي يعدى إلى الفرع بالقياس شروط:
الأول: أن يكون حكما شرعيا ثبت بالنص، فأما الحكم الشرعي العملي الذي ثبت بالإجماع ففي تعديته بواسطة القياس رأيان، أحدهما: أنه لا يصح تعديته، وهذا هو الذي أرجحه؛ لأن الإجماع كما هو مقرر لا يلتزم فيه أن يذكر مع الحكم المجمع عليه مستنده، ومن غير ذكر المستند لا سبيل إلى إدراك علة الحكم، فلا يمكن القياس على الحكم المجمع عليه، وهذا على فرض وجود حكم أجمع عليه بمعنى الإجماع في اصطلاح الأصوليين، وثانيهما: أنه يصح تعديته، قال الشوكاني: وهذا أصح القولين، وأما الحكم الشرعي الذي ثبت بالقياس، فلا يصح تعديته أصلا؛ لأن الفرع إن كان يساوي ما ثبت فيه الحكم بالقياس في العلة فهو يساوي واقعة النص في نفس العلة، ويكون الحكم المعدى بالقياس هو حكم النص، وإن كان لا يساويه في العلة فلا يصح أن يساويه في الحكم، وعلى هذا لا يصح أن يقال: حرم نبيذ التفاح قياسا على نبيذ التمر الثابت حكمه بالقياس على الخمر،
لأن نبيذ التفاح أن كان يساوي نبيذ التمر في الإسكار فهو يساوي الخمر، ويكون تحريمه بالقياس على الخمر لا على نبيذ التمر وإن كان لا يساويه في الإسكار، فلا يساويه في التحريم.
الثاني: أن يكون حكم الأصل مما للعقل سبيل إلى إدراك علته؛ لأنه إذا كان لا سبيل للعقل إلى إدراك علته لا يمكن أن يعدى بواسطة القياس؛ لأن أساس القياس إدراك علة حكم الأصل، وإدراك تحققها في الفرع.
وتوضيح هذا الشرط؛ إن الأحكام الشرعية العملية جميعها إنما شرعت لمصالح الناس ولعلل بنيت عليها، وما شرع حكم منها عبثا لغير علة. غير أن الأحكام نوعان: أحكام استأثر الله بعلم عللها، ولم يمهد السبيل إلى إدراك هذه العلل ليبلو عباده ويختبرهم: هل يمتثلون وينفذون ولو لم يدركوا ما بني عليه الحكم من علة، وتسمى هذه الأحكام: التعبدية، أو غير المعقولة المعنى.
ومثالها: تحديد أعداد الركعات في الصلوات الخمس، وتحديد مقادير الأنصبة في الأموال التي يجب فيها الزكاة، ومقادير ما يجب فيها، ومقادير الحدود والكفارات، وفروض أصحاب الفروض في الإرث. وأحكام لم يستأثر الله بعلم عللها بل أرشد العقول إلى عللها بنصوص أو بدلائل أخرى أقامها للاهتداء بها، وهذه تسمى: الأحكام المعقولة المعنى، وهذه هي التي يمكن أن تعدي من الأصل إلى غيره بواسطة القياس؛ سواء أكانت أحكاما مبتدأة أي ليست استثناء من أحكام كلية، كتحريم شرب الخمر الذي عدي بالقياس إلى شرب أي نبيذ مسكر، وتحريم الربا في القمح والشعير الذي عدي بالقياس إلى الذرة والأرز، أم كانت أحكاما مستثناة من أحكام كلية كالترخيص في العرايا1 استثناء من بيع الجنس بجنسه متفاضلا، الذي عدي بالقياس إلى بيع العنب على الكرم بالزبيب، وبقاء الصوم مع أكل الصائم ناسيا استثناء من فساد الصوم بوصول غذاء إلى معدة الصائم الذي عدي بالقياس إلى أكل الصائم خطأ، أو مكرها، وإلى بقاء الصلاة مع تكلم المصلي ناسيا، فالشرط لصحة تعدية حكم الأصل أن يكون معقول المعنى بلا فرق بين كونه حكما مبتدأ ليس استثناء من كونه حكما كليا، وكونه حكما استثنائيا من حكم كلي، وأما إذا كان غير معقول المعنى فلا يصح تعديته سواء أكان حكما أصليا أم
1 العرايا: بيع الرطب على النحل بمثله من التمر.
استثنائيا، وعلى هذا لا قياس في العبادات والحدود، وفروض الإرث وأعداد الركعات.
الثالث: أن يكون حكم الأصل غير مختص به، وأما إذا كان حكم الأصل مختصا به فلا يعدى بالقياس إلى غيره.
ولا يكون حكم الأصل مختصا به في حالتين، الأولى: إذا كانت علة الحكم لا يتصور وجودها في غير الأصل، كقصر الصلاة للمسافر، فهذا حكم معقول المعنى؛ لأن فيه دفع مشقة، ولكن علته السفر، والسفر لا يتصور وجوده في غير المسافة، وكذلك إباحة المسح على الخفين حكم معقول المعنى؛ لأن فيه تيسيرا ورفع حرج، ولكن علته لبس الخفين ولا يتصور وجودهما في غير لبسهما.
والثانية: إذا دل دليل على تخصيص حكم الأصل به، مثل الأحكام التي دل دليل على أنها مختصة بالرسول، كتزوجه بأكثر من أربع زوجات وتحريم الزواج إحدى زوجاته بعد موته، ومثل الاكتفاء في القضاء بشهادة خزيمة بن ثابت وحده بقول الرسول:"من شهد له خزيمة فهو حسبه". فإن النصوص التي وردت في القرآن والسنة دالة على أنه لا يباح التزوج بأكثر من أربع، وعلى أن المتوفى عنها زوجها بعد انقضاء عدتها يحل لها أن تتزوج، وعلى أنه لا بد في الشهادة من رجلين أو رجل وامرأتين، وهي أدلة على تخصيص الحكم بالرسول وبخزيمة.
وأما الركن الرابع: وهو علة القياس فهذا هو أهم الأركان؛ لأن علة القياس هي أساسه، وبحوثها أهم بحوث القياس، وهي كثيرة نقتصر منها على أربعة: تعريفها؛ وشروطها؛ وأقسامها؛ ومسالكها.
1-
تعريف العلة:
العلة: هي وصف في الأصل بني عليه حكمه ويعرف به وجود هذا الحكم في الفرع، فالإسكار وصف في الخمر بني عليه تحريمه، ويعرف به وجود التحريم في كل نبيذ مسكر، والاعتداء وصف في ابتياع الإنسان على ابتياع أخيه بني عليه تحريمه، ويعرف به وجود التحريم في استئجار الإنسان على استئجار أخيه، وهذا هو مراد الأصوليين بقولهم: العلة هي المعرف للحكم وتسمى العلة: مناط الحكم، وسببه وأمارته.
ومن المتفق عليه بين جمهور علماء المسلمين أن الله سبحانه ما شرع حكما إلا لمصلحة عباده، وأن هذه المصلحة إما جلب نفع لهم وإما دفع ضرر عنهم، فالباعث على تشريع أي حكم شرعي هو جلب منفعة للناس ودفع ضرر عنهم، وهذا الباعث على تشريع الحكم هو الغاية المقصودة من تشريعه وهو حكمة الحكم، فإباحة الفطر للمريض في رمضان حكمته دفع المشقة عن الريض، واستحقاق الشفعة للشريك أو الجار حكمته دفع الضرر عنه، وإيجاب القصاص من القاتل عمدا وعدوانا حكمته حفظ حياة الناس، وإيجاب قطع يد السارق حكمته حفظ أموال الناس، وإباحة المعاوضات حكمتها دفع الحرج عن الناس بسد حاجاتهم، فحكمة كل حكم شرعي تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة.
وكان المتبادر أن يبنى كل حكم على حكمته، وأن يرتبط وجوده بوجودها وعدمه بعدمها؛ لأنها هي الباعث على تشريعه والغاية المقصودة منه، ولكن رثى بالاستقراء أن الحكمة في تشريع بعض الأحكام قد تكون أمرا خفيا غير ظاهر، أي لا يدرك بحاسة من الحواس الظاهرة، فلا يمكن التحقق من وجوده ولا من عدم وجوده، ولا يمكن بناء الحكم عليه ولا ربط وجوده بوجوده وعدمه بعدمه، مثل إباحة المعاوضات التي حكمتها دفع الحرج عن الناس بسد حاجاتهم، فالحاجة أمر خفي، ولا يمكن معرفة أن المعاوضة لحاجة أو لغير حاجة، ومثل ثبوت النسب بالزوجية الذي حكمته هو الاتصال الجنسي المفضي إلى حمل الزوجة من زوجها، وهذا أمر خفي لا يمكن الوقوف عليه، وقد تكون الحكمة أمرًا تقديريا أي أمرا غير منضبط فلا ينضبط بناء الحكم عليه، ولا ربطه به وجودا وعدما، مثال هذا: إباحة الفطر في رمضان للمريض، حكمتها دفع المشقة، وهذا أمر تقديري يختلف باختلاف الناس وأحوالهم، فلو بنى الحكم عليه لا ينضبط التكليف ولا يستقيم، وكذلك استحقاق الشفعة للشريك أو الجار حكمته دفع الضرر وهو أمر تقديري غير منضبط، فلأجل خفاء حكمة التشريع في بعض الأحكام، وعدم انضباطها في بعضها، لزم أمر آخر يكون ظاهرًا أو منضبطا يبنى عليه الحكم ويربط وجوده بوجوده وعدمه بعدمه ويكون مناسبًا لحكمته، بمعنى أنه مظنة لها وأن بناء الحكم عليه من شأنه أن يحققها؛ وهذا الأمر الظاهر المنضبط الذي بني الحكم عليه؛ لأنه مظنة لحكمته؛ ولأن بناء الحكم عليه من شأنه أن يحققها، وهو المراد بالعلة في
اصطلاح الأصوليين، فالفرق بين حكمة الحكم، وعلته هو أن حكمة الحكم هي الباعث على تشريعه والغاية المقصودة منه، وهي المصلحة التي قصد الشارع بتشريع الحكم تحقيقها أو تكميلها، أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحكم دفعها أو تقليلها.
وأما علة الحكم فهي الأمر الظاهر المنضبط الذي بني الحكم عليه وربط به وجودا وعدما؛ لأن الشأن في بنائه عليه وربطه به أن يحقق حكمة تشريع الحكم، فقصر الصلاة الرباعية للمسافر حكمته التخفيف ودفع المشقة، وهذه الحكمة أمر تقديري غير منضبط لا يمكن بناء الحكم عليه وجودا وعدما، فاعتبر الشارع السفر مناطا للحكم، وهو أمر ظاهر منضبط وفي جعله مناطا للحكم مظنة تحقيق حكمته؛ لأن الشأن في السفر أنه توجد فيه بعض المشقات، فحكمة قصر الصلاة الرباعية للمسافر دفع المشقة عنه، وعلته السفر.
واستحقاق الشفعة بالشركة أو الجوار حكمته دفع الضرر عن الشريك أو مناط الحكم؛ لأن كلا منهما أمر ظاهر منضبط وفي جعله مناطًا للحكم مظنة تحقيق حكمته إذ الشأن أن الضرر ينال الشريك أو الجار، فحكمة استحقاق الشفعة دفع الضرر، وعلته الشركة أو الجوار.
وإباحة المعاوضات حكمتها دفع الحرج عن الناس بسد حاجاتهم، وهذه الحكمة أمر خفي فاعتبرت صيغة العقد مناطا لحكمته؛ لأنها أمر ظاهر منضبط وفي جعلها مناطا مظنة تحقيق الحكمة؛ لأن الصيغة عنوان تراضي المتعارضين بالمعاوضة، والشأن في تراضيهما بها أن يكون عن حاجتهما إليها، فحكمة نقل الملكية في البدلين بالبيع أو الإجارة سد الحاجة، وعلته صيغة عقد البيع أو الإجارة.
وعلى هذا فجميع الأحكام الشرعية تبنى على عللها، أي تربط بها وجودا وعدما، لا على حكمها، ومعنى هذا أن الحكم الشرعي يوجد حيث توجد علته ولو تخلفت حكمته، وينتفي حيث تنتفي علته ولو وجدت حكمته؛ لأن الحكمة لخفائها في بعض الأحكام، ولعدم انضباطها في بعض لا يمكن أن تكون أمارة على وجود الحكم أو عدمه، ولا يستقيم ميزان التكليف والتعامل إذا ربطت الأحكام بها.
فالشارع الحكيم لما اعتبر لكل حكم علة هي أمر ظاهر منضبط يظن تحقق الحكمة يربط الحكم به جعل مناط الأحكام عللها، ليستقيم التكليف وتنسق أحكام المعاملات، ويعرف ما يترتب على الأسباب من مسببات. وتخلف الحكمة في بعض الجزئيات لا أثر له بإزاء استقامة التكاليف واطراد الأحكام، لهذا قرر الأصوليون أن الأحكام الشرعية تدور وجودًا وعدما مع عللها لا مع حكمها، وبعبارة أخرى مناط الحكم الشرعي مظنته لا مئنته، فمن كان في رمضان على سفر يباح له الفطر لوجود علة إباحته وهي السفر، وإن كان في سفره لا يجد مشقة، ومن كان شريكا في العقار المبيع أو جارا له يستحق أخذه بالشفعة، لوجود علة استحقاقها وهي الشركة أو الجوار، وإن كان المشتري لا يخشى منه أي ضرر، ومن لم يكن شريكا في العقار المبيع أو جارا لا يستحق أخذه بالشفعة وإن كان لأي سبب من الأسباب يناله من شراء المشتري ضرر، ومن كان في رمضان غير مريض ولا مسافر لا يباح له الفطر، وإن كان عاملا في محجر أو منجم ويجد من الصوم أقسى مشقة، ومن حصل على النهاية الصغرى في الامتحان نجح وإن لم يلم بالعلوم، ومن لم يحصل عليها لا ينجح وإن كان ملمًّا بالعلوم.
وما دام الحكم الشرعي يبنى على علته لا على حكمته فعلى المجتهد حين القياس أن يتحقق من تساوي الأصل والفرع في العلة لا في الحكمة، وعلى القاضي أن يقضي بالحكم حيث توجد العلة بصرف النظر عن الحكمة، فإذا قضى بالشفعة لغير شريك، ولا جار بناء على أنه يناله الضرر من شراء هذا المشتري فهو خاطئ وإذا رفض الحكم باستحقاق الشفعة لشريك أو جار بناء على أنه لا ضرر عليه من شراء هذا المشتري فهو خاطئ.
ولكن في بعض الأحكام رئي أن الحكم قد تخلف عن علته، فقد قرر الفقهاء أن بيع المكره باطل، فالعلة وهي صيغة العقد وجدت ولم يوجد الحكم وهو نقل الملكية، ونصت المادة 15 من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أنه لا تسمع دعوى النسب عند الإنكار لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين عقد العقد، فالزواج وجد ولم يوجد حكمه وهو ثبوت النسب.
والقاصر إذا بلغ 21 سنة ودلت القرائن على أنه غير رشيد لا تنتهي الولاية عليه مع وجود علة انتهائها وهو بلوغ سن الرشد، والحقيقة أن هذه الأحكام
وأمثالها لا منافاة بينها وبين ما تقدم؛ لأننا قدمنا أن العلل الظاهرة المنضبطة إنما تبنى الأحكام عليها، على أساس أنها مظان لحكمها وإن المظنة أقيمت مقام المئنة، لكن إذا قام الدليل على نفي أن يكون هذا الظاهر المنضبط مظنة لحكمة الحكم فقد دل على أنه فقد أساس العلية، ولم يبق علة، فالإكراه على البيع نفى أن تكون الصيغة مظنة التراضي الذي هو دليل الحاجة، فالصيغة من المكره ليس علة، والزوجية التي ثبت فيها أن الزوجين لم يلتقيا من حين العقد لم تبق مظنة لأن تكون الزوجة حملت من زوجها فليست علة لثبوت النسب، وبلوغ 21 سنة لم يبق مظنة لحسن التصرف المالي مع دلائل عدم الرشد.
ومما ينبغي التنبيه له أن بعض الأصوليين جعل العلة والسبب مترادفين ومعناها واحدًا، ولكن أكثرهم على غير هذا، فعندهم كل من العلة والسبب علامة على الحكم، كل منهما بني الحكم عليه وربط به وجودا وعدما وكل منهما للشارع حكمة في ربط الحكم به وبنائه عليه، ولكن إذا كانت المناسبة في هذا الربط مما تدركه عقولنا سمي الوصف: العلة، وسمي أيضا: السبب، وإن كانت مما لا تدركه عقولنا سمي السبب فقط ولا يسمى العلة: فالسفر لقصر الصلاة الرباعية علة وسبب وأما غروب الشمس لإيجاب فريضة المغرب وزوالها لإيجاب فريضة الظهر، وشهود رمضان لإيجاب صومه، فكل من هذه سبب لا علة، فكل علة سبب، وليس كل سبب علة.
شروط العلة:
الأصل الذي ورد النص بحكمه قد يكون مشتملا على عدة أوصاف وخواص، وليس كل وصف في الأصل يصلح أن يكون علة لحكمه، بل لا بد في الوصف الذي يعلل به حكم الأصل من أن تتوافر فيه جملة شروط، وهذه الشروط استمدها الأصوليون من استقراء العلل المنصوص عليها، ومن مراعاة تعريف العلة، ومن الغرض المقصود من التعليل وهو تعدية الحكم إلى الفرع، وبعض هذه الشروط اتفقت على اشتراطها كلمة الأصوليين، وبعضها لم تتفق عليها كلمتهم، ونحن نقتصر على بيان الشروط المتفق عليها.
شروط العلة المتفق عليها أربعة:
أولها: أن تكون وصفا ظاهرا، ومعنى ظهوره أن يكون محسا يدرك بحاسة من الحواس الظاهرة؛ لأن العلة هي المعرف للحكم في الفرع فلا بد أن تكون أمرا ظاهرا يدرك بالحس في الأصل ويدرك بالحس وجوده في الفرع، كالإسكار الذي يدرك بالحس في الخمر ويتحقق بالحس من وجوده في نبيذ آخر مسكر، والقدر مع اتحاد الجنس اللذين يدركان بالحس في الأموال الربوية الستة، ويتحقق بالحس من وجودهما في مال آخر من المقدرات.
لهذا لا يصح التعليل بأمر خفي لا يدرك بحاسة ظاهرة؛ لأنه لا يمكن التحقق من وجوده ولا عدمه، فلا يعلل ثبوت النسب بحصول نطفة الزوج في رحم زوجته، بل يعلل بمظنته الظاهرة وهي عقد الزواج الصحيح، ولا يعلل نقل الملكية في البدلين بتراضي المتبايعين بل يعلل بمظنته الظاهرة وهي الإيجاب والقبول، ولا يعلل بلوغ الحلم بكمال العقل بل يعلل بمظنته الظاهرة، وهي بلوغ 15 سنة أو ظهور علامة من علامات البلوغ قبلها.
وثانيها: أن يكون وصفا منضبطا، ومعنى انضباطه أن تكون له حقيقة معينة محدودة يمكن التحقق من وجودها في الفرع بحدها أو بتفاوت يسير؛ لأن أساس القياس تساوي الفرع والأصل في علة حكم الأصل، وهذا التساوي يستلزم أن تكون العلة مضبوطة محدودة حتى يمكن الحكم بأن الواقعتين متساويتان فيها، كالقتل العمد العدوان من الوارث لمورهة حقيقته مضبوطة، وأمكن تحقيقها في قتل الموصى له للموصي، والاعتداء في ابتياع الإنسان على ابتياع أخيه حقيقته مضبوطة، وأمكن تحقيقها في استئجار الإنسان على استئجار أخيه.
لهذا لا يصح التعليل بالأوصاف المرنة غير المضبوطة، التي تختلف اختلافا بينا باختلاف الظروف والأحوال والأفراد، فلا تعلل إباحة الفطر في رمضان للمريض، أو المسافر بدفع المشقة بل بمظنتها وهو السفر أو المرض.
وثالثها: أن تكون وصفا مناسبا، ومعنى مناسبته أن يكون مظنة لتحقيق حكمة الحكم، أي أن ربط الحكم به وجودا وعدما من شأنه أن يحقق ما قصده الشارع بتشريع الحكم من جلب نفع أو دفع ضرر؛ لأن الباعث الحقيقي على
تشريع الحكم والغاية المقصودة منه هو حكمته؛ ولو كانت الحكمة في جميع الأحكام ظاهرة مضبوطة لكانت هي علل الأحكام؛ لأنها هي الباعثة على تشريعها، ولكن لعدم ظهورها في بعض الأحكام وعدم انضباطها في بعضها، أقيمت مقامها أوصاف ظاهرة مضبوطة ملائمة ومناسبة لها، وما ساغ اعتبار هذه الأوصاف عللًا للأحكام ولا أقيمت مقام حكمها إلا أنها مظنة لهذا الحكم، فإذا لم تكن مناسبة ولا ملائمة لم تصلح علة للحكم، فالإسكار مناسب لتحريم الخمر؛ لأن في بناء التحريم عليه حفظ العقول، والقتل العمد العدوان مناسب لإيجاب القصاص؛ لأن في بناء القصاص عليه حفظ حياة الناس، والسرقة مناسبة لإيجاب قطع يد السارق والسارقة؛ لأن في بناء القطع عليها حفظ أموال الناس.
لهذا لا يصح التعليل بالأوصاف غير المناسبة، وتسمى بالأوصاف الطردية أو الاتفاقية التي لا تعقل علاقة لها بالحكم، ولا بحكمته كلون الخمر أو كون القاتل عمدًا عدوانا مصري الجنس أو كون السارق أسمر اللون، أو كون المفطر عمدا في رمضان أعرابيا، ولا يصح التعليل بأوصاف مناسبة بأصلها إذا طرأ عليها في بعض الجزئيات ما ذهب بمناسبتها وجعلها قطعا غير مظنة لحكمة التشريع، فصيغة البيع من المكره لا تصلح علة لنقل الملكية، وزوجية من ثبت عدم تلاقيها من حين العقد لا تصلح علة لثبوت النسب، وبلوغ من بلغ مجنونًا لا يصلح علة لزوال الولاية النفسية عنه؛ لأن البيع والزواج والبلوغ في هذه الجزئيات ليست مظنة ولا مناسبة.
رابعها: أن لا تكون وصفا قاصرا على الأصل، ومعنى هذا أن تكون وصفا يمكن أن يتحقق في عدة أفراد ويوجد في غير الأصل؛ لأن الغرض المقصود من تعليل حكم الأصل تعديته إلى الفرع، فلو علل بعلة لا توجد في غير الأصل لا يمكن أن تكون أساسًا للقياس، ولهذا لما علمت الأحكام التي هي من خصائص الرسول، بأنها لذات الرسول لم يصلح فيها القياس، فلا يصح تعليل تحريم الخمر بأنها نبيذ العنب تخمر، ولا تعليل تحريم الربا في الأموال الربوية الستة بأنها ذهب أو فضة.
وبعض الأصوليين خالف في اشتراط هذا الشرط في العلة، وينبغي أن لا يكون في اشتراط هذا الشرط خلاف، ما دام المقصود هو شروط العلة التي هي ركن القياس وأساسه؛ لأنه لا تكون له العلة أساسا للقياس إلا إذا كانت متعدية، أي أمرا غير خاص بالأصل، ويمكن وجوده في غيره.
أقسام العلة:
تقسيم العلة من ناحية اعتبار الشارع إياها وعدمه:
قدمنا في بحث "شروط العلة" أنه ليس كل وصف في الأصل يصلح أن يكون علة لحكمه، وأنه لا يصح التعليل بوصف إلا إذا كان ظاهرا منضبطا لحكمته، بحيث يكون بناء الحكم عليه وربطه به من شأنه أن يحقق المصلحة التي شرع الحكم من أجلها، ونقرر هنا أنه للاحتياط يشترط أن يكون الوصف المناسب مع ظهوره وانضباطه قد اعتبره الشارع علة بأي نوع من أنواع الاعتبار.
ومن ناحية اعتبار الشاعر للمناسب وعدم اعتباره إياه، قسم الأصوليون الوصف المناسب إلى أقسام أربعة: المناسب المؤثر، والمناسب الملائم، والمناسب المرسل، والمناسب الملغي، وبنوا الحصر في هذه الأقسام على أن الوصف المناسب إذا اعتبره الشارع بعينة علة لحكم بعينه فهو المناسب المؤثر، وإذا اعتبره الشارع علة بنوع أخر من أنواع الاعتبار الثلاثة التي سيأتي بيانها فهو المناسب الملائم، وإذا لم يعتبره الشارع بأي نوع من أنواع الاعتبار ولم يلغ اعتباره ولم يرتب حكما على وفقه، فهو المناسب المرسل، وإذا ألغى الشارع اعتباره فهو المناسب الملغي، وقد اتفقوا على صحة التعليل بالمناسب المؤثر وبالمناسب الملائم، وعلى عدم صحة التعليل بالمناسب الملغي، واختلفوا في صحة التعليل بالمناسب المرسل، وهذا بيان الأقسام الأربعة وأمثلتها.
1-
المناسب المؤثر: وهو الوصف المناسب الذي رتب الشارع حكما على وفقه وثبت بالنص أو الإجماع اعتباره بعينه علة للحكم، الذي رتب على وفقه ومثاله قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} الحكم الثابت بهذا النص هو إيجاب اعتزال النساء في المحيض، وقد رتب على أنه أذى، وصوغ النص صريح في أن علة هذا الحكم هو الأذى، فالأذى لإيجاب اعتزال النساء في المحيض وصف مناسب مؤثر، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يرث القاتل" الحكم الثابت بهذا النص هو منع القاتل من إرث مورثه، وقد رتب على أنه قاتل، وصوغ النص يومئ إلى أن علة هذا المنع هو القتل؛ لأن تعليق الحكم بمشتق يؤذن بأن مصدر الاشتقاق هو العلة، فالقتل للمنع من الإرث وصف مناسب مؤثر، وقوله تعالى:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} الحكم الثابت بهذا النص: أن من لم يبلغ الحلم من اليتامى تثبت الولاية
على ماله لوليه، وقد ثبت بالإجماع أن على ثبوت الولاية المالية على الصغير صغره، فالصغر لثبوت الولاية المالية وصف مناسب مؤثر، فكل حكم شرعي رتب على وصف مناسب في محله، ودل نص أو إجماع على أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم، فهذا الوصف مناسب مؤثر، وهذا أعلى درجات اعتبار الوصف المناسب.
2-
المناسب الملائم: هو الوصف المناسب الذي رتب الشارع حكمًا على وفقه، ولم يثبت بالنص أو الإجماع اعتباره بعينه علة لنفس الحكم الذي رتب على وفقه، ولكن ثبت بالنص أو الإجماع اعتباره بعينه علة لحكم من جنس الحكم الذي رتب على وفقه، أو اعتبار وصف من جنسه علة لهذا الحكم بعينه، أو اعتبار وصف من جنسه علة لحكم من جنس هذا الحكم، فمتى كان الوصف المناسب معتبرًا بنوع من هذه الأنواع الثلاثة للاعتبار كان التعليل به موافقًا تصرفات الشارع في تشريعه وتعليله ولهذا سمى المناسب الملائم أي الموافق تصرفات الشارع في تشريعه وتعليله ولهذا يسمى المناسب الملائم، أي الموافق تصرفات الشارع في تشريعه وتعليله، ولهذا يسمى المناسب الملائم، أي الموافق تصرفات الشارع، وقد اتفق على صحة التعليل به وبناء القياس عليه.
مثال الوصف المناسب الذي اعتبره الشارع بعينه علة لحكم من جنس الحكم الذي رتب على وفقه: الصغر لثبوت الولاية للأب في تزويج الصغيرة، وذلك أنه ثبت بالنص ثبوت الولاية للأب في تزويج بنته البكر الصغيرة، فالحكم وهو ثبوت الولاية رتب على وفق البكارة، والصغر ولم يدل نص أو إجماع على أن العلة لثبوت هذا الولاية البكارة أو الصغر، لكن ثبت بالإجماع اعتبار الصغر علة للولاية على مال الصغيرة، والولاية على النفس هي وولاية التزويج من جنس واحد، وهو الولاية، فكأن الشارع لما اعتبر الصغر علة للولاية على مال الصغيرة اعتبر الصغر علة الولاية عليها بأنواعها، ومن أنواع الولاية: الولاية على تزويجها. فعلة ثبوت الولاية للأب على تزويج البكر الصغيرة الصغر، وبما أن الصغر يتحقق في الثيب الصغيرة، فتقاس على البكر الصغيرة وتثبت عليها ولاية التزويج، وتقاس عليها أيضًا من في حكم الصغيرة وهي المجنونة المعتوهة.
ومثال الوصف المناسب الذي اعتبر الشارع وصفا من جنسه علة للحكم الذي رتب على وفقه: المطر لإباحة الجمع بين الصلاتين في وقت واحد، وذلك
أنه ثبت بالنص إباحة الجمع بين الصلاتين حال المطر، فالحكم وهو إباحة الجمع بين الصلاتين رتب على وفق حال المطر، ولم يدل نص ولا إجماع على أن المطر هو علة هذا الحكم، لكن دل نص آخر على إباحة الجمع بين الصلاتين في وقت واحد حال السفر، وثبت بالإجماع أن علة إباحة الجمع السفر، والسفر والمطر نوعان من جنس واحد؛ لأن كلا منهما عاض مظنة الحرج والمشقة، فكأن الشارع لما اعتبر السفر علة لإباحة الجمع بين الصلاتين اعتبر كل ما هو من جنسه علة لهذه الإباحة، فعلة إباحة الجمع بين الصلاتين حال المطر: المطر، ويقاس عليه حال الثلج والبرد.
ومثال الوصف المناسب الذي اعتبر الشارع وصفا من جنسه علة لحكم من جنس الحكم الذي رتب على وفقه: تكرار أوقات الصلوات في الليل والنهار لسقوط قضاء الصلاة عن الحائض، وذلك أنه قد ثبت بالنصب أن الحائض في أثناء حيضها لا تصوم ولا تصلي وأن عليها إذا طهرت أن تقضي الصوم دون الصلاة، فالحكم وهو سقوط قضاء الصلوات عنها لم يدل على علته ولكن رئي أن تكرار أوقات الصلوات ليلًا ونهارًا مظنة الحرج والمشقة في أدائها، والشارع اعتبر أشياء كثيرة هي مظان الحرج عللًا لأحكام كثيرة هي رخص وتخفيف عن المكلف، كالمرض والسفر لإباحة الفطر في رمضان، والسفر لقصر الصلاة الرباعية، وعدم الماء للتيمم، ودفع الحاجة للسلم والعرايا، فكأن الشارع اعتبر كل نوع من أنواع مظان الحرج علة لكل نوع من أنواع الأحكام التي فيها تخفيف. وتكرار أوقات الصلوات من أنواع مظان الحرج، وسقوط قضائها عن الحائض من أنواع الأحكام التي فيها تخفيف.
وهذا النوع من أنواع الاعتبار يفسح المجال للتعديل بالأوصاف المناسبة؛ لأن كل وصف مناسب رتب الشارع الحكم على وفقه، لا يخلو من أن يكون أي وصف من جنسه اعتبره الشارع علة لحكم من جنس حكمه، وصحة التعليل بالمناسب بناء على اعتبار جنسه في جنس الحكم تفتح أبواب القياس بسعة؛ لأن مآل هذا: أن الشارع إذا اعتبر وصفا هو مظنة الحرج علة لحكم فيه تخفيف، صح اعتبار أي وصف آخر من مظان الحرج علة لأي حكم آخر فيه تخفيف.
ولا يتصور أن يوجد وصف مناسب رتب الشارع حكمًا على وفقه، ولم يعتبره بأي نوع من أنواع الاعتبار السابقة، بل لا بد أن الشارع اعتبره ولو باعتبار
جنسه علة لجنس حكمه، وعلى هذا فكل وصف مناسب رتب الشارع حكمًا على وفقه، فهو إما مؤثر وإما ملائم، وأما ما سماه بعض الأصوليين بالمناسب الغريب فلا يتصور وجوده؛ لأنهم عرفوه بالوصف المناسب الذي رتب الشارع حكما على وفقه ولم يثبت اعتباره بأي نوع من أنواع الاعتبار، وقد بينا أنه مع السعة في اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم لا يوجد مناسب غريب، ولهذا لم يذكر صاحب جمع الجوامع المناسب الغريب، واقتصر على تقسيم المناسب إلى مؤثر وملائم ومرسل، وهذا الذي اخترناه.
3-
المناسب المرسل: هو الوصف الذي لم يرتب الشارع حكما على وفقه ولم يدل دليل شرعي على اعتباره بأي نوع من أنواع الاعتبار، ولا على إلغاء اعتباره فهو مناسب أن يحقق مصلحة؛ ولكنه مرسل أي مطلق عن دليل اعتبار ودليل إلغاء، وهذا هو الذي يسمى في اصطلاح الأصوليين "المصلحة المرسلة" ومثاله: المصالح التي بنى عليها الصحابة تشريع وضع الخراج على الأرض الزراعية، وضرب النقود وتدوين القرآن ونشره وغير هذا من المصالح التي شرعوا الأحكام بناء عليها، ولم يقم دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغاء اعتبارها.
وهذا المناسب المرسل اختلف العلماء في تشريع الأحكام بناء عليه، فمنهم من نظر إلى ناحية أن الشارع لم يعتبره فقال: لا يبنى عليه تشريع، ومنهم من نظر إلى أن الشارع لم يلغ اعتباره فقال: يبني عليه التشريع وسيأتي بحثه مفصلًا.
4-
المناسب الملغي: وهو الوصف الذي يظهر أن في بناء الحكم عليه تحقيق مصلحة، ولم يرتب الشارع حكما على وفقه، ودل الشارع بأي دليل على إلغاء اعتباره، مثل تساوي الابن والبنت في القرابة لتساويها في الإرث.
ومثل إلزام المفطر عمدا في رمضان بعقوبة خاصة لردعه.
وهذا لا يصح بناء تشريع عليه، وسيأتي بحثه مفصلا.
مسالك العلة:
المراد بمسالك العلة: الطرق التي يتوصل بها إلى معرفتها، وأشهر هذه المسالك ثلاثة:
أولا- النص:
إذا دل نص في القرآن أو السنة على أن علة الحكم هي هذا الوصف كان هذا الوصف علة بالنص، ويسمى العلة المنصوص عليها وكان القياس بناء عليه هو الحقيقة تطبيق للنص، ودلالة النص على أن الوصف علة قد تكون صراحة وقد تكون إيماء أي إشارة وتلويحا لا تصريحا.
فالدلالة صراحة هي: دلالة لفظ في النص على العلية بوضعه اللغوي مثل ما إذا ورد في النص لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لأجل كذا، وإذا كان اللفظ الدال على العلية في النص، لا يحتمل غير الدلالة على العلية، فدلالة النص على علية الوصف صريحة قطعية كقوله تعالى في تعليله بعثة الرسل:{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، وقوله في إيجاب أخذ خمس الفيء للفقراء والمساكين {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} .
وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما نهيتكم عن إدخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة فكلوا وادخروا"، وإذا كان اللفظ الدال على العلية في النص يحتمل الدلالة على غير العلية، فدلالة النص على علية الوصف صريحة ظنية، مثل قوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ، وقوله:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} ، وقوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} وقول الرسول في طهارة سؤر الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، وإنما كانت دلالة النص على العلية ظنية في هذه الأمثلة؛ لأن الألفاظ الدالة عليها فيها -وهي اللام، والباء، والفاء، وإن- كما تستعمل في التعليل تستعمل في غيره، وإن كان التعليل هو الظاهر من معانيها في هذه النصوص.
وأما دلالة النص على العلية إيماء أي إشارة وتنبيها؛ فهي مثل الدلالة المستفادة من ترتيب الحكم من الوصف واقترانه به، بحيث يتبادر من هذا الاقتران فهم علية الوصف للحكم وإلا لم يكن للاقتران وجه، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا
"يقضي القاضي وهو غضبان"، وقوله:"لا يرث القاتل"، وقوله:"للراجل سهم وللفارس سهمان"، وقوله للأعرابي لما قال له:"واقعت أهلي في نهار رمضان عمدا"، "كفِّر" وكون الدلالة صراحة أو إيماء، قطعية أو ظنية، مدارها على وضع اللغة وسياق النص.
ثانيا- الإجماع:
إذا اتفق المجتهدون في عصر من العصور على علية وصف حكم شرعي ثبتت علية هذا الوصف للحكم بالإجماع، ومثال هذا إجماعهم على أن علة الولاية المالية على الصغيرة الصغر، وفي عد هذا مسلكا نظر؛ لأن نفاة القياس لا يقيسون ولا يعللون فكيف ينعقد بدون إجماع؟.
ثالثا- السبر والتقسيم:
السبر: معناه الاختبار، ومنه المسبار، والتقسيم هو حصر الأوصاف الصالحة لأن تكون علة في الأصل، وترديد العلة بينها بأن يقال: العلة إما هذا الوصف أو هذا الوصف فإذا ورد نص بحكم شرعي في واقعة ولم يدل نص ولا إجماع على علة هذا الحكم، سلك المجتهد للتوصل إلى معرفة علة هذا الحكم مسلك السبر والتقسيم، بأن يحصر الأوصاف التي توجد في واقعة الحكم، وتصلح لأن تكون العلة وصفًا منها، ويختبرها وصفًا وصفًا على ضوء الشروط الواجب توافرها في العلة، وأنواع الاعتبار الذي تعتبر به، بواسطة هذا الاختبار يستبعد الأوصاف التي لا تصلح أن تكون علة، ويستبقي ما يصلح أن يكون علة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصل إلى الحم بأن هذا الوصف علة، مثلا: ورد النصل بتحريم ربا الفضل والنسيئة في مبادلة الشعير بالشعير، ولم يدل نص ولا إجماع على علة هذا الحكم فالمجتهد يسلك لمعرفة علة هذا الحكم مسلك السبر التقسيم بأن يقول: علة هذا الحكم إما كون الشعير مما يضبط قدره؛ لأنه يضبط بالكيل، وإما كونه طعاما، وإما كونه مما يقتات به ويدخر؛ لكن كونه طعاما لا يصلح علة؛ لأن التحريم ثابت في الذهب بالذهب وليس الذهب طعاما، وكونه قوتا لا يصلح أيضا؛ لأن التحريم ثابت في الملح بالملح، وليس قوتا، فيتعين أن تكو العلة كونه مقدرًا، وبناء على هذا يقاس على ما ورد في النص كل المقدرات بالكيل أو الوزن، ففي مبادلتها بجنسها يحرم ربا الفضل والنسيئة، وكذا ورد النص بتزويج الأب بنته البكر
الصغيرة، ولم يدل نص ولا إجماع على علة ثبوت هذه الولاية فالمجتهد يردد العلية بين كونها بكرا وكونها صغيرة، ويستبعد البكارة؛ لأن الشارع ما اعتبرها للتعليل بنوع من أنواع الاعتبار، ويستبقي الصغر؛ لأن الشارع اعتبره علة للولاية على المال، وهي والولاية على التزويج من جنس واحد، فيحكم بأن العلة الصغر ويقيس على البكر الصغيرة الثيب الصغيرة بجامع الصغر، وكذا ورد النص بتحريم شرب الخمر ولم يدل نص على علة الحكم، فالمجتهد يردد العلية بين كونه من العنب أو كونه سائلًا أو كونه مسكرا، ويستبعد الوصف الأول؛ لأنه قاصر والثاني؛ لأنه طردي غير مناسب ويستبقى الثالث فيحكم بأنه علة.
وخلاصة هذا المسلك؛ أن المجتهد عليه أن يبحث في الأوصاف الموجودة في الأصل، ويستبعد ما لا يصلح أن يكون علة منها، ويستبقى ما هو علة حسب رجحان ظنه، وهاديه في الاستبعاد والاستبقاء تحقق شروط العلة، بحيث لا يستبقى إلا وصفا ظاهرا منضبطا متعديا مناسبا معتبرا بنوع من أنواع الاعتبار، وفي هذا تتافوت عقول المجتهدين؛ لأن منهم من يرى المناسب هذا الوصف، ومنهم من يرى المناسب وصفًا آخر، فالحنفية رأوا المناسب في تعليل التحريم في الأموال الربوية القدر مع اتحاد الجنس، والشافعية رأوه الطعم مع اتحاد الجنس، والمالكية رأوه القوت والادخار مع اتحاد الجنس، والحنفية رأوا المناسب في تعليل ثبوت الولاية على البكر الصغيرة الصغر، والشافعية رأوه البكارة.
وبعض علماء الأصول عد من مسالك العلة تنقيح المناط، والمراد بتنقيح المناط، هو تهذيب ما نيط به الحكم وبني عليه وهو علته، والحق أن تنقيح المناط إنما يكون حيث دال النص على العلية من غير تعين وصف بعينه علة، فهو ليس مسلكا للتوصل به إلى تعليل الحكم؛ لأن تعليل الحكم مستفاد من النص، وإنما هو مسلك لتهذيب وتخليص علة الحكم مما اقترن بها من الأوصاف التي لا مدخل لها في العلية، ومثال هذا ما ورد في السنة أن أعرابيا جاء إلى رسول الله وقال له: هلكت، فقال له الرسول:"ما صنعت"؟ فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان عمدًا، فقال له الرسول:"كفر............... " الحديث. فهذا النص دل بالإيماء على أن علة إيجاب التكفير على الأعرابي ما وقع منه ولكن هذا الذي وقع منه فيه ما لا مدخل له في العلية لإيجاب التكفير مثل كونه أعرابيا، وكونه واقع خصوص زوجته، وكونه واقع في نهار رمضان من تلك السنة بعينها.
فالمجتهد يستبعد هذه الأوصاف؛ لأنها لا مدخل لها في العلية، ويستخلص علة الوقاع عمدًا في نهار رمضان، وعلى هذا تجب الكفارة على من أفطر عامدا في نهار رمضان بالجماع خاصة، وهذا مذهب الشافعي، وأما الحنفية فقالوا: إن مثل الجماع كل مفطر، وهذه المماثلة تفهم بالتبادر فتجب الكفارة على كل من أفطر عمدا في نهار رمضان بجماع، أو بأكل أو بشرب أو غيرها، فيكون المناط لإيجاب الكفارة عندهم بعد تهذيبه المفسد للصوم عمدًا، فتهذيب العلة مما اقترن بها ومما لا مدخل له في العلية هو تنقيح المناط.
ومن هذا يتبين أن تنقيح المناط غير السبر والتقسيم؛ لأن تنقيح المناط يكون حيث دل نص على مناط الحكم، ولكنه غير مهذب ولا خالص من اقتران ما لا مدخل له في العلية به، وأما السبر والتقسيم فيكونان حيث لا يوجد نص أصلا على مناط الحكم، ويراد التوصل بهما إلى معرفة العلة لا إلى تهذيبها من غيرها، وأما النظر في استخراج العلة غير المنصوص عليها، ولا المجمع عليها بواسطة السبر والتقسيم، أو بأي مسلك من مسالك العلة فيسمى تخريج المناط، فهو استنباط علة لحكم شرعي ورد به النص، ولم يرد نص بعلته ولم نعقد إجماع على علته، وأما تحقيق المناط فهو النظر في تحقيق العلة التي ثبتت بالنص، أو بالإجماع أو بأي مسلك في جزئية أو واقعة غير التي ورد فيها النص، كما إذا ورد النص بأن علة اعتزال النساء في المحيض هي الأذى فينظر في تحقيق الأذى في النفاس.
وكما إذا ثبت أن علة تحريم شرب الخمر الإسكار فينظر في تحقيق الإسكار في نبيذ آخر.