الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1-
عهد الرسول:
هذا العهد كانت سنواته قليلة؛ لأنها لم تزد عن "22" سنة وبضعة أشهر، ولكن كانت آثاره جليلة؛ لأنه خلف نصوص الأحكام في القرآن والسنة، وخلف عدة أصول تشريعية كلية، وأرشد إلى عدة مصادر ودلائل يتعرف بها حكم ما لا نص على حكمه، وبهذا خلف أسس التشريع الكامل.
وقد كان هذا العهد فترتين متمايزتين:
الفترة الأولى: مدة وجود الرسول بمكة: وهي "12" سنة وبضعة أشهر من بعثته إلى حين هجرته، في هذه الفترة كان المسلمون أفرادا قلائل مستضعفين لم تتكون منهم أمة ولم تكن لهم شئون دولة، وكان هم الرسول فيها موجها إلى بث الدعوة إلى توحيد الله وتحويل وجوه الناس عن الأوثان، والأصنام واتقاء أذى الذين وقفوا في سبيل دعوته وأمعنوا في كيده وكيد من آمن به، لم يوجد في هذه الفترة مجال، ولا داع إلى التشريع العملي وسن القوانين المدنية والتجارية ونحوها، ولهذا لم توجد في السور المكية بالقرآن مثل: يونس، والرعد، والفرقان، ويس، والحديد آية من آيات الأحكام العملية، وأكثر آياتها خاص بالعقيدة، والخلق والعبر من سير الماضين.
والفترة الثانية: مدة وجود الرسول بالمدينة، وهي عشر سنوات بالتقريب من تاريخ هجرته إلى تاريخ وفاته، في هذه الفترة عز الإسلام وكثر عدد المسلمين وتكونت منهم أمة وصارت لهم شئون دولة، وذللت العقبات في سبيل الدعوة، ودعت الحاجة إلى التشريع وسن القوانين لتنظيم علاقة أفراد الأمة الناشئة بعضهم ببعض، وتنظيم علاقاتهم بغيرهم في حالتي السلم والحرب، ولهذا شرعت بالمدينة أحكام الزواج والطلاق، والإرث والمداينة والحدود، وغيرها، والسور المدنية بالقرآن مثل: البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة، والأنفال، والتوبة، والنور، والأحزاب هي التي اشتلمت على آية الأحكام مع ما اشتملت عليه من آيات العقائد والأخلاق والقصص.
من تولى السلطة التشريعية في هذا العهد؟
كانت السلطة التشريعية في هذا العهد لرسول الله وحده، وما كان لأحد غيره من المسلمين أن يستقل بتشريع حكم في واقعة لنفسه أو لغيره؛ لأنه مع وجود
الرسول بينهم وتيسر رجوعهم إليه فيما يعرض لهم، لم يسوغ واحد منهم لنفسه أن يفتي باجتهاده في حادثه، أو يقضي باجتهاده في خصومة، بل كانوا إذا عرضت الحادثة أو شجر الخلاف أو خطر السؤال أو الاستفتاء رجعوا إلى الرسول هو يفتيهم ويفصل في خصوماتهم، ويجيب عن أسئلتهم تارة بآية أو آيات قرانية يوحي إليه بها ربه، وتارة باجتهاده الذي يعتمد فيه على إلهام الله له، أو على ما يهديه إليه عقلة وبحثه وتقديره، وكل ما صدر عنه من هذه الأحكام هو تشريع للمسلمين، وقانون واجب عليهم أن يتبعوه سواء أكانت من وحي الله أم من اجتهاده نفسه.
وقد ورد أن بعض الصحابة اجتهد في عهد الرسول، وقضى باجتهاده في بعض الخصومات، أو استنبط باجتهاده حكمًا في بعض الوقائع مثل: علي بن أبي طالب، الذي بعثه الرسول إلى اليمن قاضيًا وقال له:"إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، ومثل معاذ بن جبل الذي بعثه الرسول إلى اليمن وقال له:"بم تقضي إذا عرض لك قضاء ولم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ما تقضي به"؟ فقال معاذ: أجتهد رأيي. فقال الرسول: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لم يرضي الله ورسوله".
ومثل حذيفة بن اليمان الذي أرسله الرسول للقضاء بين جارين اختصما في جدار بينهما، وادعى كل منهما أنه له، وعمرو بن العاص الذي قال له الرسول يوما:"احكم في هذه القضية"، فقال عمرو: أجتهد وأنت حاضر، قال:"نعم إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر"، والصحابيين اللذين خرجا في سفر وحضرتهما الصلاة، ولم يجدا ماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأما أحدهما فأداه اجتهاده إلى أن يتوضأ، ويعيد الصلاة وأما الثاني فأداه اجتهاده إلى أن صلاته الأولى أجزأته، ولا إعادة عليه ولم يعدها.
ولكن هذه الجزئيات وأمثالها لا تدل على أن أحدًا غير الرسول كانت له سلطة التشريع في عهد الرسول؛ لأن هذه الجزئيات منها ما صدر في حالات خاصة تعذر فيها الرجوع إلى الرسول لبعد المسافة أو خوف فوات الفرصة، ومنها ما كان القضاء أو الإفتاء فيه تطبيقًا لا تشريعًا وكل ما صدر فيها من أي صحابي عن اجتهاده في أي قضاء أو أية واقعة لم يكن تشريعا للمسلمين، وقانونًا ملزمًا لهم
إلا بإقرار الرسول، فالرسول في حياته كانت في يده وحدة السلطة التشريعية، وما صدر عن غيره لم يكن تشريعا إلا بإقراره، ولهذا لم يوجد في عهد الرسول رأيان في واقعة ولم يعرف أحد من الصحابة في عهده بالفتيا أو الاجتهاد.
مصادر للتشريع في هذا العهد:
كان للتشريع في عهد الرسول مصدران: الوحي الإلهي، واجتهاد الرسول نفسه، فإذا طرأ ما يقتضي تشريعا من خصومة أو واقعة أو سؤال أو استفتاء أوحى الله إلى رسوله بآية أو آيات فيها حكم ما أري معرفة حكمه، وبلغ الرسول المسلمين ما أوحي إليه وكان قانونا واجبا اتباعه، وإذا طرأ ما يقتضي تشريعا، ولم يوح الله إلى الرسول بآيات تبين الحكم اجتهد الرسول في تعرفه الحكم، وما أداه إليه اجتهاده قضى به أو أفتى أو أجاب عن السؤال أو الاستفتاء، وكان ما صدر عن اجتهاده قانونا واجبا اتباعه مع قانون الوحي الإلهي، ومن تتبع آيات الأحكام التي وردت في القرآن، وما رواه المفسرون من سبب نزول كل آية منها يتبين أن كل حكم قرآني إنما شرع لحادث اقتضى تشريعه، ويتجلى ذلك في مثل قوله سبحانه:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} وقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} ، وفي مثل الخصومة التي وقعت في بعض التركات ومن أجلها شرعت أحكام الإرث، والحيرة التي أصابت بعض الأزواج لما شرع حد القذف، ومن أجلها شرع حكم اللعان بين الزوجين وفي غير ذلك من أسباب النزول.
ومن تتبع أحاديث الأحكام وما رواه المحدثون من أسباب ورودها يتبين أيضا أن كل حكم للرسول باجتهاده كان قضاء في خصومة أي فتوى في واقعة أو جوابا عن سؤال، مثل ما روي أن بعض الصحابة قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر، وليس معنا من الماء العذب ما يكفي للوضوء أفنتوضأ بماء البحر؟ قال الرسول:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته". وغير ذلك من وقائع الأحاديث.
فكل ما شرع من الأحكام في عهد الرسول كان مصدره الوحي الإلهي أو الاجتهاد النبوي، وكان صدوره بناء على طروء حاجة تشريعية اقتضته.
وكانت وظيفة الرسول بالنسبة لما شرع بالمصدر الأول تبليغه، وتبيينه تنفيذًا لقول الله سبحانه:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ولقوله عز شأنه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وكان ما صدر
عن المصدر الثاني وهو الاجتهاد النبوي تارة تعبيرًا عن إلهام إلهي، أي أن الرسول إذا أخذ في الإجهاد ألهمه الله حكم ما أراد معرفة حكمه، وتارة استنباطًا واستمدادا للحكم بما تهدي إليه المصلحة وروح التشريع، والأحكام الاجتهادية التي يلهم الله بها الرسول هي أحكام إلهية ليس للرسول فيها إلا التعبير عنها بقوله أو فعله، والأحكام الاجتهادية التي لم يلهم الله بها الرسول بل صدرت عن بحثه، ونظره هي أحكام نبوية بمعانيها وعباراتها، وهذه لا يقره الله عليها إلا إذا كانت صوابا، وأما إذا لم يوفق الرسول فيها إلى الصواب فإن الله يرده إلى الصواب، ومثال ذلك حادث افتداء أسرى بدر، فإن المسلمين في غزوة بدر وقع في أيديهم سبعون أسيرًا من المشركين، ولم يكن قد شرع حكم الأسرى فاجتهد الرسول فيما يفعل بهم واستشار بعض الصحابة، فأشار أبو بكر بأخذ الفدية ممن يفتدي منهم وبين وجهة نظره بقوله للرسول:"قومك وأهلك، استبقهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي أصحابك". وأشار عمر بأن لا يقبل منهم فدية وأن يقتلوا. وبين وجهة نظره بقوله للرسول: "كذبوك وأخرجوك، فقدمهم واضرب أعناقهم هؤلاء أئمة الكفر والله أغناك عن الفداء". وقد أدى اجتهاد الرسول إلى قبول الفداء فبين الله له الصواب بقوله سبحانه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} ومثاله أيضا حادث إذن الرسول لمن اعتذروا وتخلفوا عن عزوة تبوك، فإن الله سبحانه بين له الصواب بقوله:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} .
فمن هذا ينتج أن التشريع في عهد الرسول كان إلهيًّا كله؛ لأن مصدره إما وحي الله في القرآن، وإما اجتهاد الرسول الذي هو تعبير عن إلهام إلهي، وإما اجتهاد الرسول ببحثه ونظره ولكنه ملحوظ برعاية الله له، فإن جاء صوابا أقره الله عليه، وإن جاء غير صواب رد الله رسوله إلى الصواب فيه.
ولا سبيل إلى التمييز بين حكم اجتهادي نبوي لم يصدر عن إلهام إلهي، وحكم اجتهادي نبوي صدر عن إلهام إلهي إلا أن ما رد الله رسوله فيه إلى الصواب يعلم أنه ما كان عن إلهام، وما بين الرسول به مجملا في القرآن يعلم أنه من الله بينه.
الخطة التشريعية في هذا العهد:
المراد من الخطة التشريعية الطريق التي يتبعها رجال التشريع في الرجوع إلى مصادر التشريع والمبادئ العامة التي يراعونها فيه، ولما كان هذا العهد هو عهد التكوين؛ ووضع الأسس التشريعية كانت الخطة التشريعية فيه هي الخطة الأساسية للتشريع الإسلامي.
فأما الطريق التي اتبعها الرسول في الرجوع إلى مصادر التشريع، فهي أنه كان إذا طرأت حاجة إلى تشريع ينتظر وحي الله بآية أو آيات فيها حكمه، فإن لم يوح إليه علم أن الله وكل التشريع في هذه الواقعة إلى اجتهاده، فاجتهد مهتديًا في اجتهاده بالقانون الإلهي، وروح التشريع وتقديره المصلحة ومشورة أصحابه.
وأما المبادئ العامة التي بنى عليها التشريع الإسلامي في عهد تكوينه فأظهرها أربعة:
الأول: التدرج في التشريع، وهذا التدرج كان في زمن التشريع وكان في أنواع الأحكام التي شرعت، فالتدرج الزمني ظاهر من أن الأحكام التي شرعها الله ورسوله لم تشرع دفعة واحدة في قانون واحد، وإنما شرعت متفرقة في مدى اثنتين وعشرين سنة، وبضعة أشهر حسب ما اقتضاها من الأقضية والحوادث وكان لكل حكم تاريخ لصدوره وسبب خاص لتشريعه، والحكمة في هذا التدرج الزمني أنه ييسر معرفة القانون بالتدرج مادة فمادة، وييسر فهم أحكامه على أكمل وجه بالوقوف على الحادثة، والظروف التي اقتضت تشريعها.
والتدرج في أنواع ما شرع من الأحكام ظاهر من أن المسلمين لم يكلفوا في أول عهدهم بالإسلام بما يشق عليهم فعله، أو ما يشق عليهم تركه بل سلك بهم سبيل التدرج، وأخذوا بالرفق حتى تكون استعدادهم واستأهلوا للتكليف.
ففي أول أمرهم لم تفرض عليهم الصلاة خمس فرائض في اليوم والليلة ركعات محددة في كل فريضة، بل طلبت منهم صلاة مطلقة بالغداة والعشي، ولم تفرض عليهم الزكاة والصيام إلا بعد الهجرة بسنة، وكان التكليف قبل ذلك بما استطاعوا من صدقة وصوم ولم يحرم عليهم الخمر والميسر، وكثير من عقود الزواج والربا والمعاملات التي كانوا يتعاملون بها في جاهليتهم إلا بالمدينة، والحكمة في
هذا التدرج في أنواع الأحكام أنه: هو العلاج لإصلاح النفوس الجامحة، والوسيلة لتقبل التكاليف وامتثالها من غير ضجر ولا عنت، وهو من الحكمة في الدعوة.
والثاني: التقليل من التقنين، وهذا يتجلى في أن الأحكام التي شرعها الله ورسوله لم تشرع إلا على قدر الحاجات التي دعت إليها والأقضية، والحوادث الي اقتضتها ولم تشرع منها أحكام لحل مسائل فرضية أو للفصل في خصومات محتملة. ويتجلى أيضا مما ورد في القرآن والسنة من النهي عن الإكثار من الأسئلة التي تقتضي تشريعا فقد قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} ، ونهى رسول الله عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وقال:"أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته"، وقال:"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".
والحكمة في هذا التشريع إنما هو دفع حاجات الناس، وتحقيق مصالحهم فينبغي أن يقتصر في كل عصر على تشريع ما اقتضته حاجاته، ومصالحه حتى لا يجد اللاحقون من تشريع السابقين عقبات تحول دون تشريع ما يدفع حاجتهم ويحقق مصالحهم.
ومن المبادئ المقررة في الشريعة الإسلامية أن الأصل في الأشياء الإباحة فكل حيوان، أو جماد أو عقد أو تصرف لم يشرع له حكم بأي دليل شرعي، فحكمه الإباحة وعلى هذا لا حرج من تقليل التقنين؛ لأن كل ما لا قانون فيه فهو على الإباحة الأصلية.
والثالث: التيسير والتخفيف وهذا أجلى ظاهرة في التشريع الإسلامي، ففي كثير من الأحكام تصريح بأن الحكمة في تشريعها التيسير والتخفيف قال تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال عز شأنه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} ، وقال:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وورد في صحيح السنة: أن الرسول ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وأنه قال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وفي كل الحالات الخاصة التي يكون فيها حكم العزيمة شاقًّا شرعت الرخصة، فأبيحت
المحظورات عند الضرورات، وأبيح ترك الفرض والواجب إذا كان في أداء أحدهما حرج، واعتبر الإكراه، والمرض، والسفر، والخطأ، والنسيان، والجهل من الأعذار التي تقتضي التخفيف.
والرابع: مسايرة التشريع مصالح الناس: وبرهان هذا أن الشارع علل كثيرا من أحكامه بمصالح الناس، ودل بشواهد عدة على أن المقصود من تشريع الأحكام تحقيق مصالح الناس، وقرر أن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، ولهذا شرع الله بعض الأحكام ثم أبطلها ونسخها لما اقتضت المصلحة تعديلها، فقد فرض الاتجاه في الصلاة إلى بيت القدس، ثم نسخه، وفرض الاتجاه في الصلاة إلى الكعبة، وفرض عدة المتوفى عنها زوجها حولًا، ثم نسخها، وفرضها أربعة أشهر وعشرة أيام. والرسول نهى عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الوفود التي كانت بالمدينة أيام العيد، وأباح ادخارها لما رحلت تلك الوفود، ونهى عن زيارة القبور ثم أباحها، فهذا النسخ، والتبديل والتعديل في وقت التشريع برهان على أن التشريع الإسلامي ساير مصالح الناس، ولهذه المسايرة نفسها راعى الشارع عرف الناس وقت التشريع ما دام لا يهدم أصلا من أصول الدين، فراعى الكفاءة في الزواج وراعى العصبية في الإرث والولاية، وفرض الدية على العاقلة؛ لأن من مصالح الناس أن تراعى عاداتهم وما جرى به عرفهم ما دام لا يعارض أصلا دينيا ولا يجلب ضررا.
ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية:
المصدر التشريعي الأول وهو الوحي الإلهي صدرت عنه آيات الأحكام في القرآن، والمصدر التشريعي الثاني وهو اجتهاد الرسول صدرت عنه أحاديث الأحكام، ومجموعة نصوص هذه الآيات والأحاديث هي ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية، وهي القانون الأساسي للمسلمين، وهي أساس التشريع ومرجع كل مجتهد إسلامي في أي عصر من العصور، فإذا وقعت واقعة ودل على حكمها نص قاطع من نصوص هذه المجموعة، فلا مجال فيها لاجتهاد أي مجتهد في أي عصر، وإذا لم يدل على حكمها نص قاطع من نصوصها كانت مجالا للاجتهاد، ولكن على أن يسير المجتهد في اجتهاده على ضوء هذه المجموعة بأن يقيس على ما ورد فيها، أو يهتدي بروحها ومعقولها ومبادئها العامة، وليس له أن يخالف باجتهاده نصا من نصوصها، أو يخرج عن مبدإ من مبادئها.
مقدار النصوص في هذه المجموعة:
مواد هذه المجموعة من النصوص ليست كثيرة، فعدد آيات الأحكام المتعلقة بالعبادات وما يلحق بها من الجهاد نحو 140 آية، وعدد الآيات المتعلقة بالمعاملات، والأحوال الشخصية والجنايات والقضاء والشهادة نحو 200 آية، وعدد أحاديث الأحكام في أنواعها المختلفة نحو 4500 حديث كما ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين، وأكثرها تبيين لما أجمل من أحكام القرآن، أو تقرير وتوكيد، وباقيها تشريع أحكام سكت عنها القرآن.
وآيات الأحكام في القرآن مفرقة في جملة سور، وليست الآيات الخاصة بفرع قانوني واحد مجموعة في سورة واحدة، فآيات العقوبات وهي نحو عشر آيات مفرقة في سورة البقرة، والمائدة، والنور، وآيات المجموعة المدنية وهي نحو سبعين آية مفرقة أيضا في جملة سور، وهكذا سائر آيات الأحكام.
وأما أحاديث الأحكام فقد جمعها رواة الأحاديث حسب أبواب الفقه، فأحاديث البيع مجموعة في باب البيع وأحاديث الرهن والشركة، والحدود وغيرها كذلك.
ومن اليسير أن تجمع في كل فرع قانوني آيات الأحكام الخاصة به، وأمهات أحاديث الأحكام الخاصة به، وبعض آثار الصحابة والتابعين التي فيها تفسير لنص من هذه النصوص، وتكون هذه المجموعة هي الأحكام الأساسية التي وردت في القرآن، والسنة خاصة بهذا الفرع من القوانين.
أسلوب النصوص في هذه المجموعة:
لم تلتزم آيات الأحكام وأحاديث الأحكام أسلوبا واحدًا في بيان ما شرع بها بل تنوعت أساليبها وتعددت صيغها في التعبير عن الأحكام، فالنصوص التي دلت على التحريم تارة عبرت بالنهي عما حرم، وتارة دلت على تحريمه بالوعيد على فعله وتارة صرحت بأنه لا يحل أو حرم، والنصوص التي دلت على الإيجاب تارة عبرت بالأمر بما وجب، وتارة دلت على إيجابه بالوعيد على تركه وتارة صرحت بأنه وجب أو فرض أو كتب، والسبب في تنوع هذه الأساليب أن النصوص كما قدمنا شرعت في أوقات مختلفة حسب الحوادث والمناسبات، ولكل مناسبة أسلوب
يناسبها، فقد تقتضي المناسبة الدلالة على تحريم الشيء بالوعيد على فعله، وقد تقتضي التصريح بتحريمه، فالمناسبة التي اقتضت تشريع الحكم الخاص اقتضت أسلوبًا خاصًّا في بيانه.
وسبب آخر لتنوع هذه الأساليب: أن القرآن لم يقصد منه بيان ما تضمنه من عقائد وأخلاق وتشريع فحسب، وإنما قصد منه مع هذا إعجاز الناس عن أن يأتوا بمثله ليكون برهانًا على صدق الرسول، ومن وجوه الإعجاز تنوع أساليب البيان.
وكما تنوعت أساليب النصوص من ناحية صيغها وعباراتها، تنوعت من ناحية أخرى وهي أن بعض النصوص تتبع بيان الحكم ببيان علته وحكمة تشريعه، وبعضها تقرر الحكم مجردا عن بيان علته، والحكمة في هذا أن الشارع ببيانه علة التشريع، وحكمته في بعض الأحكام يلفت العقول إلى أن الأحكام التشريعية ليست تعبدية وإنما هي معللة بمصالح الناس، ويفتح باب الاجتهاد في تشريع كل ما يحقق مصلحة أو يدفع مفسدة.
أنواع الأحكام التي اشتملت عليها هذه النصوص:
الأحكام على وجه عام تنقسم ثلاثة أقسام، القسم الأول: أحكام اعتقادية تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقسم الثاني: أحكام خلقية تتعلق بالفضائل التي يجب على الإنسان أن يتحلى بها، والرذائل التي يجب على الإنسان أن يتخلى عنها، والقسم الثالث: أحكام عملية تتعلق بأعمال المكلفين من عبادات ومعاملات، وجنايات، وخصومات، وعقود وتصرفات.
فأما النوع الأول فهو: أساس الدين، أما النوع الثاني: فهو مكمل هذا الأساس ومتممه وقد أفاض القرآن، وأسهبت السنة في بيانهما وإقامة براهينهما.
وقد ابتدأ أمر الإسلام بهما فكان المسلمون في مكة لا يخاطبون إلا بعقائد وأخلاق؛ لأن تكوين العقيدة وتقويم الخلق هما الأساس الذي يبنى عليها كل تشريع وتقنين.
وأما النوع الثالث وهو الأحكام العملية، فهذا هو الفقه وهو المراد من الأحكام عند الإطلاق، ومن تتبع فقه القرآن والسنة وجد أن كل فرع من فروع القوانين له في القرآن مواد تخصه وتبين أحكامه.
ففي العبادات بأنواعها نحو "140" آية.
وفي الأحوال الشخصية من زواج وطلاق، وإرث ووصية وحجر وغيرهما نحو سبعين آية.
وفي المجموعة المدنية من بيع، وإجارة، ورهن، وشركة، وتجارة، ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.
وفي المجموعة الجنائية من عقوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.
وفي القضاء والشهادة وما يتعلق بها نحو عشرين آية.
وفي كل باب من هذه الأبواب كثير من الأحاديث بعضها يبين حكما أجمله القرآن، وبعضها يشرح حكما سكت عنه، وقد كملت عنه هذه الأحكام الجزئية، بعدة أصول تشريعية كلية، وبهذا خلف عهد الرسول تشريعا كاملا وافيا بحاجة المسلمين في كل بيئة.