الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الأول: في الأدلة الشرعية
مدخل
…
القسم الأول: في الأدلة الشرعية
تعريف الدليل:
الدليل معناه في اللغة العربية: الهادي إلى أي شيء حسي أو معنوية، خير أو شر -وأما معناه في اصطلاح الأصوليين فهو: ما يستدل بالنظر الصحيح فيه على حكم شرعي عملي على سبيل القطع أو الظن. وأدلة الأحكام، وأصول الأحكام، والمصادر التشريعية للأحكام، ألفاظ مترادفة معناها واحد.
وبعض الأصوليين عرف الدليل بأنه: ما يستفاد منه حكم شرعي عملي على سبيل القطع. وأما ما يستفاد منه حكم شرعي على سبيل الظن، فهو أمارة لا دليل. ولكن المشهور في اصطلاح الأصوليين أن الدليل هو ما يستفاد منه حكم شرعي عملي مطلقا، أي سواء أكان على سبيل القطع أم على سبيل الظن. ولهذا قسموا الدليل إلى قطعي الدلالة، وإلى ظني الدلالة.
الأدلة الشرعية بالإجمال:
ثبت بالاستقراء1 أن الأدلة الشرعية التي تستفاد منها الأحكام العملية ترجع إلى أربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذه الأدلة الأربعة اتفق جمهور المسلمين على الاستدلال بها، واتفقوا أيضا على أنها مرتبة في الاستدلال بهذا الترتيب: القرآن، فالسنة، فالإجماع، فالقياس. أي إنه إذا عرضت واقعة، نظر أولا في القرآن، فإن وجد فيه حكمها أمضى، وإن لم يوجد فيه حكمها، نظر في السنة، فإن وجد فيه حكمها أمضى، وإن لم يوجد فيها حكمها نظر هل أجمع المجتهدون في عصر من العصور على حكم فيها، فإن وجد أمضى، وإن لم يوجد فيها اجتهد في الوصول إلى حكمها بقياسها على ما ورد النص بحكمه.
أما البرهان على الاستدلال بها فهو قوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} .
1 الاستقراء: حصر الأدلة.
فالأمر بإطاعة الله ورسوله، أمر باتباع القرآن والسنة، والأمر بإطاعة أولي الأمر من المسلمين أمر باتباع ما اتفقت عليه كلمة المجتهدين من الأحكام؛ لأنهم أولو الأمر التشريعي من المسلمين، والأمر برد الوقائع المتنازع فيها إلى الله والرسول أمر باتباع القياس حيث لا نص ولا إجماع؛ لأن القياس فيه رد المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول؛ لأنه إلحاق واقعة لم يرد نص بحكمها بواقعة ورد النص بحكمها في الحكم الذي ورد به النص لتساوي الواقعتين في علة الحكم، فالآية تدل على اتباع هذه الأربعة.
وأما الدليل على ترتيبها في الاستدلال بها هذا الترتيب، فهو ما رواه البغوي "عن معاذ بن جبل أن رسول الله، لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء"؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد في كتاب الله"؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله"؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، "أي لا أقصر في اجتهادي". قال: فضرب رسول الله على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله". وما رواه البغوي عن ميمون بن مهران قال: "كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينه قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم عن رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه أن يجد سنة رسول الله جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به، وكذلك كان يفعل عمر"، وأقرهما على هذا كبار الصحابة ورءوس المسلمين، ولم يعرف بينهم مخالف في هذا الترتيب.
وتوجد أدلة أخرى عدا هذه الأدلة الأربعة لم يتفق جمهور المسلمين على الاستدلال بها، بل منهم من استدل بها على الحكم الشرعي، ومنهم من أنكر الاستدلال بها. وأشهر هذه الأدلة المختلفة في الاستدلال بها ستة: الاستحسان والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والعرف، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا. فجملة الأدلة الشرعية عشرة. أربعة متفق من جمهور المسلمين على الاستدلال بها -وستة مختلف في الاستدلال بها، وهذا تفصيل البحث فيها جميعها.