الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2-
الحكم:
1-
تعريف.
2-
أنواعه.
3-
أقسام كل نوع.
1-
تعريفه:
الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، طلبا أو تخييرا، أو وضعا.
فقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} هذا خطاب من الشارع متعلق بالإيفاء بالعقود طلبا لفعله. وقوله تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} هذا خطاب من الشارع متعلق بالسخرية طالب لتركها. وقوله سبحانه: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} هذا خطاب من الشارع متعلق بأخذ الزوج بدلًا من زوجته نظير تطليقها تخييرا فيه. وقول الرسول: "لا يرث القاتل" هذا خطاب من الشارع متعلق بالقتل وضعا له مانعا من الإرث.
فنفس النص الصادر من الشارع الدال على طلب أو تخيير أو وضع هو الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين. وهذا يوافق اصطلاح القضائيين الآن؛ فهم يريدون بالحكم نفس النص الذي يصدر من القاضي؛ ولهذا يقولون: منطوق الحكم كذا. ويقولون: أجلت القضية للنطق بالحكم.
وأما الحكم الشرعي في اصطلاح الفقهاء: فهو الأثر الذي يقتضيه خطاب الشارع في الفعل، كالوجوب والحرمة والإباحة.
فقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} يقتضي وجوب الإيفاء بالعقود. فالنص نفسه هو الحكم في اصطلاح الأصوليين، ووجوب الإيفاء هو الحكم في اصطلاح الفقهاء. وقوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} هو الحكم في اصطلاح الأصوليين، وحرمة قربان الزنا هو الحكم في اصطلاح الفقهاء.
ولا يتوهم متوهم منتعريف الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين، بأنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، بأن الحكم الشرعي خاص بالنصوص؛ لأنها
هي الخطاب من الشارع، وأنه لا يشمل الأدلة الشرعية الأخرى من إجماع أو قياس أو غيرهما؛ لأن سائر الأدلة الشرعية غير النصوص عند التحقيق إلى النصوص، فهي في الحقيقة خطاب من الشارع ولكنه غير مباشر، فكل دليل شرعي تعلق بفعل من أفعال المكلفين، طلبا أو تخييرا أو وضعا فهو حكم شرعي في اصطلاح الأصوليين.
2-
أنواعه:
من تعريف الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين يؤخذ أنه ليس نوعا واحدا؛ لأنه إما أن يتعلق بفعل المكلف على جهة الطلب، أو على وجه التخيير أو على وجه الوضع، وقد اصطلح علماء الأصول على تسمية الحكم المتعلق بفعل المكلف على جهة الطلب أو التخيير بالحكم التكليفي، وعلى تسمية الحكم المتعلق بفعل المكلف على جهة الوضع بالحكم الوضعي، ولهذا قرروا أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: حكم تكليفي، وحكم وضعي.
فالحكم التكليفي:
هو ما اقتضى طلب فعل من المكلف، أو كفه عن فعل، أو تخييره بين فعل والكف عنه.
فمثال ما اقتضى طلب فعل من المكلف قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} . وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} . وغير ذلك من النصوص التي تطلب من المكلف أفعالًا.
ومثال ما اقتضى طلب الكف عن فعل، قوله تعالى:{لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} ، وقوله:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} ، وقوله:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} ، وغير ذلك من النصوص التي تطلب من المكلف الكف عن أفعال.
ومثال ما اقتضى تخيير المكلف بين فعل والكف عنه، قوله تعالى:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ، وقوله:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} . وقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} . وغير ذلك من النصوص التي تقتضي تخيير المكلف بين فعل الشيء، والكف عنه. وإنما سمى هذا النوع الحكم التكليفي؛ لأنه يتضمن تكليف المكلف بفعل أو كف عن فعله أو
تخييره بين فعل والكف عنه، ووجه التسمية ظاهر فيما طلب به من المكلف فعله أو الكف عنه. وأما ما خير به المكلف بين فعل والكف عنه، فوجه تسميته تكليفيا غير ظاهر؛ لأنه لا تكليف فيه؛ ولهذا قالوا: إن إطلاق الحكم التكليفي عليه من باب التغليب.
وأما الحكم الوضعي: فهو ما اقتضى وضع شيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه.
فمثال ما اقتضى وضع شيء سببا لشيء، قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} اقتضى وضع إرادة إقامة الصلاة سببا في إيجاب الوضوء. وقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ، اقتضى وضع السرقة سببًا في إيجاب قطع يد السارق. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من قتل قتيلًا فله سلبه"، اقتضى وضع قتل القتيل سببًا في استحقاق سلبه، وغير ذلك من النصوص التي اقتضت وضع أسباب لمسببات. ومثال ما اقتضى وضع شيء شرطا لشيء، قوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} اقتضى أن استطاعة السبيل إلى البيت شرط لإيجاب حجة. وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بشاهدين"، اقتضى أن حضور الشاهدين شرط لصحة الزواج. وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا مهر أقل من عشرة دراهم". اقتضى أن الشرط تقدير المهر تقديرًا صحيحا شرعا أن لا يقل عن عشرة دراهم. وغير ذلك من النصوص التي دلت على اشتراط شروط لإيجاب الفعل. أو لصحة العقد أو لأي مشروط.
ومثال ما اقتضى جعل شيء مانعا من شيء، قوله صلى الله عليه وسلم:"ليس للقاتل ميراث"، اقتضى جعل قتل الوارث مورثه مانعا من إرثه.
وإنما سمي الحكم الوضعي؛ لأن مقتضاه وضع أسباب لمسببات، أو شروط لمشروطات، أو موانع من أحكام.
ويؤخذ مما تقدم أن الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي من وجهين:
أحدهما: أن الحكم التكليفي مقصود به طلب فعل من المكلف أو كفه عن فعل، أو تخييره بين فعل شيء والكف عنه. وأما الحكم الوضعي فليس مقصودا به تكليف أو تخيير، وإنما المقصود به بيان أن هذا الشيء سبب لهذا المسبب، أو أن هذا شرط لهذا المشروط. أو أن هذا مانع من هذا الحكم.
وثانيهما: أن ما طلب فعله أو الكف عنه، أو خير بين فعله وتركه بمقتضى الحكم التكليفي لا بد أن يكون مقدورا للمكلف، وفي استطاعته أن يفعله وأن يكف عنه؛ لأنه لا تكليف إلا بمقدور، ولا تخيير إلا بين مقدور ومقدور.
وأما ما وضع سببًا أو شرطًا أو مانعًا، فقد يكون أمرا في مقدور المكلف بحيث إذا باشره ترتب عليه أثره، وقد يكون أمرًا ليس في مقدور المكلف بحيث إلا وجد ترتب عليه أثره.
فمما جعل سببا وهو مقدور المكلف: صيغ العقود والتصرفات، وجميع الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات، بحيث إذا باشر المكلف عقدا أو تصرفا ترتب عليه حكمه، وإذا ارتكب جريمة استحق عقوبتها.
ومما جعل سببا هو مقدر للمكلف، القرابة سبب للإرث، والولاية والإرث سبب للملك، والضرورات سبب لإباحة المحظورات.
ومما جعل شرطا وهو مقدور للمكلف، إحضار شاهدين في عقد الزواج لصحة العقد، وإبلاغ القدر المسمى مهرا إلى عشرة دراهم لصحة تسمية المهر، وتعيين الثمن، والأجل في البيع لصحة العقد.
ومما جعل شرطا وهو غير مقدور للمكلف: بلوغ الحلم لانتهاء الولاية النفسية، وبلوغ الرشد لنفاذ عقود المفاوضات المالية. وكذلك المانع منه ما هو مقدور للمكلف كقتل الوارث مورثه، ومنه ما هو غير مقدور كون الموصى له وارثا.
وأحكام القوانين الوضعية كالأحكام الشرعية، في أن منها ما هو أحكام تكليفية تقتضي تكليف المكلف بفعل، أو تخييره بين فعل والكف عنه، ومنها ما هو أحكام وضعية تقتضي جعل شيء سببًا لشيء، أو شرطًا أو مانعًا.
ونظرة في مواد القانون المدني أو التجاري، أو قانون العقوبات أو الإجراءات الجنائية ترينا عدة أمثلة من النوعين. وهذه بعض أمثلة من القانون المدني في باب الإيجار:
المادة 586: "يجب على المستأجر أن يقوم بوفاء الأجرة في المواعيد المتفق عليها".
حكم تكيلفي اقتضى فعلا.
المادة 571: "على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة".
حكم تكليفي اقتضى كفا.
المادة 593: "للمستأجر حق التنازل عن الإيجار أو الإيجار من الباطن، وذلك عن كل ما استأجره، أو بعضه ما لم يقض الاتفاق بغير ذلك".
حكم تكليفي اقتضى تخييرًا.
ومن اليسير التمثيل لأنواع الحكم الوضعي؛ لأن أكثر النصوص القانونية الوضعية تقتضي وضع أسباب لمسببات، أو شروط لمشروطات، أو موانع من آثار.
أقسام الحكم التكليفي:
ينقسم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة. وذلك لأنه إذا اقتضى طلب فعل، فإن كان اقتضاؤه له على وجه التحتيم والإلزام فهو الإيجاب، وأثره الوجوب، والمطلوب فعله هو الواجب. وإن كان اقتضاؤه له ليس على وجه التحتيم والإلزام فهو الندب؛ والمطلوب فعله هو المندوب. وإذا اقتضى كفا عن فعل فإن كان اقتضاؤه على وجه التحتيم، والإلزام فهو التحريم وأثره الحرمة والمطلوب الكف عن فعله هو المحرم. وإن كان اقتضاؤه له ليس التحتيم والإلزام فهو الكراهة، والمطلوب الكلف عن فعله هو المكروه. وإذا اقتضى تخيير المكلف بين فعل شيء وتركه فهو الإباحة، والفعل الذي خير بين فعله وتركه هو المباح.
فالمطلوب فعله قسمان: الواجب، والمندوب. والمطلوب الكف عن فعله قسمان: المحرم والمكروه، والمخير بين فعله وتركه هو القسم الخامس وهو المباح. وسنفرد كل قسم من هذه الأقسام الخمسة ببيان.
1-
الواجب:
تعريفه:
الواجب شرعا هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا حتما بأن اقترن طلبه بما يدل على تحتيم فعله، كما إذا كانت صيغة الطلب نفسها تدل على التحتيم، أو دل على تحتيم فعله ترتيب العقوبة على تركه، أو أي قرينة شرعية أخرى.
فالصيام واجب؛ لأن الصيغة التي طلب بها دلت على تحتيمه، إذ قال سبحانه:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} . وإيتاء الزوجات مهورهن واجب، إذ قال سبحانه:{فَإذَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} . وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت، وبر الوالدين وغير ذلك من المأمورات التي وردت صيغة الأمر بها مطلقة، ودل على تحتيم فعلها ما ورد في عدة نصوص من استحقاق المكلف العقاب بتركها. فمتى طلب الشارع الفعل ودلت القرينة على أن طلبه على وجه التحتيم كان الفعل واجبا، سواء أكانت القرينة صيغة الطلب نفسها أم أمرًا خارجيًّا.
أقسامه:
ينقسم الواجب إلى أربعة تقسيمات باعتبارات مختلفة:
التقسيم الأول:
الواجب من جهة وقت أدائه؛ إما مؤقت وإما مطلق عن التوقيت. فالواجب المؤقت هو ما طلب الشارع فعله حتما في وقت معين كالصلوات الخمس؛ حدد لأداء كل صلاة منها وقتا معينا بحيث لا تجب قبله، ويأثم المكلف إن أخرها عنه بغير عذر، وكصوم رمضان لا يجب قبل الشهر ولا يؤدى بعده، وكذلك كل واجب عين الشارع وقتا لفعله.
والواجب المطلق عن التوقيت: هو ما طلب فعله حتما ولم يعين وقتا لأدائه، كالكفارة الواجبة على من حلف يمينا وحنث، فليس لفعل هذا وقت معين، فإن شاء الحانث كفر بعد الحنث مباشرة وإن شاء كفر بعد ذلك، وكالحج: واجب على من استطاع وليس لأداء هذا الواجب عام معين1.
والواجب المؤقت إذا فعله المكلف في وقته كاملا مستوفيا أركانه، وشرائطه سمي فعله أداء، وإذا فعله في وقته غير كامل، ثم أعاده في الوقت كاملا سمي فعله إعادة. وإذا فعل بعد وقته سمي فعله قضاء.
فمن صلى الظهر في وقته كاملا كانت صلاته أداء للواجب، ومن صلاه في وقته بالتيمم لعدم وجود الماء ثم وجد الماء في الوقت، فتوضأ وصلى الظهر ثانيا كانت صلاته إعادة، ومن صلاه بعد وقته كانت صلاته قضاء.
1 الحج إذا نظر إليه من جهة أنه واجب في العمر مرة وليس؛ لأدائه عام معين، فهو واجب مطلق. وإذا نظر إليه من جهة أنه إذا أدى لا يؤدي إلا في أشهر معلومات فهو واجب مؤقت.
والواجب المؤقت إذا كان وقته الذي وقته الشارع به يسعه وحده، ويسع غيره من جنسه سمي هذا الوقت موسعا وظرفا. وإن كان وقته الذي وقته الشارع يسعه، ولا يسع غيره من جنسه سمي هذا الوقت مضيقا ومعيارا. فالأول كوقت صلاة الظهر مثلا، فهو وقت موسع يسع أداء الظهر وأداء أي صلاة أخرى، وللمكلف أن يؤدي الظهر في أي جزء منه. والثاني كشهر رمضان فهو مضيق لا يسع إلا صوم رمضان.
وإذا كان وقته لا يسع غيره من جهة ويسعه من جهة أخرى سمي الوقت ذا الشبهين كالحج، لا يسع وقته وهو أشهر الحج غيره من جهة أن المكلف لا يؤدي في العام إلا حجا واحدا، ويسع غيره من جهة أن مناسك الحج لا تستغرق كل أشهره.
ومما يتفرع على تقسيم الواجب المؤقت إلى واجب موسع وقته، وواجب وقته ذو شبهين: أن الواجب الموسع وقته يجب على المكلف أن يعينه بالنية حين أدائه في وقته؛ لأنه إذا لم ينوه بالتعين لا يتعين أنه أدى الواجب المعين إذ الوقت يسعه وغيره، فإذا صلى في وقت الظهر أربع ركعات فإن نوى بها أداء واجب الظهر كان أداء له، وإذا لم ينو بها أداء واجب الظهر لم تكن صلاته أداء له، ولو نوى التطوع كانت صلاته تطوعا.
وأما الواجب المضيق وقته فلا يجب على المكلف أن يعينه بالنية حين أدائه في وقته؛ لأن الوقت معيار له لا يسع غيره من جنسه فبمجرد النية ينصرف ما نواه إلى الواجب، فإذا نوى في شهر رمضان الصيام مطلقا، ولم يعين بالنية الصيام المفروض انصرف صيامه إلى الصيام المفروض، ولو نوى التطوع لم يكن صومه تطوعا بل كان المفروض؛ لأن الشهر لا يسع صوما غيره. وأما الواجب المؤقت بوقت ذي شبهين، فإذا أطلق المكلف النية نصرفت إلى الواجب؛ لأن الظاهر من حال المكلف أنه يبدأ بما يجب عليه قبل أن يتطوع، فهو في هذا كالمضيق، وإذا نوى التطوع كان تطوعا؛ لأنه صرح بنية ما يسعه الوقت، وبما يخالف الظاهر من حاله وهو في هذا كالموسع.
ومما يتفرع على تقسيم الواجب إلى مؤقت ومطلق عن التوقيت، أن الواجب المعين وقته، يأثم المكلف بتأخيره عن وقته بغير عذر؛ لأن الواجب المؤقت هو واجبان: فعل الواجب وفعله في وقته، فمن فعل الواجب بعد وقته، فقد فعل أحد
الواجبين وهو الفعل المطلوب؛ وترك الواجب الآخر وهو فعله في وقته، فيأثم بترك هذا الواجب بغير عذر.
وأم الواجب المطلق عن التوقيت فليس له وقت معين لفعله، وللمكلف أن يفعله في أي وقت شاء، ولا إثم عليه في أي وقت.
التقسيم الثاني:
ينقسم الواجب من جهة المطالب بأدائه إلى واجب عيني وواجب كفائي.
فالواجب العيني:
هو ما طلب الشارع فعله من فرد من كل أفراد المكلفين، ولا يجزئ قيام مكلف به عن آخر كالصلاة والزكاة والحج والوفاء بالعقود واجتناب الخمر والميسر.
والواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أدى الواجب وسقط الإثم والحرج عن الباقين، وإذا لم يقم به أي فرد من أفراد المكلفين أثموا جميعا بإهمال هذا الواجب. كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصلاة على المتوفى وبناء المستشفيات، وإنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق، والطب، والصناعات التي يحتاج إليها الناس، والقضاء، والإفتاء، ورد السلام وأداء الشهادة.
فهذه الواجبات مطلوب للشارع أن توجد في الأمة أيا كان من فعلها؛ لأن المصلحة تتحقق بوجودها من بعض المكلفين ولا تتوفق على قيام كل مكلف بها.
فالواجبات الكفائية المطالب بها مجموع أفراد الأمة، بحيث إن الأمة بمجموعها عليها أن تعمل على أن يؤدي الواجب الكفائي فيها، فالقادر بنفسه وماله على أداء الواجب الكفائي؛ عليه أن يقوم به، وغير القادر على أدائه بنفسه عليه أن يحث القادر ويحمله على القيام به؛ فإذا أدى الواجب سقط الإثم عنهم جميعا. وإذا أهمل أثموا جميعا: أثم القادر لإهماله واجبا قدر على أدائه، وأثم غيره لإهمال حث القادر وحمله على فعل الواجب المقدور له، وهذا مقتضى التضامن في أداء الواجب، فلو رأى جماعة غريقا يستغيث، وفيهم من يحسنون السباحة ويقدرون على إنقاذه، وفيهم من لا يحسنون السباحة ويقدرون على إنقاذه، وفيهم من لا يحسنون السباحة أن يبذل بعضهم جهده في إنقاذه. وإذا لم يبادر من تلقاء
نفسه إلى القيام بالواجب، فعلى الآخرين حثه وحمله على أداء واجبه؛ فإذا أدى الواجب فلا إثم على أحد، وإذا لم يؤد الواجب أثموا جميعا.
وإذا تعين فرد لأداء الواجب الكفائي كان واجبا عينيا عليه، فلو شهد الغريق الذي يستغيث شخص واحد يحسن السباحة، ولو لم ير الحادثة إلا واحد ودعي للشهادة، ولو لم يوجد في البلد إلا طبيب واحد وتعين للإسعاف؛ فهؤلاء الذين يعينوا لأداء الواجب الكفائي، يكون الواجب بالنسبة إليهم عينيا.
التقسيم الثالث:
ينقسم الواجب من جهة المقدار المطلوب منه إلى محدد وغير محدد.
فالواجب المحدد: هو ما عين له الشارع مقدارًا معلومًا، بحيث لا تبرأ ذمة المكلف من هذا الواجب إلا إذا أداه على ما عين الشارع؛ كالصلوات الخمس والزكاة والديون المالية. فكل فريضة من الصلوات الخمس مشغولة بها ذمة المكلف حتى تؤدي بعدد ركعاتها وأركانها وشروطها، وزكاة كل مال واجبة فيه الزكاة مشغولة بها ذمة المكلف حتى تؤدي بمقدارها في مصرفها. وكذلك ثمن المشتري وأجر المستأجر وكل واجب يوجب مقدارًا معلوما بحدود معينة، ومن نذر أن يتبرع بمبلغ معين لمشروع خيري فالواجب عليه بالنذر واجب محدد.
والواجب غير المحدد: هو ما لم يعين الشارع مقداره بل طلبه من المكلف بغير تحديد، كالإنفاق في سبيل الله، والتعاون على البر، والتصدق على الفقراء إذا وجب بالنذر، وإطعام الجائع وإغاثة الملهوف وغير ذلك من الواجبات التي لم يحددها الشارع؛ لأن المقصود بها سد الحاجة، ومقدار ما تسد به الحاجة يختلف باختلاف الحاجات والمحتاجين والأحوال.
ومما يتفرع عن هذا التقسيم أن الواجب المحدد يجب دينا في الذمة، وتجوز المقاضاة به، وأن الواجب غير المحدد لا يجب دينا في الذمة، ولا تجوز المقضاة به؛ لأن الذمة لا تشغل إلا بمعين والمقاضاة لا تكون إلا بمعين.
ولهذا من رأى أن نفقة الزوجة على زوجها، ونفقة القريب على قريبه واجب غير محدد؛ لأنه لا يعرف مقداره، قال: إن ذمة الزوج أو القريب غير المشغولة به قبل القضاء أو الرضاء، إذا حكم بها أو تراضى الطرفان عليها تحدد مقدار الواجب بالقضاء أو بالرضاء، وضحت المطالبة به.
ومن رأى أنها من الواجب المحدد بحال الزواج أو بما يكفي للقريب، قال: إنها واجب محدد في الذمة فتصح المطالبة به عن مدة قبل القضاء أو الرضاء؛ لأن القضاء أظهر مقدار الواجب ولم يحدده.
التقسيم الرابع:
ينقسم الواجب إلى واجب معين، وواجب مخير.
فالواجب المعين: ما طلبه الشارع بعينه "كالصلاة، والصيام، وثمن المشتري، وأجر المستأجر، ورد المغضوب" ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه بعينه.
والواجب المخير: ما طلبه الشارع واحدًا من أمور معينة، كأحد خصال الكفارة فإن الله أوجب على من حنث في يمينه أن يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، أو يعتق رقبة، فالواجب أي واحد من هذه الأمور الثلاثة، والخيار للمكلف في تخصيص واحد بالفعل، وتبرأ ذمته من الواجب بأداء أي واحد.
2-
المندوب:
تعريفه:
المندوب هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا غير حتم، بأن كانت صيغة طلبه نفسها لا تدل على تحتيمه، أو اقترنت بطلبه قرائن تدل على عدم التحتيم. فإذا طلب الشارع الفعل بصيغة:"يسن كذا أو يندب كذا" كان المطلوب بهذه الصيغة مندوبًا، وإذا طلبه بصيغة الأمر ودلت القرينة على أن الأمر للندب كان المطلوب مندوبًا، كقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} فإن الأمر بكتابة الدين للندب لا للإيجاب بدليل القرينة التي في الآية نفسها. وهي قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ، فإنها تشير إلى أن يثق بمدينه ويأتمنه من غير كتابة الدين عليه، وكقوله تعالى:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} فمكاتبة المالك عبده مندوبة بقرينة أن المالك حر التصرف في ملكه.
فالمطلوب فعله إن كانت صيغة طلبه نفسها تدل على أنه حتم ولازم، فهو الواجب مثل: كتب عليكم، فرض عليكم، وقضى ربك. وإن كانت صيغة طلبه نفسها تدل على أنه غير حتم فهو المندوب مثل: ندب لكم، سن لكم، وإن كانت صيغة طلبه لا تدل على طلب حتم أو غير حتم، استدل بالقرائن على أن المطلوب
واجب أو مندوب. وقد تكون القرينة نصًّا، وقد تكون ما يؤخذ من مبادئ الشريعة العامة وقواعدها الكلية، وقد تكون ترتيب العقوبة على ترك الفعل وعدم ترتيبها. ولهذا اشتهر تعريف الواجب بأنه ما يستحق تاركها لعقوبة، وتعريف المندوب بأنه ما لا يستحق تاركه العقوبة وقد يستحق العتاب.
أقسامه:
المندوب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مندوب مطلوب فعله على وجه التأكيد وهو لا يستحق تاركه العقاب. ولكن يستحق اللوم والعتاب. ومن هذا السنن والمندوبات التي تعد شرعا مكملة الواجبات كالأذان، وأداء الصلوات الخمس جماعة. ومنه كل ما واظب عليه الرسول من شئونه الدينية، ولم يتركه إلا مرة أو مرتين ليدل على عدم تحتيمه كالمضمضة في الوضوء، وقراءة سورة أو آية بعد الفاتحة في الصلاة. ويسمى هذا القسم السنة المؤكدة أو سنة الهدى.
ومندوب مشروع فعله، وفاعله يثاب وتاركه لا يستحق عقابا ولا لوما: ومن هذا ما يواظب الرسول على فعله بل فعله مرة أو أكثر وتركه. ومنه جميع التطوعات كالتصدق على الفقير أو الصيام يوم الخميس من كل أسبوع أو صلاة ركعات زيادة عن الفرض وعن السنة المؤكدة. ويسمى هذا القسم السنة الزائدة أو النافلة.
ومندوب زائد أي يعد من الكماليات للمكلف. ومن هذا الاقتداء بالرسول في أموره العادية التي تصدر عنه بصفته إنسانا كان يأكل، ويشرب ويمشي وينام ويلبس على الصفه التي كان يسير عليها الرسول. فإن الاقتداء بالرسول في هذه الأمور وأمثالها كمالي، ويعد من محاسن المكلف؛ لأنه يدل على حبه للرسول وفرط تعلقه به. ولكن من لم يقتد بالرسول في مثل هذه الأمور لا يعد مسيئا؛ لأن هذه ليست من تشريعه صلى الله عليه وسلم. ويسمى هذا القسم مستحبا وأدبا وفضيلة.
3-
المحرم:
تعريفه:
المحرم هو ما طلب الشارع الكف عن فعله طلبا حتما، بأن تكون صيغة طلب الكف نفسها دالة على أنه حتم كقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} ، وقوله:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} . وقوله: {لا يَحِلُّ لَكُمْ} أو
يكون النهي عن الفعل مقترنا بما يدل على أنه حتم مثل: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} . أو يكون الأمر بالاجتناب مقترنا بذلك نحو {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} أو أن يترتب على الفعل عقوبة مثل {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . فقد يستفاد التحريم من صيغة خبرية تدل عليه، أو من صيغة طلبية هي نهي، أو من صيغة طلبية هي أمر بالاجتناب، فالقرينة تعين أن الطلب للتحريم.
أقسامه:
المحرم قسمان: محرم أصالة لذاته: أي أنه فعل حكمه الشرعي التحريم من الابتداء، كالزنا والسرقة والصلاة بغير طهارة، وزواج إحدى المحارم مع العلم بالحرمة، وبيع الميتة. وغير ذلك مما حرم تحريمًا ذاتيًّا لما فيه من مفاسد ومضار، فالتحريم وارد ابتداء على ذات الفعل؛ ومحرم لعارض، أي أنه فعل حكمه الشعري ابتداء الوجوب أو الندب أو الإباحة ولكن اقترن به عارض جعله محرما كالصلاة في ثوب مغصوب، والبيع الذي فيه غش، والزواج المقصود به مجرد تحليل الزوجة لمطلقها ثلاثا، وصوم الوصال، والطلاق البدعي وغير ذلك لما عرض له التحريم لعارض، فليس التحريم لذات الفعل، ولكن لأمر خارجي، أي ذات الفعل لا مفسدة فيه ولا مضرة، ولكن عرض له، واقترن به ما جعل فيه مفسدة أو مضرة.
ومما يبنى على هذا التقسيم أن المحرم أصالة غير مشروع أصلا، فلا يصلح سببا شرعيا ولا تترتب أحكام شرعية عليه بل يكون باطلا. ولهذا كانت الصلاة بغير طهارة باطلة. وزواج إحدى المحارم مع العلم بالحرمة باطلا. وبيع الميتة باطلا. والباطل شرعا لا يترتب عليه حكم. وأما المحرم لعارض فهو في ذاته مشروع فيصلح سببا شرعيا وتترتب عليه آثاره؛ لأن التحريم عارض له وليس ذاتيا. ولهذا كانت الصلاة في ثوب مغصوب صحيحة مجزئة وهو آثم للغصب. والبيع الذي فيه غش صحيح. والطلاق البدعي واقع. والعلة في هذا أن التحريم لعارض لا يقع به خلل في أصل السبب، ولا في وصفه ما دامت أركانه وشروطه مستوفاة. وأما التحريم الذاتي فهو يجعل الخلل في أصل السبب ووصفه بفقد ركن أو شرط من أركانه، وشروطه فيخرج عن كونه مشروعا.
4-
المكروه:
تعريفه:
المكروه هو ما طلب الشارع من المكلف الكف عن فعله طلبا غير حتم، بأن تكون الصيغة نفسها دالة على ذلك؛ كما إذا ورد أن الله كره لكم كذا. أو كان منهيا عنه واقترن النهي بما يدل على أن النهي للكراهة لا للتحريم. مثل {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} أو كان مأمورا باجتنابه ودلت القرينة على ذلك، مثل:{وَذَرُوا الْبَيْعَ} .
فالمطلوب الكف عن فعله؛ إن كانت صيغة طلبه نفسه تدل على أنه طلب حتم فهو المحرم، مثل: حرم عليكم كذا. وإن كانت الصيغة نفسها تدل على أنه طلب غير حتم فهو مكروه. مثل: كره لكم كذا. وإن كانت الصيغة نهيا مطلقًا، أو أمرًا بالاجتناب مطلقا، استدل بالقرائن على أنه طلب حتم أو غير حتم. ومن القرائن ترتيب العقوبة على الفعل وعدم ترتيبها، ولهذا عرف بعض الأصوليين المحرم بأنه ما استحق فاعله العقوبة، والمكروه بأنه ما لا يستحق فاعله العقوبة؛ وقد يستحق اللوم.
5-
المباح:
تعريفه:
المباح هو ما خير الشارع المكلف بين فعله وتركه. فلم يطلب الشارع أن يفعل المكلف هذا الفعل، ولم يطلب أن يكف عنه.
وتارة تثبت إباحة الفعل بالنص الشرعي على إباحته، كما إذا نص الشارع على أنه لا إثم في الفعل، فيدل بهذا على إباحته كقوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وقوله سبحانه: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} وكما أمر الشارع بفعل ودلت القرائن على أمر الإباحة كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وكقوله سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} ، وكقوله:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} .
وتارة تثبت إباحة الفعل بالإباحة الأصلية. فإذا لم يرد الشارع النص على حكم العقد والتصرف أو أي فعل، ولم يقم دليل شرعي آخر على الحكم فيه؛ كان
هذا العقد أو التصرف أو الفعل مباحا بالبراءة الأصلية؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة.
هذه هي أقسام الحكم التكليفي الخمسة على ما ذهب إليه جمهور الأصوليين.
وأما علماء الحنفية فقد قسموه إلى سبعة أقسام لا خمسة، وذلك أنهم قالوا: "إن ما طلب الشارع فعله طلبا حتما إذا كان دليل طلبه قطعيا بأن كان آية قرآنية أو حديثا متواترا فهو الفرض، وإن كان دليل طلبه ظنيا بأن كن حديثا غير متواتر أو قياسا فهو الواجب.
فإقامة الصلاة فرض؛ لأنها طلبت طلبا حتميا بدليل قطعي هو قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} . وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة؛ لأنها طلبت طلبا حتما، بدليل ظني هو قوله صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". وأما ما طلب فعله طلبا غير حتم فهو المندوب. وكذلك ما طلب الشارع الكف عن فعله طلبا حتما إن كان دليله قطعيا كآية أو سنة متواترة فهو المحرم، وإن كان دليل ظنيا كسنة غير متواترة فهو المكروه تحريما. فالزنا محرم؛ لأنه طلب الكف عنه طلبا حتما بدليل قطعي هو قوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} .
ولبس الرجال الحرير وتختمهم بالذهب مكروهان تحريما؛ لأنه طلب الكف عنهما طلبا حتما، بدليل ظني، هو قوله صلى الله عليه وسلم:"هذان حرام على رجال أمتي حلال لنسائهم". وأما ما طلب الكف عنه طلبا غير حتم فهو المكره تنزيها. فعند علماء الحنفية المطلوب فعله ثلاثة أقسام: الفرض، والواجب، والمندوب. والمطلوب الكف عنه ثلاثة أقسام المحرمة، والمكروه تحريما، والمكروه تنزيها والقسم السابع المباح.
وقد قدمنا أن نصوص القرآن كلها قطعية الورود ولهذا يثبت بها عند الحنفية الفرض والتحريم والندب والكراهة، وأما السنة فما كان قطعي الورود منها هو المتواتر وفي حكمه المشهور، فيثبت به أيضا ما يثبت بالقرآن.
وما كان منها ظني الورود وهو خبر الآحاد فلا يثبت به فرض ولا تحريم، ويثبت به ما عداهما من أنواع الأحكام التكليفية.
والفعل الواحد قد تعتريه هذه الأحكام كلها أو بعضها بحسب ما يلابسه، فمثلا: الزواج قد يكون فرضا على المسلم إذا قدر على المهر والنفقة وسائر واجبات الزوجية، وتيقن من حال نفسه أنه إذا لم يتزوج زنى. ويكون واجبا إذا قدر على ما ذكر وخاف أنه إذا لم يتزوج زنى. ويكون مندوبا إذا كان قادرا على واجبات الزوجية، وكان في حال اعتدال لا يخاف أن يزني إذا لم يتزوج. ويكون محرما إذا تيقن أنه إذا تزوج يظلم زوجته ولا يقوم بحقوق الزوجية. ويكون مكروها تحريما إذا خاف ظلمها.
أقسام الحكم الوضعي:
ينقسم الحكم الوضعي إلى خمسة أقسام:
لأنه ثبت بالاستقراء أنه إما أن يقتضي جعل شيء سببا لشيء، أو شرطا، أو مانعا، أو مسوغا للرخصة بدل العزيمة، أو صحيحا أو غير صحيح.
1-
السبب:
تعريفه:
السبب: هو ما جعله الشارع علامة على مسببه وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه. فيلزم من وجود السبب وجود المسبب ومن عدمه عدمه. فهو ظاهر منضبط، جعله الشارع علامة على حكم شرعي هو مسببه، ويلزم من وجوده وجود المسبب، ومن عدمه عدمه.
وقد قدمنا في مبحث العلة في القياس أن كل علة للحكم تسمى سببه، وليس كل سبب للحكم يسمى علته. وبينا الفرق بينهما وأمثلتهما.
أنواعه:
قد يكون السبب سببًا لحكم تكليفي؛ كالوقت جعله الشارع سببا لإيجاب إقامة الصلاة لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ، وكشهود رمضان جعله الشارع سببًا لإيجاب صومه بقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، وملك النصاب النامي من مالك الزكاة جعل سببا لإيجاب إيتاء الزكاة، والسرقة جعلت سببا لإيجاب قطع يد السارق. وشرك المشركة جعل سببا لتحريم زواج المسلم بها. والمرض جعل سببا لإباحة الفطر في رمضان، وأمثال ذلك. وقد يكون
السبب سببا لإثبات ملك أو حل أو إزالتهما، كالبيع لإثبات الملك وإزالته، والعتق والوقف لإسقاطه، وعقد الزواج لإثبات الحل. والطلاق لإزالته، والقرابة والمصاهرة والولاء لاستحقاق الإرث، وإتلاف مال الغير لاستحقاق الضمان على المتلف، والشركة أو الملك لاستحقاق الشفعة.
وقد يكون السبب فعلًا للمكلف مقدورا له كقتله العمد سبب لوجوب القصاص منه، وعقده البيع أو الزواج أو الإجارة أو غيرها أسباب لأحكامها، وملكه مقدار النصاب لوجوب الزكاة عليه. وقد يكون أمرا غير مقدور للمكلف وليس من أفعاله، كدخول الوقت لإيجاب الصلاة والقرابة للإرث والولاية، والصغر لثبوت الولاية على الصغير.
وإذا وجد السبب سواء أكان من فعل المكلف أم لا، وتوافرت شروطه وانتفت موانعه، ترتب عليه مسببه حتما، سواء أكان مسببه حكما تكليفيا، أم إثبات ملك أو حل، أم إزالتهما؛ لأن المسبب لا يتخلف عن سببه شرعا، سواء أقصد من باشر المسبب عليه أم لم يقصد، بل يترتب ولو قصد عدم ترتبه فمن سافر في رمضان أبيح له الفطر، سواء أقصد إلى الإباحة أم لم يقصد إليها. ومن طلق زوجته رجعيا ثبت له حق مراجعتها ولو قال: لا رجعة لي. ومن تزوج وجب عليه المهر ونفقة زوجته ولو تزوجها على أن لا مهر عليه ولا نفقة؛ لأن الشارع إذا وضع العقد أو التصرف سببًا للحكم، ترتب الحكم على العقد بحكم الشرع، ولا يتوقف ترتبه على قصد المكلف. وليس للمكلف أن يحل هذا الارتباط الذي ربط به الشارع المسببات بأسبابها.
2-
الشرط:
تعريفه:
الشرط: هو ما يتوقف وجود الحكم على وجوده ويلزم من عدمه عدم الحكم. والمراد وجوده الشرعي الذي يترتب عليه أثره. فالشرط خارج عن حقيقه المشروط يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجوده. فالزوجية شرط لإيقاع الطلاق، فإذا لم توجد زوجية لم يوجد طلاق ولا يلزم من وجود الزوجية وجود الطلاق. والوضوء شرط لصحة إقامة الصلاة، فإذا لم يوجد وضوء لا تصح إقامة الصلاة، ولا يلزم من وجود الوضوء إقامة الصلاة.
ووجود الزواج الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه يتوقف على حضور الشاهدين وقت عقده، ووجود البيع الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه يتوقف على العلم بالبدلين، وهكذا كل ما شرط الشارع له شرطا لا يتحقق وجوده الشرعي إلا إذا وجدت الشروط، ويعتبر شرعا معدوما إذا فقدت شروطه، ولكن لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط.
والشروط الشرعية هي التي تكمل السبب وتجعل أثره يترتب عليه. فالقتل سبب لإيجاب القصاص، ولكن بشرط أن يكون قتلًا عمدًا وعدوانًا. وعقد الزواج سبب لملك المتعة، ولكن بشرط أن يحضره شاهدان، وهكذا كل عقد أو تصرف لا يترتب عليه أثره إلا إذا توافرت شروطه.
والفرق بين الشيء وشروطه، مع أن كلا منها يتوقف وجود الحكم على وجوده، أن الركن جزء من حقيقة الشيء. وأما الشرط فهو أمر خارج عن حقيقته وليس من أجزائه. فالركوع ركن الصلاة؛ لأنه جزء من حقيقتها. والطهارة شرط الصلاة؛ لأنها أمر خارج عن حقيقتها، وصيغة العقد والعاقدان ومحل العقد أركان العقد؛ لأنها أجزاؤه. وحضور الشاهدين في الزواج وتعيين البدلين في البيع وتسليم الموهوب في الهبة شروط لا أركان؛ لأنها ليست من أجزاء العقد، ومن أجل هذا كان للوقف أركان وشروط، وكذا للبيع وسائر العقود والتصرفات، وإذا حصل خلل في ركن من الأركان كان خللًا في نفس العقد أو التصرف. وإذا حصل خلل في شرط من الشروط كان خللًا في وصفه أي في أمر خارج عن حقيقته.
وقد يكون اشتراط الشرط الشرط بحكم الشارع، ويسمى الشرط الشرعي.
وقد يكون اشتراط الشرط بتصرف المكلف ويسمى الشرط الجعلي. فمثال الأول: جميع الشروط التي اشترطها الشارع في الزواج والبيع والهبة والوصية، والتي اشترطها لإيجاب الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج، والتي اشتراطها لإقامة الحدود ولغير ذلك.
ومثال الثاني: الشروط التي يشترطها الزوج ليقع الطلاق على زوجته، والتي يشترطها المالك لعتق عبده. فإن تعليق الطلاق أو العتق على وجود شرط مقتضاه أنه يتوقف وجود الطلاق، أو العتق على وجود الشرط ويلزم من عدمه عدمه. فصيغة الطلاق سبب يترتب عليه الطلاق، ولكن إذا توافر الشرط.
وليس للمكلف أن يعلق أي عقد أو تصرف على أي شرط يريده، بل لا بد أن يكون الشرط غير مناف حكم العقد أو التصرف. وأما إذا كان الشرط منافيا حكم العقد فيبطل العقد؛ لأن الشرط مكمل للسبب فإذا نافى حكمه أبطل سببيته.
مثال ذلك: العقود التي تفيد الملك التام أو الحل التام، كعقد البيع. وعقد الزواج حكمهما الشرعي أن الأثر المترتب على كل واحد منهما لا يتراخى عن صيغته، فإذا عقد المكلف بيعا أو زواجا وعلق واحدا منهما على أن يوجد في المستقبل شرط شرطه، فإن مقتضى هذا الاشتراط أن لا يوجد أثر العقد إلا إذا وجد الشرط، وهذا يتنافى مع مقتضى العقد، وهو أن حكمه لا يتراخى عنه، ولهذا بطل البيع المعلق على شرط، وكذلك الزواج المعلق على شرط، فالشرط الجعلي إذا اعتبره الشارع صار كالشرط الشرعي.
3-
المانع:
تعريفه:
المانع: هو ما يلزم من وجوده عدم الحكم، أو بطلان السبب، فقد يتحقق السبب الشرعي، وتتوافر جميع شروطه ولكن يوجد مانع يمنع ترتب الحكم عليه، كما إذا وجدت الزوجية الصحيحة أو القرابة، ولكن منع ترتب الإرث على أحدهما كاختلاف الوارث مع المورث دينا، أو قتل الوارث مورثه. وكما إذا وجد القتل العمد العدوان ولكن منع من إيجاب القصاص به أن القاتل أبو المقتول.
فالمانع في اصطلاح الأصوليين: هو أمر يوجد مع تحقق السبب وتوافر شروطه، ويمنع من ترتب المسبب على سببه، ففقد الشرط لا يسمى مانعا في اصطلاحهم، وإن كان يمنع من ترتب المسبب على السبب.
وقد يكون المانع مانعا من تحقق السبب الشرعي لا من ترتب حكمه عليه كالدين لمن ملك نصاب من أموال الزكاة، فإن دينه مانع من تحقق السبب لإيجاب الزكاة عليه؛ لأن مال المدين كأنه ليس مملوكا له ملكا تاما، نظرا لحقوق دائنيه؛ ولأن تخليص ذمته مما عليه من الدين أولى من مواساته الفقراء والمساكين بالزكاة، وهذا في الحقيقة مخل بما يشترط توافره في السبب الشرعي، فهو من باب عدم توافر الشرط، لا من قبيل وجود المانع.
4-
الرخصة والعزيمة:
تعريفهما:
الرخصة هي ما شرع الله من الأحكام تخفيفا على المكلف في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف، أو هي ما شرع لعذر شاق في حالات خاصة، أو هي استباحة المحظور بدليل مع قيام دليل الحظر. وأما العزيمة فهي ما شرع الله أصالة من الأحكام العامة التي لا تختص بحال دون حال، ولا بمكلف دون مكلف.
أنواع الرخص:
من الرخص إباحة المحظورات عند الضرورات أو الحاجات. فمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر أبيح له ترفيها عنه أن يتلفظ بها وقلبه مطمئن بالإيمان: وكذا من أكره على أن يفطر في رمضان أو يتلف مال غيره، أبيح له المحظور الذي أكره عليه ترفيها عنه. ومن اضطره الجوع الشديد أو الظمأ الشديد إلى أكل الميتة أو شرب الخمر أبيح له أكلها وشربها. قال تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} . وقال سبحانه: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} ، وقال تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} .
ومن الرخص: إباحة ترك الواجب إذا وجد عذر يجعل أداءه شاقا على المكلف. فمن كان في رمضان مريضا أو على سفر أبيح له أن يفطر، ومن سافر أبيح له قصر الصلاة الرباعية أي أداؤها ركعتين بدل أربع: قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} .
ومن الرخص: تصحيح بعض العقود الاستثنائية، التي لم تتوافر فيها الشروط العامة لانعقاد العقد وصحته، ولكن جرت بها معاملات الناس وصارت من حاجاتهم، كعقد السلم فإنه بيع معدوم وقت العقد، ولكن جرى به عرف الناس وصار من حاجاتهم. ولذا جاء في الحديث:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم". وكذلك الاستصناع والإجارة وعقد الوصية. فهذه كلها عقود إذا طبقت عليها الشروط العامة لانعقاد العقود وصحتها في العاقد، والمعقود عليه لا تصح ولكن الشارع رخص فيها وأجازها سدا لحاجة الناس ودفعا للحرج عنهم.
ومن الرخص: نسخ الأحكام التي رفعها الله عنا وكانت من التكاليف الشاقة على الأمم قبلنا، وهي المشار إليها بقوله سبحانه: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا
حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} مثل التكليف بقرض موضع النجاسة من الثواب، وأداء ربع المال في الزكاة، وقتل النفس توبة من المعصية وعدم جواز الصلاة في غير المساجد -وتسمية هذه رخصًا فيها وتوسع- ومن هذه الأنواع يتبين أن ترخيص الشارع للتخفيف عن المكلفين تارة بإباحة المحرم للضرورة. أو بإباحة ترك الواجب للعذر، أو باستثناء بعض العقود من الأحكام الكلية للحاجة، كلها ترجع عند التحقيق إلى إباحة المحظور للضرورة أو الحاجة.
وعلماء الحنفية قسموا الرخصة إلى قسمين: رخصة ترفيه، ورخصة إسقاط. وفرقوا بينهما بأن رخصة الترفيه يكون حكم العزيمة معها باقيا ودليله قائما، ولكن رخص في تركه تخفيفا وترفيها عن المكلف. ومثلوا لهذا بمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر. أو على إتلاف مال غيره، أو على الفطر في رمضان. وقالوا: إن النص المرخص لم يسقط حرمة التلفظ بكلمة الكفر عمن أكره عليه، ولكن استثنى من أكره من غضب الله عليه واستحقاقه العذاب. قال تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} [النحل: 106] . ولكن يلاحظ أن الله قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . وقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} فقد استثنى المضطر من الإثم كما استثنى المكره على التلفظ من الإثم واستحقاق العذاب.
بل إن قوله سبحانه: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يشعر بأنه محرم، ولكن الله لم يعاقبه عليه رحمة منه. وقالوا كذلك: لم يسقط الإكراه حرمة إتلاف مال الغير ولا حرمة الفطر في رمضان، بل الحرمة مع الإكراه ثابتة. وإنما المقصود بالإباحة الترفيه عن المكلف. ولبقاء هذه الحرمة قالوا: إن العمل بالعزيمة أولى وإن من تمسك بالعزيمة واحتمل ما أكره عليه حتى مات، مات شهيدًا.
وأما رخصة الإسقاط فلا يكون حكم العزيمة معها باقيًا، بل إن الحال التي استوجبت الترخيص أسقطت حكم العزيمة، وجعلت الحكم المشروع فيها هو الرخصة، مثلوا لهذا بإباحة أكل الميتة أو شرب الخمر عند الجوع والظمأ وقصر الصلاة في السفر. فالمضطر إلى أكل الميتة وشرب الخمر سقطت حرمتها عنه في
حال اضطراره؛ لأن الله سبحانه بعد أن يبين هذه المحرمات قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وهذا يقتضي رفع التحريم، ولو لم يأكل أو يشرب أثم. والمسافر سقطت عنه الأربع ولو صلى أربعا كانت الركعتان الأخيرتان نافلة وتطوعا لا من المفروض.
والحق أن النصوص التي شرعت الرخص لا يدل ظاهرها على هذا التفريق. فإن الله سبحانه قال: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} . فكل محرم عند الضرورة يباح بلا تفريق بين محرم ومحرم. والقول بأنه عند الإكراه على إفطار رمضان يكون حكم العزيمة، وهو فرض الصيام باقيًا. وعند الاضطرار إلى أكل الميتة، أو شرب الخمر، لا يكون حكم العزيمة، وهو تحريمها باقيا. تفريق لا يظهر له وجه؛ لأن الإكراه نوع من الاضطرار؛ وفي الحالتين أبيح المحظور للضرورة، وكما قال سبحانه:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ، قال:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وصريح قوله سبحانه:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} . أن القصر مباح، ومقتضى أنه مباح أن الأخذ بالعزيمة هو إتمام الصلاة أربعا مباح أيضا، فكيف يقال: إن حكم العزيمة هنا غير قائم، وإن الرخصة في هذا رخصة إسقاط؟
فالذي يؤخذ من النصوص أن الرخص كلها شرعت للترفيه، والتخفيف عن المكلف بإباحة فعل المحرم، وأن حكم الحظر ودليله قائمان. ومعنى إباحة المحظور ترخيصا أنه لا إثم في فعله. وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى:{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فللمكلف أن يتبع الرخصة تخفيفا عن نفسه، وله أن يتبع العزيمة محتملا ما فيها من مشقة، إلا إذا كانت المشقة يناله من احتمالها ضرر، فإنه يجب عليه اتقاء الضرر، واتباع الرخصة لقوله تعالى:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، والله سبحانه وتعالى يحب أن تتبع رخصه، كما يجب أن تؤتى عزائمه، لأنه سبحانه ما جعل على الناس في الدين من حرج.
ومما قدمناه في تعريف الرخصة وبيان أنواعها يظهر الوجه في عدها من أقسام الحكم الوضعي؛ لأن الحكم المشروع هو جعل الضرورة سببا في إباحة المحظور أو طروء العذر سببا في التخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس سببا في تصحيح بعض عقود المعاملات بينهم، فهو في الحقيقة وضع أسباب لمسببات.
5-
الصحة والبطلان:
ما طلبه الشارع من المكلفين من أفعال، وما شرعه لهم من أسباب وشروط إذا باشرها المكلف قد يحكم الشارع بصحتها، وقد يحكم بعدم صحتها.
فإذا وجدت على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن تحققت أركانها وتوافرت شرائطها الشرعية، حكم الشارع بصحتها، وإن لم توجد على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن اختل ركن من أركانها أو شرط من شروطها، حكم الشارع بعدم صحتها.
ومعنى صحتها شرعًا: ترتب آثارها الشرعية عليها. فإن كان الذي باشره المكلف فعلا واجبا عليه، كالصلاة والصيام والزكاة والحج وأداء المكلف مستكملًا أركانه وشروطه، سقط عنه الواجب، وبرئت ذمته منه، ولم يستحق تعزيرًا في الدنيا واستحق المثوبة في الآخرة.
وإن كان الذي باشره المكلف سببا شرعيا كالزواج والطلاق، والبيع والهبة وسائر العقود والتصرفات، واستوفى المكلف أركانه وشرائطه الشرعية، ترتب على كل سبب أثره الشرعي الذي رتبه الشارع عليه من إثبات الحل أو إزالته، تبادل ملك البدلين، أو الملك بغير عوض، أو غير ذلك من الآثار والحقوق التي تترتب على الأسباب الشرعية الصحيحة.
وإن كان الذي باشره شرطا كالطهارة للصلاة واستوفى المكلف شروطها وأركانها، أمكن تحقيق المشروط صحيحًا.
ومعنى عدم صحتها عدم ترتب آثارها الشرعية عليها، فإن كان الذي باشره واجبا لا يسقط عنه ولا تبرأ ذمته منه، وإن كان سببا شرعيا لا يترتب عليه حكمه، وإن كان شرطًا لا يوجد المشروط. وذلك لأن الشارع إنما رتب الآثار على أفعال وأسباب، وشروط تتحقق كما طلبها وشرعها، فإذا لم تكن كذلك فلا اعتبار لها شرعا.
ومن هذا البيان يؤخذ أن ما صدر عن المكلف من أفعال، أو أسباب أو شروط ولم يتفق وما طلبه الشارع أو ما شرعه يكون غير صحيح شرعا، ولا يترتب عليه أثره، سواء كان عدم صحته لاختلال ركن من أركانه أو لفقد شرط من شروطه، وسواء أكان عبادة أم عقدًا أم تصرفًا، وعلى هذا فلا فرق بين باطل وفاسد، لا في
العبادات، ولا في المعاملات فالصلاة الباطلة كالصلاة الفاسدة لا تسقط الواجب عن المكلف ولا تبرئ ذمته، والزواج الباطل كالزواج الفائد لا يفيد ملك المتعة ولا يترتب عليه أثره، والبيع الباطل كالبيع الفاسد لا يفيد نقل الملك في البدلين ولا يترتب عليه حكم شرعي، وتكون القسمة ثنائية، أي أن الفعل أو العقد أو التصرف إما صحيح تترتب عليه آثاره، وإما غير صحيح لا يترتب عليه أثر شرعي، وهذا هو رأي الجمهور.
وقال علماء الحنفية: إن القسمة ثنائية في العبادات، فهي إما صحيحة وإما غير صحيحة، ولا فرق بين باطل الصيام مثلا وفاسده في أنه لا يترتب عليه أثره ولا يسقط الواجب، وعلى المكلف قضاؤه، وأما العقود والتصرفات فالقسمة ثلاثية؛ لأن العقد غير الصحيح ينقسم إلى باطل وفاسد؛ فإن كان الخلل في أصل العقد أي في ركن من أركانه بأن كان في الصيغة، أو العاقدين أو المعقود عليه، كان العقد باطلا لا يترتب عليه أثر شرعي، وإن كان الخلل في وصف من أوصاف العقد بأن كان في شرط خارج عن ماهيته وأركانه، كان العقد فاسدا، وترتبت عليه بعض آثاره.
وعلى هذا قالوا: إن بيع المجنون أو غير المميز أو بيع المعدوم باطل، وأما البيع بثمن غير معلوم فهو فاسد، وإن زواج غير المميز أو زواج إحدى المحرمات مع العلم بالحرمة باطل. وأما الزواج بغير شهود فهو فاسد، ولم يرتبوا على الباطل أثرًا، ورتبوا على الفاسد بعض الآثار، ولهذا أوجبوا بالدخول في الزواج الفاسد المهر والعدة وأثبتوا النسب، وفي البيع الفاسد إذا رفع سبب الفساد في المجلس بأن عين الثمن، أو الأجل ترتبت على العقد آثاره، وهو يفيد الملك بالقبض.
ومما قدمنا بيانه من معنى الصحة ومعنى البطلان، يظهر الوجه على عدهما من الحكم الوضعي؛ لأن الصحة هي ترتب الآثار الشرعية على الأفعال والأسباب أو الشروط التي باشرها المكلف. والبطلان عدم ترتب شيء من تلك الآثار، فالحكم بصحة البيع حكم بسببيته شرعا لأحكامه.