الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة:
في موازنة عامة بين علم الفقه وعلم أصول الفقه من حيث التعريف بكل منهما. وبيان موضوعه، وغايته، ونشأته، وتطوره.
التعريف:
من المتفق عليه بين العلماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم أن كل ما يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال سواء أكان من العبادات، أم المعاملات أم الجرائم أم الأحوال الشخصية، أم من أي نوع من أنواع العقود أو التصرفات له في الشريعة الإسلامية حكم، وهذه الأحكام بعضها بينتها نصوص وردت في القرآن أو السنة، وبعضها لم ينتبها نصوص في القرآن والسنة، ولكن أقامت الشريعة دلائل عليها ونصبت أمارات لها بحيث يستطيع المجتهد بواسطة تلك الدلائل والأمارات أن يصل إليها ويتبينها.
ومن مجموعة الأحكام الشرعية المتعلقة بما يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال، المستفادة من النصوص فيما وردت فيه نصوص والمستنبطة من الدلائل الشرعية الأخرى فيما لم ترد فيه نصوص تكون الفقه.
فعلم الفقه في الاصطلاح الشرعي: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، أو هو مجموعة من الأحكام الشرعية العلمية المستفادة من أدلتها التفصيلية.
وقد ثبت للعلماء بالاستقراء أن الأدلة التي تستفاد منها الأحكام الشرعية العملية ترجع إلى أربعة، القرآن والسنة والإجماع والقياس. وأن أساس هذه الأدلة
والمصدر التشريعي الأول منها هو القرآن ثم السنة التي فسرت مجمله وخصصت عامة، وقيدت مطلقه وكانت تبيانا له وتماما.
ولهذا بحثوا في كل دليل من هذه الأدلة وفي البرهان على أنه حجة على الناس، ومصدر تشريعي يلزمهم اتباع أحكامه، وفي شروط الاستدلال به، وفي أنواعه الكلية وفيما يدل عليه كل نوع منها من الأحكام الشرعية الكلية.
وبحثوا أيضا في الأحكام الشرعية الكلية التي تستفاد من تلك الأدلة وفيما يتوصل به إلى فهمها من النصوص، وإلى استنباطها من غير النصوص من قواعد لغوية وتشريعية. وبحثوا أيضا فيمن يتوصل إلى استمداد الأحكام من أدلتها وهو المجتهد فبينوا الاجتهاد وشروطه والتقليد وحكمه.
ومن مجموعة هذه القواعد والبحوث المتعلقة بالأدلة الشرعية من حيث دلالتها على الأحكام. وبالأحكام من حيث استفادتها من أدلتها ومما يتعلق بهذين من اللواحات، والمتممات تكونت أصول الفقه.
فعلم أصول الفقه في الاصطلاح الشرعي، هو العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى الاستفادة من الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. أو هي مجموعة القواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
الموضوع:
موضوع البحث في علم الفقه هو فعل المكلف من حيث ما يثبت له من الأحكام الشرعية: فالفقيه يبحث في بيع الملكف وإجارته، ورهنه وتوكيله وصلاته وصومه وحجه وقتله وقذفه، وسرقته وإقراره ووقفه لمعرفة الحكم الشرعي في كل فعل من هذه الأفعال.
وأما موضوع البحث في علم أصول الفقه، فهو الدليل الشرعي الكلي من حيث ما يثبت به من الأحكام الكلية، فالأصولي يبحث في القياس وحجيته. والعام وما يقيده، والأمر ما يدل عليه، وهكذا. وإيضاحا لهذا أضرب المثل الآتي: القرآن هو الدليل الشرعي الأول على الأحكام. ونصوصه التشريعية لم ترد على حال واحدة بل منها ما ورد بصيغة الأمر، ومنها ما ورد بصيغة النهي، ومنها ما ورد بصيغة العموم أو بصيغة الإطلاق. فصيغة الأمر، وصيغة النهي، وصيغة
العموم وصيغة الإطلاق، أنواع كلية من أنواع الدليل الشرعي العام. وهو القرآن. فالأصولي يبحث في كل نوع من هذه الأنواع ليتوصل إلى نوع الحكم الكيل الذي يدل عليه مستعينا في بحثه باستقراء الأساليب العربية والاستعمالات الشرعية. فإذا وصل ببحثه إلى أن صيغة الأمر تدل على الإيجاب وصيغة النهي تدل على التحريم، وصيغة العموم تدل على شمول جميع أفراد العام قطعا. وصيغة الإطلاق تدل على ثبوت الحكم مطلقا وضع القواعد الآتية: الأمر للإيجاب، النهي للتحريم، العام ينتظم جميع أفراده قطعا، المطلق يدل على الفرد الشائع بغير قيد.
وهذه القواعد الكلية وغيرها مما يتوصل الأصولي ببحثه إلى وضعها يأخذها الفقيه قواعد مسلمة ويطبقها على جزئيات الدليل الكلي ليتوصل بها إلى الحكم الشرعي العملي التفصيلي، فيطبق قاعدة: الأمر للإيجاب على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ويحكم على الإيفاء بالعقود بأنه واجب. ويطبق قاعدة: النهي للتحريم على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} ويحكم بأن سخرية قوم من قوم محرمة. ويطبق قاعدة: العام ينتظم جميع أفراده قطعا على قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ويحكم بأن كل أم محرمة. ويطبق قاعدة المطلق يدل على أي فرد على قوله تعالى في كفارة الظهار {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ويحكم بأنه يجزئ في التكفير أية رقبة مسلمة أو غير مسلمة.
ومن هذا يتبين الفرق بين الدليل الكلي والدليل الجزئي. وبين الحكم الكلي والحكم الجزئي.
فالدليل الكلي هو النوع العام من الأدلة الذي تندرج فيه عدة جزئيات مثل الأمر والنهي، والعام والمطلق، والإجماع الصريح والإجماع السكوتي، والقياس المنصوص على علته والقياس المستنبطة علته. فالأمر يندرج تحته جميع الصيغ التي وردت بصيغة الأمر، والنهي. فالأمر دليل كلي والنص الذي ورد على صيغة الأمر دليل جزئي. والنهي دليل كلي، والنص الذي ورد على صيغة النهي دليل جزئي.
وأما الحكم الكلي فهو النوع العام من الأحكام التي تندرج فيه عدة جزئيات مثل الإيجاب والتحريم والصحة والبطلان، فالإيجاب حكم كلي يندرج فيه إيجاب الوفاء بالعقود وإيجاب الشهود في الزواج وإيجاب أي واجب، والتحريم حكم كلي يندرج فيه تحريم الزنا والسرقة وتحريم أي محرم، وهكذا الصحة والبطلان فالإيجاب حكم كلي، وإيجاب فعل معين حكم جزئي.
والأصولي لا يبحث في الأدلة الجزئية، ولا فيما تدل عليه من الأحكام الجزئية. وإنما يبحث في الدليل الكلي، وما يدل عليه من حكم كلي ليضع قواعد كلية لدلالة الأدلة كي يطبقها الفقيه على جزئيات الأدلة لاستثمار الحكم التفصيلي منها. والفقيه لا يبحث في الأدلة الكلية ولا فيما يدل عليه من أحكام كلية، وإنما يبحث في الدليل الجزئي وما يدل عليه من حكم جزئي.
الغاية المقصودة بهما:
الغاية المقصودة من علم الفقه هي تطبيق الأحكام الشرعية على أفعال الناس وأقوالهم. فالفقه هو مرجع القاضي في قضائه والمفتي في فتواه ومرجع كل مكلف لمعرفة الحكم الشرعي فيما يصدر عنه من أقوال وأفعال. وهذه هي الغاية المقصودة من كل القوانين في أية أمة، فإنها لا يقصد منها إلا تطبيق موادها وأحكامها على أفعال الناس، وأقوالهم وتعريف كل مكلف بما يجب عليه وما يحرم عليه.
وأما الغية المقصودة من علم أصول الفقه فهي تطبيق قواعده ونظرياته على الأدلة التفصيلية للتوصل إلى الأحكام الشرعية التي تدل عليها. فبقواعده وبحوثه تفهم النصوص الشرعية ويعرف ما تدل عليه من الأحكام ويعرف ما يزال به خفاء الخفي منها. وما يرجع منها عند تعارض بعضها ببعض، وبقواعده وبحوثه يستنبط الحكم بالقياس أو الاستحسان أو الاستصحاب، أو غيرها في الواقعة التي لم يرد نص بحكمها، وبقواعده وبحوثه يفهم ما استنبطه الأئمة المجتهدون حق فهمه. ويوازن بين مذاهبهم المختلفة في حكم الواقعة الواحدة؛ لأن فهم الحكم على وجهه والموازنة بين حكمين مختلفين لا يكون إلا بالوقوف على دليل الحكم ووجه استمداد الحكم من دليل، ولا يكون هذا إلا بعلم أصول الفقه فهو عماد الفقه المقارن.
نشأة كل منهما وتطوره:
نشأت أحكام الفقه مع نشأة الإسلام؛ لأن الإسلام هو مجموعة من العقائد والأخلاق والأحكام العملية، وقد كانت هذه الأحكام العملية في عهد الرسول مكونة من الأحكام التي وردت في القرآن. ومن الأحكام التي صدرت من الرسول فتوى في واقعة أو قضاء في خصومة أو جوابا عن سؤال، فكانت مجموعة الأحكام الفقهية في طورها الأول مكونة من أحكام الله ورسوله، ومصدرها القرآن والسنة.
وفي عهد الصحابة واجهتهم وقائع وطرأت لهم طوائ لم تواجه المسلمين، ولم تطرأ في عهد الرسول، فاجتهد فيها أهل الاجتهاد منهم وقضوا وأفتوا وشرعوا، وأضافوا إلى المجموعة الأولى عدة أحكام استنبطوها باجتهادهم، فكانت مجموعة الأحكام الفقهية في طورها الثاني مكونة من أحكام الله ورسوله، وفتاوى الصحابة وأقضيتهم. ومصادرها القرآن والسنة. واجتهاد الصحابة -وفي هذين الطورين لم تدون هذه الأحكام ولم تشرع أحكام لوقائع فرضية بل كان التشريع فيهما لما حدث فعلا من الواقع وما وقع من حوادث. ولم تأخذ هذه الأحكام صبغة علمية بل كانت مجرد حلول جزئية لوقائع فعلية، ولم تسم هذه المجموعة علم الفقه ولم يسم رجالها من الصحابة الفقهاء.
وفي عهد التابعين وتابعي التابعين والأئمة المجتهدين، وهو بالتقريب القرنان الهجريان الثاني، والثالث اتسعت الدولة الإسلامية ودخل في الإسلام كثيرون من غير العرب. وواجهت المسلمين طارئ ومشاكل وبحوث ونظريات، وحركة عمرانية وعقلية حملت المجتهدين على السعة في الاجتهاد والتشريع لكثير من الوقائع، وفتحت لهم أبوابا من البحث والنظر، فاتسع ميدان التشريع للأحكام الفقهية وشرعت أحكام كثيرة لوقائع فرضية، وأضيفت إلى المجموعتين السابقتين أحكام كثيرة فكانت مجموعة الأحكام الفقهية في طورها الثالث مكونة من أحكام الله ورسوله، وفتاوى المجتهدين واستنباطهم ومصادرها القرآن والسنة، واجتهاد الصحابة والأئمة المجتهدين. وفي هذا العهد بدئ بتدوين هذه الأحكام مع البدء بتدوين السنة، واصطبغت الأحكام بالصبغة العلمية؛ لأنها ذكرت معها أدلتها وعللها والأصول العامة التي تتفرع عنها. وسمى جالها الفقهاء وسمى العلم بها علم الفقه. ومن أول ما دون فيها فيما وصل إلينا "الموطأ" للإمام مالك بن أنس، فإنه جمع فيه بناء على طلب الخليفة المنصور ما صح عنده من السنة ومن فتاوى الصحابة والتابعين وتابعيهم، فكان حديث وفقه وهو أساس فقه الحجازيين، ثم دون الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة عدة كتب في الفقه هي أساس فقه العراقيين، ودون الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة كتب ظاهر الرواية الستة التي جمعها الحاكم الشهيد في كتابه "الكافي"، وشرحه السرخسي في كتابه "المبسوط" وهي مرجع فقه المذهب الحنفي، وأملى الإمام محمد بن إدريس الشافعي بمصر كتابه "الأم" وهو عماد فقه المذهب الشافعي.
أما علم أصول الفقه فلم ينشأ إلا في القرن الثاني الهجري؛ لأنه في القرن الهجري الأول لم تدع حاجة إليه، فالرسول كان يفتي ويقضي بما يوحي به إليه ربه من القرآن، وبما يلهم به من السنن. وبما يؤديه إليه اجتهاده الفطري من غير حاجة إلى أصول وقواعد يتوصل بها إلى الاستنباط والاجتهاد، وأصحابه كانوا يفتون ويقضون بالنصوص التي يفهمونها بملكتهم العربية السليمة من غير حاجة إلى قواعد لغوية يهتدون بها إلى فهم النصوص. ويستنبطون فيما لا نص فيه بملكتهم التشريعية التي ركزت في نفوسهم من صحبتهم الرسول. ووقوفهم على أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث، وفهمهم مقاصد الشارع ومبادئ التشريع، ولكن لما اتسعت الفتوح الإسلامية واختلط العرب العرب بغيرهم، وتشافهوا وتكاتبوا ودخل في العربية كثير من المفردات والأساليب غير العربية ولم تبق الملكة اللسانية على سلامتها وكثرت الاشتباهات والاحتمالات في فهم النصوص -دعت الحاجة إلى وضع ضوابط وقواعد لغوية يقتدر بها على فهم النصوص كما يفهمها العربي الذي وردت النصوص بلغته. كما دعت إلى وضع قواعد نحوية يقتدر بها على صحة النطق.
وكذلك لما بعد العهد بفجر التشريع، واحتدام الجدال بين أهل الحديث وأهل الرأي، واجترأ بعض ذوي الأهواء على الاحتجاج بما لا يحتج به وإنكار بعض ما يحتج به، دعا كل هذا إلى وضع ضوابط وبحوث في الأدلة الشرعية وشروط الاستدلال بها وكيفية الاستدلال بها، ومن مجموعة هذه البحوث الاستدلالية وتلك الضوابط اللغوية تكون علم أصول الفقه.
ولكنه بدأ صغيرًا كما يوجد كل مولود أول نشأته ثم تدرج في النمو حتى بلغت أسفاره المائتين، بدأ منثورًا مفرقا من خلال أحكام الفقه؛ لأن كل مجتهد من الأئمة الأربعة وغيرهم كان يشير إلى دليل حكمه ووجه استدلاله به، وكل مخالف كان يحتج على مخالفة بوجوه من الحجج. وكل هذه الاستدلالات والاحتجاجات تنطوي على ضوابط أصولية.
وأول من جمع هذه هذه المتفرقات مجموعة مستقلة في سفر على حدة، الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة كما ذكر ابن النديم في الفهرست ولكن لم يصل إلينا ما كتبه.
وأول من دون من قواعد هذا العلم وبحوثه مجموعة مستقلة مرتبة مؤيدا كل ضابط منها بالبرهان، ووجهه النظر فيه الإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 للهجرة. فقد كتب فيه رسالته1 الأصولية التي رواها عنه صاحبه الربيع المرادي، وهي أول مدون في هذا العلم وصل إلينا فيما نعلم، ولهذا اشتهر على ألسنة العلماء أن واضع أصول علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي.
وتتابع العلماء على التأليف في هذا العلم بين إسهاب وإيجاز.
وقد سلك علماء الكلام طريقا في التأليف في هذا العلم، وسلك علماء الحنفية طريقًا آخر في التأليف فيه.
فأما علماء الكلام فتمتاز طريقتهم بأنهم حققوا قواعد هذا العلم وبحوثه تحقيقا منطقيا نظريا وأثبتوا ما أيده البرهان، ولم يجعلوا وجهتهم انطباق هذه القواعد على ما استنبطه الأئمة المجتهدون من الأحكام ولا ربطها بتلك الفروع، فما أيده العقل وقام عليه البرهان فهو الأصل الشرعي سواء أوافق الفروع المذهبية أم خالفها. ومن هؤلاء أكثر الأصوليين من الشافعية والمالكية. ومن أشهر الكتب الأصولية التي ألفت على هذه الطريقة كتاب المستصفى لأبي حامد الغزالي الشافعي المتوفى سنة 505، وكتاب الأحكام لأبي حسن الآمدي الشافعي المتوفى سنة 685هـ، وأحسن شروحه شرح الأسنوي.
وأما علماء الحنفية فتمتاز طريقته بأنهم وضعوا القواعد، والبحوث الأصولية التي رأوا أن أئمتهم بنوا عليها اجتهادهم، فهم لا يثبتون قواعد عملية تفرعت عنها أحكام أئمتهم. ورائدهم في تحقيق هذه القواعد الأحكام التي استنبطها أئمتهم بناء عليها لا مجرد البرهان النظري. ولهذا أكثروا في كتبهم من ذكر الفروع. صاغوا في بعض الأحيان القواعد الأصولية على ما يتفق وهذه الفروع، فكانت وجهتهم استمداد أصول فقه أئمتهم من فروعهم. ومن أشهر الكتب الأصولية التي ألفت على هذه الطريقة أصول أبي زيد الدبوسي المتوفى سنة 430هـ. وأصول فجر الإسلام البزدوي المتوفى سنة 430هـ. وكتاب المنار للحفظ النسفي المتوفى سنة 790هـ، وأحسن شروحه مشكاة الأنوار.
1 هذه الرسالة مطبوعة بالمطبعة الأميرية ومطبوعة بالمطبعة الحلبية.
وقد سلك بعض العلماء في التأليف في هذا العلم طريقا جامعًا بين الطريقتين السابقتين فعنى بتحقيق القواعد الأصولية وإقامة البراهين عليها. وعنى كذلك بتطبيقها على الفروع الفقهية وربطها بها.
ومن أشهر الكتب الأصولية التي ألفت على هذه الطريقة المزدوجة كتاب بديع النظام الجامع بين البزدوي والأحكام لمظفر الدين البغدادي الحنفي المتوفى سنة 694هـ، وكتاب التوضيح لصدر الشريعة، والتحرير للكامل بن الهمام. وجمع الجوامع لابن السبكي.
ومن المؤلفات الحديثة الموجزة المفيدة في هذا العلم:
- كتاب "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" للإمام الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ.
- وكتاب "أصول الفقه" للمرحوم الشيخ محمد الخضري بك المتوفى سنة 1927م.
- وكتاب "تسهيل الوصول إلى علم الأصول" للمرحوم الشيخ محمد عبد الرحمن عيد المحلاوي المتوفى سنة 1920م.
ونحمد الله الذي وفقنا إلى الاطلاع على الكثير من هذه الكتب، وهدانا إلى هذه الخلاصة الوافية التي بينا فيها مصادر التشريع الإسلامي أجلى بيان وكشفنا عن مرونتها وخصوبتها وسعتها. وبينا فيها مباحث الأحكام بيانا قرب فهمها وجلى حكمة الشارع فيما شرعه. وصغنا فيها البحوث اللغوية والتشريعية بصيغة القواعد ليسهل فهمها وتطبيقها، وراعينا في الأمثلة التطبيقية أن تكون من النصوص الشرعية، ومن قوانيننا الوضعية ليعرف كيف ينتفع عملا بهذا العلم، وأشرنا في كثير من المواضيع إلى المقارنة بين أصول الأحكام الشرعية وأصول القوانين الوضعية ليتبين أن مقصد الاثنين واحد وهو الوصول إلى فهم الأحكام من نصوصها فهما صحيحا، وتحقيق مقاصد الشارع مما شرعه، وتأمين نصوص القوانين من العبث بها، وأهم ما ألفت النظر إليه أن بحوث علم أصول الفقه، وقواعده ليست بحوثا وقواعد تعبدية، وإنما هي أدوات ووسائل يستعين بها المشرع على مراعاة المصلحة العامة، والوقوف عند الحد الإلهي في تشريعه. ويستعين بها
القاضي في تحري العدل في قضائه وتطبيق القانون على وجهه. فهي ليست خاصة بالنصوص الشرعية والأحكم الشرعية.
تنبيه: تعريف العلم، وموضوعه، وغايته، ومنشؤه، ونسبته إلى سائر العلوم. ووضعه وحكم الشرع فيه، ومسائله، هذه كلها تسمى مبادئ العلم.
وهي تكون للعلم صورة إجمالية تجعل من يشرع في دراسته ملمًّا به. ولهذا اعتاد المؤلفون أن يقدموا مؤلفهم في العلم بمقدمة في بيان مبادئه. وقد ألف كثير من العلماء رسائل خاصة في مبادئ العلوم، ومنها رسالة مطبوعة صغيرة الحجم كبيرة الفائدة للمرحوم الشيخ علي رجب الصالحي اسمها تحقيق مبادئ العلوم الأحد عشر. وابن خلدون في المقدمة كتب في القسم الأخير منها فصولا ممتعة في العلوم الشرعية واللغوية والعقلية، يبين فيها تعريف كل علم ونشأته وتطوره.