الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدليل الأول: القرآن
1-
خواصه.
2-
حجيته.
3-
أنواع أحكامه.
4-
دلالة آياته إما قطعية وإما ظنية.
خواصه:
القرآن1 هو كلام الله الذي نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بألفاظه العربية ومعانيه الحقة، ليكون حجة للرسول على أنه رسول الله، ودستورا يهتدون بهداه، وقربة يتعبدون بتلاوته. وهو المدون بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، المنقول إلينا بالتواتر كتابة ومشافهة جيلا عن جيل محفوظا من أي تغيير أو تبديل مصداق قول الله سبحانه فيه:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
فمن خواص القرآن أن ألفاظه ومعانيه من عند الله. وأن ألفاظه العربية هي التي أنزلها الله على قلب رسوله. والرسول ما كان إلا تاليا لها ومبلغا إياها. ويتفرع عن هذا ما يأتي:
أ- ما ألهم الله به رسوله من المعاني ولم ينزل عليه ألفاظها بل عبر الرسول بألفاظ من عنده عما ألهم به لا يعد من القرآن ولا تثبت له أحكام القرآن، وإنما هو من أحاديث الرسول. وكذلك الأحاديث القدسية وهي الأحاديث التي قالها الرسول فيما يرويه عن ربه لا تعد من القرآن، ولا تثبت لها أحكام القرآن فلا تكون في مرتبة الحجية، ولا تصح الصلاة بها، ولا يتعبد بتلاوتها.
ب- تفسير سورة أو آية بألفاظ عربية مرادفة لألفاظ القرآن دالة على ما دلت عليه ألفاظه لا يعد قرآنا مهما كان مطابقا للمفسر في دلالته؛ لأن القرآن ألفاظ عربية خاصة أنزلت من عند الله.
1 لفظ القرآن في اللغة العربية مصدر قرأ كالغفران مصدر غفر يقال: قراءة وقرآنا، ومنه قوله تعالى:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} .
جـ- ترجمة سورة أو آية بلغة أجنبية غير عربية لا تعد قرآنا مهما روعي من دقة الترجمة، وتمام مطابقتها للمترجم في دلالته؛ لأن القرآن ألفاظ عربية خاصة أنزل من عند الله. نعم لو كان تفسير القرآن أو ترجمته يتم بواسطة من يوثق بدينه وعلمه وأمانته وحذقه يسوغ أن يعتبر هذا التفسير أو هذه الترجمة بيانا لما دل عليه القرآن، ومرجعا لما جاء به ولكن لا يعتبر هو القرآن ولا تثبت له أحكامه، فلا يحتج بصيغة عبارته وعموم لفظه وإطلاقه؛ لأن ألفاظه عباراته ليست ألفاظ القرآن ولا عبارته، ولا تصح الصلاة به1 ولا يتعبد بتلاوته.
ومن خواصه أنه منقول بالتواتر أي بطريق النقل الذي يفيد العلم والقطع بصحة الرواية. ويتفرع عن هذا أن بعض القراءات التي تروي بغير طريق التواتر كما يقال: وقرأ بعض الصحابة كذا لا تعد من القرآن ولا تثبت لها أحكامه.
حجيته:
البرهان على أن القرآن حجة على الناس، وأن أحكامه قانون واجب عليهم ابتاعه أنه من عند الله وأنه نقل إليهم عن الله بطريق قطعي لا ريب في صحته، أما البرهان على أنه من عند الله فهو إعجازه الناس عن أن يأتوا بمثله.
معنى الإعجاز وأركانه:
الإعجاز: معناه في اللغة العربية نسبة العجز إلى الغير وإثباته له، يقال: أعجز الرجل أخاه إذا أثبت عجزه عن شيء. وأعجز القرآن الناس أثبت عجزهم عن أن يأتوا بمثله.
ولا يتحقق الإعجاز أي إثبات العجز للغير إلا إذا توافرت أمور ثلاثة:
الأول: التحدي، أي طلب المبادرة والمعارضة، والثاني: أن يوجد المقتضي الذي يدفع المتحدي إلى المبادرة والمنازلة والمعارضة، والثالث أن ينتفي المانع الذي يمنعه من هذه المبادرة.
1 وما نقل عن الإمام أبي حنيفة من أنه جوز قراءة القرآن في الصلاة بالفارسية لا يدل على أن الترجمة قرآة، وتثبت له أحكامه؛ لأن أبا حنيفة إنما جوز قراءة بالفارسية في الصلاة لمن لا يعرف العربية ولا يقدر على القراءة بها؛ لأنه في هذه الحال سقط عنه فرض القراءة للقرآن، فإذا قرأ بلغته فهو ذكر الله ولا مانع مه. وقد روي أن أبا حنيفة رجع عن هذا، وروي ما ذهب إليه سائر الأئمة من أن العاجز عن النطق بالعربية يصلي ساكتا، ولا يكلف بقراءة القرآن إذ لا تكليف إلا بمقدور كما يصلي قاعدا إذا عجز عن القيام.
فإذا ادعى رياضي أنه بطل نوع من أنواع الرياضة وأنكر عليه دعواه رياضي آخره، فتحدى مدعي البطولة من أنكر عليه وطلب منه أن يباريه أو أن يأتي بمن يباريه، وهذا المنكر مع شدة حرصه على إبطال دعوى هذا المدعي، ومع أنه ليس به أي مرض ولا له أي عذر يمنعه عن مباراته وعن الإتيان بمن يباريه لم يتقدم لمباراته ولم يأت بمن يباريه، فإن هذا اعتراف منه بالعجز وتسليم بالدعوى.
والقرآن الكريم توافر فيه التحدي به. ووجد المقتضي لمن تحدوا به أن يعارضوه، وانتفى المانع لهم، ومع هذا لم يعارضوه ولم يأتوا بمثله.
أما التحدي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: "إني رسول الله. وبرهاني على أني رسول الله، هذا القرآن الذي أتلوه عليكم؛ لأنه أوحي إلي به من عند الله"، فلما أنكروا عليه دعواه، قال لهم:"إن كنتم في ريب من أنه من عند الله وتبادر إلى عقولكم أنه من صنع البشر فأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله أو بسورة من مثله"، وتحداهم وطلب منهم هذه المعارضة بلهجات واخزة وألفاظ قارعة وعبارات تهكمية تستفز العزيمة وتدعو إلى المباراة، وأقسم أنهم لا يأتون بمثله ولن يفعلوا ولن يستجيبوا ولن يأتوا بمثله.
قال تعالى في سورة القصص: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} . وقال تعالى في سورة الإسراء: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} . وقال سبحانه في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . وقال في سورة البقرة: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} . وقال في سورة الطور: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} .
وأما وجود المقتضي للمباراة والمعارضة عند من تحداهم فهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ادعى أنه رسول الله وجاءهم بدين يبطل دينهم، وما وجدوا عليه آباءهم وسفه عقولهم، وسخر من أوثانهم واحتج على دعواه بأن
القرآن من عند الله وتحداهم أن يأتوا بمثله، فما كان أحوجهم وأشد حرصهم على أن يأتوا بمثله كله أو بعضه ليبطلوا أنه من عند الله وليدحضوا حجة محمد على أنه رسول الله، وبهذا ينصرون آلهتهم ويدافعون عن دينهم ويجتنبون ويلات الحروب.
وأما انتفاء ما يمنعهم من معارضته؛ فلأن القرآن بلسان عربي، وألفاظه من أحرف العرب الهجائية، وعباراته على أسلوب العرب، وهم من أهل البيان وفيهم ملوك الفصاحة وقادة البلاغة، وميدان سباقهم مملوء بالشعراء والخطباء والفصحاء في مختلف فنون القول. هذا من الناحية اللفظية، وأما من الناحية المعنوية فقد نطقت أشعارهم وخطبهم وحكمهم، ومناظراتهم بأنهم ناضجو العقول، ذوو بصر بالأمور وخبرة بالتجاريب، وقد دعاهم القرآن في تحديه لهم أن يستعينوا بمن شاءوا ليستكملوا ما ينقصهم ويتموا عدتهم، وفيهم الكهان وأهل الكتاب. وأما من الناحية الزمنية، فالقرآن لم ينزل جملة واحدة حتى يحتجوا بأن زمنهم لا يتسع للمعارضة بل نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة بين كل مجموعة وأخرى زمن في متسع للمعارضة والإتيان بمثلها لو كان في مقدورهم.
فلا ريب أن الله سبحانه بلسان رسوله في كثير من الآيات تحدى الناس أن يأتوا بمثل القرآن، وأنهم مع شدة حرصهم وتوافر دواعيهم إلى أن يأتوا بمثله، وانتفاء ما يمنعهم لم يأتوا بمثله، ولو جاءوا بمثله وعارضوه لنصروا آلهتهم وأبطلوا حجة من سخر منهم وكفوا أنفسهم شر القتال والنضال، والغزوات عدة سنين. فالتجاؤهم إلى المحاربة بدل المعارضة، وائتمارهم على قتل الرسول بدل ائتمارهم على الإتيان بمثل قرآنه اعتراف منهم بعجزهم عن معارضته وتسليم أن هذا القرآن فوق مستوى البشري، ودليل على أنه من عند الله.
وجوه إعجاز القرآن:
ولكن لماذا عجزوا، وما وجوه الإعجاز؟
اتفقت كلمة العلماء على أن القرآن لم يعجز الناس عن أن يأتوا بمثله من ناحية واحدة معينة، وإنما أعجزهم من نواحي متعددة، لفظية ومعنوية وروحية، تساندت وتجمعت فأعجزت الناس أن يعارضوه. واتفقت كلمتهم أيضا على أن العقول لم تصل حتى الآن إلى إدراك نواحي الإعجاز كلها، وحصرها في وجوه
معدودات. وأنه كلما زاد التدبر في آيات القرآن، وكشف البحث العلمي عن أسرار الكون وسنه، وأظهر كر السنين عجائب الكائنات الحية وغير الحية تجلت نواح من نواحي إعجازه، وقام البرهان على أنه من عند الله.
وهذه ذكر بعض ما وصلت إليه العقول من نواحي الإعجاز:
أولها: اتساق عباراته ومعانيه وأحكامه ونظرياته:
تكون القرآن من ستة آلاف آية. وعبر عما قصد إلى التعبير عنه بعبارات متنوعة وأساليب شتى. وطرق وموضوعات متعددة اعتقادية وخلقية وتشريعية، وقرر نظريات كثيرة، كونية واجتماعية ووجدانية. ولا تجد في عباراته اختلافا بين بعضها والبعض. فليس أسلوب هذه الآية بليغا وأسلوب الأخرى غير بليغ، وليس هذا اللفظ فصيحا، وذاك اللفظ غير فصيح. ولا توجد عبارة أرقى مستوى في بلاغتها من عبارة، بل كل عبارة مطابقة لمقتضى الحال الذي وردت من أجله. وكل لفظ في موضوعه الذي ينبغي أن يكون فيه.
كما لا تجد معنى من معانيه يعارض معنى، أو حكما يناقض حكما، أو مبدأ يهدم مبدأ، أو غرضا لا يتفق وآخر. فكما أنه لا خلاف بين عباراته وألفاظه، لا خلاف بين معانيه وأحكامه. ولا بين مبادئه ونظرياته، ولو كان صادرا من عند غير الله أفرادًا أو جماعات ما سلم من اختلاف بعض عباراته وبعض، أو اختلاف بعض معانيه وبعض؛ لأن العقل الإنساني مهما نضج وكمل لا يمكنه أن يكون ستة آلاف آية في ثلاث وعشرين سنة لا تختلف آية منها عن أخرى في مستوى بلاغتها، ولا تعارض آية منها آية أخرى فيما اشتملت عليه. وإلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أرشد الله سبحانه وتعالى بقوله في سورة النساء:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} .
وما يوجد من اختلاف في الأسلوب بين بعض الآيات وبعض، أو اختلاف أسلوب الآيات في مستوى البلاغة فليس منشؤه اختلاف أسلوب الآيات في مستوى البلاغة، وإنما منشؤه اختلاف موضوع الآيات. فإذا كان الموضوع تقنينا وتبيينا لعدة المطلقة أو نصيب الوارث من الإرث أو مصرف الصدقات أو غير من الأحكام هذا لا مجال فيه للأسلوب الخطابي المؤثر، والذي يطابقه هو الألفاظ
الدقيقة المحددة. وإذا كان الموضوع تسفيها لعبادة الأوثان، أو بيانا لفيضان الطوفان أو استدلالا على قدرة الله، أو تذكيرا بنعمه على عباده، أو تخويفا بشدائد اليوم الآخر، فهذه فيها مجال للأسلوب الخطابي المؤثر المحرك للوجدان فاستعمال الألفاظ المحددة حيث يقتضي المقام الأسلوب الخطابي ليس من البلاغة؛ لأن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال ولكل مقام مقال. وما يوجد من تعارض ظاهري بين ما دلت عليه بعض الآيات، وما دلت عليه أخرى فقد بين المفسرون أنه ليس تعارضًا إلا فيما يظهر لغير المتأمل، وعند التمل يتبين أنه لا تعارض، ومن أمثلة هذا قوله تعالى:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} مع قوله سبحانه: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} . وقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} ، مع الآيات الدالة على أن الله لا يأمر بالسوء والفحشاء، فكل ما ظاهره التعارض من آيات القرآن فهو بعد البحث متفق متسق لا اختلاف فيه، ولو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
وثانيا: انطباق آياته على ما يكشفه العلم من نظريات علمية:
القرآن أنزله الله على رسوله ليكون حجة له ودستورا للناس، ليس من مقاصده الأصلية أن يقرر نظريات علمية في خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وحركات الكواكب وغيرها من الكائنات، ولكنه في مقام الاستدلال على وجود الله ووحدانيته، وتذكير الناس بآلائه ونعمه، ونحو هذا من الأغراض، جاء بآيات تفهم منها سنن كونية ونواميس طبيعية كشف العلم الحديث في كل عصر براهينها، ودل على أن الآيات التي لفتت إليها من عند الله؛ لأن الناس ما كان لهم بها من علم وما وصلوا إلى حقائقها، وإنما كان استدلالهم بظواهرها، فكلما كشف البحث العلمي سنة كونية وظهر أن آية في القرآن أشارت إلى هذه السنة قام برهان جديد على أن القرآن من عند الله. وإلى هذا الوجه من وجوده الإعجاز أرشد الله سبحانه وتعالى بقوله في سورة فصلت:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} .
ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة النمل في مقام الاستدلال على قدرته ولفت النظر إلى آثاره: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} . وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} ، وقوله:{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} . وقوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} ، وقوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} 1. وبعض الباحثين لا يرتضون الاتجاه إلى تفسير آيات القرآن بما يقرره العلم من نظريات ونواميس. وحجتهم أن آيات القرآن لها مدلولات ثابتة مستقرة لا تتبدل والنظريات العلمية قد تتغير وتتبدل، وقد يكشف البحث الجديد خطأ نظرية قديمة. ولكني لا أرى هذا الرأي؛ لأن تفسير آية قرآنية بما كشفه العلم من سنن كونية ما هو إلا فهم للآية بوجه من وجوه الأدلة على ضوء العلم. وليس معنى هذا أن الآية لا تفهم إلا بهذا الوجه من الوجوه، فإذا ظهر خطأ النظرية ظهر خطأ فهم الآية على ذلك الوجه لا خطأ الآية نفسها، كما يفهم حكم من آية، ويتبين خطأ فهمه بظهور دليل على هذا الخطأ.
وثالثها: إخباره بوقائع لا يعلمها إلا علام الغيوب:
أخبر القرآن عن وقوع حوادث في المستقبل لا علم لأحد من الناس بها، كقوله تعالى:{الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ} . وقوله سبحانه: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} .
وقص القرآن قصص أمم بائدة ليست بها آثار ولا معالم تدل على أخبارها وهذا دليل على أنه من عند الله الذي لا تخفى عليه خافية في الحاضر والماضي والمستقبل، وإلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أرشد الله سبحانه بقوله:{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} .
1 ألف الصدر الأعظم الغازي أحمد مختار باشا القوميسير العثماني العالي في مصر سابقا كتابا سماه "سرائر القرآن في تكوين وفناء وإعادة الأكوان" تضمن تسعين آية قرآنية مطبقة على العلم تطبيقا دقيقا، وقد نقل هذا الكتاب عن التركية السيد محب الدين الخطي وطبعه مصدرا برسالة للأمير شكيب أرسلان قال فيها: إن هذا الكتاب لم يخدم القرآن بمثله إلى اليوم.
ورابعها: فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته وقوة تأثيره:
ليس في القرآن لفظ ينبو عن السمع أو يتنافر مع ما قبله أو ما بعده. وعباراته في مطابقتها لمقتضى الأحوال في أعلى مستوى بلاغي، ويتجلى هذا لمن له ذوق عربي في تشبيهاته وأمثاله وحججه ومجادلاته، وفي إثباته للعقائد الحقة وإفحامه للمبطلين وفي كل معنى عبر وهدف رمى إليه، وحسبنا برهانًا على هذا شهادة الخبراء من أعدائه، واعتراف أهل البيان والبلاغة من خصومه.
والإمامان الزمخشري في تفسيره "الكشاف" وعبد القاهر في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" تكفلا ببيان كثير من وجوه الفصاحة والبلاغة في آيات القرآن، وأما قوة تأثيره في النفوس وسلطانه الروحي على القلوب، فهذا يشعر به كل منصف ذي وجدان، وحسبنا برهانًا على هذا أنه لا يمل سماعه ولا تبلى جدته، وقد قال الوليد بن المغيرة وهو ألد أعداء الرسول:"إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر". والحق ما شهدت به الأعداء1.
أنواع أحكامه:
أنواع الأحكام التي جاء بها القرآن الكريم ثلاثة:
الأول: أحكام اعتقادية تتعلق بما يجب على المكلف اعتقاده في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
والثاني: أحكام خلقية، تتعلق بما يجب على المكلف أن يتحلى به من الفضائل، وأن يتخلى عنه من الرذائل.
والثالث: أحكام عملية، تتعلق بما يصدر عن الملكف من أقوال وأفعال وعقود وتصرفات. وهذا النوع الثالث هو فقه القرآن، وهو المقصود الوصول إليه بعلم أصول الفقه.
1 من أراد المزيد من بحوث إعجاز القرآن فليقرأ كتاب إعجاز القرآن للمرحوم مصطفى صادق الرافعي الذي قدمه المرحوم سعد زغلول باشا بمقدمة وصفه فيها بقوله: كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم.
والأحكام العملية في القرآن تنتظم نوعين: أحكام العبادات من صلاة وصوم وزكاة، وحج ونذر ويمين ونحوها من العبادات التي يقصد بها تنظيم علاقة الإنسان بربه، وأحكام المعاملات من عقود وتصرفات وعقوبات وجنايات وغيرها مما عدا العبادات، ومما يقصد بها تنظيم علاقة المكلفين بعضهم ببعض، سواء أكانوا أفرادًا أم أمما أم جماعات، فأحكام ما عدا العبادات تسمى في الاصطلاح الشرعي أحكام المعاملات، وأما في اصطلاح العصر الحديث، فقد تنوعت أحكام المعاملات بحسب ما تتلعق به، وما يقصد بها إلى الأنواع الآتية:
1-
أحكام الأحوال الشخصية: وهي التي تتعلق بالأسرة من بدء تكونها، ويقصد بها تنظيم علاقة الزوجين والأقارب بعضهم ببعض، وآياتها في القرآن نحو 70 آية.
2-
والأحكام المدنية: وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن، وكفالة وشركة ومداينة ووفاء بالالتزام، ويقصد بها تنظيم علاقات الأفراد المالية وحفظ حق كل ذي حق، وآياتها في القرآن نحو 70 آية.
3-
والأحكام الجنائية: وهي التي تتعلق بما يصدر عن المكلف من جرائم وما يستحقه عليها من عقوبة، ويقصد بها حفظ حياة الناس، وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم وتحديد علاقة المجني عليه بالجاني وبالأمة، وآياتها في القرآن نحو 30 آية.
4-
وأحكام المرافعات: وهي التي تتعلق بالقضاء والشهادة واليمين، ويقصد بها تنظيم الإجراءات لتحقيق العدل بين الناس، وآياتها في القرآن نحو 13 آية.
5-
والأحكام الدستورية: وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، ويقصد بها تحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتقرير ما للأفراد والجماعات من حقوق، وآياتها نحو 10 آيات.
6-
والأحكام الدولية: وهي التي تتعلق بمعاملة الدولة الإسلامية لغيرها من الدول، وبمعاملة غير المسلمين في الدول الإسلامية، ويقصد بها تحديد علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم وفي الحرب، وتحديد علاقة المسلمين بغيرهم في بلاد الدول الإسلامية، وآياتها نحو 25 آية.
7-
والأحكام الاقتصادية والمالية: وهي التي تتعلق بحق السائل والمحروم في مال الغني، وتنظيم الموارد والمصارف، ويقصد بها تنظيم العلاقات المالية بين الأغنياء، والفقراء وبين الدولة والأفراد. وآياتها نحو 10 آيات.
ومن استقرأ آيات الأحكام في القرآن يتبين أن أحكامه تفصيلية في العبادات، وما يلحق بها من الأحوال الشخصية والمواريث؛ لأن أكثر أحكام هذا النوع تعبدي ولا مجال للعقل فيه ولا يتطور بتطور البيئات، وأما فيما عدا العبادات والأحوال الشخصية من الأحكام المدنية والجنائية، والدستورية والدولية والاقتصادية، فأحكامه فيها قواعد عامة ومبادئ أساسية، ولم يتعرض فيها لتفصيلات جزئية إلا في النادر؛ لأن هذه الأحكام تتطور بتطور البيئات والمصالح، فاقتصر القرآن فيها على القواعد العامة والمبادئ الأساسية ليكون ولاة الأمر في كل عصر في سعة من أن يفصلوا قوانينهم فيها حسب مصالحهم في حدود أسس القرآن من غير اصطدام بحكم جزئي فيه.
دلالة آياته إما قطعية وإما ظنية:
نصوص القرآن جميعها قطعية من جهة ورودها وثبوتها، ونقلها عن الرسول إلينا، أي نجزم ونقطع بأن كل نص نتلوه من نصوص القرآن، هو نفسه النص الذي أنزله الله على رسوله، وبلغه الرسول المعصوم إلى الأمة من غير تحريف ولا تبديل؛ لأن الرسول المعصوم كان إذا نزلت عليه سورة أو آيات أو آية بلغها أصحابه وتلاها عليهم وكتبها وحيه، وكتبها من كتب لنفسه من صحابته، وحفظها منهم عدد كثير وقرءوها في صلواتهم، وتعبدوا بتلاوتها في سائر أوقاتهم، وما توفي الرسول إلا وكل آية من آيات القرآن مدونة فيما اعتاد العرب أن يدونوا فيه، ومحفوظة في صدور كثير من المسلمين، وقد جمع أبو بكر الصديق بواسطة زيد بن ثابت، وبعض الصحابة المعروفين بالحفظ والكتابة هذه المدونات، وضم بعضها إلى بعض، مرتبة الترتيب الذي كان الرسول يتلوها به ويتلوها به أصحابه في حياته، وصارت هذه المجموعة وما في صدور الحفاظ هي مرجع المسلمين في تلقي القرآن وروايته، وقام على حفظ هذه المجموعة أبو بكر في حياته، وخلفه في المحافظة عليها عمر، ثم تركها عمر عند ابنته حفصة أم المؤمنين، وأخذها من حفصة عثمان في خلافته، ونسخ منها بواسطة زيد بن ثابت
نفسه، وعدد من كبار المهاجرين والأنصار عدة نسخ أرسلت إلى أمصار المسلمين، فأبو بكر حفظ كل ما دونت فيه آية أو آيات من القرآن حتى لا يضيع منه شيء، وعثمان جمع المسلمين على مجموعة واحدة من المدون ونشره بين المسلمين حتى لا يختلفوا في لفظ، وتناقل المسلمون القرآن كتابة من المصحف المدون، وتلقيا من الحفاظ أجيالا عن أجيال في عدة قرون، وما اختلف المكتوب منه والمحفوظ، ولا اختلف في لفظة منه صيني ومراكشي ولا بولوني وسوداني، وهذه ملايين المسلمين في مختلف القارات منذ ثلاثة عشر قرنا ونيف وثمانين سنة يقرءونه جميعا لا يختلف فيه فرد عن فرد، ولا أمة عن أمة، لا بزيادة ولا نقص ولا تغيير أو تبديل أو ترتيب تحقيقا لوعد الله سبحانه إذ قال عز شأنه:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
وأما نصوص القرآن من جهة دلالتها على ما تضمنته من الأحكام فتنقسم إلى قسمين: نص قطعي الدلالة على حكمه. ونص ظني الدلالة على حكمه.
فالنص القطعي الدلالة هو ما دل على معنى متعين فهمه منه، ولا يحتمل تأويلا ولا مجال لفهم معنى غيره منه، مثل قوله تعالى:{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} فهذا قطعي الدلالة على أن فرض الزوج في هذه الحال النصف لا غير، ومثل قوله تعالى في شأن الزاني والزانية:{فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} ، فهذا قطعي الدلالة على أن حد الزنا مائة جلدة لا أكثر ولا أقل، وكذا كل نص دل على فرض في الإرث مقدر أو حد في العقوبة معين أو نصاب محدد، وأما النص الظني الدلالة فهو ما دل على معنى ولكن يحتمل أن يؤول ويصرف هذا المعنى ويراد منه معنى غيره مثل قوله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} فلفظ القرء في اللغة العربية مشترك بين معنيين يطلق لغة على الطهر ويطلق لغة على الحيض، والنص دل على أن المطلقات يتربصن ثلاثة قروء، فيحتمل أن يراد ثلاثة أطهار، ويحتمل أن يراد ثلاث حيضات فهو ليس قطعي الدلالة على معنى واحد من المعنيين، ولهذا اختلف المجتهدون في أن عدة المطلقة ثلاثة حيضات أو ثلاثة أطهار ومثل قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} فلفظ الميتة عام والنص يحتمل الدلالة على تحريم كل ميتة، ويحتمل أن يخصص التحريم بما عدا ميتة البحر، فالنص الذي فيه لفظ مشترك أو لفظ عام، أو لفظ مطلق أو نحو هذا يكون ظني الدلالة؛ لأنه يدل على معنى يحتمل الدلالة على غيره.