الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: كتب الطبقات
المبحث الأول: تعريف الطبقة مع بيان نشأة علم الطبقات وفائدة معرفته
…
المبحث الأول: تعريف الطبقة مع بيان نشأة علم الطبقات وفائدة معرفته
أ- تعريف الطبقة:
من أجود وأشمل ما وقفت عليه في تعريف الطبقة لغة ما كتبه الأستاذ محمود شاكر في مقدمة تحقيقه لكتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي، حيث قال:
"والذي لا شك فيه أن هذا اللفظ من كلام العرب قديماً للدلالة على معانٍ مختلفة، ولما جاء عصر التدوين صار له مجاز آخر عند المؤلفين والكاتبين، حتى انتهى إلى زماننا هذا بمعنى مشهور مألوف.
ومادة (طبق) تؤول أكثر معانيها في لسان العرب إلى تماثل شيئين إذا وضعت أحدهما على الآخر ساواه وكانا على حذوٍ واحد فقيل منه: تطابق الشيئان إذا تساويا وتماثلا.
وسموا كل ما غطى شيئأ (طبقاً) لأنه لا يغطيه حتى يكون مساوياً
له، ثم لا يغطيه حتى يكون فوقه، فسموا مراتب الناس ومنازل بعضهم فوق بعض (طبقات)1.
ولما كانت كل مرتبة من المراتب لها حال ومذهب سموا
1انظر: الصحاح للجوهري (4 / 1511-1512) ، وتاج العروس.
الحال المميزة نفسها طبقة.
فقالوا: فلان من الدنيا على طبقات شتى؛ أي: على أحوال شتى، وهذا المعنى أشد وضوحاً في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:"أَلا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً وَيَحْيَا مُؤْمِناً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً وَيَحْيَا كَافِراً وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً وَيَحْيَا مُؤْمِناً وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً وَيَحْيَا كَافِراً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً" الحديث. 1
وهذا بيان عن مذاهب الناس وأحوالهم في حياتهم، لا عن مراتبهم ومنازلهم.
وقد وجدت هذا اللفظ في خبر آخر تعين عليه اللغة، فقد روى القاضي ابن أبي يعلى (ت 526 هـ) بإسناده إلى عباس بن محمد الدوري (ت 271 هـ) أنه قال: "انتهى علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ستة نفر، من الصحابة رضي الله عنهم: عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، فهؤلاء طبقات الفقهاء.
1رواه الإمام أحمد في المسند (3 / 19، 61) ، والترمذي في جامعه (4 / 483) ح 2191 في كتاب الفتن - باب ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بما هو كائن.
ومنه بهذا المعنى حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: "إني كنت على أطباق ثلاث، ليس طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول شيءٍ كافراً
…
" الحديث رواه مسلم في الصحيح (1/ 112 ح 121) ، والإمام أحمد في المسند (4/ 199) واللفظ له.
وأما الرواة فستة نفر أيضاً: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وعائشة رضي الله عنهم.
وأما طبقات أصحاب الأخبار والقصص فستة نفر: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وطاووس اليماني، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن عمر الواقدي.
وأما طبقات التفسير فستة أيضاً: عبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والسدي.
وأما طبقات خُزَّان العلم: فالأعمش، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، وشعبة ابن الحجاج.
وأما طبقات الحفاظ فستة نفر: أحمد بن محمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج. 1
فَبَيِّنٌ جداً أنه سمَّى كل واحد من الستة (طبقة)، وسمى كل ستة نفر جميعاً: إما طبقات الفقهاء، وإما طبقات الرواة، وإما طبقات التفسير
…
إلى آخر ما سمى، وبَيِّنٌ أنّه يعني بتسمية كل واحد منهم (طبقة) أنه رأس متميز في الفقه أو الرواية أو التفسير أو الحفظ". 2 اهـ. ملخصاً بتصرف يسير.
1طبقات الحنابلة (1 / 238) .
2مقدمة الأستاذ محمود شاكر في تحقيقه لطبقات فحول الشعراء لابن سلام (1 / 65 - 66) .
أما تعريف الطبقة في اصطلاح المحدثين فهو:
قوم تقاربوا في السن والإسناد أو في الإسناد فقط، بأن يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر أو يقاربوا شيوخه، وقد يكون الراوي في طبقة باعتبار مشابهته لها من وجه ومن طبقة أخرى لمشابهته لها من وجه آخر، كأنس بن مالك وشبهه من أصاغر الصحابة، هم مع العشرة في طبقة الصحابة، وعلى هذا الصحابة كلهم طبقة باعتبار اشتراكهم في الصحبة، وباعتبار آخر هو النظر إلى الفضل والسابقة في الإسلام - هم عدة طبقات كما ذكر الحافظ ابن سعد في "طبقاته" والحاكم في "معرفة علوم الحديث". 1
ب- نشأة علم الطبقات وتطوره:
تقسيم تراجم الرواة على الطبقات تقسيم إسلامي أصيل، والأصل فيه:
ما رواه عمران بن حصين رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة
…
الحديث. 2
وقد نشأ هذا العلم وتطور على أيدي علماء الحديث منذ القرن الثاني الهجري، ولم يقتصر فيه على تقسيم الرواة على الطبقات بحسب لقائهم للشيوخ، سواء كان عاماً بمعنى الجيل أو القرن كما فعل كلٌّ من:
1علوم الحديث لابن الصلاح (ص: 357) النوع الثالث والستون، وتدريب الراوي (2 / 381) .
2رواه البخاري في فضائل الصحابة، الفتح (7 / 3) ح 3650.
1-
بحشل الواسطي (ت 292 هـ) في "تاريخ واسط".
2-
أبو حاتم بن حبان البستي (ت 354 هـ) في كتابيه "الثقات" و "مشاهير علماء الأمصار".
3-
أبو عبد الله الحاكم (ت 405 هـ) في "تاريخ نيسابور".
حيث جعل هؤلاء الرواة على أربع طبقات: الصحابة، التابعون، أتباع التابعين، تبع الأتباع.
أو كان بصورة أدق في التقسيم كما فعل كل من:
1-
محمد بن سعد الزهري (ت 230 هـ) في "طبقاته الكبرى".
2-
خليفة بن خياط العصفري (ت 240 هـ) في "طبقاته".
3-
أبو عبد الله الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث".
حيث قسم هؤلاء الرواة إلى عدة طبقات بحسب لقائهم للشيوخ لكن بصورة أدق، فمثلاً من لقي كبار الصحابة من التابعين يعد طبقة أولى، ومن لقي من دونهم يعد طبقة ثانية، ومن لقي صغارهم يعد طبقة ثالثة، وهكذا 1.لم يقتصر المحدثون على تقسيم الرواة
1وقد سلك مثل هذا التقسيم التفصيلي الحافظ ابن الجوزي (ت 597 هـ) في كتابه صفة الصفوة وقد اقتفى أثر ابن سعد في طبقاته. انظر: مقدمته (33 / 38) ، ومن المتأخرين الإمام الذهبي في كثير من كتبه كـ التذكرة والسير وطبقات القراء وطبقات المحدثين وغيرها وكذلك الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب والسيوطي (ت 911 هـ) في طبقات الحفاظ وغيرهم.
بحسب الشيوخ بل تطور استعماله عند علماء الحديث إلى معان أخرى كالفضل والسابقة كما في الصحابة أو الحال والمنزلة كما تقدم ذكر ذلك في كلام عباس الدوري، وكل هذه التقسيمات يشملها معنى الطبقة في لسان العرب، كما سبق الإشارة إلى ذلك في التعريف.
وقد استمر التأليف على الطبقات يتسع ويتطور حتى نهاية القرن التاسع الهجري.
كما امتدَّ استعمال نظام الطبقات إلى كتب التراجم الأخرى:
كـ "طبقات القراء" لخليفة بن خياط (ت 240 هـ) ، و "طبقات الفقهاء" لأبي إسحاق الشيرازي (ت 476 هـ) ، و "طبقات الصوفية" لأبي عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ) ، و "طبقات فحول الشعراء" لمحمد سلاّم الجمحي (ت 232 هـ) ، و "طبقات النحويين" لأبي بكر الزبيدي (ت 379 هـ) وغير ذلك.
ج- فائدة معرفة علم الطبقات:
قال الحافظ العراقي (ت 806 هـ) :
"ومن المهمات معرفة طبقات الرواة، فإنه قد يتفق اسمان في اللفظ فيظن أن أحدهما الآخر فيتميز ذلك بمعرفة طبقتهما إن كانا من طبقتين، فإن كانا من طبقة واحدة فربما أشكل الأمر، وربما عرف ذلك بمن فوقه أو دونه من الرواة، فربما كان أحد المتفقين في الاسم لا يروي عمن روى عنه الآخر، فإن اشتركا في الراوي الأعلى وفيمن روى عنهما فالإشكال حينئذ أشد، وإنما يميز ذلك أهل الحفظ
والمعرفة، ويعرف كون الراويين أو الرواة من طبقة واحدة بتقاربهم في السن وفي الشيوخ الآخذين عنهم، إما بكون شيوخ هذا هم شيوخ هذا أو تقارب شيوخ هذا من شيوخ هذا في الأخذ، وبسبب الجهل بمعرفة الطبقات غلط غير واحد من المصنفين، فربما ظن راوياً راوياً آخر غيره، وربما أدخل راوياً في غير طبقته". 1
وقال الحافظ السخاوي (ت 902 هـ) :
"وفائدته الأمن من تداخل المشتبهين كالمتفقين في اسم أو كنية أو نحو ذلك، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة لمعرفة الحديث المرسل أو المنقطع وتمييزه عن الحديث المسند، وبينه وبين التأريخ عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة وينفرد التأريخ بالحوادث والطبقات بما إذا كان في البدريبن مثلاً من تأخرت وفاته عمن لم يشهدها لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة". 2
1شرح التبصرة والتذكرة (3 / 274 - 275) .
2فتح المغيث (4 / 394)، الإعلان بالتوبيخ (ص: 46) ، وانظر: نزهة النظر (ص: 68) .