الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث عشر: مقصود الشارع هو الجانب الغالب في المصالح والمفاسد
…
المبحث الثالث عشر: مقصود الشارع والجانب الغالب في المصالح والمفاسد
هل إن المصلحة الشرعية تتسم بصلاحها ونفعها في جميعها وكليتها، أم أن ذلك لصلاح النفع والخير يعود إلى أغلبها وأكثرها؟
ولزيادة التوضيح نورد التمثيل على ذلك؛ لأن المثال يوضح حال؛ فأكل مال الغير ومعاقبة الجاني وغير ذلك، وكذلك أمر المكلف بفعل الطاعات والقربات، كل ذلك مشروع وعائد على المكلف بمصالح كثيرة ومنافع معتبرة.
فمنع أكل المال عائد بمصلحة حفظ المال وصيانته من التلف والضياع، ومعاقبة الجاني لها مصلحته المتعلقة بردع المخالفين وزجر الجناة وقمع الطغاة لحفظ الناس في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم وأمنهم العام والخاص، والأمر بالطاعات والقربات راجع بالخير والسعادة في العاجل والآجل إلى المكلف المطيع المتعبد، كل تلك المصالح معتبرة ومقبولة ومقررة في الشرع، وقد دلت عليها ما لا يحصى من الأدلة والقرائن والمعطيات الشرعية دلالة قطعية ويقينية انتظم بمجموعها اعتبار تلك المصالح وتقريرها والاعتداد بها والتعويل عليها في معاملة الحكم الشرعي فهمًا واستيعابًا وتطبيقًا وتنزيلًا.
غير أن المصالح تظل في حكم الغالب والأكثر، أي أنها لا تَسلَم من شوائب ما يضاد المصلحة ويعارضها من بعض الضرر وبعض الألم الذي يكون في حكم القليل الذي لا يُلتفت إليه، وفي معنى النادر الذي لا يعتد به
فالعبرة بالغالب الأكثر، أما القليل أو اليسير فلا يُلتفت إليه كما نص على ذلك علماء القواعد والمقاصد والفوائد، وهذا هو نفسه معنى قوله العلماء:"المصلحة الشرعية غالبة وليست محضة".
فمصلحة من أكل مال الغير غالبة وليست محضة أو خالصة؛ وذلك لأنها لا تخلو من ضرر يسلط على الآكل بالسرقة أو الغصب أو الاحتيال؛ وذلك بإيقاع الألم النفسي أو الحسي في نفسه أو بضمان وإرجاع ما أخذ، وفي كل ذا ضرر واقع على ذاته، وانتفاء لمصلحة هذا الآكل ومنفعته في أخذ مال الغير بلا وجه شرعي.
وكذلك الحال بالنسبة للجاني الذي إذا عوقب فقد يحرم من نفسه، أو عضو من أعضائه، أو من ماله وحريته بموجب القصاص، أو الضمان، أو السجن، أو النفي، أو غير ذلك من الزواجر التي تحدث له بعض الضرر، وتنفي عنه بعض النفع والصلاح.
غير أن هذا الضرر الضئيل إنما هو ضرر جزئي في مقابل درء الضرر الكلي، وهو ضرر مؤد إلى المصالح المعتبرة والمنافع الحقيقية؛ أما منفعة الجاني في جانيته فيه لا تتجاوز أن تكون منفعة وهمية وخيالية ومرجوحة ومعمقة لواقع الفساد، وحدوث الفوضى الاجتماعية، وظهور الافتتان والاقتتال والتنازع الذميم.
وفي مثال الأمر بالطاعات فإن المطيع ظافر بإذن الله بسعادة الدنيا والآخرة وبمصالح لا تحصى من الخير والفائدة في ذاته ومجتمعه، في آله ومآله؛ فمصلحة التعبد معلومة الحقيقة والآثار والنتائج، غير أن ذلك
الصلاح لا يخلو من بعض الألم والضرر الظاهري الذي قد يعود على المكلف، على نحو ألم مخالف النفس ومعارضتها عند أداء التكليف التي تأباها النفس أحيانًا، كالصوم في الحر والقرّ، والصلاة عند الفجر والعشاء، وبذل المال الذي هو قطعة من الكبد، والجهاد الذي هو بذل النفس والمال العزيزين المرغوبين فكل تلك التكاليف ذات مصالح ومنافع معتبرة ومقبولة في الدنيا والآخرة؛ غير أنها لا تخلو من بعض آلامها وثقلها ومشاقها التي هي في الحقيقة قليلة ونادرة من جهة، وشروط ومسلمات ضرورية لا بد منها في قيام التكليف وصحته من جهة ثانية، ثم إنها هينة وسهلة وميسورة ندما تصدر من المؤمن الصادق والمسلم القوي الذي يدعو ربه خوفًا وطمعًا؛ فهي بهذا الاعتبار تمثل الطريق السوي في تعويد المكلف على مبدأ الامتثال، وتربيته على معاني الصبر والتضحية، ومغالبة النفس، ووضع حد للشهوات والنزوات التي لا حد لها.
فمصالح الدنيا ومفاسد الدنيا غالبة وليست محضة، ودليل ذلك قوله تعالى عن الخمر والميسر:{قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} 1 فالخمر والميسر مفسدتان عظيمتان من حيث ضياع المال والعقل والنفس؛ ولكنهما منفعتان حقيرتان وقليلتان لصاحب القمار والميسر فيما يكسبه أحيانًا، ولصاحب الخمر فيما يعود إليه من ربح مادي أو نشوة نفسية أو البعد عن بعض الهموم؛ غير أنه يقع في هموم وغموم أخرى لا نهاية ولا حدّ لها.
1 سورة البقرة، آية 219.
أما المصلحة في الآخرة، وكذلك المفسدة في العذاب الأليم؛ فإنهما مخضتان وخالصتان، فالجنة نعيم كلها لا ضرر ولا إثم فيها، وجهنم كذلك، فإنها مفسدة كلها، وهلاك كلها، وخسارة كلها، وهذا معنى كون الهلاك فيها خالصًا متمحضًا ليس فيه أمل ولا حتى تخيل الأمال؛ فالعذاب كله واللعنة جميعها نازلة بأهل النار ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله، ونعوذ بالله من الهلاك كله وبعضه وعاجله وآجله، إنه سميع مجيب، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمئاب.