الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: موضوع مقاصد الشريعة
موضوع أي علم يتناول مادته وماهيته وحقيقته ومحتواه، أي جملة الموضوعات والمسائل التي يتضمنها ويتعلق بها.
فموضوع العقيدة هو التوحيد والتصديق بالمُسَلَّمات والغيبات الإيمانية التي وردت في الكتاب والسنة.
وموضوع الفقه هو بيان أحكم الحلال والحرم، والواجب والمستحب والمكروه، وكذلك أدلتها التفصيلية من الآيات والأحاديث والسنن وتفاسير وأقوال العلماء والترجيح بينها.
وموضوع علم الأصول هو القواعد الإجمالية والمبادئ الكلية والمصادر التشريعية العامة التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام واستخراجها؛ لذلك سمي علم أصول الفقه بعلم الاستنباط والاستخراج.
وموضوع علم الهندسة والوراثية هو بيان ودراسة الخصائص الوارثية وتعديلها والتحكم فيها لأغراض صحية واقتصادية وبيئية.
وبصرف النظر عن شرعيتها وعدمها ومعلوم أن من الهندسة الوراثية ما هو مباح وجائز، وما هو حرام ومحظور، بحسب قاعدة المصالح والمفاسد الشرعية.
فموضوع مقاصد الشريعة: هو بيان وعرض حِكَم الأحكام، وأسرار التشريع، وغايات الدين، ومقاصد الشارع، ومقصود المكلف ونيته، وغير ذلك مما يندرج ضن ما أصبح يعرف حاليًا بمقاصد الشريعة التي أصبحت عِلمًا شرعيًا، وفنًا من فنون الشريعة الإسلامية، وضربًا من ضروبها،
وشرطًا من شروط فهمها وتعقلها وتطبيقها والاجتهاد في ضوئها؛ بل إن المقاصد يتزايد الاهتمام بها يوميًا، بعد يوم بحثًا وتأليفًا؛ تحقيقًا وتعليقًا، تنظيرًا وتدوينًا؛ الأمر الذي أدى بكثير من الباحثين والدراسين إلى الدعوة إلى تأسيس نظرية متكامة في علم المقاصد يرتكز موضوعه على بحث المصالح الشرعية من حيث تعريفها وأمثلتها وحجيتها وحقيقتها، ومن العقل، وغير ذلك مما يتعلق به موضوع هذا الفن الجديد.
مثال ذلك:
البيع مشروع لمصلحة الانتفاع بالعوضين وهذه المصلحة ضرورية؛ لأن الحياة تقوم عليها؛ لذلك حُرم الاحتكار؛ لأن الاحتكار يعطل أقوات الناس وأطعمتهم، ثم إن هذه المصلحة عامة تتعلق بكل إنسان، أما الاحتكار فهو مصلحة حاصلة تنفع المحتكر فقط على حساب الناس؛ فيكون الاحتكار ممنوعًا لكونه مصلحة خاصة، ويكون البيع مباحًا وتوفير البضاعة واجبًا؛ لكونه مصلحة عامةن والقاعدة تقول "بأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة".
ومصلحة البيع مصلحة حقيقية؛ لأن نفعه عائد على جميع الناس بتراض وعدل، بخلاف الربا الذي وإنْ كانت فيه مصلحة؛ فهي مصلحة فردية تعود على المُرَابي فقط على حساب أغلبية المستضعفين والمغلوبين، ثم إن مصلحة الربا في نظر الشارع مصلحة وهمية خيالية مغلوبة، ومرجوحة باطلة مردودة؛ وذلك لِمَا تؤول إليه من الغُبْن وبخس الناس أشياءهم، وأكل أموالهم، وتعميق الفوارق بينهم، وخدش الوحدة والمودة
والتضامن بينهم؛ لذلك وصف الله الربا وصفًا شنيعًا، وأعلن الحرب على أهله، قال تعالى:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} 1، وقال تعالى:{فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه} 2 فنَظَر المجتهد في هذه المصالح وفي كونها حقيقية وخيالية أو عامة وخاصة، وفي علاقتها بأدتها الشرعية في إفضائها إلى مراد الشارع ومقصوده، كل ذلك يعد من صميم موضوع هذا العلم الشرعي المفيد.
1 سورة البقرة. آية 276.
2 سورة البقرة. آية 279.