الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولذلك يعد مخالف القانون، ومنتبع شهواته وأهوائه مارقًا وخارجًا عن النظام المتبع في بلاده، ومحل مؤخذة وملاحقة وقضاء؛ لأن القانون أو النظام المتبع مجعول لتنظيم المعاملات المدنية، ولوضع الحدود والقيود لشهوات الناس ورغباتهم، ولإخراجهم من حالة التصرف غير المسئول والتعامل غير المنضبط.
وكذلك الشأن بالنسبة لكل القوانين والأنظمة، بصرف النظر عن الحكم على تلك القوانين والأنظمة بصلاحها أو فسادها.
المطلب الثاني: العمل الذي يمتزج فيه هوى النفس ومقصود الشارع
…
المطلب الثاني: العمل الذي يمتزج فيه هوى النفس ومقصود الشرع
العمل الذي ينبني على مقصود الشارع، دون التفات إلى هوى النفس وميلها، لا شك في صحته وحقيته، والله يسأل قبول ومرضاته.
أما العمل الذي يمتزج فيه هي النفس مع قصد الشارع وتعاليم الشرع؛ فينظر في الأسبق والأغلب وفي المآلات والآثار، فيحكم عليه بحسب ذلك. كما ينبغي التنبيه والتأكيد على أن الأسلم والأحوط، والأورع تخليص العمل من كل شوائب الهوى النفسي، والرغبات، واللذات، الشهوات، وإن كانت غير مخالفة لقصد الشارع، درءًا لما قد يوصل إلى مخالفة الشرع ومقصوده، وإلى ما يجعل الهوى متبوعًا وسابقًا وغالبًا، والشرع تابعًا ومسبوقًا ومغلوبًا.
وإليكم شرح القاعدتين فيما يلي:
القواعد المستخلصة من مقصد عبادة الله تعالى ومخالفة هوى النفس:
نستخلص من مقصد عبادة الله ومخالفة هوى النفس قاعدتين:
القاعدة الأولى:
بطلان العمل التابع للهوى دون الشرع؛ لأن الأصل اتباع الشرع، وليس الهوى والشهوة.
القاعدة الثانية:
قاعدة ذم اتباع الهوى ولو جاء في ضمن المحمود والمشروع؛ وذلك خشية الخروج من المشروع، ومخالفة المحمود، بالوقوع في الجري وراء الأغراض والشهوات، والعمل على تحصل ثناء الناس ومدحهم، وما ينجر عن ذلك من تكريم وتبجيل مادي ومعنوي، وهذا يفضي إلى الرياء والسمعة وبطلان العمل وفساده، وإن كان في بدايته مبنيا على موافقة مقصود الشارع وتعاليم الشرع.
القاعدة الأولى: بطلان العمل التابع للهوى دون الشرع
العمل الذي يتبع في الإنسان هواه وشهواته، ويترك فيه أوامر الشرع ونواهيه، يُحكَم عليه قطعًا ويقينًا بأنه باطل وفاسد.
وكل فعل كان المتبع فيه بإطلاق الأمر والنهي والتخيير؛ فهو صحيح وحق؛ لأنه قد أتى به من طريقه الموضوع له، ووافق فيه صاحبه قصد الشارع؛ فكان كله صوابا وهو ظاهر.
وأما أن امتزج فيه الأمران فكان معمولا بهما، فالحكُم للغالب والسابق.
ومعنى الغالب: الأكثر والأقوى في الحمل على الفعل، والذي سبق إلى النفس منهما.
ومعنى السابق: الواقع أولًا وقبل غيره، أي أن المكلف قصد أمر الشارع، وقصد تحقيق غرضه من الطريق المشروع، فيكون قد تحقق له أمران:
- موافقة قصد الشارع.
- موافقة غرضه وقصده بفعل مشروع، وإن كان موافقا لهواه؛ لأن الشريعة موضوعة لمصالح العباد ومنافعهم ولذائذهم.
وإن كان الغالب والسابق هو الهوى، وصار أمر الشارع تابعًا ولا متبوعًا، فهو باطل فاسد.
ويذكر الشاطبي مثالًا: هو أن واطئ زوجته أثناء الطهر محتمل أن يكون فيه تابعًا لهواه، أو لإذن الشارع؛ فإن حاضت أو صامت أو أحرمت فانكف، دلَّ على أن هواه تبع، وإلا دل على أنه سابق.
القاعدة الثانية: ذم اتباع الهوى ولو جاء في ضمن المحمود
ذكرنا أن اتباع الهوى الذي يأتي على وفق قصد الشارع وتعاليمه معدود ضمن المشروع، غير أنه مذموم ومكروه.
- لأنه يخشى أن يكون سببًا في تعطيل الأوامر وارتكاب النواهي.
- لأنه يخشى أن يؤدي إلى الرياء والنفاق والسمعة والشهرة، وأن يغير القصد من طاعة الله والعمل بموجب مراده وأحكامه إلى مخالفة الأحكام، والاحتكام إلى الهوى والشهوة فقط.
ومثال ذلك ما ذكره الشاطبي بقوله 1:
إن العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عمله الالتذاذ بما هو فيه، والنعيم بما يجتبيه من ثمرات الفهوم، وانفتاح مغاليق العلوم وربما أكرم ببعض الكرامات أو وضع له القبول في الأرض، فانحاش الناس إليه، وحلقوا عليه، وانتفعوا بهن وأمُّوه لأغراضهم المتعلقة بدنياهم وأخراهم، إلى غير ذلك مما يدخل على السالكين طرق الأعمال الصالحة، ومن الصلاة والصوم، وطلب العلم، والخلوة للعبادة، وسائر الملازمين لطرق الخير. فذا دخل عليه ذلك كان للنفس به بهجة وأُنْس، وغنى ولذة ونعيم، بحيث تصغر الدنيا وما فيها إلى لحظة من ذلك.
كما قال بعضهم: "لو علم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف" أو كما قال.
وإذا كان كذلك فلعل النفس تنزع إلى مقدمات تلك النتائج فتكون سابقة للأعمال. وهو باب السقوط عن تلك الرتبة -والعياذ بالله- هذا، وإن كان الهوى في المحمود ليس بمذموم على الجملة؛ فقد يصير إلى المذموم على الإطلاق، ودليل هذا المعنى مأخوذ من استقراء أحوال السالكين وأخبار الفضلاء والصالحين، فلا حاجة إلى تقريره هنا.
وعلل النفس تشتد رغبتها في القيام بالصلاة والصيام والخلوة للعبادة ليزداد أنسها وبهجتها، لذتها وتقييمها وإكرامها بالكرامات وزيادة القبول في الأرض، وكل هذا هوى خالط المحمود من العمل؛ لكنه قد يسبق إلى النفس فيخسر صاحبه مرتبته، فالأحوط من كل ذلك أن يتبع العامل أحكام الشرع، وقصد الشارع، وأن ينقح فعله وامتثاله من كل هوى نفسي، وإن
1 انظر كتاب الموافقات جـ2 - ص175.