الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْيَانِ (وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ) أَيْ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمِحَنُ (وَيُلْقَى الشُّحُّ) فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ أَيْ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ حَتَّى يَبْخَلَ الْعَالِمُ بِعِلْمِهِ وَالصَّانِعُ بِصَنْعَتِهِ وَالْغَنِيُّ بِمَالِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وُجُودَ أَصْلِ الشُّحِّ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ (أَيَّةُ هُوَ) أَيِ الْهَرْجُ أَيُّ شَيْءٍ (قَالَ) أي النبي
قَالَ الْمِزِّيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَفِي الْفِتَنِ وَمُسْلِمٌ فِي الْقَدَرِ وَأَبُو دَاوُدَ في الفتن
(باب النَّهْيِ عَنْ السَّعْيِ فِي الْفِتْنَةِ)
[4256]
(إِنَّهَا) أَيِ الْقِصَّةَ (سَتَكُونُ) أَيْ سَتُوجَدُ وَتَحْدُثُ وَتَقَعُ (الْمُضْطَجِعُ فِيهَا) أَيْ فِي الْفِتْنَةِ (مِنَ الْجَالِسِ) لِأَنَّهُ يَرَى وَيَسْمَعُ مَا لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ الْمُضْطَجِعُ فَيَكُونُ أَقْرَبَ مِنْ عَذَابِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ بِمُشَاهَدَتِهِ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الْمُضْطَجِعُ (وَالْجَالِسُ) فِي الْفِتْنَةِ يَكُونُ (خَيْرًا مِنَ الْقَائِمِ) لِأَنَّهُ يَرَى وَيَسْمَعُ مَا لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ الْجَالِسُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجَالِسِ هُوَ الثَّابِتُ فِي مَكَانِهِ غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ لِمَا يَقَعُ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي زَمَانِهِ وَالْمُرَادُ بِالْقَائِمِ مَا يَكُونُ فِيهِ نَوْعٌ بَاعِثٌ وَدَاعِيَةٌ لَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ (وَالْقَائِمُ) فِي الْفِتْنَةِ أَيْ مِنْ بَعِيدٍ مُتَشَرِّفٌ عَلَيْهَا أَوِ الْقَائِمُ بِمَكَانِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (مِنَ الْمَاشِي) أَيْ مِنَ الذَّاهِبِ عَلَى رِجْلِهِ إِلَيْهَا (مِنَ السَّاعِي) أَيْ مِنَ الْمُسْرِعِ إِلَيْهَا مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا (قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ أَبُو بَكْرَةَ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (إِبِلٌ) أَيْ فِي الْبَرِيَّةِ (لَهُ أَرْضٌ) أَيْ عَقَارٌ أَوْ مَزْرَعَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الْخَلْقِ (فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ) فَإِنَّ الِاعْتِزَالَ وَالِاشْتِغَالَ بِخُوَيْصَةِ الْحَالِ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ لِوُقُوعِ عُمُومِ الْفِتْنَةِ الْعَمْيَاءِ بَيْنَ الرِّجَالِ (قَالَ) أَيْ أَبُو بَكْرَةَ (فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ فَأَيْنَ يَذْهَبُ وَكَيْفَ يَفْعَلُ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (فَلْيَعْمِدْ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ
فَلْيَقْصِدْ (إِلَى سَيْفِهِ) أَيْ إِنْ كَانَ لَهُ (فَلْيَضْرِبْ بِحَدِّهِ) أَيْ جَانِبِ سَيْفِهِ الْحَادِّ (عَلَى حَرَّةٍ) فِي الْمِصْبَاحِ الْحَرَّةُ بِالْفَتْحِ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ انْتَهَى
وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ الْقِتَالِ وَالْمَعْنَى فَلْيَكْسِرْ سِلَاحَهُ كَيْلَا يَذْهَبَ بِهِ إِلَى الْحَرْبِ لِأَنَّ تِلْكَ الْحُرُوبَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ حُضُورُهَا (ثُمَّ لِيَنْجُ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْجِيمِ أَيْ لِيَفِرَّ وَيُسْرِعْ هَرَبًا حَتَّى لَا تُصِيبَهُ الْفِتَنُ (النَّجَاءُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمَدِّ أَيِ الْإِسْرَاعُ قاله القارىء
وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ النَّجَاءُ الْخَلَاصُ أَيْ لِيَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْفِتْنَةِ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ وَالنَّجَاءُ السُّرْعَةُ يُقَالُ نَجَا يَنْجُو نَجَاءً إِذَا أَسْرَعَ وَنَجَا مِنَ الْأَمْرِ إِذَا خَلَصَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ وَأَبُو بَكْرَةَ اسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ كُنِّيَ بِأَبِي بَكْرَةَ لِأَنَّهُ تَدَلَّى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ بِبِكْرَةٍ وَقِيلَ فِي اسْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ
[4257]
(فِي هَذَا الْحَدِيثِ) الْمَذْكُورِ آنِفًا (قَالَ) سَعْدٌ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (كَابْنِ آدَمَ) الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ هَابِيلَ المقتول المظلوم هو بن آدَمَ لَا قَابِيلَ الْقَاتِلَ الظَّالِمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ وَلَدِ نُوحٍ عليه الصلاة والسلام إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غير صالح كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَابْنَيْ آدَمَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ أَيْ فَلْتَسْتَسْلِمْ حَتَّى تَكُونَ قَتِيلًا كَهَابِيلَ وَلَا تَكُنْ قَاتِلًا كَقَابِيلَ (وَتَلَا) أَيْ قَرَأَ (يَزِيدُ) بن خَالِدٍ الْمَذْكُورُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[4258]
(أَخْبَرَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ رَاءٍ (عَنْ أَبِيهِ وَابِصَةَ) لَهُ صُحْبَةٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ وَصَادٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ
(قَتْلَاهَا) جَمْعُ قَتِيلٍ وَالضَّمِيرُ لِلْفِتْنَةِ (كُلُّهُمْ فِي النَّارِ) قَالَ الْقَاضِي رحمه الله الْمُرَادُ بِقَتْلَاهَا مَنْ قُتِلَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لِأَنَّهُمْ مَا قَصَدُوا بِتِلْكَ الْمُقَاتَلَةِ وَالْخُرُوجِ إِلَيْهَا إِعْلَاءَ دِينٍ أَوْ دَفْعَ ظَالِمٍ أَوْ إِعَانَةَ مُحِقٍّ وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمُ التَّبَاغِيَ وَالتَّشَاجُرَ طَمَعًا فِي الْمَالِ وَالْمُلْكِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (أَيَّامُ الْهَرْجِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ الْفِتْنَةُ (وَتَكُونُ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكِ) أَحْلَاسُ الْبُيُوتِ مَا يُبْسَطُ تَحْتَ حُرِّ الثِّيَابِ فَلَا تَزَالُ مُلْقَاةً تَحْتَهَا وَقِيلَ الْحِلْسُ هُوَ الْكِسَاءُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ تَحْتَ الْقَتَبِ وَالْبَرْذَعَةِ شَبَّهَهَا بِهِ لِلُزُومِهَا وَدَوَامِهَا وَالْمَعْنَى الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَالْتَزِمُوا سُكُوتَكُمْ كَيْلَا تَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي بِهَا دِينُكُمْ يَفُوتُكُمْ (فَلَمَّا قُتِلَ) قَائِلُهُ هُوَ وَابِصَةُ (طَارَ قَلْبِي مَطَارَهُ) أَيْ مَالَ إِلَى جِهَةٍ يَهْوَاهَا وَتَعَلَّقَ بِهَا وَالْمَطَارُ مَوْضِعُ الطَّيَرَانِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ (خُرَيْمٌ) بِالتَّصْغِيرِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ الْقَاسِمُ بْنُ غَزْوَانَ وَهُوَ شِبْهُ مَجْهُولٍ وَفِيهِ أَيْضًا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ أَبُو الصَّلْتِ الْجَرَشِيُّ قال بن الْمُبَارَكِ ثِقَةٌ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ الرازي لا بأس به وقال بن حبان كان رجلا صالحا وكان ممن يخطىء كَثِيرًا حَتَّى خَرَجَ عَنْ حَدِّ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عند الاعتبار وقال بن عَدِيٍّ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ مَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[4259]
(مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) أَيْ قُدَّامَهَا مِنْ أَشْرَاطِهَا (فِتَنًا) أَيْ فِتَنًا عِظَامًا وَمِحَنًا جِسَامًا (كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ كُلُّ فِتْنَةٍ كَقِطْعَةٍ مِنِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فِي شِدَّتِهَا وَظُلْمَتِهَا وَعَدَمِ تَبَيُّنِ أَمْرِهَا
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله يُرِيدُ بِذَلِكَ الْتِبَاسَهَا وَفَظَاعَتَهَا وَشُيُوعَهَا وَاسْتِمْرَارَهَا (فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ الْفِتَنِ
وَيُصْبِحُ كَافِرًا الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِصْبَاحِ وَالْإِمْسَاءِ تَقَلُّبُ النَّاسِ فِيهَا وَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ لَا بِخُصُوصِ الزَّمَانَيْنِ فَكَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَرَدُّدِ أَحْوَالِهِمْ وَتَذَبْذُبِ أَقْوَالِهِمْ وَتَنَوُّعِ أَفْعَالِهِمْ مِنْ
عَهْدٍ وَنَقْضٍ وَأَمَانَةٍ وَخِيَانَةٍ وَمَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ وَسُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْمَاشِي فِيهِ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) أَيْ كُلَّمَا بَعُدَ الشَّخْصُ عَنْهَا وَعَنْ أَهْلِهَا خَيْرٌ له من قربها واختلاط أهلها لما سيؤل أَمْرُهَا إِلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِهَا فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ (فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ) بِكِسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ الْقَوْسِ وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْكَسْرِ إِلَى التَّكْسِيرِ مُبَالَغَةٌ لِأَنَّ بَابَ التَّفْعِيلِ لِلتَّكْثِيرِ (وَقَطِّعُوا) مِنَ التقطيع (أو تاركم) جمع وتر بفتحتين
قال القارىء فِيهِ زِيَادَةٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ إِذْ لَا مَنْفَعَةَ لِوُجُودِ الْأَوْتَارِ مَعَ كَسْرِ الْقِسِيِّ أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْغَيْرُ (وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ) أَيْ حَتَّى تَنْكَسِرَ أَوْ حَتَّى تَذْهَبَ حِدَّتُهَا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الْأَرْمَاحُ وَسَائِرُ السِّلَاحِ (فَإِنْ دُخِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَنَائِبِ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ (عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ) مِنْ بَيَانِيَّةٌ (فَلْيَكُنْ) أي ذلك لأحد (كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ) أَيْ فَلْيَسْتَسْلِمْ حَتَّى يَكُونَ قَتِيلًا كَهَابِيلَ وَلَا يَكُونَ قَاتِلًا كَقَابِيلَ
قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ هَذَا تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ
[4260]
(عَنْ رَقَبَةَ) بِقَافٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (على رأس منصوب) لعله رأس بن الزبير رحمه الله (فقال) أي بن عمر (فليقل هكذا) أي فليقل هَكَذَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَعْنِي فَلْيَمُدَّ عُنُقَهُ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ هَكَذَا مَنْ مَشَى إِلَى رَجُلٍ لِقَتْلِهِ فَلْيَمُدَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ عُنُقَهُ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ لِأَنَّ الْقَاتِلَ فِي النَّارِ وَالْمَقْتُولَ فِي الْجَنَّةِ فَمَدُّ الْعُنُقِ إِلَيْهِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِلَخْ) غَرَضُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُمَيْرٍ أَوْ سُمَيْرَةَ) أَيْ رَوَى
بِالشَّكِّ بَيْنَ سُمَيْرٍ مُصَغَّرًا وَبَيْنَ سُمَيْرَةَ مُصَغَّرًا مَعَ التَّاءِ (وَرَوَاهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُمَيْرَةَ) أَيْ رَوَى لَيْثٌ بِلَفْظِ سُمَيْرَةَ مُصَغَّرًا مَعَ التَّاءِ وَلَمْ يَشُكَّ كَمَا شَكَّ الثَّوْرِيُّ (وَقَالَ هو في كتابي بن سَبَرَةَ إِلَخْ) يَعْنِي قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ إِنَّ اسْمَ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي كِتَابِي سَبَرَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَمُرَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سُمَيْرَةُ بِالتَّصْغِيرِ مَعَ التَّاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي اسْمِ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُمَيْرٍ أَوْ سُمَيْرَةَ وَسَبَرَةَ وَسَمُرَةَ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ هَذَا وَذَكَرَ الْخِلَافُ فِي اسْمِ أَبِيهِ وَقَالَ حَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ مُقْتَصِرًا مِنْهُ عَلَى الْمُسْنَدِ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ رَقَبَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْهُ يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُمَيْرٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[4261]
(عَنِ الْمُشَعَّثِ) بِتَشْدِيدٍ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ وَيُقَالُ مُنْبَعِثٌ بِسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) أَوْرَدَ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَصَابِيحِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كُنْتُ رَدِيفًا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا جَاوَزْنَا بُيُوتَ الْمَدِينَةِ قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ جُوعٌ تَقُومُ عَنْ فِرَاشِكَ وَلَا تَبْلُغْ مَسْجِدَكَ حَتَّى يُجْهِدَكَ الْجُوعُ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ تَعَفَّفْ يَا أَبَا ذَرٍّ قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتٌ يَبْلُغُ الْبَيْتَ الْعَبْدِ حَتَّى أَنَّهُ يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ قَالَ قلت الله ورسوله أعلم ورسوله قَالَ تَصْبِرْ يَا أَبَا ذَرٍّ قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ تَغْمُرُ الدِّمَاءُ أَحْجَارَ الزَّيْتِ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ تَأْتِي مَنْ أَنْتَ مِنْهُ قَالَ قُلْتُ وَأَلْبَسُ السِّلَاحَ قَالَ شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذًا قُلْتُ فَكَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ وَالْعَلَّامَةُ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَقَالَ مَيْرَكُ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ انْتَهَى
قُلْتُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ بِاللَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَصَابِيحِ وَعَزَاهُ مُخَرِّجُوهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ فِي النُّسَخِ الَّتِي بِأَيْدِينَا مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ فَلَعَلَّهُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ) أَيْ بِسَبَبِ الْقَحْطِ أَوْ وَبَاءٌ مِنْ عُفُونَةِ هَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهَا (يَكُونُ البيت فيه بالوصيف) قال الخطابي البيت ها هنا الْقَبْرُ وَالْوَصِيفُ الْخَادِمُ يُرِيدُ أَنَّ النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ عَنْ دَفْنِ مَوْتَاهُمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ فِيهِمْ من يحفر قبر الميت أو دفنه إِلَّا أَنْ يُعْطَى وَصِيفًا أَوْ قِيمَتَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مَوَاضِعُ القبور عَنْهُمْ فَيَبْتَاعُونَ لِمَوْتَاهُمُ الْقُبُورَ كُلُّ قَبْرٍ بِوَصِيفٍ انْتَهَى
وَقَدْ تَعَقَّبَ التُّورْبَشْتِيُّ رحمه الله عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَوْتَ وَإِنِ اسْتَمَرَّ بِالْأَحْيَاءِ وَفَشَا فِيهِمْ كُلَّ الْفَشْوِ لَمْ يَنْتَهِ بِهِمْ إِلَى ذَلِكَ وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْأَمْكِنَةَ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَوْضِعِ الْقُبُورِ الْجَبَّانَةُ الْمَعْهُودَةُ وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَجَاوَزُونَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قُلْتُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَصَابِيحِ وَالْمِشْكَاةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتٌ يَبْلُغُ الْبَيْتَ الْعَبْدُ حَتَّى إِنَّهُ يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الثَّانِي وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْبُيُوتَ تَصِيرُ رَخِيصَةً لِكَثْرَةِ الْمَوْتِ وَقِلَّةِ مَنْ يَسْكُنُهَا فَيُبَاعُ بَيْتٌ بِعَبْدٍ مَعَ أن قيمة البيت تكون أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْغَالِبِ الْمُتَعَارَفِ
وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي كُلِّ بَيْتٍ كَانَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا عَبْدٌ يَقُومُ بِمَصَالِحِ ضَعَفَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُهُمَا لَفْظُ الْمُؤَلِّفِ أَبِي دَاوُدَ
وَأَمَّا لَفْظُ الْمَصَابِيحِ وَالْمِشْكَاةِ الْمَذْكُورُ فَكَلَّا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ
(يَعْنِي الْقَبْرَ) تَفْسِيرٌ لِلْبَيْتِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أَيْ بِحَالِي وَحَالِ غَيْرِي فِي تِلْكَ الْحَالِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ (أَوْ قَالَ) لِلشَّكِّ (مَا خَارَ اللَّهُ) أَيِ اخْتَارَ (تَصَبَّرْ) قال القارىء بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ أَمْرٌ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ وَفَى نُسْخَةٍ تَصْبِرُ مُضَارِعُ صَبَرَ عَلَى أَنَّهُ خبر بمعنى الْأَمْرِ (أَحْجَارُ الزَّيْتِ) قِيلَ هِيَ مَحَلَّةٌ بِالْمَدِينَةِ وَقِيلَ مَوْضِعٌ بِهَا
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ هِيَ مِنَ الحرة التي
كَانَتْ بِهَا الْوَقْعَةُ زَمَنَ يَزِيدَ وَالْأَمِيرُ عَلَى تِلْكَ الْجُيُوشِ الْعَاتِيَةِ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمُرِّيُّ الْمُسْتَبِيحُ بِحَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ نُزُولُهُ بِعَسْكَرِهِ فِي الْحَرَّةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَبَاحَ حُرْمَتَهَا وَقَتَلَ رِجَالَهَا وَعَاثَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقِيلَ خَمْسَةً فَلَا جَرَمَ أَنَّهُ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (غَرِقَتْ بِالدَّمِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَرِقَتْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ لَزِمَتْ وَالْعُرُوقُ اللُّزُومُ (عَلَيْكَ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ) أَيِ الْزَمْ أَهْلَكَ وَعَشِيرَتَكَ الَّذِينَ أَنْتَ مِنْهُمْ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ الْإِمَامُ أَيِ الْزَمْ إِمَامَكَ وَمَنْ بَايَعْتَهُ (شَارَكْتَ الْقَوْمَ) أَيْ فِي الْأَثِمِ (إِذًا) بِالتَّنْوِينِ أَيْ إِذَا أَخَذْتَ السَّيْفَ وَوَضَعْتَهُ عَلَى عاتقك
قال بن الْمَلَكِ رحمه الله قَوْلُهُ شَارَكْتَ لِتَأْكِيدِ الزَّجْرِ عَنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَإِلَّا فَالدَّفْعُ وَاجِبٌ
قَالَ القارىء وَالصَّوَابُ أَنَّ الدَّفْعَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ الْخَصْمُ مُسْلِمًا إِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فَسَادٌ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ كَافِرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ (أَنْ يَبْهَرَكَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ يَغْلِبَكَ (شُعَاعُ السَّيْفِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ بَرِيقِهِ وَلَمَعَانِهِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِعْمَالِ السَّيْفِ (فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكِ) أَيْ لِئَلَّا تَرَى وَلَا تَفْزَعَ وَلَا تَجْزَعَ وَالْمَعْنَى لَا تُحَارِبْهُمْ وَإِنْ حَارَبُوكَ بَلِ اسْتَسْلِمْ نَفْسَكَ لِلْقَتْلِ (يَبُوءُ) أَيْ يَرْجِعُ الْقَاتِلُ (بِإِثْمِكَ) أَيْ بِإِثْمِ قَتْلِكَ (وَبِإِثْمِهِ) أَيْ وَبِسَائِرِ إِثْمِهِ (وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُشَعِّثَ) مَفْعُولٌ وَالْفَاعِلُ قَوْلُهُ غَيْرُ حَمَّادٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن مَاجَهْ
[4262]
(إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) أَيْ قُدَّامَكُمْ (كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ) مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا شَاعَتْ وَلَا يُعْرَفُ سَبُبُهَا وَلَا طَرِيقٌ لِلْخَلَاصِ مِنْهَا
قَالَ فِي النِّهَايَةِ قِطَعُ اللَّيْلِ طَائِفَةٌ مِنْهُ وَقِطْعَةٌ وَجَمْعُ الْقِطْعَةِ قِطَعٌ أَرَادَ فِتْنَةً مُظْلِمَةً سَوْدَاءَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا انْتَهَى (يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا إِلَخْ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ
مُؤْمِنًا لِتَحْرِيمِهِ دَمَ أَخِيهِ وَعِرْضَهُ وَمَالَهُ كَافِرًا لِتَحْلِيلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَالْمَاشِي فِيهِ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) السَّعْيُ دويدن وشتاب كردن وكسب وكار كردن وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّبَاعُدَ عَنْهَا خَيْرٌ فِي أَيِّ مَرْتَبَةٍ كَانَتْ فَالْقَاعِدُ أَبْعَدُ ثُمَّ الْوَاقِفُ فِي مَكَانِهِ ثُمَّ الْمَاشِي مِنَ السَّاعِي
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا (كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ) جَمْعُ حِلْسٍ وَهُوَ الْكِسَاءُ الَّذِي يَلِي ظَهْرَ الْبَعِيرِ تَحْتَ الْقَتَبِ أَيِ الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ فِيمَنْ نَعْرِفُهُ بِكُنْيَتِهِ وَلَا نَقِفُ عَلَى اسْمِهِ أَبُو كَبْشَةَ سَمِعَ أَبَا مُوسَى رَوَى عَنْهُ عَاصِمٌ كَنَّاهُ لَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَارِمِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي بن إِسْمَاعِيلَ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي الْأَشْرَافِ أبو كبشة أظنه البداء بْنَ قَيْسٍ السَّكُونِيَّ عَنْ أَبِي مُوسَى وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَذَكَرَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ بْنُ مَاكُولَا أَبَا كَبْشَةَ الْبَرَاءَ بْنَ قَيْسٍ وَذَكَرَ بَعْدَهُ أَبَا كَبْشَةَ السَّكُونِيَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ثُمَّ قَالَ وَأَبُو كَبْشَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَوَى عَنْهُ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَبْلَهُ
وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ صَحَّفَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ فِي الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَبُو كَيْسَةَ بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ
انْتَهَى
كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[4263]
(إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ) بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ لِلتَّأْكِيدِ فِي خَبَرِ إِنَّ (جُنِّبَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ بَعُدُ وَالتَّكْرَارُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأْكِيدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ الْفِتَنِ وَآخِرِهَا (وَلَمَنِ ابْتُلِيَ وَصَبَرَ) بِفَتْحِ اللَّامِ عَطْفٌ عَلَى لَمَنْ جُنِّبَ (فَوَاهًا) مَعْنَاهُ التَّلَهُّفُ وَالتَّحَسُّرُ أَيْ وَاهًا لِمَنْ بَاشَرَ الْفِتْنَةَ وَسَعَى فِيهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْإِعْجَابُ وَالِاسْتِطَابَةُ وَلِمَنْ بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ ما