الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْآنَ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ غَيْرُ مَعْهُودٍ أَوْ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْمُخَاطَبِينَ وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أُمَمٍ أُخْرَى كَالْفِيلِ عِنْدَ الْحَبَشَةِ وَالْهُنُودِ، وَمَا هُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِأَحَدٍ ثُمَّ يَعْلَمُهُ النَّاسُ مِنْ بَعْدُ مِثْلُ دَوَابِّ الْجِهَاتِ الْقُطْبِيَّةِ كَالْفُقْمَةِ وَالدُّبِّ الْأَبْيَضِ، وَدَوَابِّ الْقَارَّةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مَجْهُولَةً لِلنَّاسِ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ الْمُضَارِعُ مُسْتَعْمَلًا فِي الْحَالِ لِلتَّجْدِيدِ، أَيْ هُوَ خَالِقٌ وَيَخْلُقُ.
وَيَدْخُلُ فِيهِ كَمَا قِيلَ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْجَنَّةِ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ
بِالْمُؤْمِنِينَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنْ سِيَاقِ الِامْتِنَانِ الْعَامِّ لِلنَّاسِ الْمُتَوَسَّلِ بِهِ إِلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى كَافِرِي النِّعْمَةِ.
فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ الْغَيْبِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَأَنَّهَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ سَيُلْهِمُ الْبَشَرَ اخْتِرَاعَ مَرَاكِبَ هِيَ أَجْدَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَتِلْكَ الْعَجَلَاتُ الَّتِي يَرْكَبُهَا الْوَاحِدُ وَيُحَرِّكُهَا بِرِجْلَيْهِ وَتُسَمَّى (بِسِكْلَاتٍ) ، وَأَرْتَالُ السِّكَكِ الْحَدِيدِيَّةِ، وَالسَّيَّارَاتُ الْمُسَيَّرَةُ بِمُصَفَّى النِّفْطِ وَتُسَمَّى (أُطُومُوبِيلَ) ، ثُمَّ الطَّائِرَاتُ الَّتِي تَسِيرُ بِالنِّفْطِ الْمُصَفَّى فِي الْهَوَاءِ. فَكُلُّ هَذِهِ مَخْلُوقَاتٌ نَشَأَتْ فِي عُصُورٍ مُتَتَابِعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا مَنْ كَانُوا قَبْلَ عَصْرِ وُجُودِ كُلٍّ مِنْهَا.
وَإِلْهَامُ اللَّهِ النَّاسَ لِاخْتِرَاعِهَا هُوَ مُلْحَقٌ بِخَلْقِ اللَّهِ، فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْهَمَ الْمُخْتَرِعِينَ مِنَ الْبَشَرِ بِمَا فَطَرَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الذَّكَاءِ وَالْعِلْمِ وَبِمَا تَدَرَّجُوا فِي سُلَّمِ الْحَضَارَةِ وَاقْتِبَاسِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ إِلَى اخْتِرَاعِهَا، فَهِيَ بِذَلِكَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْكُلَّ من نعْمَته.
[9]
[سُورَة النَّحْل (16) : آيَة 9]
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (9)
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ.. اقْتَضَتِ اعْتِرَاضَهَا مُنَاسَبَةُ الِامْتِنَانِ بِنِعْمَةِ تَيْسِيرِ الْأَسْفَارِ بِالرَّوَاحِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.
فَلَمَّا ذُكِرَتْ نِعْمَةُ تَيْسِيرِ السَّبِيلِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْمَقَاصِدِ الْجُثْمَانِيَّةِ ارْتَقَى إِلَى التَّذْكِيرِ بِسَبِيلِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَقَاصِدِ الرَّوْحَانِيَّةِ وَهُوَ سَبِيلُ الْهُدَى، فَكَانَ تَعَهُّدُ اللَّهِ بِهَذِهِ السَّبِيلِ نِعْمَةً أَعْظَمَ مِنْ تَيْسِيرِ الْمَسَالِكِ الْجُثْمَانِيَّةِ لِأَنَّ سَبِيلَ الْهُدَى تَحْصُلُ بِهِ السَّعَادَة الأبدية. وَهَذِه السَّبِيلُ هِيَ مَوْهِبَةُ الْعَقْلِ الْإِنْسَانِيِّ الْفَارِقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ لِدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى الْحَقِّ، وَتَذْكِيرُهُمْ بِمَا يَغْفُلُونَ عَنْهُ، وَإِرْشَادُهُمْ إِلَى مَا لَا تَصِلُ إِلَيْهِ عُقُولُهُمْ أَوْ تَصِلُ إِلَيْهِ بِمَشَقَّةٍ عَلَى خَطَرٍ مِنَ التورّط فِي بيّنات الطَّرِيقِ.
فَالسَّبِيلُ: مَجَازٌ لِمَا يَأْتِيهِ النَّاسُ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُوَصِّلَةٌ إِلَى دَارِ الثَّوَابِ أَوْ دَارِ الْعِقَابِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [سُورَة يُوسُف: 108] . وَيَزِيدُ هَذِهِ الْمُنَاسبَة بَيَانا أَنه لِمَا شَرَحْتُ دَلَائِلُ التَّوْحِيدِ نَاسَبَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ لِلْهُدَى، وَإِزَالَةٌ لِلْعُذْرِ، وَأَنَّ مِنْ بَيْنِ الطُّرُقِ الَّتِي يَسْلُكُهَا النَّاسُ طَرِيقَ ضَلَالٍ وَجَوْرٍ.
وَقَدِ اسْتُعِيرَ لِتَعَهُّدِ اللَّهِ بِتَبْيِينِ سَبِيلِ الْهُدَى حَرْفُ عَلَى الْمُسْتَعَارُ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامُ الْعَرَبِ لِمَعْنَى التَّعَهُّدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى. شَبَّهَ الْتِزَامَ هَذَا الْبَيَانِ
وَالتَّعَهُّدِ بِهِ بِالْحَقِّ الْوَاجِب عَلَى الْمَحْقُوقِ بِهِ.
وَالْقَصْدُ: اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ. وَقَعَ هُنَا وَصْفًا لِلسَّبِيلِ مِنْ قَبِيلِ الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: طَرِيقٌ قَاصِدٌ، أَي مُسْتَقِيم، وَطَرِيق قصد، وَذَلِكَ أَقْوَى فِي الْوَصْفِ بِالِاسْتِقَامَةِ كَشَأْنِ الْوَصْفِ بِالْمَصَادِرِ، وَإِضَافَةُ قَصْدُ إِلَى السَّبِيلِ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، وَهِيَ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي السَّبِيلِ لِلْجِنْسِ. وَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُضَافٍ لِأَنَّ الَّذِي تَعَهَّدَ اللَّهُ بِهِ هُوَ بَيَانُ السَّبِيلِ لَا ذَاتُ السَّبِيلِ.
وَضَمِيرُ وَمِنْها عَائِدٌ إِلَى السَّبِيلِ عَلَى اعْتِبَارِ جَوَازِ تَأْنِيثِهِ.
وجائِرٌ وَصْفٌ لِ السَّبِيلِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ مُذَكَّرًا. أَيْ مِنْ جِنْسِ السَّبِيلِ الَّذِي مِنْهُ أَيْضًا قَصْدُ سَبِيلٍ جَائِرٍ غَيْرُ قَصْدٍ.
وَالْجَائِرُ: هُوَ الْحَائِدُ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ. وَكُنِّيَ بِهِ عَنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُوصِّلٍ إِلَى الْمَقْصُودِ، أَيْ إِلَى الْخَيْرِ، وَهُوَ الْمُفْضِي إِلَى ضُرٍّ، فَهُوَ جَائِرٌ بِسَالِكِهِ. وَوَصْفُهُ