المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة النمل (27) : الآيات 29 إلى 31] - التحرير والتنوير - جـ ١٩

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 23]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 24]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 25 إِلَى 26]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 27 إِلَى 29]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 31]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 35 إِلَى 36]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 37]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 38 إِلَى 39]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 40]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 41 إِلَى 42]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 43]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 45 إِلَى 46]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 47]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 48 إِلَى 50]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 51 إِلَى 52]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 53]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 54]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 55]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 56 إِلَى 57]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 58]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 59]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 63]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 64]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 65 إِلَى 66]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 67]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 68 إِلَى 69]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 70]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 71]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 72]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 73]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 74]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 75 إِلَى 76]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 77]

- ‌26- سُورَةُ الشُّعَرَاءِ

- ‌الْأَغْرَاضُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 7 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 10 إِلَى 11]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 12 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 15 إِلَى 17]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 18 إِلَى 19]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 20 إِلَى 22]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 23 إِلَى 24]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 30 إِلَى 33]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 34 إِلَى 35]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 36 إِلَى 37]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 38 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 41 إِلَى 42]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 43 إِلَى 44]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 45]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 46 إِلَى 49]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 50 إِلَى 51]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 52]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 53 إِلَى 56]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 57 إِلَى 60]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 61 الى 66]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 67 إِلَى 68]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 69 إِلَى 77]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 78 إِلَى 82]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 83 إِلَى 89]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 90 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 96 إِلَى 102]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 103 إِلَى 104]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 105 إِلَى 110]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 111 إِلَى 115]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 116 إِلَى 120]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 121 إِلَى 122]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 123 إِلَى 127]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 128 إِلَى 130]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 131 إِلَى 135]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 136 إِلَى 140]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 141 إِلَى 145]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 146 إِلَى 152]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 153 إِلَى 154]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 155 إِلَى 159]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 160 إِلَى 164]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 165 إِلَى 166]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 167 إِلَى 173]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 174 إِلَى 175]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 176 إِلَى 180]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 181 إِلَى 183]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 184]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 185 إِلَى 188]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 189]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 190 إِلَى 191]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 192 إِلَى 195]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 196 إِلَى 197]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 198 إِلَى 199]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 200 إِلَى 203]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 204 إِلَى 207]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 208]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 209]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 210 إِلَى 212]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 213]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 214]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 215]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 216]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 217 إِلَى 220]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 221 إِلَى 223]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 224 إِلَى 227]

- ‌27- سُورَةُ النَّمْلِ

- ‌مِنْ أَغْرَاضِ هَذِهِ السُّورَةِ

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 2 إِلَى 3]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 8 إِلَى 11]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 13 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 18 إِلَى 19]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 20 إِلَى 21]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 22 الى 26]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 29 إِلَى 31]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 34 إِلَى 35]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 36 إِلَى 37]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 38 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 42 الى 43]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 45]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 46]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 47]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 48 إِلَى 49]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 50 إِلَى 53]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 54 إِلَى 55]

الفصل: ‌[سورة النمل (27) : الآيات 29 إلى 31]

[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 29 إِلَى 31]

قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)

طُوِيَتْ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ دَلَّ عَلَيْهَا مَا بَيْنَ الْخَبِرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنِ اقْتِضَاءِ عِدَّةِ أَحْدَاثٍ، إِذِ التَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الْهُدْهُدُ إِلَى سَبَأٍ فَرَمَى بِالْكِتَابِ فَأَبْلَغَ الْكِتَابَ إِلَى الْمَلِكَةِ وَهِيَ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهَا فَقَرَأَتْهُ، قَالَتْ: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِلَخْ.

وَجُمْلَةُ: قالَتْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ غَرَابَةَ قِصَّةِ إِلْقَاءِ الْكِتَابِ إِلَيْهَا يُثِيرُ سُؤَالًا عَنْ شَأْنِهَا حِينَ بَلَغَهَا الْكِتَابُ.

والْمَلَأُ: الْجَمَاعَةُ مِنْ أَشْرَافِ الْقَوْمِ وَهُمْ أَهْلُ مَجْلِسِهَا. وَظَاهِرُ قَوْلِهَا: أُلْقِيَ إِلَيَّ أَنَّ الْكِتَابَ سُلِّمَ إِلَيْهَا دُونَ حُضُورِ أَهْلِ مَجْلِسِهَا. وَتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نِظَامُ بَلَاطِهَا أَنْ تُسَلَّمَ الرَّسَائِلُ إِلَيْهَا رَأْسًا. وَالْإِلْقَاءُ تَقَدَّمَ آنِفًا.

وَوَصْفُ الْكِتَابِ بِالْكَرِيمِ يَنْصَرِفُ إِلَى نَفَاسَتِهِ فِي جِنْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:

لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [74] بِأَنْ كَانَ نَفِيسَ الصَّحِيفَةِ نَفِيسَ التَّخْطِيطِ

بَهِيجَ الشَّكْلِ مُسْتَوْفِيًا كُلَّ مَا جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهِمْ بِالتَّأَنُّقِ فِيهِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا، وَقَدْ قِيلَ: كَرَمُ الْكِتَابِ خَتْمُهُ، لِيَكُونَ مَا فِي ضِمْنِهِ خَاصًّا بِاطِّلَاعِ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ وَهُوَ يُطْلِعُ عَلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَكْتُمُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:«الْوَصْفُ بِالْكَرَمِ فِي الْكِتَابِ غَايَةُ الْوَصْفِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الْوَاقِعَة: 77] وَأَهْلُ الزَّمَانِ يَصِفُونَ الْكِتَابَ بِالْخَطِيرِ، وَالْأَثِيرِ، وَالْمَبْرُورِ، فَإِنْ كَانَ لِمَلِكٍ قَالُوا: الْعَزِيزُ، وَأَسْقَطُوا الْكَرِيمَ غَفْلَةً وَهُوَ أَفْضَلُهَا خَصْلَةً» .

وَأَمَّا مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ مِنَ الْمَعَانِي فَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عِنْدَهَا لِأَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [النَّمْل: 34] .

ثُمَّ قَصَّتْ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ حِينَ قَالَتْ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ إِلَى آخِرِهِ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تُرْجِمَ لَهَا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى مَجْلِسِ مَشُورَتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ

ص: 258

تَكُونَ عَارِفَةً بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مَكْتُوبًا بِالْعَرَبِيَّةِ الْقَحْطَانِيَّةِ، فَإِنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ لَا تَخْلُو مِنْ كُتَّابٍ عَارِفِينَ بِلُغَاتِ الْأُمَمِ الْمُجَاوِرَةِ لِمَمْلَكَتِهِ، وَكَوْنُهُ بَلُغَتِهِ أَظْهَرُ وَأَنْسَبُ بِشِعَارِ الْمُلُوكِ، وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم لِلْمُلُوكِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.

أَمَّا الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ تَرْجَمَةُ الْكِتَابِ إِلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى بِتَضْمِينِ دَقَائِقِهِ وَخُصُوصِيَّاتِ اللُّغَةِ الَّتِي أُنْشِئَ بِهَا.

وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمَلِكَةِ ابْتَدَأَتْ بِهِ مُخَاطَبَةَ أَهْلِ مَشُورَتِهَا لِإِيقَاظِ أَفْهَامِهِمْ إِلَى التَّدَبُّرِ فِي مَغْزَاهُ لِأَنَّ اللَّائِقَ بِسُلَيْمَانَ أَنْ لَا يُقَدِّمَ فِي كِتَابِهِ شَيْئًا قَبْلَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَعْرِفَةَ اسْمِ سُلَيْمَانَ تُؤْخَذُ مِنْ خَتْمِهِ وَهُوَ خَارِجُ الْكِتَابِ فَلِذَلِكَ ابْتَدَأَتْ بِهِ أَيْضًا.

وَالتَّأْكِيدُ بِ (إِنَّ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ يُتَرْجِمُ عَمَّا فِي كَلَامِهِمَا بِاللُّغَةِ السَّبَائِيَّةِ مِنْ عِبَارَاتٍ دَالَّةٍ عَلَى اهْتِمَامِهَا بِمُرْسِلِ الْكِتَابِ وَبِمَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ اهْتِمَامًا يُؤَدَّى مِثْلُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ فِي مَقَامٍ لَا شَكَّ فِيهِ.

وَتَكْرِيرُ حَرْفِ (إِنَّ) بَعْدَ وَاوِ الْعَطْفِ إِيمَاءٌ إِلَى اخْتِلَافِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ذَات الْكتاب، وَالْمُرَادَ بِالْمَعْطُوفِ مَعْنَاهُ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ: إِنَّ فَلَانًا لَحَسَنُ الطَّلْعَةِ وَإِنَّهُ لَزَكِيٌّ. وَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ إِعَادَةِ الْعَامِلِ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ مَعَ إِغْنَاءِ حَرْفِ الْعَطْفِ عَنْ ذِكْرِ الْعَامِلِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

[النِّسَاء: 59] ، أُعِيدَ أَطِيعُوا لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الطَّاعَتَيْنِ، لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَنْصَرِفُ إِلَى الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ، وَطَاعَةَ الرَّسُولِ مُرَادٌ بِهَا طَاعَتُهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَى الرَّسُولِ أُولُو الْأَمْرِ مِنَ الْأُمَّةِ.

وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ حِكَايَةٌ لِمَقَالِهَا، وَعَرَفَتْ هِيَ ذَلِكَ مِنْ عُنْوَانِ الْكِتَابِ بِأَعْلَاهُ أَوْ بِظَاهِرِهِ عَلَى حَسَبِ طَرِيقَةِ الرَّسَائِلِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِثْلُ افْتِتَاحِ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُلُوكِ بِجُمْلَةِ:«مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ» .

ص: 259

وَافْتِتَاحُ الْكِتَابِ بِجُمْلَةِ الْبَسْمَلَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادِفَهَا كَانَ خَاصًّا بِكُتُبِ النَّبِيءِ سُلَيْمَانَ أَنْ يُتْبِعَ اسْمَ الْجَلالَة بوصفي: الرحمان الرَّحِيمِ، فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِافْتِتَاحِ الْأُمُورِ ذَوَاتِ الْبَالِ فِي الْإِسْلَامِ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَقَايَا سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ أَنْ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَتَحُوا كُتُبَهُمْ بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ «الْمَرَاسِيلِ» : أَنَّ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَكْتُبُ «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ»

كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَكْتُبُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ صَارَ يَكْتُبُ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، أَيْ صَارَ يَكْتُبُ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِ كُتُبِهِ. وَأَمَّا جَعْلُهَا فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ أَوْ آيَةً مِنْ كُلِّ سُورَةٍ فَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى.

وَكَانَ كِتَابُ سُلَيْمَانَ وَجِيزًا لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْسَبُ بِمُخَاطَبَةِ مَنْ لَا يُحْسِنُ لُغَةَ الْمُخَاطِبِ فَيَقْتَصِرُ لَهُ عَلَى الْمَقْصُودِ لِإِمْكَانِ تَرْجَمَتِهِ وَحُصُولِ فَهْمِهِ فَأَحَاطَ كِتَابُهُ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ تَحْذِيرُ مَلِكَةِ سَبَأٍ مِنْ أَنْ تُحَاوِلَ التَّرَفُّعَ عَلَى الْخُضُوعِ إِلَى سُلَيْمَانَ وَالطَّاعَةِ لَهُ كَمَا كَانَ شَأْنُ الْمُلُوكِ الْمُجَاوِرِينَ لَهُ بِمِصْرَ وَصُورَ وَالْعِرَاقِ.

فَالْإِتْيَانُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ هُوَ إِتْيَانٌ مَجَازِيٌّ مِثْلُ مَا يُقَالُ: اتَّبِعْ سَبِيلِي.

ومُسْلِمِينَ مُشْتَقٌّ مِنْ أَسْلَمَ إِذَا تَقَلَّدَ الْإِسْلَامَ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْإِسْلَامِ عَلَى الدِّينِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا دَعَا مَلِكَةَ سَبَأٍ وَقَوْمَهَا إِلَى نَبْذِ الشِّرْكِ وَالِاعْتِرَافِ لِلَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَلَمْ يَدْعُهُمْ إِلَى اتِّبَاعِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِهَا وَأَمَّا دَعْوَتُهُمْ إِلَى إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ وَالِاعْتِرَافِ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ فِي الْإِلَهِيَّةِ فَذَلِكَ مِمَّا خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ الْبَشَرَ كُلَّهُمْ وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ مِنْ عَهْدِ آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [132]، قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ

لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ

[يس: 60] . جَمَعَ سُلَيْمَانُ بَيْنَ دَعْوَتِهَا إِلَى مُسَالَمَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِصِفَةِ الْمُلْكِ، وَبَيْنَ دَعْوَةِ قَوْمِهَا إِلَى اتِّبَاعِ دِينِ التَّوْحِيدِ وَذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِالنُّبُوءَةِ لِأَنَّ النَّبِيءَ يُلْقِي الْإِرْشَادَ إِلَى الْهُدَى حَيْثُمَا تَمَكَّنَ مِنْهُ كَمَا قَالَ شُعَيْبٌ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: 88] وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ يُوسُفَ لِصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [يُوسُف: 39] الْآيَةَ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يُرْسَلْ

ص: 260

إِلَيْهِمْ، فَالْأَنْبِيَاءُ مَأْمُورُونَ أَمْرًا عَامًّا بِالْإِرْشَادِ إِلَى الْحَقِّ، وَكَذَلِكَ دُعَاءُ سُلَيْمَانَ هُنَا،

وَقَالَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»

فَهَذِهِ سُنَّةُ الشَّرَائِعِ لِأَنَّ الْغَايَةَ الْمُهِمَّةَ عِنْدَهَا هُوَ إِصْلَاحُ النُّفُوسِ دُونَ التَّشَفِّي وَحُبِّ الْغَلَبَةِ.

وَحَرْفُ (أَنْ) مِنْ قَوْلِهِ: أَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى فِي مَوْقِعِهِ غُمُوضٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِمَّا شَمَلَهُ كِتَابُ سُلَيْمَانَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ الْكِتَابِ. وَهَذَا الْحَرْفُ لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ (أَنِ) الْمَصْدَرِيَّةَ النَّاصِبَةَ لِلْمُضَارِعِ، أَوِ الْمُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أَوِ التَّفْسِيرِيَّةَ.

فَأَمَّا مَعْنَى (أَنِ) الْمَصْدَرِيَّةِ النَّاصِبَةِ لِلْمُضَارِعِ فَلَا يَتَّضِحُ لِأَنَّهَا تَسْتَدْعِي عَامِلًا يَكُونُ مَصْدَرُهَا الْمُنْسَبِكُ بِهَا مَعْمُولًا لَهُ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ لَفْظًا مُطْلَقًا وَلَا مَعْنًى إِلَّا بِتَعَسُّفٍ، وَقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» فِي بَحْثِ (أَلَّا) الَّذِي هُوَ حَرْفُ تَحْضِيضٍ وَهُوَ وُجْهَةُ شَيْخِنَا مُحَمَّدٍ النَّجَّارِ رحمه الله بِأَنْ يَجْعَلَ أَنْ لَا تَعْلُوا إِلَخْ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ كِتابٌ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ فَحَيْثُ كَانَ مَضْمُونُ الْكِتَابِ النَّهْيَ عَنِ الْعُلُوّ جعل أَلَّا تَعْلُوا نَفْسَ الْكِتَابِ كَمَا يَقَعُ الْإِخْبَارُ بِالْمَصْدَرِ. وَهَذَا تَكَلُّفٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْفَصْلَ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.

وَأَمَّا مَعْنَى الْمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَكَذَلِكَ لِوُجُوبِ سَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّهَا وَكَوْنِهَا مَعْمُولَةً لِعَامِلٍ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ أَيْضًا. وَقَدْ ذُكِرَ وَجْهًا ثَالِثًا فِي الْآيَةِ فِي بَعْضِ نُسَخِ «مُغْنِي اللَّبِيبِ» فِي بَحْثِ (أَلَّا) أَيْضًا وَلَمْ يُوجَدْ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنَ «الْمُغْنِي» وَلَا مِنْ «شُرُوحِهِ» وَلَعَلَّهُ مِنْ زِيَادَاتِ بَعْضِ الطَّلَبَةِ. وَقَدِ اقْتَصَرَ فِي «الْكَشَّافِ» عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِيَّةِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَضَ. وَأَعْقَبَهُ بِمَا رُوِيَ مِنْ نُسْخَةِ كِتَابِ سُلَيْمَانَ لِيَظْهَرَ أَنَّ لَيْسَ فِي كِتَابِ سُلَيْمَانَ مَا يُقَابِلُ حَرْفَ (أَنْ) فَلِذَلِكَ تَتَعَيَّنُ (أَنْ) لِمَعْنَى التَّفْسِيرِيَّةِ لِضَمِيرِ وَإِنَّهُ الْعَائِدِ إِلَى كِتابٌ كَمَا عَلِمْتَهُ آنِفًا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَائِدًا إِلَى كِتابٌ كَانَ بِمَعْنَى مُعَادِهِ فَكَانَ مِمَّا فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَصَحَّ وَقْعُ (أَنْ) بَعْدَهُ فَيَكُونُ (أَنْ) مِنْ كَلَامِ

ص: 261