المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 18 إلى 19] - التحرير والتنوير - جـ ١٩

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 23]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 24]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 25 إِلَى 26]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 27 إِلَى 29]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 31]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 35 إِلَى 36]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 37]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 38 إِلَى 39]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 40]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 41 إِلَى 42]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 43]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 45 إِلَى 46]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 47]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 48 إِلَى 50]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 51 إِلَى 52]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 53]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 54]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 55]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 56 إِلَى 57]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 58]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 59]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 63]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 64]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 65 إِلَى 66]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 67]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 68 إِلَى 69]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 70]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 71]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 72]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 73]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 74]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 75 إِلَى 76]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 77]

- ‌26- سُورَةُ الشُّعَرَاءِ

- ‌الْأَغْرَاضُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 7 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 10 إِلَى 11]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 12 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 15 إِلَى 17]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 18 إِلَى 19]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 20 إِلَى 22]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 23 إِلَى 24]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 30 إِلَى 33]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 34 إِلَى 35]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 36 إِلَى 37]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 38 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 41 إِلَى 42]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 43 إِلَى 44]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 45]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 46 إِلَى 49]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 50 إِلَى 51]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 52]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 53 إِلَى 56]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 57 إِلَى 60]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 61 الى 66]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 67 إِلَى 68]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 69 إِلَى 77]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 78 إِلَى 82]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 83 إِلَى 89]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 90 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 96 إِلَى 102]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 103 إِلَى 104]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 105 إِلَى 110]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 111 إِلَى 115]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 116 إِلَى 120]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 121 إِلَى 122]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 123 إِلَى 127]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 128 إِلَى 130]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 131 إِلَى 135]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 136 إِلَى 140]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 141 إِلَى 145]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 146 إِلَى 152]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 153 إِلَى 154]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 155 إِلَى 159]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 160 إِلَى 164]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 165 إِلَى 166]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 167 إِلَى 173]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 174 إِلَى 175]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 176 إِلَى 180]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 181 إِلَى 183]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 184]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 185 إِلَى 188]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 189]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 190 إِلَى 191]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 192 إِلَى 195]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 196 إِلَى 197]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 198 إِلَى 199]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 200 إِلَى 203]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 204 إِلَى 207]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 208]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 209]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 210 إِلَى 212]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 213]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 214]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 215]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : آيَة 216]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 217 إِلَى 220]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 221 إِلَى 223]

- ‌[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 224 إِلَى 227]

- ‌27- سُورَةُ النَّمْلِ

- ‌مِنْ أَغْرَاضِ هَذِهِ السُّورَةِ

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 2 إِلَى 3]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 8 إِلَى 11]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 13 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 18 إِلَى 19]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 20 إِلَى 21]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 22 الى 26]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 29 إِلَى 31]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 34 إِلَى 35]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 36 إِلَى 37]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 38 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 42 الى 43]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 45]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 46]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : آيَة 47]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 48 إِلَى 49]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 50 إِلَى 53]

- ‌[سُورَة النَّمْل (27) : الْآيَات 54 إِلَى 55]

الفصل: ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 18 إلى 19]

مِثْلُ التَّأْنِيثِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا فِي سُورَةِ طه وَأَحَلْنَا تَحْقِيقَهُ عَلَى مَا هُنَا.

وَمُبَادَأَةُ خِطَابِهِمَا فِرْعَوْنَ بِأَنْ وَصَفَا اللَّهَ بِصِفَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُجَابَهَةٌ لِفِرْعَوْنَ بِأَنَّهُ مَرْبُوبٌ وَلَيْسَ بِرَبٍّ، وَإِثْبَاتُ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَالَمِينَ. وَالنَّفْيُ يَقْتَضِي وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعَالَمِينَ شَامِلٌ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ فَيَشْمَلُ مَعْبُودَاتِ الْقِبْطِ كَالشَّمْسِ وَغَيْرِهَا، فَهَذِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِمَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ يَوْمَئِذٍ.

وَجُمْلَةُ: أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ تَفْسِيرِيَّةٌ لما تضمنه سُولُ

مِنَ الرِّسَالَةِ الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، أَيْ هَذَا قَوْلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَكَ. وأَرْسِلْ مَعَنا أَطْلِقْ وَلَا تَحْبِسْهُمْ، فَالْإِرْسَالُ هُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى التَّوْجِيهِ. وَهَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ أَنَّ مُوسَى أَمَرَ بِإِخْرَاجِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بِلَادِ الْفَرَاعِنَةِ لِقَصْدِ تَحْرِيرِهِمْ مِنِ اسْتِعْبَادِ الْمِصْرِيِّينَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ [الشُّعَرَاء: 22] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بَيَانُ أَسْبَابِ سُكْنَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَرْضِ مِصْرَ وَمَوَاطِنِهِمْ بِهَا وعملهم لفرعون.

[18، 19]

[سُورَة الشُّعَرَاء (26) : الْآيَات 18 إِلَى 19]

قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19)

طُوِيَ مِنَ الْكَلَامِ ذَهَابُ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَاسْتِئْذَانُهُمَا عَلَيْهِ وَإِبْلَاغُهُمَا مَا أَمَرَهُمَا اللَّهُ أَنْ يَقُولَا لِفِرْعَوْنَ إِيجَازًا لِلْكَلَامِ. وَوَجَّهَ فِرْعَوْنُ خِطَابَهُ إِلَى مُوسَى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ تَفْصِيلِ كَلَامِ مُوسَى وَهَارُونَ أَنَّ مُوسَى هُوَ الرَّسُولُ بِالْأَصَالَةِ وَأَنَّ هَارُونَ كَانَ عَوْنًا لَهُ عَلَى التَّبْلِيغِ فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالْكَلَامِ مَعَ هَارُونَ. وَأَعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنِ الِاعْتِنَاءِ بِإِبْطَالِ دَعْوَةِ مُوسَى فَعَدَلَ إِلَى تَذْكِيرِهِ بِنِعْمَةِ الْفَرَاعِنَةِ أَسْلَافِهِ عَلَى مُوسَى وَتَخْوِيفِهِ مِنْ جِنَايَتِهِ حُسْبَانَا بِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَلِعُ الدَّعْوَةَ مِنْ جَذْمِهَا وَيَكُفُّ مُوسَى عَنْهَا، وَقَصْدُهُ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ إِفْحَامُ مُوسَى كَيْ يَتَلَعْثَمَ مِنْ خَشْيَةِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ أَوْجَدَ لَهُ سَبَبًا يَتَذَرَّعُ بِهِ إِلَى قَتْلِهِ وَيَكُونُ مَعْذُورًا فِيهِ حَيْثُ كَفَرَ نِعْمَةَ الْوِلَايَةِ بِالتَّرْبِيَةِ، وَاقْتَرَفَ جُرْمَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْأَنْفُسِ.

ص: 110

وَالِاسْتِفْهَامُ تَقْرِيرِيٌّ، وَجُعِلَ التَّقْرِيرُ عَلَى نَفْيِ التَّرْبِيَةِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِقْرَارُ بِوُقُوعِ التَّرْبِيَةِ مُجَارَاةً لِحَالِ مُوسَى فِي نَظَرِ فِرْعَوْنَ إِذْ رَأَى فِي هَذَا الْكَلَامِ جُرْأَةً عَلَيْهِ لَا تُنَاسِبُ حَالَ مَنْ هُوَ مَمْنُونٌ لِأُسْرَتِهِ بِالتَّرْبِيَةِ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْمَحَبَّةَ وَالْبِرَّ، فَكَأَنَّهُ يُرْخِي لَهُ الْعِنَان بِتَلْقِينِ أَنْ يَجْحَدَ أَنَّهُ مُرَبًّى فِيهِمْ حَتَّى إِذَا أَقَرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ كَانَ الْإِقْرَارُ سَالِمًا مِنَ التَّعَلُّلِ بِخَوْفٍ أَوْ ضَغْطٍ، فَهَذَا وَجْهُ تَسْلِيطِ الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ عَلَى النَّفْيِ فِي حِينِ أَنَّ الْمُقَرَّرَ بِهِ ثَابِتٌ. وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي طَالَ عَهْدُكَ بِرُؤْيَتِهِ: أَلَسْتَ فُلَانًا، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَجَّاجِ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ يُهَدِّدُ الْخَوَارِجَ «أَلَسْتُمْ أَصْحَابِي بِالْأَهْوَازِ» .

وَالتَّقْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِهِ وَهُوَ أَنْ يُقَابِلَ الْمُقَرَّرَ عَلَيْهِ بِالْبِرِّ وَالطَّاعَةِ لَا بِالْجَفَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الِاسْتِفْهَام إِنْكَارِيًّا عَلَيْهِ لِأَنَّ لِسَانَ حَالِ مُوسَى فِي نَظَرِ فِرْعَوْنَ حَالُ مَنْ يَجْحَدُ أَنَّهُ مُرَبًّى فِيهِمْ وَمَنْ يُظَنُّ نِسْيَانُهُمْ لِفَعْلَتِهِ فَأَنْكَرَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَكِلَّا الْوَجْهَيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ تَنْزِيلِ مُوسَى مَنْزِلَةَ مَنْ يَجْحَدُ ذَلِكَ.

وَالتَّرْبِيَةُ: كَفَالَةُ الصَّبِي وتدبير شؤونه. وَمَعْنَى فِينا فِي عَائِلَتِنَا، أَيْ عَائِلَةِ مَلِكِ مِصْرَ. وَالْوَلِيدُ: الطِّفْلُ مِنْ وَقْتِ وِلَادَتِهِ وَمَا يُقَارِبُهَا فَإِذَا نَمَى لَمْ يُسَمَّ وَلِيدًا وَسُمِّي طِفْلًا، وَيَعْنِي بِذَلِكَ الْتِقَاطَهُ مِنْ نَهْرِ النِّيلِ. وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى رُبِّيَ عِنْدَ (رَعَمْسِيسَ الثَّانِي) مِنْ مُلُوكِ الْعَائِلَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عَائِلَاتِ فَرَاعِنَةِ مِصْرَ حَسَبَ تَرْتِيبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ.

وَخَرَجَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ الْقِبْطِيَّ وَعُمُرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا بَلَغَ

أَشُدَّهُ وَاسْتَوى

آتَيْنَاهُ حُكْمًا إِلَى قَوْلِهِ: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ [الْقَصَص: 14، 15] الْآيَةَ وَبُعِثَ وَعُمُرُهُ ثَمَانُونَ سَنَةً حَسْبَمَا فِي التَّوْرَاةِ (1) . وَكَانَ فِرْعَوْنُ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْهِ مُوسَى هُوَ (مِنْفِتَاحُ الثَّانِي ابْن رَعْمَسِيسَ الثَّانِي) وَهُوَ الَّذِي خَلَفَهُ فِي الْمُلْكِ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَوَاسِطَ الْقَرْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ قَبْلَ الْمَسِيحِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ مُوسَى مُرَبَّى وَالِدِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا، وَلَعَلَّهُ رُبِّيَ مَعَ فِرْعَوْنَ هَذَا كالأخ.

والسنين الَّتِي لَبِثَهَا مُوسَى فِيهِمْ هِيَ نَحْوُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

(1) انْظُر الإصحاح السَّابِع من سفر الْخُرُوج.

ص: 111

وَالْفَعْلَةُ: الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْفِعْلِ، وَأَرَادَ بِهَا الْحَاصِلَ بِالْمَصْدَرِ كَمَا اقْتَضَتْهُ إِضَافَتُهَا إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ، وَأَرَادَ بِالْفَعْلَةِ قَتْلَهُ الْقِبْطِيَّ، قِيلَ هُوَ خَبَّازُ فِرْعَوْنَ. وَعُبِّرَ عَنْهَا بِالْمَوْصُولِ لِعِلْمِ مُوسَى بِهَا، وَفِي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِلْفَعْلَةِ يُكَنَّى بِهِ عَنْ تَذْكِيرِهِ بِمَا يُوجِبُ تَوْبِيخَهُ.

وَفِي الْعُدُولِ عَنْ ذِكْرِ فَعْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ إِلَى ذِكْرِهَا مُبْهَمَةً مُضَافَةً إِلَى ضَمِيرِهِ ثُمَّ وَصْفِهَا بِمَا لَا يَزِيدُ عَلَى مَعْنَى الْمَوْصُوفِ تَهْوِيلٌ مُرَادٌ بِهِ التَّفْظِيعُ وَأَنَّهَا مُشْتَهِرَةٌ مَعْلُومَةٌ مَعَ تَحْقِيقِ إِلْصَاقِ تَبِعَتِهَا بِهِ حَتَّى لَا يَجِدَ تَنَصُّلًا مِنْهَا.

وَجُمْلَةُ: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ فَعَلْتَ. وَالْمُرَادُ بِهِ كُفْرُ نِعْمَةِ فِرْعَوْنَ مِنْ حَيْثُ اعْتَدَى عَلَى أَحَدِ خَاصَّتِهِ وَمَوَالِي آلِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ انْتِصَارًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ يَعُدُّونَهُمْ عَبِيدَ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدَ قَوْمِهِ، فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ انْتِصَارَ مُوسَى لِرَجُلٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ كُفْرَانًا لِنِعْمَةِ فِرْعَوْنَ لِأَنَّهُ يَرَى وَاجِبَ مُوسَى أَنْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَلَا ينتصر لإسرائيلي، وَفِي هَذَا إِعْمَالُ أَحْكَامِ التَّبَنِّي وَإِهْمَالُ أَحْكَامِ النَّسَبِ وَهُوَ قَلْبُ حَقَائِقَ وَفَسَادُ وَضْعٍ. قَالَ تَعَالَى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الْأَحْزَاب: 4] . وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكُفْرَ بِدِيَانَةِ فِرْعَوْنَ لِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَكُنْ يَوْمَ قَتَلَ الْقِبْطِيَّ مُتَظَاهِرًا بِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ دِينِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي بَاطِنِهِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ وَبَعْدَهَا.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ عَطْفًا عَلَى الْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا الَّتِي هِيَ تَوْبِيخٌ وَلَوْمٌ، فَوَبَّخَهُ عَلَى تَقَدُّمِ رَعْيِهِ تَرْبِيَتَهُمْ إِيَّاهُ فِيمَا مَضَى، ثُمَّ وَبَّخَهُ عَلَى كَوْنِهِ كَافِرًا بِدِينِهِمْ فِي الْحَالِ، لِأَن قَوْلَهُ: مِنَ الْكافِرِينَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ إِذْ هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ وَاسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَأَنْتَ حِينَئِذٍ مِنَ الْكَافِرِينَ بِدِينِنَا، اسْتِنَادًا مِنْهُ إِلَى مَا بَدَا مِنْ قَرَائِنَ دَلَّتْهُ عَلَى اسْتِخْفَافِ مُوسَى بِدِينِهِمْ فِيمَا مَضَى لِأَنَّ دِينَهُمْ يَقْتَضِي الْإِخْلَاصَ لِفِرْعَوْنَ وَإِهَانَةَ مَنْ يُهِينُهُمْ فِرْعَوْنُ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي عَزْمِ فِرْعَوْنَ عَلَى أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ مُوسَى لِلْقِبْطِيِّ لِأَنَّ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهِ كَانَ مَصْحُوبًا بِاسْتِخْفَافٍ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ.

ص: 112