الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصلاة خلف الأشعري
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
كتاب الصلاة/ صلاة الجماعة/أحكام الإمامة والائتمام
التاريخ 4/12/1424هـ
السؤال
يا شيخنا الفاضل: هل يجوز لي الصلاة خلف شيخ يصرح بعقيدته الأشعرية، ويجيز التوسل بالرسول عليه الصلاة والسلام ويستدل بحديث الأعمى، وأيضا يقول: كيف تجعلون الحياة سبباً في إجابة الدعاء؟ .أفيدونا -جزاكم الله خيراً-.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فأقول ومن الله أستمد العون والتوفيق:
حديث توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم واسشفاعه به أن يرد الله -تعالى- بصره رواه الترمذي (3578) ، وابن ماجة (1385) وغيرهما عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم،ومن الناس من يقول: إن هذا يقتضي جواز التوسل به صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، ويحتج به من يتوسل بذاته بعد موته وفي مغيبه، وهذا الحديث في صحته نظر، وقد بين بعض المحققين من أهل العلم أنه على تقدير صحته فليس فيه دليل على التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم بل فيه التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم ربه أن يرد إلى هذا الأعمى بصره، والمسألة كما ترى خلافية، والراجح فيها عدم جواز التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم، وأما الشيخ الذي ذكرته في سؤالك فأرى لك أن تناقشه مناقشة علمية هادئة مبناها على المناصحة وتحري إصابة الحق في هذه المسألة أو غيرها من المسائل إن كانت لديك القدرة على ذلك، وأما الصلاة خلفه فقد ذكر العلماء أنه ليس من شرط الإئتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف مستور الحال، ولو صلى مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك، فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء، والصحيح أنه يصليها، ولا يعيدها، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس رضي الله عنه، وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
وفي الصحيح أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما حصِر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان- رضي الله عنه: "إنك إمام عامة، وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة، فقال: يا ابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يفعل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أسأؤوا فاجتب إساءتهم"خرجه البخاري في صحيحه بشرحه الفتح كتاب الأذان/ باب إمامة المفتون والمبتدع حديث رقم (695- ج-2/188) . والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحه، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب.
ومن ذلك أن من أظهر بدعة وفجوراً لا يرتب إماماً للمسلمين فإنه يستحق التعزير حتى يتوب فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسناً، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب، أو يعزل، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية، ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة. وأما إذا أدى ذلك إلى أن تفوته الجمعة، فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم، وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية فهنا لا تترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلفه أفضل، فإذا أمكن الإنسان ألا يقدم مظهراً للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك، لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا أعظم ضرراً أعظم من ضرر ما أظهر من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان فتفويت الجمع والجماعات أعظم فساداً من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورا، ً فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة.
وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر، فتأمل هذا -يا أخي- وتدبره؛ فإن الحاجة ماسة إلى فهمه، وانظر بسط القول في هذا في شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (2/529-534) ، وانظر في التوسل مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (3/286-287) ، ومنهاج السنة النبوية (1/66) ، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية فتاوى العقيدة المجلد (1/349-354) . والله الموفق، وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.