المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة فصلت (41) : آية 44] - التحرير والتنوير - جـ ٢٤

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 33 إِلَى 35]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 36 الى 37]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 38]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 39 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 42]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 43 إِلَى 44]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 45]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 46]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 47 إِلَى 48]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 49]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 50 إِلَى 51]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 52]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 53]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 54]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 55]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 56 إِلَى 58]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 59]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 62 إِلَى 63]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 64]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 65 إِلَى 66]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 67]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 68]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 69 إِلَى 70]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : الْآيَات 71 إِلَى 72]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 73]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 74]

- ‌[سُورَة الزمر (39) : آيَة 75]

- ‌40- سُورَةُ الْمُؤْمِنِ

- ‌أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 8 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 15 الى 16]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 18]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 21 إِلَى 22]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 23 إِلَى 24]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 30 إِلَى 31]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 32 إِلَى 33]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 34 الى 35]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 36 الى 37]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 38 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 41 إِلَى 43]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 45 إِلَى 46]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 47 إِلَى 48]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 49 إِلَى 50]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 51 إِلَى 52]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 53 إِلَى 54]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 55]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 56]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 57]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 58]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 59]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 63]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 64]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 65]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 66]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 67]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 68]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 69 إِلَى 72]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 73 إِلَى 76]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 77]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 78]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 79 إِلَى 80]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 81]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 82 إِلَى 83]

- ‌[سُورَة غَافِر (40) : الْآيَات 84 الى 85]

- ‌أُسْلُوبُ سُورَةِ غَافِرٍ

- ‌41- سُورَةُ فُصِّلَتْ

- ‌أَغْرَاضُهَا

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : الْآيَات 2 إِلَى 4]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : الْآيَات 6 الى 7]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : الْآيَات 13 الى 14]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 18]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : الْآيَات 19 الى 21]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : الْآيَات 22 إِلَى 23]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 24]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : الْآيَات 27 إِلَى 28]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : الْآيَات 30 إِلَى 32]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 36]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 37]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 38]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 39]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 40]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : الْآيَات 41 إِلَى 42]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 43]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 45]

- ‌[سُورَة فصلت (41) : آيَة 46]

الفصل: ‌[سورة فصلت (41) : آية 44]

إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ تَسْلِيَة للرسول صلى الله عليه وسلم وَوَعْدٌ بِأَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ. وَوُقُوعُ هَذَا الْخَبَرِ عَقِبَ قَوْلِهِ: مَا يُقالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ يومىء إِلَى أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ جَزَاءٌ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنَ الْأَذَى فِي ذَاتِ اللَّهِ وَأَنَّ الْوَعِيدَ لِلَّذِينَ آذَوْهُ، فَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِهِ.

وَمَعْنَى الْمَغْفِرَةِ لَهُ: التَّجَاوُزُ عَمَّا يَلْحَقُهُ مِنَ الْحُزْنِ بِمَا يَسْمَعُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَذًى كَثِيرٍ. وَحَرْفُ إِنَّ فِيهِ لِإِفَادَةِ التَّعْلِيلِ والتسبب لَا للتَّأْكِيد.

وَكَلِمَةُ ذُو مُؤْذِنَةٌ بِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ وَالْعِقَابَ كِلَيْهِمَا مِنْ شَأْنِهِ تَعَالَى وَهُوَ يَضَعُهُمَا بِحِكْمَتِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَحِقَّةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.

وَوصف الْعقَاب ب أَلِيمٍ دُونَ وَصْفٍ آخَرَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لِمَا عُوقِبُوا لِأَجْلِهِ فَإِنَّهُمْ آلَمُوا نفس النبيء صلى الله عليه وسلم بِمَا عَصَوْا وَآذَوْا.

وَفِي جُمْلَةِ: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ مُحَسِّنُ الْجَمْعِ ثُمَّ التَّقْسِيمِ، فَقَوْلُهُ: مَا يُقالُ لَكَ يَجْمَعُ قَائِلًا وَمَقُولًا لَهُ فَكَانَ الْإِيمَاءُ بِوَصْفِ (ذُو مَغْفِرَةٍ) إِلَى الْمَقُولِ لَهُ، وَوَصْفِ ذُو عِقابٍ أَلِيمٍ إِلَى الْقَائِلِينَ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمَعْكُوسِ وَقَرِينَةُ الْمَقَامِ تَرُدُّ كُلًّا إِلَى مُنَاسِبِهِ.

[44]

[سُورَة فصلت (41) : آيَة 44]

وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44)

وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ.

اتِّصَالُ نَظْمِ الْكَلَامِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا وَتَنَاسُبُ تَنَقُّلَاتِهِ بِالتَّفْرِيعِ وَالْبَيَانِ وَالِاعْتِرَاضِ وَالِاسْتِطْرَادِ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا إِلَى آخِرِهِ تَنَقُّلٌ فِي دَرَجِ إِثْبَاتِ أَنَّ قَصْدَهُمُ الْعِنَادُ فِيمَا يتعللون بِهِ ليواجهوا إِعْرَاضَهُمْ عَنِ الْقُرْآنِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَدْيِهِ بِمَا يَخْتَلِقُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ وَالتَّكْذِيبِ بِهِ، وَتَكَلُّفُ الْأَعْذَارِ الْبَاطِلَةِ لِيَتَسَتَّرُوا بِذَلِكَ مِنَ الظُّهُورِ فِي مَظْهَرِ الْمُنْهَزِمِ الْمَحْجُوجِ، فَأَخَذَ يَنْقُضُ دَعَاوِيهِمْ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذِ ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِتَحَدِّيهِمْ بِمُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ:

ص: 311

حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا إِلَى قَوْلِهِ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [فصلت: 1- 4] فَهَذَا تَحَدٍّ لَهُمْ وَوَصْفٌ لِلْقُرْآنِ بِصِفَةِ الْإِعْجَازِ.

ثُمَّ أَخَذَ فِي إِبْطَالِ مَعَاذِيرِهِمْ وَمَطَاعِنِهِمْ بِقَوْلِهِ: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فصلت: 5] ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ قَصَدُوا بِهِ أَنَّ حُجَّةَ الْقُرْآنِ غَيْرُ مُقْنِعَةٍ لَهُمْ إِغَاظَةً مِنْهُم للنبيء صلى الله عليه وسلم، ثمَّ تمالئهم عَلَى الْإِعْرَاضِ بِقَوْلِهِ: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] وَهُوَ عَجْزٌ مَكْشُوفٌ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا [فصلت: 40] وَبِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ [فصلت: 41] الْآيَاتِ. فَأَعْقَبَهَا بِأَوْصَافِ كَمَالِ الْقُرْآنِ الَّتِي لَا يَجِدُونَ مَطْعَنًا فِيهَا بِقَوْلِهِ:

وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ [فصلت: 41] الْآيَةَ.

وَإِذْ قَدْ كَانَتْ هَذِه المجادلات فِي أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا إِبْطَالًا لِتَعَلُّلَاتِهِمْ، وَكَانَ عِمَادُهُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ مُفَصَّلُ الدَّلَالَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي لُغَتِهِمْ حَسَبَمَا ابْتُدِئِ الْكَلَامُ بِقَوْلِهِ:

كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: 3] وَانْتُهِيَ هُنَا بِقَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 41، 42] ، فَقَدْ نَهَضَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِدَلَالَتِهِ عَلَى صدق الرَّسُول صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ فَانْتَقَلَ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى عِمَادُهَا الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاءَهُم الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بِقُرْآنٍ مِنْ لُغَةٍ أُخْرَى غَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ.

وَلِذَلِكَ فَجُمْلَةُ: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ

عَزِيزٌ

[فصلت: 41] عَلَى الِاعْتِبَارَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ آنِفًا فِي مَوْقِعِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ.

وَمَعْنَى الْآيَةِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: 3] وَقَوْلُهُ: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الْكَهْف: 110] مِنَ التَّحَدِّي بِصِفَةِ الْأُمِّيَّةِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا، أَيْ لَوْ جِئْنَاهُمْ بِلَوْنٍ آخَرَ مِنْ مُعْجِزَةِ الْأُمِّيَّةِ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الرَّسُولِ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا، وَلَيْسَ للرسول صلى الله عليه وسلم عِلْمٌ بِتِلْكَ اللُّغَةِ مِنْ قَبْلُ، لَقَلَبُوا مَعَاذِيرَهُمْ فَقَالُوا: لَوْلَا بُيِّنَتْ آيَاتُهُ بِلُغَةٍ نَفْهَمُهَا وَكَيْفَ يُخَاطِبُنَا بِكَلَامٍ أَعْجَمِيٍّ. فَالْكَلَامُ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْفَرْضِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى حِرَفِ لَوْ الِامْتِنَاعِيَّةِ. وَهَذَا إِبَانَةٌ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَا تُجْدِي مَعَهُمُ الْحُجَّةُ وَلَا يَنْقَطِعُونَ عَنِ الْمَعَاذِيرِ لِأَنَّ جِدَالَهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِهِ تَطَلُّبَ الْحَقِّ وَمَا هُوَ إِلَّا تَعَنُّتٌ لِتَرْوِيجِ هَوَاهُمْ.

ص: 312

وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ فِي الِاحْتِجَاجِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشُّعَرَاء: 198، 199] ، أَيْ لَوْ نَزَّلْنَاهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، لِاشْتِرَاكِ الْحُجَّتَيْنِ فِي صِفَةِ الْأُمِّيَّةِ فِي اللُّغَةِ الْمَفْرُوضِ إِنْزَالُ الْكِتَابِ بِهَا، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْآيَة بيّنت عَلَى فَرْضِ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولٍ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ بُنِيَتْ عَلَى فَرْضِ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى الرَّسُول الْعَرَبِيّ صلى الله عليه وسلم بِلُغَةٍ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى عُمُومِ رِسَالَة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم لِلْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَلَمْ يَكُنْ عَجَبًا أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ بِلُغَةِ غَيْرِ الْعَرَبِ لَوْلَا أَنَّ فِي إِنْزَالِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ حِكْمَةً عَلِمَهَا اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا اصْطفى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم عَرَبِيًّا وَبَعَثَهُ بَيْنَ أُمَّةٍ عَرَبِيَّةٍ كَانَ أَحَقُّ اللُّغَاتِ بِأَنْ يُنْزِلَ بِهَا كِتَابَهُ إِلَيْهِ الْعَرَبِيَّةَ، إِذْ لَوْ نَزَلَ كِتَابُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَاسْتَوَتْ لُغَاتُ الْأُمَمِ كُلُّهَا فِي اسْتِحْقَاقِ نُزُولِ الْكِتَابِ بِهَا فَأَوْقَعَ ذَلِكَ تحاسدا بَينهَا لِأَن بَينهم من سوابق الْحَوَادِث فِي التَّارِيخ مَا يثير الْغيرَة والتحاسد بَينهم بِخِلَافِ الْعَرَبِ إِذْ كَانُوا فِي عزلة عَن بَقِيَّة الْأُمَمِ، فَلَا جَرَمَ رُجِّحَتِ الْعَرَبِيَّةُ لِأَنَّهَا لُغَة الرَّسُول صلى الله عليه وسلم ولغة الْقَوْمِ الْمُرْسَلِ بَيْنَهُمْ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَبْقَى الْقَوْمُ الَّذِينَ يَدْعُوهُمْ لَا يَفْقَهُونَ الْكِتَابَ الْمُنَزَّلَ إِلَيْهِمْ.

وَلَوْ تَعَدَّدَتِ الْكُتُبُ بِعَدَدِ اللُّغَاتِ لَفَاتَتْ مُعْجِزَةُ الْبَلَاغَةِ الْخَاصَّةِ بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الْعَرَبِيَّةَ أَشْرَفُ اللُّغَاتِ وَأَعْلَاهَا خَصَائِصَ وَفَصَاحَةً وَحُسْنَ أَدَاءٍ لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْوَجِيزَةِ.

ثُمَّ الْعَرَبُ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ نَشْرَ هَذَا الدِّينِ بَيْنَ الْأُمَمِ وَتَبْيِينَ مَعَانِي الْقُرْآنِ لَهُمْ. وَوَقَعَ فِي «تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ» عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْلَا أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ أَعْجَمِيًّا وَعَرَبِيًّا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِ

الِاسْتِفْهَامِ اهـ. وَلَا أَحسب هَذَا إِلَّا تَأْوِيلًا لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَى رَاوٍ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْ غَيْرِهِ فَرَأَى أَن الْآيَة تنبىء عَنْ جَوَابِ كَلَامٍ صَدَرَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الْمُعَبَّرِ عَنْهُمْ بِضَمِيرِ لَقالُوا. وَسِيَاقُ الْآيَةِ وَلَفْظُهَا يَنْبُو عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَكَيْفَ ولَوْ الِامْتِنَاعِيَّةُ تَمْتَنِعُ مَنْ تَحَمُّلِ هَذَا التَّأْوِيلِ وَتَدْفَعُهُ.

ص: 313

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي «الْكَشَّافِ» : «أَنَّهُمْ كَانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ يَقُولُونَ: هَلَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَةِ الْعَجَمِ؟ فَقِيلَ: لَوْ كَانَ كَمَا يَقْتَرِحُونَ لَمْ يَتْرُكُوا الِاعْتِرَاضَ وَالتَّعَنُّتَ، وَقَالُوا: لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ إِلَخْ» . فَلَمْ نَقِفْ عَلَى مَنْ ذَكَرَ مِثْلَهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَأَصْحَابِ أَسْبَابِ النُّزُولِ وَمَا هُوَ إِلَّا مِنْ صِنْفِ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ. وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ نَظْمُ الْآيَةِ: وَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقَةِ لَوْ وَجَوَابِهَا. وَلَا يُظَنُّ بِقُرَيْشٍ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ.

وَضَمِيرُ جَعَلْناهُ عَائِدٌ إِلَى الذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ [فصلت:

41] .

وَقَوله: أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ بَقِيَّةُ مَا يَقُولُونَهُ عَلَى فَرْضِ أَنْ يُجْعَلَ الْقُرْآنُ أَعْجَمِيًّا، أَيْ أَنَّهُمْ لَا يَخْلُونَ مِنَ الطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.

ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ.

وَمَعْنَى: فُصِّلَتْ هُنَا: بُيِّنَتْ وَوُضِّحَتْ، أَيْ لَوْلَا جُعِلَتْ آيَاتُهُ عَرَبِيَّةً نَفْهَمُهَا.

وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَعَرَبِيٌّ لِلْعَطْفِ بِمَعْنَى الْمَعِيَّةِ. وَالْمَعْنَى: وَكَيْفَ يَلْتَقِي أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ، أَيْ كَيْفَ يَكُونُ اللَّفْظُ أَعْجَمِيًّا وَالْمُخَاطَبُ بِهِ عَرَبِيًّا كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَيُلْقَى لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ إِلَى مُخَاطَبٍ عَرَبِيٍّ.

وَمَعْنَى: قُرْآناً كِتَابًا مَقْرُوءًا.

وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ تَسْمِيَةُ كِتَابِ دَاوُدَ عليه السلام قُرْآنًا، وَقَالَ النبيء صلى الله عليه وسلم: إِنَّ دَاوُدَ يُسِّرَ لَهُ الْقُرْآنُ فَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي حِينِ يُسْرَجُ لَهُ فَرَسُهُ

(أَوْ كَمَا قَالَ) .

وَالْأَعْجَمِيُّ: الْمَنْسُوبُ إِلَى أَعْجَمَ، وَالْأَعْجَمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُجْمَةِ وَهِيَ الْإِفْصَاحُ، فَالْأَعْجَمُ: الَّذِي لَا يُفْصِحُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَزِيَادَةُ الْيَاءِ فِيهِ لِلْوَصْفِ نَحْوَ: أَحَمِرَيٌّ وَدَوَّارِيٌّ.

فَالْأَعْجَمِيُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَلَامِ.

وَأَفْرَدَ وَعَرَبِيٌّ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِجِنْسِ السَّامِعِ، وَالْمَعْنَى: أَكِتَابٌ عَرَبِيٌّ لِسَامِعِينَ عَرَبٍ

فَكَانَ حَقُّ عَرَبِيٌّ أَنْ يُجْمَعَ وَلَكِنَّهُ أُفْرِدَ لِأَنَّ مَبْنَى الْإِنْكَارِ عَلَى تَنَافُرِ حَالَتَيِ الْكِتَابِ وَالْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْجِنْسُ دُونَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى إِفْرَادٍ، أَوْ جَمْعٍ.

ص: 314

وَحَاصِلُ مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهَا تُؤْذِنُ بِكَلَامٍ مُقَدَّرٍ دَاخِلٍ فِي صِفَاتِ الذِّكْرِ، وَهُوَ أَنَّهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ بِلُغَتِكُمْ إِتْمَامًا لِهَدْيِكُمْ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَكَفَرْتُمْ وَتَعَلَّلْتُمْ بِالتَّعَلُّلَاتِ الْبَاطِلَةِ فَلَوْ جَعَلْنَاهُ أَعْجَمِيًّا لَقُلْتُمْ: هَلَّا بُيِّنَتْ لَنَا حَتَّى نَفْهَمَهُ.

قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ هَذَا جَوَابٌ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: مَا يُقالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت:

43] ، أَيْ مَا يُقَالُ مِنَ الطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ، فَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ الذِّكْرَ أَوِ الْكِتَابَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ، أَيْ أَنَّ تِلْكَ الْخِصَالَ الْعَظِيمَةَ لِلْقُرْآنِ حَرَمَهُمْ كُفْرُهُمُ الِانْتِفَاعَ بِهَا وَانْتَفَعَ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ فَكَانَ لَهُمْ هَدْيًا وَشِفَاءً. وَهَذَا نَاظِرٌ إِلَى مَا حَكَاهُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [فصلت: 5] ، فَهُوَ إِلْزَامٌ لَهُمْ بِحُكْمٍ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.

وَحَقِيقَةُ الشِّفَاءِ: زَوَالُ الْمَرَضِ وَهُوَ مُسْتَعَارٌ هُنَا لِلْبَصَارَةِ بِالْحَقَائِقِ وَانْكِشَافِ الِالْتِبَاسِ مِنَ النَّفْسِ كَمَا يَزُولُ الْمَرَضُ عِنْدَ حُصُولِ الشِّفَاءِ، يُقَالُ: شُفِيَتْ نَفْسُهُ، إِذَا زَالَ حَرَجُهُ، قَالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ:

شَفَيْتُ النَّفْسَ مِنْ حَمَلِ بْنِ بَدْرٍ

وَسَيْفِي مِنْ حُذَيْفَةَ قَدْ شَفَانِي

وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: شُفِيَ غَلِيلُهُ، وَبُرِدَ غَلِيلُهُ، فَإِنَّ الْكُفْرَ كَالدَّاءِ فِي النَّفْسِ لِأَنَّهُ يُوقِعُ فِي الْعَذَابِ وَيَبْعَثُ عَلَى السَّيِّئَاتِ.

وَجُمْلَةُ: وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً فَهِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا، أَيْ وَأَمَّا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فَلَا تَتَخَلَّلُ آيَاتُهُ نُفُوسَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَمَنْ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ دُونَ سَمَاعِهِ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي حِكَايَةِ قَوْلِهِمْ: وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [فصلت:

5] ، وَلِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَانَ مَعْنَى الْجُمْلَةِ مُتَعَلِّقًا بِأَحْوَالِ الْقُرْآنِ مَعَ الْفَرِيقِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ لِتَقْدِيرِ جَعْلِ الْجُمْلَةِ خَبَرًا عَنِ الْقُرْآنِ.

ص: 315

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ خَبَرًا ثَانِيًا عَنْ ضَمِيرِ الذِّكْرِ، أَيِ الْقُرْآنِ، فَتَكُونُ مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ وَكَذَلِكَ جُمْلَةُ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى.

وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِ وَقْرٌ وعَمًى تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ مَعَ سَمَاعِ أَلْفَاظِهِ، وَالْوَقْرُ: دَاءٌ فَمُقَابَلَتُهُ بِالشِّفَاءِ مِنْ مُحَسِّنِ الطِّبَاقِ.

وَضَمِيرُ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى يَتَبَادَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الذِّكْرِ أَوِ الْكِتَابِ كَمَا عَادَ ضَمِيرُ

هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً. وَالْعَمَى: عَدَمُ الْبَصَرِ، وَهُوَ مُسْتَعَارٌ هُنَا لِضِدِّ الِاهْتِدَاءِ فَمُقَابَلَتُهُ بِالْهُدَى فِيهَا مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ.

وَالْإِسْنَادُ إِلَى الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي مُعَادِ الضَّمِيرِ بِأَنَّهُ عَلَيْهِمْ عَمًى مِنَ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ لِأَنَّ عِنَادَهُمْ فِي قَبُولِهِ كَانَ سَبَبًا لِضَلَالِهِمْ فَكَانَ الْقُرْآنُ سَبَبَ سَبَبٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التَّوْبَة: 125] .

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ وَهُوَ ضَمِيرَ شَأْنٍ تَنْبِيهًا عَلَى فَظَاعَةِ ضَلَالِهِمْ. وَجُمْلَةُ عَلَيْهِمْ عَمًى خَبَرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، أَيْ وَأَعْظَمُ مِنَ الْوَقْرِ أَنَّ عَلَيْهِمْ عَمًى، أَيْ عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَمًى كَقَوْلِهِ: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [الْبَقَرَة: 7] .

وَإِنَّمَا عَلَّقَ الْعَمَى بِالْكَوْنِ عَلَى ذَوَاتِهِمْ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَمًى مُجَازِيًا تَعَيَّنَ أَنَّ مُصِيبَتَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كُلِّهَا لَا عَلَى أَبْصَارِهِمْ خَاصَّةً فَإِنَّ عَمَى الْبَصَائِرِ أَشَدُّ ضُرًّا مِنْ عَمَى الْأَبْصَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الْحَج:

46] .

وَجُمْلَةُ أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ خَبَرٌ ثَالِثٌ عَنِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ.

وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الدَّعْوَةِ عِنْدَ سَمَاعِهَا بِحَالِ مَنْ يُنَادَى مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ لَا يَبْلُغُ إِلَيْهِ فِي مِثْلِهِ صَوْتُ الْمُنَادِي عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لَا يَسْمَعُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [171] . وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ لَا يَفْهَمُ: أَنْتَ تُنَادَى مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. وَالْإِشَارَةُ بِ أُولئِكَ إِلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ

ص: 316