الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي الْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَمُمْسِكًا تَلَفًا»
أَيْ كُلَّ مُنْفِقٍ وَمُمْسِكٍ.
وَالْمُرَادُ: إِبْلَاغُ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الرِّضَى وَالْقَبُولِ يَوْمَ الْجَزَاءِ بِحَيْثُ لَا يَنَالُهُمُ الْعَذَابُ وَيَكُونُونَ فِي بُحْبُوحَةِ النَّعِيمِ وَلَا يَعْتَرِيهِمْ مَا يُكَدِّرُهُمْ مِنْ نَحْوِ التَّوْبِيخِ وَالْفَضِيحَةِ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ [الْإِنْسَان: 11] .
وَجُمْلَةُ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ تَذْيِيلٌ، أَيْ وَكُلُّ مَنْ وُقِيَ السَّيِّئَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَدْ نَالَتْهُ رَحْمَةُ اللَّهِ، أَيْ نَالَتْهُ الرَّحْمَةُ كَامِلَةً فَفِعْلُ رَحِمْتَهُ مُرَادٌ بِهِ تَعْظِيمُ مَصْدَرِهِ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمُرَادِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْله: وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إِذْ أُشِيرَ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنْ وِقَايَةِ السَّيِّئَاتِ إِشَارَةً لِلتَّنْوِيهِ وَالتَّعْظِيمِ. وَوُصِفَ الْفَوْزُ بِالْعَظِيمِ لِأَنَّهُ فَوْزٌ بِالنَّعِيمِ خَالِصًا مِنَ الْكُدْرَاتِ الَّتِي تُنْقِصُ حَلَاوَةَ النِّعْمَةِ.
وَتَنْوِينُ يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ يَوْمَ إِذْ تُدْخِلُهُمْ جنَّات عدن.
[10]
[سُورَة غَافِر (40) : آيَة 10]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (10)
مُقَابَلَةُ سُؤَالِ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّعِيمِ الْخَالِصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا يُخَاطَبُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ مِنَ التَّوْبِيخِ وَالتَّنْدِيمِ وَمَا يُرَاجَعُونَ بِهِ مِنْ طَلَبِ الْعَفْوِ مُؤْذِنَةٌ بِتَقْدِيرِ مَعْنَى الْوَعْدِ بِاسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَطَيُّ ذِكْرِ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِيجَازِ.
وَالِانْتِقَالُ مِنْهُ إِلَى بَيَانِ مَا سَيَحِلُّ بِالْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ ضَرْبٌ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ الْآيَاتِ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا كَأَنَّ سَائِلًا
سَأَلَ عَنْ تَقَبُّلِ دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَهَمَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ ضِدِّ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا الْأُسْلُوبِ
إِيمَاءٌ وَرَمْزٌ إِلَى أَنَّ الْمُهِمَّ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا هُوَ مَوْعِظَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ رُجُوعًا إِلَى قَوْلِهِ:
وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ [غَافِر: 6] وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنَا مُشْرِكُو أَهِلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمُ الْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غَافِر: 7] .
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُنَادِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ تَبْلِيغًا عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ، قَالَ تَعَالَى: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44] وَهُوَ بُعْدٌ عَنْ مَرْتَبَةِ الْجَلَالِ، أَيْ يُنَادَوْنَ وَهُمْ فِي جَهَنَّمَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غَافِر: 11] .
وَاللَّامُ فِي لَمَقْتُ اللَّهِ لَامُ الْقَسَمِ. وَالْمَقْتُ: شِدَّةُ الْبُغْضِ. وإِذْ تُدْعَوْنَ ظَرْفٌ لِ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ.
وإِذْ ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الْمَاضِي، أَيْ حِينَ كُنْتُمْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بِقَرِينَةِ تُدْعَوْنَ وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ فِي تُدْعَوْنَ وفَتَكْفُرُونَ
لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَرُّرِ دَعْوَتِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ وَتَكَرُّرَ كُفْرِهِمْ، أَيْ تجدده.
وَمعنى: مقتهم أنفسهم حِينَئِذٍ أَنَّهُمْ فَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَا يُشْبِهُ الْمَقْتَ إِذْ حَرَمُوهَا مِنْ فَضِيلَةِ الْإِيمَانِ وَمَحَاسِنِ شَرَائِعِهِ وَرَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ دِينَ الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أُوقِظُوا عَلَى مَا فِيهِ مِنْ ضَلَالٍ وَمَغَبَّةِ سُوءٍ، فَكَانَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ شَبِيهًا بِفِعْلِ الْمَرْءِ لِبَغِيضِهِ مِنَ الضُّرِّ وَالْكَيْدِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ عَدُوُّ نَفْسِهِ. وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ عُمَرَ قَالَ لِنِسَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم وَيَسْتَكْثِرْنَ، فَلَمَّا دَخَلَ عُمَرُ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ فَقَالَ لَهُنَّ:«يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» .
فَالْمَقْتُ مُسْتَعَارٌ لِقِلَّةِ التَّدَبُّرِ فِيمَا يَضُرُّ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى وَجْهِ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ قَوْلُهُ: إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ فَمَنَاطُ الْكَلَامِ هُوَ فَتَكْفُرُونَ وَفِي ذِكْرِ يُنادَوْنَ مَا يَدُلُّ عَلَى كَلَامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَمْقَتُهُمُ اللَّهُ وَيُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ إِلَخْ.
وَمَعْنَى مَقْتُ اللَّهِ: بُغْضُهُ إِيَّاهُمْ وَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ أُطْلِقَ عَلَى الْمُعَامَلَةِ بِآثَارِ الْبُغْضِ مِنَ التَّحْقِيرِ وَالْعِقَابِ فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى حَقِيقَةِ الْبُغْضِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَثَرُهُ وَهُوَ الْمُعَامَلَةُ بِالنَّكَالِ، وَهُوَ شَائِعٌ شُيُوعَ نَظَائِرِهِ مِمَّا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا تَسْتَحِيلُ حَقِيقَتُهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّوْبِيخِ وَالتَّنْدِيمِ.
وأَكْبَرُ بِمَعْنَى أَشَدَّ وَأَخْطَرَ أَثَرًا، فَإِطْلَاقُ الْكِبَرِ عَلَيْهِ مَجَازٌ لِأَنَّ الْكِبَرَ مِنْ أَوْصَافِ
الْأَجْسَامِ لَكِنَّهُ شَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْقُوَّةِ فِي الْمَعَانِي. وَلَمَّا كَانَ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ حَرَمَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ النَّجَاةِ وَالصَّلَاحِ وَكَانَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَوْقَعَهُمْ فِي الْعَذَابِ كَانَ مَقْتُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ أَشَدَّ وَأَنْكَى مِنْ مَقْتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ لِأَنَّ شِدَّةَ الْإِيلَامِ أَقْوَى مِنَ الْحِرْمَانِ مِنَ الْخَيْرِ. وَالْمَقْتُ الْأَوَّلُ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [الْبَقَرَة: 16]، وَالْمَقْتُ الثَّانِي قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً [فاطر: 39] وَهُوَ مَقْتُ الْعَذَابِ. هَذَا هُوَ الْوَجْهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْمُلَاقِي لِتَنَاسُقِ نَظْمِهَا، وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهَا وُجُوهٌ أُخَرُ تَدْنُو وَتَبْعُدُ مِمَّا ذَكَرْنَا فَاسْتَعْرِضْهَا وَاحْكُمْ فِيهَا.
وأَنْفُسَكُمْ يتنازعه لَمَقْتُ اللَّهِ، ومَقْتِكُمْ فَهُوَ مَفْعُولُ الْمَصْدَرَيْنِ الْمُضَافَيْنِ إِلَى فَاعِلَيْهِمَا.
وَبُنِيَ فِعْلُ تُدْعَوْنَ إِلَى النَّائِبِ لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ لِظُهُورِ أَنَّ الدَّاعِيَ هُوَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أَوِ الرُّسُلُ عليهم السلام. وَتَفْرِيعُ فَتَكْفُرُونَ بِالْفَاءِ عَلَى تُدْعَوْنَ يُفِيدُ أَنَّهُمْ أَعْقَبُوا الدَّعْوَةَ بِالْكُفْرِ، أَيْ بِتَجْدِيدِ كُفْرِهِمُ السَّابِقِ وَبِإِعْلَانِهِ أَيْ دُونَ أَنْ يَتَمَهَّلُوا مُهْلَةَ النَّظَرِ وَالتَّدَبُّرِ فِيمَا دعوا إِلَيْهِ.