الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَوْ لَمْ يُسْلَكْ هَذَا الْأُسْلُوبُ فِي النَّشْرِ لِهَذَا اللَّفِّ لَفَاتَ التَّعْجِيلُ بِدَحْضِ الْمَعْذِرَةِ، وَلَفَاتَتْ مُقَابَلَةُ الْقَرَائِنِ الثَّلَاثِ الْمُجَابِ عَنْهَا بِقَرَائِنِ أَمْثَالِهَا لِمَا عَلِمَتْ مِنْ أَنَّ الْإِبْطَالَ رُوعِيَ فِيهِ قَرَائِنٌ ثَلَاث على وزان أَقْوَالِ النَّفْسِ، وَأَنَّ تَرْتِيبَ أَقْوَالِ النَّفْسِ كَانَ جَارِيًا عَلَى التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ، فَلَوْ لَمْ يُشَوَّشِ النَّشْرُ لَوَجَبَ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ عَدَدِ قَرَائِنِ اللَّفِّ فَتَفُوتُ نُكْتَةُ الْمُقَابَلَةِ الَّتِي هِيَ شَأْنُ الْجِدَالِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّوَرُّكِ.
وَتَرْكِيبُ قَوْلِهِ: وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي نَظَائِرِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: 56] وَمَا بَعْدَهُ مِمَّا أُقْحِمَ فِيهِ فِعْلُ كُنْتَ.
وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى فَتْحِ التَّاءَاتِ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ: فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ وَكَذَلِكَ فَتَحُ الْكَافِ مِنْ قَوْلِهِ: جاءَتْكَ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّفْسِ بِمَعْنَى الذَّاتِ الْمُغَلَّبَةِ فِي أَنْ يُرَادَ بِهَا الذُّكُورُ وَيُعْلَمَ أَنَّ النِّسَاءَ مِثْلُهُمْ، مِثْلُ تَغْلِيبِ صِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ فِي قَوْله: لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: 56] .
[60]
[سُورَة الزمر (39) : آيَة 60]
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)
عَطْفٌ عَلَى إِحْدَى الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِعَذَابِ الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا [الزمر: 51] ، أَيْ فِي الدُّنْيَا كَمَا أَصَابَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَسْوَدُّ وُجُوهُهُمْ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْوِدَادُ الْوُجُوهِ حَقِيقَةً جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَامَةً لَهُمْ وَجَعَلَ بَقِيَّةَ النَّاسِ بِخِلَافِهِمْ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ اسْوِدَادَ الْوُجُوهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَامَةً عَلَى سُوءِ الْمَصِيرِ كَمَا جَعَلَ بَيَاضَهَا عَلَامَةً عَلَى حُسْنِ الْمَصِيرِ قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ
اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْيِضَاضُ الْوُجُوهِ مُسْتَعْمَلًا فِي النَّضْرَةِ وَالْبَهْجَةِ قَالَ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ [الْقِيَامَة: 22]، وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ وَيَقُولُونَ فِي الَّذِي يَخْصُلُ خَصْلَةً يَفْتَخِرُ بِهَا قَوْمُهُ: بَيَّضْتَ وُجُوهَنَا. وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: تَرَى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.
وَجُمْلَةُ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَمَوْقِعُ الْجُمْلَةِ مَوْقِعُ الْحَالِ مِنَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ هُنَا بَصَرِيَّةٌ لَا يَنْصِبُ فِعْلُهَا مَفْعُولَيْنِ. وَلَا يَلْزَمُ اقْتِرَانُ جُمْلَةِ الْحَالِ الِاسْمِيَّةِ بِالْوَاوِ.
والَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ: هُمُ الَّذِينَ نَسَبُوا إِلَيْهِ مَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ مِنَ الشَّرِيكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَكَاذِيبِ الشِّرْكِ، فَالَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي قَوْلِهِ:
وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا [الزمر: 51]، وُصِفُوا أَوَّلًا بِالظُّلْمِ ثُمَّ وُصِفُوا بِالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ فِي حِكَايَةٍ أُخْرَى فَلَيْسَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ إِظْهَارًا فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ.
وَيَدْخُلُ فِي الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ كُلُّ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ صِفَةً لَا دَلِيلَ لَهُ فِيهَا، وَمَنْ شَرَعَ شَيْئًا فَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَهُ مُتَعَمِّدًا قَاصِدًا تَرْوِيجَهُ لِلْقَبُولِ بِدُونِ دَلِيلٍ، فَيَدْخُلُ أَهْلُ الضَّلَالِ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا صِفَاتٍ لِلَّهِ أَوْ نَسَبُوا إِلَيْهِ تَشْرِيعًا، وَلَا يَدْخُلُ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ الْمُخْطِئُونَ فِي الْأَدِلَّةِ سَوَاءٌ فِي الْفُرُوعِ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي الْأُصُولِ عَلَى مَا نَخْتَارُهُ إِذَا اسْتَفْرَغُوا الْجُهُودَ.
وَنِسْبَةُ شَيْءٍ إِلَى اللَّهِ أَمْرُهَا خَطِيرٌ، وَلذَلِك قَالَ أَئِمَّتنَا: إِنَّ الْحُكْمَ الْمَقِيسَ غَيْرَ الْمَنْصُوصِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هُوَ دِينُ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَالَهُ اللَّهُ.
وَلِذَلِكَ فَجُمْلَةُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ لِجُمْلَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّ