الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سُورَة الْوَاقِعَة (56) : آيَة 73]
نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (73)
الْجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ [الْوَاقِعَة: 72] ، أَيْ إِنَّ إِنْشَاءَ النَّارِ كَانَ لِفَوَائِدَ وَحِكَمًا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ تَذْكِرَةً لِلنَّاسِ يَذْكُرُونَ بِهَا نَارَ جَهَنَّمَ وَيُوَازِنُونَ بَيْنَ إِحْرَاقِهَا وَإِحْرَاقِ جَهَنَّمَ الَّتِي يَعْلَمُونَ أَنَّهَا أَشَدُّ مِنْ نَارِهِمْ.
وَالْمَتَاعُ: مَا يُتَمَتَّعُ، أَيْ يُنْتَفَعُ بِهِ زَمَانًا، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [77] .
وَالْمُقْوِي: الدَّاخِلُ فِي الْقَوَاءِ (بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمَدِّ) وَهِيَ الْقَفْرُ، وَيُطْلَقُ الْمُقْوِي عَلَى الْجَائِعِ لِأَنَّ جَوْفَهُ أقوت، أَي خلقت مِنَ الطَّعَامِ إِذْ كِلَا الْفِعْلَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقَوَى وَهُوَ الْخَلَاءُ. وَفَرَاغُ الْبَطْنِ: قَوَاءٌ وَقَوًى. فَإِيثَارُ هَذَا الْوَصْفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِيَجْمَعَ الْمَعْنَيَيْنِ فَإِنَّ النَّارَ مَتَاعٌ لِلْمُسَافِرِينَ يَسْتَضِيئُونَ بِهَا فِي مَنَاخِهِمْ وَيَصْطَلُونَ بِهَا فِي الْبَرْدِ وَيَرَاهَا السَّائِرُ لَيْلًا فِي الْقَفْرِ فَيَهْتَدِي إِلَى مَكَانِ النُّزُلِ فَيَأْوِي إِلَيْهِمْ، وَمَتَاعٌ لِلْجَائِعِينَ يَطْبُخُونَ بِهَا طَعَامَهُمْ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَهَذَا إدماج للامتنان فِي خِلَالِ الِاسْتِدْلَالِ. وَاخْتِيرَ هَذَانِ الْوَصْفَانِ لِأَنَّ احْتِيَاجَ أَصْحَابِهِمَا إِلَى النَّارِ أَشَدُّ مِنِ احْتِيَاج غَيرهمَا.
[74]
[سُورَة الْوَاقِعَة (56) : آيَة 74]
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)
رَتَّبَ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْكَلَامِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى دَلَائِلِ عَظَمَةِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَعَلَى أَمْثَالٍ لِتَقْرِيبِ الْبَعْثِ الَّذِي أَنْكَرُوا خَبَرَهُ، وَعَلَى جَلَائِلِ النِّعَمِ الْمُدْمَجَةِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ أَنْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُنَزِّهَهُ تَنْزِيِهًا خَاصًّا مُعَقِّبًا لِمَا تُفِيضُهُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ الْجَلِيلَةُ الْمَاضِيَةُ مِنْ تَذَكُّرٍ جَدِيدٍ يَكُونُ التَّنْزِيهُ عَقِبَهُ ضَرْبًا مِنَ التَّذَكُّرِ فِي جَلَالِ ذَاتِهِ وَالتَّشَكُّرِ لِآلَائِهِ فَإِنَّ لِلْعِبَادَاتِ مَوَاقِعَ تَكُونُ هِيَ فِيهَا أَكْمَلَ مِنْهَا فِي دُونِهَا، فَيَكُونُ لَهَا مِنَ الْفَضْلِ مَا يُجْزَلُ ثَوَابُهُ فَالرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لَا يَخْلُو عَنْ تَسْبِيحِ رَبِّهِ وَالتَّفَكُّرِ فِي عَظَمَةِ شَأْنِهِ وَلَكِنْ لِاخْتِلَافِ التَّسْبِيحِ وَالتَّفَكُّرِ مِنْ تَجَدُّدِ مُلَاحَظَةِ النَّفْسِ مَا يَجْعَلُ لِكُلِّ حَالٍ مِنَ التَّفَكُّرِ مَزَايَا تُكْسِبُهُ خَصَائِصَ وَتَزِيدُهُ ثَوَابًا.
فَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى قَوْلِهِ:
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ [الْوَاقِعَة: 49- 73] ، وَهِيَ تَذْيِيلٌ.
وَالتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [30] .
وَاسْمُ الرَّبِّ: هُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ وَجُمَّاعِ صِفَاتِهِ وَهُوَ اسْمُ الْجَلَالَةِ، أَيْ بِأَنْ يَقُولَ:
سُبْحَانَ اللَّهِ، فَالتَّسْبِيحُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ.
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ مَوْضُوعًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ كَانَ تَسْبِيحُ الِاسْمِ مُقْتَضِيًا تَنْزِيهَ مُسَمَّاهُ وَكَانَ أَيْضًا مُقْتَضِيًا أَنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ بِاللَّفْظِ مَعَ الِاعْتِقَادِ لَا مُجَرَّدَ الِاعْتِقَادِ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ لَمَّا عُلِّقَ بِلَفْظِ اسْمٍ تَعَيَّنَ أَنَّهُ تَسْبِيحٌ لَفْظِيٌّ، أَيْ قُلْ كَلَامًا فِيهِ مَعْنَى التَّنْزِيهِ، وَعَلِّقْهُ بِاسْمِ رَبِّكَ، فَكُلُّ كَلَامٍ يَدُلُّ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ مَشْمُولٌ لِهَذَا الْأَمْرِ وَلَكِنْ مُحَاكَاةُ لَفْظِ الْقُرْآنِ أَوْلَى وَأَجْمَعُ بِأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا
قَالَتْهُ عَائِشَةُ رضي الله عنها «إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النَّصْر: 3] كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي سُجُودِهِ:
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ»
أَيْ يَتَأَوَّلُهُ عَلَى إِرَادَةِ أَلْفَاظِهِ.
وَالْبَاءُ الدَّاخِلَة على بِاسْمِ زَائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ اللُّصُوقِ، أَيِ اتِّصَالُ الْفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ وَذَلِكَ لِوُقُوعِ الْأَمْرِ بِالتَّسْبِيحِ عَقِبَ ذِكْرِ عِدَّةِ أُمُورٍ تَقْتَضِيهِ حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ فَاءُ التَّرْتِيبِ فَكَانَ حَقِيقًا بِالتَّقْوِيَةِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الْأَعْلَى: 1] لِوُقُوعِهِ فِي صَدْرِ جُمْلَتِهِ كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الْأَحْزَاب: 41، 42] .
وَهَذَا الْأَمْرُ شَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ مَتْلُوٌّ لَهُمْ وَأَنَّ مَا تَفَرَّعَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ لَا يَخْتَصُّ عِلْمُهُ بِالنَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ لِأَجْلِهِ فَكَذَلِكَ مَنْ عَلِمَهُ مِنَ الْمُسلمين.
وَالْمعْنَى: إِذْ عَلِمْتُمْ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الدَّلَائِلِ وَتَذَكَّرْتُمْ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ فَنَزِّهُوا اللَّهَ وَعَظِّمُوهُ بِقُصَارَى مَا تَسْتَطِيعُونَ.