الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِلَى أَنَّ الْبُوَيْضَةَ الَّتِي هِيَ نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ حَاصِلَةٌ فِي الرَّحِمِ فَإِذَا أُمْنِيَتْ عَلَيْهَا نُطْفَةُ الذَّكَرِ أَخَذَتْ فِي التَّخَلُّقِ إِذَا لَمْ يَعُقْهَا عَائِقٌ.
ثُمَّ لِمَا فِي فِعْلِ تُمْنى مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ النُّطْفَةَ تُقَطَّرُ وَتُصَبُّ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ لِأَنَّ الصَّبَّ يَقْتَضِي مَصْبُوبًا عَلَيْهِ فيشير إِلَى أَن التَّخَلُّقِ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنِ انْصِبَابِ النُّطْفَةِ عَلَى أُخْرَى، فَعِنْدَ اخْتِلَاطِ الْمَاءَيْنِ يَحْصُلُ تَخَلُّقُ النَّسْلِ فَهَذَا سِرُّ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: إِذا تُمْنى.
وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ لِمَا بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ شِبْهِ التَّضَادِّ.
وَلَمْ يُؤْتَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَضَمِيرِ الْفَصْلِ كَمَا فِي اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا لِعَدَمِ الدَّاعِي إِلَى الْقَصْرِ إِذْ لَا يُنَازِعُ أَحَدٌ فِي أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْخَلْقِ وَمَوْقِعُ جُمْلَةِ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ إِلَى آخِرِهَا كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى [النَّجْم: 40] .
[47]
[سُورَة النَّجْم (53) : آيَة 47]
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (47)
كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مِنَ التَّنْظِيرِ أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى [النَّجْم: 48] عَلَى قَوْلِهِ: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى لِمَا فِي قَوْلِهِ: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى مِنَ الِامْتِنَانِ وَإِظْهَارِ الِاقْتِدَارِ الْمُنَاسِبَيْنِ لِقَوْلِهِ: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ [النَّجْم: 43- 45] إِلَخْ. إِذْ يَنْتَقِلُ مِنْ نِعْمَةِ الْخَلْقِ إِلَى نِعْمَةِ الرِّزْقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشُّعَرَاء:
78، 79] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ [الرّوم: 40] وَلَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَةٍ تُشْبِهُ الِاعْتِرَاضَ لِيُقْرَنَ بَيْنَ الْبَيَانَيْنِ ذِكْرُ قُدْرَتِهِ عَلَى النَّشْأَتَيْنِ.
وَمِمَّا يُشَابِهُ هَذَا مَا قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُتَنَبِّي فِي سَيْفِ الدَّوْلَةِ:
وَقَفْتَ وَمَا فِي الْمَوْتِ شَكٌّ لِوَاقِفٍ
…
كَأَنَّك فِي جن الرَّدَى وَهْوَ نَائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الْأَبْطَالُ كَلْمَى هزيمَة
…
ووجهك وضاء وَثَغْرُكَ بَاسِمُ
أَنَّهُ لَمَّا أَنْشَدَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ تَطْبِيقَ عَجُزَيِ الْبَيْتَيْنِ عَلَىِِ
صَدْرَيْهِمَا وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ تُطَبِّقَ عَجُزَ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي وَعَجُزَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَأَنْتَ فِي هَذَا مِثْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ فِي قَوْلِهِ:
كَأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا لِلَذَّةٍ
…
وَلَمْ أَتَبَطَّنْ كَاعِبًا ذَاتَ خَلْخَالِ
وَلَمْ أَسْبَإِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَمْ أَقُلْ
…
لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إِجْفَالِ
وَوَجْهُ الْكَلَامِ فِي الْبَيْتَيْنِ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ أَنْ يَكُونَ عَجُزُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي وَالثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ (أَيْ مَعَ نَقْلِ كَلِمَةِ (لِلَذَّةٍ) مِنْ صَدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي، وَكَلِمَةِ (وَلَمْ أَقُلْ) مِنْ صَدْرِ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ لِيَسْتَقِيمَ الْكَلَامُ) فَيَكُونَ رُكُوبُ الْخَيْلِ مَعَ الْأَمْرِ لِلْخَيْلِ بِالْكَرِّ وَسَبْأُ الْخَمْرِ مَعَ تَبَطُّنِ الْكَاعِبِ فَقَالَ أَبُو الطّيب:«أدام اللَّهُ عِزَّ مَوْلَانَا إِنْ صَحَّ أَنَّ الَّذِي اسْتَدْرَكَ هَذَا عَلَى امْرِئِ الْقَيْسِ أَعْلَمُ مِنْهُ بِالشِّعْرِ فَقَدْ أَخْطَأَ امْرُؤُ الْقَيْسِ وَأَخْطَأْتُ أَنَا، وَمَوْلَانَا يَعْرِفُ أَنَّ الْبَزَّازَ لَا يَعْرِفُ الثَّوْبَ مَعْرِفَةَ الْحَائِكِ لِأَنَّ الْبَزَّازَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وَالْحَائِكَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وَتَفْصِيلَهُ، وَإِنَّمَا قَرَنَ امْرُؤُ الْقَيْسِ لَذَّةَ النِّسَاءِ بِلَذَّةِ الرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ وَقَرَنَ السَّمَاحَةَ فِي شِرَاءِ الْخَمْرِ لِلْأَضْيَافِ بِالشَّجَاعَةِ فِي مُنَازَلَةِ الْأَعْدَاءِ، وَإِنَّمَا لَمَّا ذَكَرْتُ الْمَوْتَ فِي أَوَّلِ الْبَيْتِ أَتْبَعْتُهُ بِذِكْرِ الرَّدَى لِيُجَانِسَهُ، وَلَمَّا كَانَ وَجْهُ الْمُنْهَزِمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ عُبُوسًا وَعَيْنُهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ بَاكِيَةً قُلْتُ: وَوَجْهُكَ وَضَّاءٌ، لأجمع بَين الأضداد فِي الْمَعْنَى» اه.
وَلَوْ أَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ شَعَرَ بِهَذِهِ الْآيَةِ لَذَكَرَهَا لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ فَكَانَتْ لَهُ أَقْوَى حُجَّةً مِنْ تَأْوِيلِهِ شِعْرَ امْرِئِ الْقَيْسِ.
وَفِي جُمْلَةِ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ تَحْقِيقٌ لِفِعْلِهِ إِيَّاهَا شَبَهًا بِالْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَحْقُوقِ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّفُ فَكَأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِأَنَّ الله وعد بِحُصُول بِمَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ لِظُهُورِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْرِهُهُ شَيْءٌ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [الْأَنْعَام: 12] .
والنَّشْأَةَ: الْمَرَّةُ مِنَ الْإِنْشَاءِ، أَيِ الْإِيجَادِ وَالْخَلْقِ.
والْأُخْرى: مُؤَنَّثُ الْأَخِيرِ، أَيِ النَّشْأَةُ الَّتِي لَا نَشْأَةَ بَعْدَهَا، وَهِيَ مُقَابِلُ النَّشْأَةِ