الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَشْهُورٌ مِنْ أَنَّ الْأَسِيرَ وَالْجَانِي قَدْ يَتَخَلَّصَانِ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِفِدْيَةٍ تُبْذَلُ عَنْهُمَا.
فَعَطْفُ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قُصِدَ مِنْهُ تَعْلِيلُ أَنْ لَا مَحِيصَ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ الْكُفْرِ،
مِثْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيِ الَّذِينَ أَعْلَنُوا الْكُفْرَ حَتَّى كَانَ حَالَةً يُعْرَفُونَ بِهَا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا هُمْ وَالْكَافِرُونَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، فَفِيهِ احْتِرَاسٌ مِنْ أَنْ يَتَوَهَّمَ الْكَافِرُونَ الصُّرَحَاءُ مِنْ ضَمِيرِ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ خَاصٌّ بِالْمُنَافِقِينَ تَعَلُّقًا بِأَقَلِ طَمَعٍ، فَلَيْسَ ذِكْرُ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُجَرَّدَ اسْتِطْرَادٍ.
وَالْمَأْوَى: الْمَكَانُ الَّذِي يُؤْوَى إِلَيْهِ، أَيْ يُصَارُ إِلَيْهِ وَيُرْجَعُ، وَكُنِّيَ بِهِ عَنِ الِاسْتِمْرَارِ وَالْخُلُودِ.
وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالصَّرِيحِ بِجُمْلَةِ مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ! أَيْ تَرْجِعُونَ إِلَيْهَا كَمَا يَرْجِعُ الْمُسْتَنْصِرُ إِلَى مَوْلَاهُ لِيَنْصُرَهُ أَوْ يُفَادِي عَنْهُ، فَاسْتُعِيرَ الْمَوْلَى لِلْمَقَرِّ عَلَى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.
وَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُجْعَلَ الْمَوْلَى اسْمَ مَكَانِ الْوَلْيِ، وَهُوَ الْقُرْبُ وَالدُّنُوُّ، أَيْ مَقَرُّكُمْ، كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
فَغَدَتْ كِلَا الْفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أَنَّهُ
…
مَوْلَى الْمَخَافَةِ خَلْفُهَا وَأَمَامُهَا
أَيْ مَكَانُ الْمَخَافَةِ وَمَقَرُّهَا.
وبِئْسَ الْمَصِيرُ تَذْيِيلٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَجَابُوا بِهِ أَهْلَ النِّفَاقِ لِأَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى دَار الْحَقَائِق.
[16]
[سُورَة الْحَدِيد (57) : آيَة 16]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (16)
قَدْ عُلِمَ مِنْ صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ
مِنَ الْبَعْثَةِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبْنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ إِلَى وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ.
وَالْمَقْصُود من لِلَّذِينَ آمَنُوا: إِمَّا بَعْضٌ مِنْهُمْ رُبَّمَا كَانُوا مُقَصِّرِينَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَأَرَادَ اللَّهُ إِيقَاظَ قُلُوبِهِمْ بِهَذَا الْكَلَامِ الْمُجْمَلِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ وَأَقْوَالِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي التَّعْرِيضِ مِثْلَ
قَوْلِهِ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا»
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [آل عمرَان: 154] . وَلَيْسَ مَا قَالَهُ ابْنُ
مَسْعُودٍ مُقْتَضِيًا أَنَّ مِثْلَهُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلكنه يخْشَى أَن يكون مِنْهُمْ حَذَرًا وَحَيْطَةً.
فَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا الْمُؤْمِنُونَ حَقًا لَا مَنْ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ مُنَافِقُونَ وَلَا كَانَ دَاعٍ إِلَى نِفَاقِ بَعْضِهِمْ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَمَّا نَزَلَتْ جَعَلَ بَعْضُنَا يَنْظُرُ إِلَى بعض ونقول: مَا أَحْدَثْنَا» .
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مُرَاقَبَةِ ذَلِكَ وَالْحَذَرِ مِنَ التَّقْصِيرِ.
وَالْهَمْزَةُ فِي أَلَمْ يَأْنِ لِلِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ، أَيْ إِنْكَارُ نَفْيِ اقْتِرَابِ وَقْتِ فَاعِلِ الْفِعْلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ عَلَى النَّفْيِ، وَفِعْلُ يَأْنِ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جَامِدٍ وَهُوَ الْإِنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، أَيِ الْوَقْتُ قَالَ تَعَالَى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الْأَحْزَاب: 53] .
وَقَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَلَمْ يَأْنِ قَوْلُهُمْ: أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ، مِثْلَ مَا
وَرَدَ فِي حَدِيثِ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم لَهُ «أَمَا آنَ لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَنْ تُسْلِمَ»
وَفِي خَبَرِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَرَادَ أَنْ يُضِيفَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا آنَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْرِفَ مَنْزِلَهُ»
يُرِيدُ: أَنْ يَعْرِفَ مَنْزِلِي الَّذِي هُوَ كَمَنْزِلِهِ. وَهَذَا تَلَطَّفٌ فِي عَرْضِ الِاسْتِضَافَةِ، إِلَّا أَنَّ فِعْلَ يَأْنِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِنَى وَهُوَ فِعْلٌ مَنْقُوصٌ آخِرَهُ أَلِفٌ.
وَفِعْلُ: آنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَيْنِ وَهُوَ الْحِينُ وَهُوَ فِعْلٌ أَجْوَفُ آخِرَهُ نُونٌ.
فَأَصْلُ: أَنَى أَنِيَ وَأَصْلُ آنَ: آوِنَ وَآلَ مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ وَاحِدٌ.
وَاللَّامُ لِلْعِلَّةِ، أَيْ أَلَمْ يَأْنِ لِأَجَلِ الَّذِينَ آمَنُوا الْخُشُوعُ، أَيْ أَلَمْ يَحِقَّ حُضُورُهُ لِأَجْلِهِمْ.
وأَنْ تَخْشَعَ فَاعِلُ يَأْنِ، وَالْخُشُوعُ: الاستكانة والتذلل.
ولِذِكْرِ اللَّهِ مَا يُذَكِّرُهُمْ بِهِ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم أَوْ هُوَ الصَّلَاةُ. وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ الْقُرْآنُ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الْأَنْفَال: 2] .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفَانِ لِلْقُرْآنِ تَشْرِيفًا لَهُ بِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ وَتَعْرِيفًا لِنَفْعِهِ بِأَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ عَطْفُ وَصْفٍ آخَرَ لِلْقُرْآنِ مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ أَنْشَدَهُ فِي «الْكَشَّافِ» :
إِلَى الْمَلِكِ الْقِرْمِ وَابْنِ الْهَمَّامِ
…
الْبَيْتَ وَاللَّامُ فِي لِذِكْرِ اللَّهِ لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ لِأَجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ.
وَمَعْنَى الْخُشُوعِ لِأَجْلِهِ: الْخُشُوعُ الْمُسَبَّبُ عَلَى سَمَاعِهِ وَهُوَ الطَّاعَةُ وَالْامْتِثَالُ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَما نَزَلَ بِتَخْفِيفِ الزَّايِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ نَزَلَ مَعْلُومٌ مِنَ الْمَقَامِ، أَيِ اللَّهُ.
وَلَا يَكُونُوا قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِيَاءِ الْغَائِبِ. وَقَرَأَهُ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ وَلَا تَكُونُوا بِتَاءِ الْخِطَابِ.
وَلَا نَافِيَةٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ وَالْفِعْلُ مَعْمُولٌ لِ «أَنْ» الْمَصْدَرِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ لَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. وَعَلَى قِرَاءَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ فَتَاءُ الْخِطَابِ الِالْتِفَاتُ وَ (لَا) نَافِيَةٌ، وَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ كَقِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، أَوْ (لَا) نَاهِيَةٌ وَالْفِعْلُ مَجْزُومٌ وَالْعَطْفُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ.
وَالْمَقْصُود التحذير لَا أَنَّهُمْ تَلَبَّسُوا بِذَلِكَ وَلَمْ يَأْنِ لَهُمُ الْإِقْلَاعُ عَنْهُ. وَالتَّحْذِيرُ
مُنْصَبٌّ إِلَى مَا حَدَثَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ عَلَيْهِمْ فِي مُزَاوَلَةِ دِينِهِمْ، أَيْ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ عَلَى حَدَثَانِ عَهْدِهِمْ بِالدِّينِ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ عُذْرَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ بِطُولِ الْأَمَدِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ طُولَ الْأَمَدِ لَا يَكُونُ سَبَبًا فِي التَّفْرِيط فِيمَا طَال فِيهِ الْأَمَدُ بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ وَلَا قَصْدُ تَهْوِينِ حُصُولِهِ لِلَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ أَنْ يَطُولَ الْأَمَدُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ قَبْلَ طُولِ الْأَمَدِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ النَّهْي عَن التَّشَبُّه بِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي عَدَمِ خُشُوعِ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ تَحْذِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ مِنْ أَنْ يَقَعُوا فِيمَا وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ. وَيَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ الْأَنْبَاءَ بِأَنَّ مُدَّةَ الْمُسْلِمِينَ تَطُولُ قَرِيبًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَوْعِظَةٌ لِلْعُصُورِ وَالْأَجْيَالِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ (لَا) حَرْفَ نَهْيٍ وَتَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالْغَائِبِ الْتِفَاتًا أَوِ الْمُرَادُ: أَبْلِغْهُمْ أَنْ لَا يَكُونُوا.
وَفَاءُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ لِتَفْرِيعُ طُولِ الْأَمَدِ عَلَى قَسْوَةِ الْقُلُوبِ مِنْ عَدَمِ الْخُشُوعِ، فَهَذَا التَّفْرِيعُ خَارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ، وَلَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى عَاقِبَةِ ذَلِكَ التَّشْبِيهِ تَحْذِيرًا مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ.
وَالْأَمَدُ: الْغَايَةُ مِنْ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: الْمُدَّةُ الَّتِي أَوْصَوْا بِأَنْ يُحَافِظُوا عَلَى اتِّبَاعِ شَرَائِعِهِمْ فِيهَا الْمُغَيَّاةُ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم الْمُبَشَّرِ فِي الشَّرَائِعِ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيين لما آتيناكم مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمرَان: 81] .
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ نَسُوا مَا أُوصُوا بِهِ فَخَالَفُوا أَحْكَامَ شَرَائِعِهِمْ وَلَمْ يَخَافُوا عِقَابَ اللَّهِ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا، وَصَارَ دَيْدَنًا لَهُمْ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى ضَرِئُوا بِذَلِكَ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، أَيْ تَمَرَّدَتْ عَلَى الِاجْتِرَاءِ عَلَى تَغْيِيرِ أَحْكَامِ الدِّينِ.
وَجُمْلَةُ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ اعْتِرَاضٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَجَاوَزُوا ذَلِكَ الْحَدَّ مِنْ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ فَنَبَذُوا دِينَهُمْ