المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الترهيب من الحسد وفضل سلامة الصدر - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ١١

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌[الترغيب في الخلق الحسن وفضله والترهيب من الخلق السيئ وذمه]

- ‌[الترغيب في الرفق والأناة والحلم]

- ‌[الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام وغير ذلك مما يذكر]

- ‌[الترغيب في إفشاء السلام وما جاء في فضله وترهيب المرء من حب القيام له]

- ‌فصل

- ‌[الترغيب في المصافحة والترهيب من الإشارة في السلام وما جاء في السلام على الكفار]

- ‌[الترهيب أن يطلع الإنسان في دار قبل أن يستأذن]

- ‌[الترهيب أن يتسمع حديث قوم يكرهون أن يسمعه]

- ‌[الترغيب في العزلة لمن لا يأمن على نفسه عند الاختلاط]

- ‌[الترهيب من الغضب والترغيب في دفعه وكظمه وما يفعل عند الغضب]

- ‌[الترهيب من التهاجر والتشاحن والتدابر]

- ‌[الترهيب من قوله لمسلم يا كافر]

- ‌[الترهيب من السباب واللعن لا سيما لمعين آدميا كان أو دابة وغيرهما وبعض ما جاء في النهي عن سب الديك والبرغوث والريح والترهيب من قذف المحصنة والمملوك]

- ‌الترهيب من السباب واللعن لاسيما لمعين آدميًّا كان أو دابةً وغيرهما، وبعض ما جاء في النهي عن سب الديك والبرغوث والريح، والترهيب من قذف المحصنة والمملوك

- ‌[الترهيب من سبّ الدهر]

- ‌الترهيب من ترويع المسلم ومن الإشارة إليه بسلاح ونحوه

- ‌[النهى عن حمل السلاح على المسلم]

- ‌الترغيب في الإصلاح بين الناس

- ‌الترهيب من النميمة

- ‌الترهيب من الغيبة والبهت وبيانهما والترغيب في تركهما

- ‌الترغيب في الصمت إلا عن خير والترهيب من كثرة الكلام

- ‌التَّرْهِيب من الْحَسَد وَفضل سَلامَة الصَّدْر

- ‌الترغيب في التواضع والترهيب من الكبر والعُجْب والافتخار

- ‌الترهيب من القول للفاسق والمبتدع يا سيدي ونحوها من الكلمات الدالة على التعظيم

- ‌الترغيب في الصدق والترهيب من الكذب

- ‌ترهيب ذي الوجهين واللسانين

- ‌[الترهيب من الحلف بغير الله سبحانه وتعالى سيما بالأمانة ومن قوله أنا بريء من الإسلام أو كافر أو نحو ذلك]

- ‌الترهيب من احتقار المسلم وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى

- ‌الترغيب في إماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك مما يذكر

الفصل: ‌الترهيب من الحسد وفضل سلامة الصدر

‌التَّرْهِيب من الْحَسَد وَفضل سَلامَة الصَّدْر

4375 -

عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَلَا تحسسوا وَلَا تجسسوا وَلَا تنافسوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تباغضوا وَلَا تدابروا وَكُونُوا عباد اللَّه إخْوَانًا كَمَا أَمركُم الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يحقره التَّقْوَى هَهُنَا التَّقْوَى هَهُنَا التَّقْوَى هَهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى صَدره- بِحَسب امرئ من الشَّرّ أَن يحقر أَخَاهُ الْمُسلم كل الْمُسلم على الْمُسلم حرَام دَمه وَعرضه وَمَاله" رواه مالك

(1)

والبخاري

(2)

ومسلم

(3)

، واللفظ له، وهو أتم الروايات وأبو داود

(4)

والترمذي

(5)

.

قوله عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث. والظن المنهي عنه في الحديث المراد به هو ظن السوء، [قال النووي: المراد النهي عن سوء الظن، والظن المنهي عنه في الحديث المراد به هو ظن السوء]، قال الخطابي رحمه الله

(6)

هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس فإن ذلك لا يملك. قال النووي رحمه الله

(7)

.

(1)

موطأ مالك (2/ 907/ 15).

(2)

صحيح البخاري (5143).

(3)

صحيح مسلم (32)(2564).

(4)

سنن أبي داود (4882).

(5)

سنن الترمذي (1927)، وقال: هذا حديث حسن غريب.

(6)

إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 28)، الكواكب الدراري (19/ 106).

(7)

شرح النووي على مسلم (16/ 119).

ص: 537

ومراد الخطابي أن المحرم من الظن ما يصر صاحبه عليه ويستمر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر فإن هذا لا يكلف به. ونقل القاضي عياض عن سفيان الثوري أنه قال الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به فإن لم يتكلم لم يأثم اهـ. وقال بعضهم يحتمل أن المراد الحكم في الشرع بظن مجرد غير مبني على أصل ولا نظر واستدلال وهذا ضعيف أو باطل والصواب الأول.

قوله صلى الله عليه وسلم ولا تحسسوا ولا تجسسوا الأول بالحاء والثاني بالجيم. قال بعض العلماء التحسس بالحاء الاستماع لحديث القوم وبالجيم البحث عن العورات، وقيل بالجيم البحث عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر والجاسوس صاحب سرّ الشر والناموس صاحب سر الخير وقيل هما بمعنى واحد وهو طلب الأخبار الغائبة والأحوال. وقال الخطابي رحمه الله

(1)

معناه لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوا أخبارهم. والتحسس طلب الخير ومنه قوله تعالى {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ}

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم ولا تنافسوا هو بحذف إحدى التائين وأصله تتنافسوا والمنافسة والتنافس [فـ] معناهما الرغبة في الشيء ومعناه الانفراد به ونافسته منافسة ونفاسا إذا رغبت فيما رغب فيه، وقيل معنى الحديث التباري في الرغبة في الدنيا وأسبابها وحظوظها، قاله النووي. وأما التنافس في الخير

(1)

معالم السنن (4/ 123).

(2)

سورة يوسف، الآية:87.

ص: 538

فمأمور به كما قال اللَّه تعالى {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}

(1)

، أي في الجنة وثوابها.

قوله صلى الله عليه وسلم ولا تحاسدوا يعني لا يحسد بعضكم بعضا والحسد [مركوز] في طباع البشر وهو أن الإنسان لا [يفوته]

(2)

أحد من جنسه في شيء من الفضائل. ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام، فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه، وهو شرهما وأخبثهما، وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه، وهو كان ذنب إبليس لعنه اللَّه حيث حسد آدم عليه السلام لما رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه اللَّه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرج منها، اهـ قاله ابن رجب الحنبلي

(3)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: ولا تباغضوا بحذف إحدى التاءين أيضًا وأصله لا تتباغضوا أي لا تتعاطوا أسباب البغض لأن الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ولا يملك التصرف فيها كما قال عليه الصلاة والسلام

(4)

اللهم

(1)

سورة المطففين، الآية:26.

(2)

هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل:(يفوقه).

(3)

جامع العلوم والحكم (2/ 260).

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة (17541) وإسحاق في مسند عائشة (827) وأحمد (6/ 144) والدارمي (2253) وأبو داود (2134) والترمذي (1140) وفي العلل (1/ 448) وابن =

ص: 539

هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك، يعني الحب والبغض، قاله أبو العباس القرطبي

(1)

. قال بعض العلماء وفي النهي عن التباغض إشارة إلى النهي عن الأهواء المضلة الموجبة للتباغض.

قوله صلى الله عليه وسلم ولا تدابروا والتدابر المعاداة وقيل التدابر أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر لأن كل واحد منهما يولي صاحبه ظهره ودبره.

= ماجه (1971) وابن أبي الدنيا في العيال (510) وإسماعيل القاضي في حديث أيوب (41) والنسائي (7/ 60) وفي الكبرى (8891) والطحاوي في المشكل (232 و 233) والخرائطي في اعتلال القلوب (ص 42) وابن أبي حاتم في العلل (1/ 425) وابن حبان (4205) والحاكم (2/ 187) وابن بشران (105) والبيهقي (7/ 298) وفي معرفة السنن (10/ 279) وفي الصغرى (2608) وفي القضاء والقدر (305) والخطيب في الموضح (2/ 107) من طرق عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد الخَطْمي عن عائشة به.

قلت: اختلف في هذا الحديث على أيوب، فرواه غير واحد عنه عن أبي قلابة مرسلًا، منهم: 1 - إسماعيل بن عُلية. أخرجه ابن سعد (2/ 231 و 8/ 168) وابن أبي شيبة (17540) 2 - مَعْمَر بن راشد. أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (3/ 120) 3 - حماد بن زيد. ذكره الترمذي. 4 - عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. ذكره الدارقطني في العلل (نصب الراية 3/ 115) وقال: والمرسل أقرب إلى الصواب وقال الترمذي: وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدا تابع حمادا على هذا علل الحديث 1/ 425 قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4593). ضعيف الجامع الصغير وزيادته (4593).

(1)

المفهم (13/ 54).

ص: 540

قوله صلى الله عليه وسلم: وكونوا عباد الله إخوانا، قال أبو العباس القرطبي أي كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة اهـ. وقال غيره أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والملاطفة والتعاون في الخير ونحو ذلك من صفاء القلوب والنصيحة بكل حال انتهى. وقوله كما أمركم يحتمل أنه يريد هذا الأمر الذي هوز.

قوله: كونوا إخوانا لأن أمره عليه الصلاة والسلام هو أمر الله وهو مُبَلِّغ ويحتمل أنه يريد بذلك.

قوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}

(1)

فإنه خبر عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها. ففيها معنى الأمر والله تعالى أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم، المعني به الأخوة في الدين، وفيه الحث على التحاب والتصافي والاجتناب عن التباعد والتجافي.

قوله صلى الله عليه وسلم: لا يظلمه ولا يخذله، قال العلماء الخذلان ترك الإعانة والنصرة ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا [أمكنه] ولم يكن له عذر شرعي أي لا يخلي بينه وبين من يظلمه. كأنه لما تأخر عن نصره وأسلمه لظالمه كان خاذلا، قاله عياض.

قوله صلى الله عليه وسلم: ولا يحقره هو بالحاء المهملة وبالقاف أي لا يحتقره فلا يتكبر عليه ويستقله ورواه بعضهم لا يخفره بضم الياء آخر الحروف وبالخاء

(1)

سورة الحجرات، الآية:10.

ص: 541

المعجمة والفاء أي لا يغدر بعهده ولا ينقص أمانه. قاله القاضي عياض رحمه الله.

(1)

والصواب المعروف هو الأول وهو الموجود في غير كتاب مسلم بغير خلاف. وروي لا يحتقره وهذا يرد الرواية الثانية. قوله صلى الله عليه وسلم التقوى ها هنا التقوى ها هنا التقوى ها هنا معناه أن الأعمال الظاهرة لا [تحصل] بها التقوى وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله وخشيته ومراقبته.

قوله صلى الله عليه وسلم: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم أي يكفيه من الشر، والباء في بحسب زائدة وهي بإسكان السين لا بفتحها وهو خبر ابتداء مقدم، والمبتدأ أن يحقر تقديره حسب امرئ من الشر احتقاره أخاه أي كافيه من الشر ذلك فإنه النصيب الأكبر والحظ الأوفر [و] يفيد أن احتقار المسلم حرام.

قوله صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله فالدم والمال معروفان وعرض الإنسان فسره في النهاية بأنه موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره. وقال ابن قتيبة

(2)

عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير، وقيل غير ذلك، وتقدم في الورع.

قوله رواه مالك والبخاري ومسلم وغيرهم تقدم الكلام على مالك بن أنس إمام دار الهجرة وأما البخاري فهو من بخارى وهي مدينة عظيمة ذات

(1)

شرح النووي على مسلم (16/ 121).

(2)

أدب الكاتب (ص 27).

ص: 542

قصور عالية وجنات متوالية وقرى [متصلة العمارة] سبعة وثلاثون ميلا في مثلها ويحيط بجميعها سور واحد وداخله سور آخر على المدينة وبها قلعة حصينة وأهلها ذوو ثروة ويسار وأما مناقبه فقد تقدم بعضها وسيأتي ذكر مناقبه مبسوطا إن شاء الله تعالى.

4376 -

وَعنهُ رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يجْتَمع فِي جَوف عبد مُؤمن غُبَار فِي سَبِيل الله وفيح جَهَنَّم وَلَا يجْتَمع فِي جَوف عبد الْإِيمَان والحسد. رواه ابن حبان في صحيحه

(1)

، ومن طريقه البيهقي

(2)

.

قوله وعنه رضي الله عنه تقدم الكلام عليه. قوله صلى الله عليه وسلم لا يجتمع في جوف عبد مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم. فيح جهنم هو كذا قوله صلى الله عليه وسلم ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد، المراد بالحسد هنا هو تمني زوال النعمة عن المحسود وهذا حرام بالاتفاق وفي الحسد آيات وأحاديث مشهورة ووجه قُبح الحسد أنه اعتراض على الخالق ومعاندة له حيث ينعم على زيد فيكره عمرو إنعامه عليه ثم يحاول نقض فعله وإزالة فضله وفي المعنى قول بعضهم:

ألا قل لمن بات حاسدا

أتدري على من أسأت الأدبْ

(1)

صحيح ابن حبان (4606).

(2)

البيهقي في شعب الإيمان (3952، 6185، 10335)، وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في التوبيخ والتنبيه (74) ومن طريقه قوام السنة في الترغيب والترهيب (64) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2886).

ص: 543

يعني الله عز وجل حيث كرهت فضله وعاندت فعله، وقال أبو الطيب

(1)

:

وأظلم أهل الأرض من بات حاسدا

لمن بات في نعمائه يتقلب

ووجه ظلم الحاسد أنه يجب عليه أنه يحب لمحسوده ما يحب لنفسه وهو لا يحب لنفسه زوال النعمة فقد أسقط حق محسوده عليه ولأن في الحسد [تعبَ النفس] وحزنها بغير فائدة وبطريق محرم فهو تصرف محرم، {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}

(2)

، [وبـ] جملة الحسود لا يسود، الحسود محبوس في جلدته وفي ذم الحسد من الشعر ما يطول ذكره، اهـ. قاله الطوفي أو ابن خميس في كتابه ذم الغيبة على الشك في ذلك

(3)

.

4377 -

وَعنهُ رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إيَّاكُمْ والحسد فَإِن الْحَسَد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب أَو قَالَ العشب. رواه أبو داود

(4)

والبيهقي

(5)

ورواه ابن ماجه

(6)

والبيهقي

(7)

أيضا وغيرهما من حديث أنس: أن رسول الله

(1)

شرح ديوان المتنبي (1/ 330).

(2)

سورة النساء، الآية:54.

(3)

التعيين (ص 295 - 296).

(4)

أخرجه أبو داود (4903)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2197) والسلسلة الضعيفة (1902).

(5)

البيهقي في شعب الإيمان (6608)، وفي الآداب (ص 141).

(6)

أخرجه ابن ماجه (4210)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2781)، والضعيفة (1901).

(7)

البيهقي في شعب الإيمان (6610).

ص: 544

-صلى الله عليه وسلم قال: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار".

قوله وعنه رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو العشب، الحديث. وقال سفيان

(1)

بلغني أن الله تعالى يقول الحاسد عدوُّ نعمتي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي.

وقال الغزالي

(2)

: في الحسد أن يكره الحاسد حدوث النعمة لغيره وهو حرام ويجب عليه أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه ويستحب له أن يحمد الله تعالى على حصول النعمة لغيره كما يحمد الله عليها إذا حصلت له. قال جبريل عليه السلام حين شرب النبي صلى الله عليه وسلم اللبن ليلة الإسراء الحمد لله لو شربت الخير غوت أمتك.

[الرابع و]

(3)

[من] الحسد أن لا يكره حصول النعمة لغيره إذا كانت مساوية للنعمة التي عليه ويكره له حصول منزلة ودرجة أعلى من درجته ومنزلته فيرضى بالمساواة ولا يرضى بالزيادة، فهذا كله حرام ويشمله اسم الحسد. والحسود غير راض بقسمة الله تعالى وحكمته في الخلق، ومن نظر إلى أن الأشياء بقسمة الله تعالى رضي عن الله تعالى [ودعا لغيره] بحدوث النعمة وبقائها [ورضي بما قسم] الله تعالى فقد داوى قلبه من الحسد وأتى

(1)

تفسير الثعلبي (3/ 330).

(2)

إحياء علوم الدين (3/ 196).

(3)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

ص: 545

الله بقلب سليم من الحسد، اهـ.

4378 -

وَعَن ضَمرَة بن ثَعْلَبَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا لم يتحاسدوا. رواه الطبراني

(1)

ورواته ثقات.

وعن ضمرة بن ثعلبة البهزي وبهز قبيلة من بني سليم بن منصور، سكن حمص قال أبو حاتم: له صحبة. وقال ابن السّكن: يقال له صحبة. وقال البغويّ: سكن الشّام. وقال ابن حبّان: حديثه عند أهل الشام، وروى له البغوى هذا الحديث وقال: قال البغويّ: لا أعلم له غيره

(2)

. كذا كذا.

قوله لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا تقدم الكلام على الحسد.

4379 -

وَرُوِيَ عَن عبد الله بن بسر رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَيْسَ مني ذُو حسد وَلَا نميمة وَلَا كهَانَة وَلَا أَنا مِنْهُ ثمَّ تَلا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)}

(3)

رواه الطبراني

(4)

، وَتقدم فِي بَاب أجلاء الْعلمَاء حَدِيثه أَيْضا عَن النَّبي صلى الله عليه وسلم لَا أَخَاف على أمتِي إِلَّا ثَلَاث خلال أَن يكثر لَهُم من الدُّنْيَا فيتحاسدون ..

(1)

الطبراني في المعجم الكبير (8/ 309/ 8157)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 78) رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (3386)، وصحيح الترغيب والترهيب (2887).

(2)

معجم الصحابة (3/ 405) والإصابة (3/ 396 - 397).

(3)

سورة الأحزاب، الآية:58.

(4)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 91) للطبراني، وقال وفيه سليمان بن سلمة الخبائري وهو متروك. انظر: جامع المسانيد والسُّنَن (6101)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (4943)، والضعيفة (586): موضوع. وضعفه فقط في ضعيف الترغيب والترهيب (1725).

ص: 546

قوله وعن عبد الله بن بسر تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه الحديث. ذو بمعنى صاحب وتقدم هذا الحديث في النميمة، إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار العشب.

4380 -

وَعَن عبد الله بن كَعْب عَن أَبِيه رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا ذئبان جائعان أرسلا فِي زريبة غنم بأفسد لهَا من الْحِرْص على المَال والحسد فِي دين الْمُسلم وَإِن الْحَسَد ليَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب.

4381 -

وَفِي رِوَايَة إيَّاكُمْ والحسد فَإِنَّهُ يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار العشب. ذكره رزين، ولم أره في شيء من أصوله بهذا اللفظ إنما روى الترمذي

(1)

صدره وصححه، ولم يذكر الحسد بل قال:"على المال والشرف" وبقية الحديث تقدمت عند أبي داود

(2)

من حديث أبي هريرة.

قوله وعن عبد الله بن كعب هو عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي المدني، أخو عبد الرحمن، وعبيد الله، ومحمد، ومعبد بني كعب بن مالك، ووالد عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك. وكان قائد أبيه حين

(1)

الترمذي (2376)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (181) -زيادات نعيم بن حماد-، وابن أبي شيبة في المصنف (3/ 241)، وأحمد (15784)، وابن حبان (3228)، والدارمي 2/ 304، والطبراني في الكبير (19/ 96/ 189)، والبيهقي في الآداب (974)، والبغوي في شرح السنة (4054). وقال الترمذي: حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (5620)، وصحيح الترغيب والترهيب (3250).

(2)

سبق.

ص: 547

عمي قال أبو زرعة: ثقة وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وقال محمد بن سعد: كان كعب بن مالك قد عمي، وكان ابنه عبد الله قائده. وقد سمع عبد الله من عثمان، وكان ثقة، وله أحاديث، قال ابن حبان: مات في ولاية سليمان بن عبد الملك سنة سبع أو ثمان وتسعين

(1)

.

قوله ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم الحديث تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب البيوع.

4382 -

وَعَن الزبير رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْحَسَد والبغضاء والبغضاء هِيَ الحالقة أما إِنِّي لَا أَقُول تحلق الشّعْر وَلَكِن تحلق الدّين. رواه البزار

(2)

بإسناد جيد والبيهقي

(3)

وغيرهما.

قوله وعن الزبير، الزبير بضم الزاي أي ابن العوام بتشديد الواو القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى وأحد المهاجرين

(1)

تهذيب الكمال (15/ ترجمة 3501).

(2)

البزار (2232)، وأخرجه أحمد (1430، 1431)، والترمذي (2510)، والضياء في المختارة (889)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3361)، وصحيح الترغيب والترهيب (2695)، وفي صحيح سنن الترمذي (2038)، وفي الإرواء 3/ 238 (777) وقال: رجاله ثقات.

(3)

أخرجه البيهقي (10/ 232)، وفي الآداب (151)، وفي الشعب (6189)(8373)، وأخرجه الطيالسي (190)، وعبد الرزاق (19438)، وأحمد (1430)، وعبد بن حميد (97)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (466)، وابن قانع في الصحابة (1/ 223 - 224)، وأبو يعلى في مسنده (669)، والشاشي في مسنده (55)، وأبو الشيخ في التوبيخ (63)، وابن شاهين في الترغيب (485)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2125) وفي التمهيد (6/ 121)، والبغوي في شرح السنة (3301).

ص: 548

الهجرتين وحواري النبي صلى الله عليه وسلم وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم أسلمت وأسلم هو رابع أربعة وخامس خمسة على يد الصديق وهو ابن ست عشرة سنة فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام فلم يفعل وهاجر إلى أرض الحبشة وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون حديثا ذكر البخاري تسعة منها وهو أول [من سَلَّ] السيف في سبيل الله وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، كان أبيض معتدل اللحم خفيف العارضين ومناقبه كثيرة، قاله الكرماني

(1)

، وتقدم الكلام عليه مبسوطا. قول صلى الله عليه وسلم دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء الحديث، تقدم الكلام على ذلك في النميمة وغيرها. قال الجوهري

(2)

الحسد أن يتمنى زوال نعمة المحسود إليك يقال حسده يحسده حسودا، وقال في الإحياء

(3)

الحسد من نتائج الحقد والحقد من نتائج الغضب فهو فرع الغضب والغضب أصله.

قال وورد في ذمه آثار كثيرة من ذلك الحديث المطول الذي رواه أنس فقال يطلع الآن رجل من أهل الجنة وسيأتي بعد الحديث الذي بعده.

وروي أن موسى عليه السلام لما تعجل إلى ربه رآى في ظل العرش رجلا فغبطه بمكانه وقال إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال [عز وجل] أحدثك من عمله بثلاث كان لا يحسد الناس على ما

(1)

الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (2/ 112).

(2)

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (2/ 465).

(3)

إحياء علوم الدين (3/ 186).

ص: 549

آتاهم الله من فضله وكان لا يعق والديه وكان لا يمشي بالنميمة.

وقال قال زكرياء عليه الصلاة والسلام: قال الله تعالى: الحاسد عدو لنعمتي متسخط بقضائي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي. وقال بعض السلف إن أول خطيئة كانت هي الحسد، حسد إبليس آدم عليه السلام على رتبته فأبى أن يسجد له فحمله ذلك على المعصية وقيل بالكبر أخرج إبليس من الجنة وبالحسد قتل قابيل هابيل.

وقال بكر بن عبد الله

(1)

: كان رجل يغشى بعض الملوك يقوم بحذاء الملك ويقول أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء يكفيك مساءته، فحسده رجل على ذلك المقام وعلى الكلام فسعى به إلى الملك فقال إن هذا يقوم الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن ن الملك أبخر، قال له الملك: وكيف يصح ذلك عندي؟ قال: تدعو به إليك فإذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر، [ثم] قال له: انصرف حتى أنظر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعامًا فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، وقام بحذاء الملك على عادته، فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء [تكفيك] مساءته، فقال له الملك: ادن مني، فدنا منه، فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه [ريح] الثوم. فقال الملك في نفسه: ما أرى فلانًا إلا قد صادقا. قال: وكان الملك لا يكتب بخطه إلا في جائزة أو صلة، فكتب له كتابًا بخطه إلى عامل من عماله: إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده

(1)

فنون العجائب (ص 238)، وإحياء علوم الدين (3/ 188).

ص: 550

تبنًا، وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سعى به فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خط الملك لي بصلة، فقال: هبه لي، فقال: هو لك، فأخذه ومضى به إلى العامل، فقال العامل: في كتابك أني أذبحك وأسلخك، فقال: إن الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك. قال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه وسلخه، وحشا جلده تبنًا وبعث به، ثم عاد الرجل إلى الملك فقال كعادته، فتعجّب الملك من ذلك، فقال: ما فعل الكتاب؟ فقال: لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له، قال الملك: ذكر لي أنك تزعم أني أبخر، قال: ما قلت ذلك. قال: فلمَ وضعت يدك على أنفك حين كلمتك، قال: لأنه أطعمني طعامًا فيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال: صدقت ارجع إلى مكانك قد كفاك المسيء مساءته.

وقال ابن سيرين

(1)

: ما حسدت أحدا على الدنيا لأنه إن من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة بالإضافة إلى الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار.

وقال أبو الدرداء

(2)

: ما أكثر أحد ذكر الموت [إلا] قل حسده وقل فرحه.

وقال معاوية

(3)

كل الناس أقدر على رضاه إلا الحاسد للنعمة إلا الحاسد

(1)

روضة العقلاء (ص 134)، والزهد الكبير (ص 315)، وإحياء علوم الدين (3/ 189).

(2)

مصنف ابن أبي شيبة (34583)، وشرح السنة (5/ 261)، وشرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (ص 28).

(3)

الفاضل (1/ 31)، والعقد الفريد (2/ 158)، والمجالسة وجواهر العلم (1/ 113) البداية والنهاية (8/ 138).

ص: 551

للنعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها، ولذلك قيل كل العداوة قد ترجى سلامتها إلا عداوة من عاداك من حسد وقال بعض الحكماء الحسد جرح لا يبرأ.

وقال الحسن

(1)

: يا ابن آدم لم تحسد أخاك إن كان الذي أعطاه الله لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار. قال ومراتب الحسد أربعة: الأولى أن يحب زوال النعمة وإن كانت لا تنتقل إليه وهذا غاية الخبث. الثانية أن يحب زوال النعمة إليه لرغبته فيها مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة واسعة نالها غيره، وهو يحب أن تكون له. والثالثة أن لا يشتهي عينها بل يشتهي لنفسه مثلها فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كي لا يظهر التفاوت بينهما. الرابعة أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم [تصل] لا يحب زوالها عنه وهذه الأخيرة هي المعفو عنها إن كان في أمر الدنيا والمندوب إليه إن كان في أمر الآخرة، والثالث فيها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف من الثالثة، والأولى مذمومة قطعا، وتسمية الثانية حسدا فيه توسع وتجوز ولكنه مذموم لقوله تعالى {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}

(2)

.

قال الغزالي

(3)

: والحسد من أعظم أمراض القلب ولا تُداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لذلك أن تعلم أن الحسد ضرر

(1)

إحياء علوم الدين (3/ 189)، والزواجر (1/ 103).

(2)

سورة النساء، الآية:32.

(3)

إحياء علوم الدين (3/ 196).

ص: 552

عليك في الدنيا والدين، أما [كونه] ضررا في الدين فلأنك سخطت قضاء الله وقدره وكرهت نعمته التي [قُسِمَتْ له] بين خلقه وناهيك بها جناية على الدين فإنك شاركت إبليس وسائر الكافرين في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم وهذه [الخبائث] في القلب تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما يمحو الليل النهار.

وأما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك تتألم به ولا تزال في كمد وغم وتشعب قلب وضيق صدر وكل ذلك [مؤلم] للقلب [مسيء] له بلا فائدة

(1)

فكيف [وأنت عالم بأن ذلك] يسخط الله تعالى [فما أعجب أمر عاقل يتعرض لسخط الله تعالى]

(2)

من غير نفع يناله بل مع [ضرر يحتمله وألم يقاسيه][فـ] يخسر دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة ومع ذلك لا ضرر على المحسود في دينه ولا دنياه بذلك لأن النعمة تزول عنه بحسدك بل كل ما [قدره] الله تعالى فلا بد أن ينتهي إلى الحد الذي [قدره] الله تعالى له فلكل أجل كتاب اهـ. قاله في الديباجة.

(1)

وفي العبارة اضطراب وقد جاءت في إحياء علوم الدين (3/ 196) هكذا: فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة فما أعجب من العاقل كيف يتعرض لسخط الله تعالى من غير نفع يناله بل مع ضرر يحتمله وألم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة وأما أنه ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل غير معلوم قدره الله سبحانه فلا حيلة في دفعه بل كل شيء عنده بمقدار ولكل إجل كتاب.

(2)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

ص: 553

4383 -

وَعَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَا بني إِن قدرت على أَن تصبح وتمسي لَيْسَ فِي قَلْبك غش لأحد فافعل الحَدِيث. رواه الترمذي

(1)

وقال حديث حسن غريب.

قوله وعن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه. قوله صلى الله عليه وسلم لأنس يا بني إن قدرت على أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل الحديث. الغش نقيض النصح.

4384 -

وَعَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يطلع الْآن عَلَيْكُم رجل من أهل الْجنَّة فطلع رجل من الْأَنْصَار تنظف لحيته من وضوئهِ قد علق نَعْلَيْه بِيَدِهِ الشمَال فَلَمَّا كَانَ الْغَد قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم مثل ذَلِك

(1)

وهو طرف من حديث طويل وأخرج جملا منه، مفرقا: الترمذي (579). (2678)، (2698). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه،

وقد روى عباد بن ميسرة المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس ولم يذكر فيه: عن سعيد بن المسيب. قال أبو عيسى: وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه. ولم يعرف لسعيد بن المسيب عن أنس هذا الحديث ولا غيره. ومات أنس ابن مالك سنة ثلاث وتسعين، ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين، مات سنة خمس وتسعين. قلت: قد توبع عبد الله ابن المثني. وأخرجه بتمامه: أبو يعلى في مسنده (3624)، والطبراني في الأوسط (5991). وفي الصغير (856) وابن عساكر في تاريخ دمشق (9/ 342).

قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 272) رواه أبو يعلى، والطبراني في الصغير

وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو ضعيف. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (7/ 406) ورواه الترمذي مختصرا جدا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (1727)، وضعيف الجامع الصغير (6389).

ص: 554

فطلع ذَلِك الرجل مثل الْمرة الأولى فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم مثل مقَالَته أَيْضا فطلع ذَلِك الرجل على مثل حَاله الأول فَلَمَّا قَامَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عَمْرو فَقَالَ إِنِّي لاحيت أبي فأقسمت أَنِّي لَا أَدخل عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن رَأَيْت أَن تؤويني إِلَيْك حَتَّى تمْضِي فعلت قَالَ نعم قَالَ أنس فَكَانَ عبد الله يحدث أَنه بَات مَعَه تِلْكَ الثَّلَاث اللَّيَالِي فَلم يره يقوم من اللَّيْل شَيْئا غير أَنه إِذا تعار تقلب على فرَاشه ذكر الله عز وجل وَكبر حَتَّى لصَلَاة الْفجْر قَالَ عبد الله غير أنِّي لم أسمعهُ يَقُول إِلَّا خيرا فَلَمَّا مَضَت الثَّلَاث اللَّيَالِي وكدت أَن أحتقر عمله قلت يَا عبد الله لم يكن بيني وَبَين أبي غضب وَلَا هِجْرَة وَلَكِن سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول لَك ثَلَاث مَرَّات يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فطلعت أَنْت الثَّلَاث المرات فَأَرَدْت أَن آوي إِلَيْك فَأنْظر مَا عَمَلك فأقتدي بك فَلم أرك عملت كَبِير عمل فَمَا الَّذِي بلغ بك مَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْت فَلَمَّا وليت دَعَاني فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْت غير أنِّي لَا أجد فِي نَفسِي لأحد من الْمُسلمين غشا وَلَا أحسد أحدا على خير أعطَاهُ الله إِيَّاه فَقَالَ عبد الله هَذِه الَّتِي بلغت بك. رواه أحمد

(1)

بإسناد على شرط البخاري ومسلم

(1)

مسند أحمد (12697) -ومن طريقه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (7/ 186 - 187/ 2619) -، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 79): رواه أحمد والبزار بنحوه. ورجال أحمد رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي البزار، إلا أن سياق الحديث لابن لهيعة. رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين ورواه البزار وسمي الرجل في رواية له سعدا وفيها ابن لهيعة. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (6/ 78) هذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم.

ص: 555

والنسائي، ورواته احتج بهم أيضا إلا شيخه سويد بن نصر، وهو ثقة وأبو يعلى

(1)

والبزار

(2)

بنحوه، وسمى الرجل الْمُبْهم سَعْدا.

وَقَالَ فِي آخِره فَقَالَ سعد مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْت يَا ابْن أخي إِلَّا أَنِّي لم أَبَت ضاغنا على مُسلم أَو كلمة نَحْوهَا. وزاد النسائي

(3)

في رواية له والبيهقي

(4)

والأصبهاني

(5)

: "فَقَالَ عبد الله هَذِه الَّتِي بلغت بك وَهِي الَّتِي لَا تطِيق".

(1)

معجم أبي يعلى الموصلي (12)، وأخرجه ابن حبان (6991)، والعقيلي في الضعفاء (2/ 289)، وقال العقيلي في ترجمة: عبد الله بن قيس الرقاشي: حديثه غير محفوظ، ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به وضعفه الألباني في الضعيفة (6772) ضعيف الترغيب والترهيب (1728).

(2)

مسند البزار= البحر الزخار (6308)، (1981 - كشف الأستار) وعبد بن حميد في مسنده (3/ 83 - 84/ 1157 - منتخب) والطبراني في مكارم الأخلاق (62 - 63/ 72) وابن عبد البر 6/ 121 - 122، والبغوي (3535) عن عبد الرزاق وهذا في مصنفه (20559).

(3)

السنن الكبرى للنسائي (10633).

(4)

البيهقي في شعب الإيمان (6181).

(5)

قوام السنة الأصبهاني في الترغيب والترهيب (1135)، (2274)، وأخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد له (241 - 242/ 694 نعيم بن حماد)، وفي مسنده (3 - 4/ 1) النسائي في عمل اليوم والليلة (863).

وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5/ 265/ 6606) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع: أخبرني شعيب عن الزهري قال: حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك (وذكره) قال الحافظ حمزة بن محمَّد الكناني؛ كما في تحفة الأشراف (1/ 395): لم يسمعه الزهري عن أنس، رواه عن رجل عن أنس؛ كذلك رواه عقيل وإسحاق بن راشد وغير واحد عن الزهري وهو الصواب أ. هـ.

وقال الحافظ ابن حجر في النكت الظراف (1/ 395): وقد ظهر أنه معلول. وقال =

ص: 556

4385 -

وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ

(1)

أَيْضا عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فَقَالَ ليطلعن عَلَيْكُم رجل من هَذَا الْبَاب من أهل الْجنَّة فجَاء سعد بن مَالك فَدخل مِنْهُ قَالَ الْبَيْهَقِيّ فَذكر الحَدِيث قَالَ فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو رضي الله عنهما مَا أَنا بِالَّذِي أَنْتَهِي حَتَّى أبايت هَذَا الرجل فَأنْظر عمله قَالَ فَذكر الحَدِيث فِي دُخُوله عَلَيْهِ قَالَ فناولني عباءة فاضطجعت عَلَيْهَا قَرِيبا مِنْهُ وَجعلت أرمقه بعيني ليله كلما تعار سبح وَكبر وَهَلل وَحمد الله حَتَّى إِذا كَانَ فِي وَجه السحر قَامَ فَتَوَضَّأ ثمَّ دخل الْمَسْجِد فصلى ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة باثنتي عشرَة سُورَة من الْمفصل لَيْسَ من طواله وَلَا من قصاره يَدْعُو فِي كل رَكْعَتَيْنِ بعد التَّشَهُّد بِثَلَاث دعوات يَقُول اللَّهُمَّ آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار اللَّهُمَّ اكفِنَا مَا أهمنا من أَمر آخرتنا ودنيانا اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك من الْخَيْر كُله وَأَعُوذ بك من الشَّرّ كُله حَتَّى إِذا فرغ قَالَ فَذكر الحَدِيث فِي استقلاله عمله وَعوده إِلَيْهِ ثَلَاثًا إِلَى أَن قَالَ فَقَالَ آخذ مضجعي وَلَيْسَ فِي قلبِي غمر على أحد. [الغمر] بكسر الغين المعجمة وسكون الميم: هو الحقد، وقوله: تنطف: أي تقطر.

[لاحيت] بالحاء المهملة بعدها ياء مثناة تحت: أي خاصمت. [تعار] بتشديد الراء: أي استيقظ.

= البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (7/ 439): هذا إسناد صحيح مرسل؛ يعني: أنه معلٌّ بالانقطاع الذي ذكره آنفًا ..

(1)

البيهقي في شعب الإيمان (6183)، وأخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (724)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (1729).

ص: 557

قوله وعن أنس أيضا تقدم الكلام عليه.

قوله كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار. الأنصار جمع نصير كشريف وأشراف أو جمع ناصر كصاحب وأصحاب أي أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم وهم عبارة عن الصحابة الذين آوَوْا ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة وهو اسم إسلامي سمى الله تعالى به الأوس والخزرج ولم يكونوا يُدعون الأنصار قبل نُصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قبل نزول القرآن بذلك واختص عرفا بأصحاب المدينة الذين آوَوْا ونصروا وهم المتبذلون بالبيعة على إعلان توحيد الله وشريعته فلذلك كان حبهم علامة الإيمان.

قال صلى الله عليه وسلم

(1)

: آية المؤمن حب الأنصار، وحب الأنصار آية الإيمان، وآية النفاق بغض الأنصار، والنفاق هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر والبغض هو ضد المحبة، فإن قلت المطابقة تقتضي أن يقابل الإيمان بالكفر بأن يقال آية الكفر كذا فلم عُدِل عنه، قلت البحث في الذين ظاهرهم الإيمان وهذا [لبيان ما به] يتميز المؤمن الظاهري عن المؤمن الحقيقي. فلو قيل آية الكفر بغضهم لا يصح إذ هو ليس بكافر ظاهر، فإن قلت الأنصار جمع قلة فلا يكون لما فوق العشرة لأنهم كانوا أضعاف آلاف؟ قلت القلة والكثرة إنما تعتبر في نكرات الجموع أما في المعارف فلا فرق بينهما، والمقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير

(1)

مسند أبي يعلى (4308).

ص: 558

ذلك. قال النووي

(1)

معناه إن عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم من نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم بمهمات دين الإسلام حقَّ القيام وحبهم النبي صلى الله عليه وسلم وحبه إياهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارا للإسلام وأحب الأنصار لهذه الخصال كان ذلك من دلائل صحة إيمانه وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام، ومن أبغضهم كان بضد ذلك واستُدل به على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم، قاله الكرماني

(2)

.

قوله تنظف لحيته من وضوئه، تنظف أي تقطر اهـ قاله المنذري، وقال غيره تنطف بكسر الظاء وضمها يقال نطف بفتح الطاء ينطف بضمها وكسرها بمعنى أي تقطر وتسل، والنطف القطر [القطرة من الماء]، انتهى. والوَضوء بفتح الواء الماء الذي يتوضأ به.

قوله فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول الحديث. هذا الرجل سماه البزار

(3)

في رواية سعد بن مالك وكذلك البيهقي سماه أيضا في روايته سعد بن مالك.

قوله فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو فقال إني لاحيت أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا الحديث، لاحيتُ الحاء المهملة بعدها ياء مثناة تحت أي خاصمت أبي، قاله المنذري.

قوله فأقسمت، [والقسم الحلف].

(1)

شرح النووي على صحيح مسلم (2/ 64).

(2)

الكواكب الدراري (1/ 103).

(3)

البزار في مسنده (1981 - كشف).

ص: 559

تنبيه: يستفاد منه جواز الإخبار بغير الواقع لتحصيل المصلحة، وإن لم [تكن] هناك مفسدة تدفعها. اهـ، قاله قاضي القضاة العسقلاني الشهير بابن حجر.

قوله غير أنه إذا تعارّ تقلب على فراشه ذكر الله عز وجل أي استيقظ.

قوله في رواية البزار فقال سعد يا ابن أخي ما هو إلا ما رأيت إلا أني لم أبت ضاغنا على مسلم أو كلمة نحوها. الضغائن جمع ضغينة وهي الحقد. أما الحقد فهو استدامة الغيظ والعزم على الانتقام عند القدرة والنفس المطمئنة إذا نظرت [في]

(1)

أن الأشياء قليلها وكثيرها [بقضاء الله تعالى] وأسلم لله واستسلم استراح من الغل والحسد والنفس المطمئنة التي تطمئن وتعلم أن كل شيء من عند الله وترضى به اهـ.

قوله فجعلت أرمقه بعيني ليله. أرمقه يعني أي أنظر إليه.

قوله فصلى اثنتي عشرة ركعة باثنتي عشرة سورة من المفصل الحديث. المفصل المبين والمميز، قال الله تعالى {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}

(2)

، أي جعلت تفاصيل في معاني مختلفة من حِكَم وأمثال ومواعظ ووعد وحلال أو حرام وقيل سمي بذلك لكثرة الفصول بين السور وقيل لقلة المنسوخ فيه [وقيل سمي مفصلا لكثرة الفصول التي تقع بينهما من التسمية] وفي أوله

(1)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(2)

سورة فصلت، الآية:3.

ص: 560

عشرة أقوال للسلف وآخره قل أعوذ برب الناس، فقيل [المفصل] من [سورة] الحجرات إلى آخر القرآن وقيل من قاف وقيل من القتال وقيل من الجاثية وقيل من الصافات وقيل الصف وقيل تبارك، حكاه بن أبي الصيف اليمني، وقيل من الفتح [حكاه] الذماري وقيل سبح حكاه ابن الفركاح وقيل من الضحى حكاه الخطابي في غريبه

(1)

.

قوله يدعوا في كل ركعتين بعد التشهد بثلاث دعوات يقول اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. الحديث فيه فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقد اختلف أقوال المفسرين في ذلك اختلافا يدل على عدم التوقف وعلى قلة التأمل لموضوع الكلمة فقيل الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة. وقيل العافية وقيل المال وحسن المآل وقيل المرأة الصالحة والحور العين والصحيح الحمل على العموم.

قال النووي

(2)

وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة والعافية وفي الآخرة الجنة والمغفرة، [و] قيل الحسنة نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، والله أعلم. قاله الكرماني في شرح البخاري. قوله فقال آخذ مضجعي وليس في قلبي غمر على أحد. المضجَع فتح الجيم، وتقدم الكلام عليه في أذكار النوم. [والغِمْر بكسر الغين المعجمة وسكون الميم هو الحقد، قاله

(1)

البرهان في علوم القرآن (1/ 246).

(2)

شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 14).

ص: 561

الحافظ، وقال غيره:]، والغمر بكسر أوله أي حقد وهو اسم ما يغشى القلب من العداوة ويغمره أي يغطيه، اهـ.

4386 -

وَعَن عبد الله بن عَمْرو رضي الله عنهما قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي النَّاس أفضل قَالَ كل مخموم الْقلب صَدُوق اللِّسَان قَالُوا صَدُوق اللِّسَان نعرفه فَمَا مخموم الْقلب قَالَ هُوَ التقي النقي لَا إِثْم فِيهِ وَلَا بغي وَلَا غل وَلَا حسد. رواه ابن ماجه

(1)

بإسناد صحيح والبيهقي

(2)

وغيره أطول منه.

قوله وعن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي الزاهد العابد الصحابي ابن الصحابي، وعمرو يكتب بالواو في حالتي الرفع والجر فرقا بينه وبين عمر. والعاصي الجمهور على كتابته بالياء وهو الفصيح عند أهل العربية ويقع في كثير من الكتب بحذفها، وقد قرئ في السبع نحوه كـ {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} ، و {الدَّاعِ} ، وقيل أنه أجوفي وجمعه الأعياض. قال أبو هريرة رضي الله عنه

(3)

ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد

(1)

سنن ابن ماجه (4216).

(2)

أخرجه البيهقي في الشعب (4462 - 6180) وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 523 - 524)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (45)، والطبراني في مسند الشاميين (1218)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 183 و 6/ 69)، وفي معرفة الصحابة (2643)، ابن عساكر في تاريخ دمشق (59/ 451).

وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: 890) أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر بإسناد صحيح. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (4/ 240): هذا إسناد صحيح وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (948)، وصحيح الترغيب والترهيب (2889).

(3)

صحيح البخاري (113).

ص: 562

الله بن عمرو بن العاصي فإنه كان يكتب ولا أكتب. روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع مائة حديث، وإنّما قلَّت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة والله أعلم. قاله الكرماني

(1)

. وقد تقدم الكلام عليه مبسوطا.

قوله قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال كل مخموم القلب صدوق اللسان، الحديث. قال أبو عبيد

(2)

معناه الذي نقي من الغل والغش. [وأما] الغل [فهو] التغير بغير سبب شرعي اهـ.]

(3)

مخموم القلب بالخاء المعجمة، تقول العرب خممت البيت إذا كنستة، ومنه قول مالك وعلى الساقي خم العين أي كنسها وتنظيفها، [ومنه] سميت الخمامة وهي [مثل الكناسة والقمامة]، قاله القرطبي في التذكرة

(4)

وهذا هو القلب السليم عن الكفر والمعاصي وعن رؤية الدنيا وهي المال والبنون. قال سفيان الثوري هو الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره. وقال الجنيد

(5)

[بقلب] سليم لديغ من

(1)

الكواكب الدراري (2/ 63)، وتهذيب الأسماء واللغات (1/ 282).

(2)

غريب الحديث لابن الجوزي (1/ 309).

(3)

حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله:(لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت [السماء] اهـ).

(4)

انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 81)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5/ 1915)، الغريبين في القرآن والحديث (2/ 599)، الفائق في غريب الحديث (1/ 396).

(5)

تفسير البحر المحيط (7/ 25)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 236).

ص: 563

خشية الله تعالى. قال الزمخشري

(1)

وهذا من بديع التفاسير وكذلك قول غيره هو الذي سلم وسلم وسالم واستسلم وقال بعض أهل الخير القلب السليم من النفاق وهو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث أم معبد الخزاعية [التي روت] عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه اللهم طهر قلبي من النفاق ولساني من الكذب وعملي من الرياء وعيني من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وروى أحمد في مسنده

(2)

من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت [السماء] اهـ.

4387 -

وروى الْحسن رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن بدلاء أمتِي لم يدخلُوا الْجنَّة بِكَثْرَة صَلَاة وَلَا صَوْم وَلَا صَدَقَة وَلَكِن دخلوها برحمة الله وسخاوة الْأَنْفس وسلامة الصُّدُور. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء

(3)

مرسلًا.

قوله وروي عن الحسن، هو الحسن البصري تقدم الكلام عليه. قوله صلى الله عليه وسلم إنّ بُدَلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صوم ولا صدقة الحديث.

(1)

الكشاف (3/ 326).

(2)

مسند أحمد (8640، 8757)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (36574)، ابن ماجه (2273)، وابن أبي الدنيا في المطر والرعد والبرق (50)، والحارث = بغية الباحث (25)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (674)، وقال البوصيري في الزوائد في إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف. وقال في إتحاف الخيرة المهرة (1/ 147) علي بن زيد بن جدعان ضعيف، وداود بن المحبر وضاع.

(3)

أبن أبي الدنيا في الأولياء (58)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (1356)، وضعيف الترغيب والترهيب (1730).

ص: 564

قوله رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين. قال في النهاية

(1)

البُدلاء هم الأولياء والعُبَّاد، والواحد بدل كحمل أو بديل كحميل سموا بذلك لأنه كلما مات منهم واحد بدل بآخر. قال الجوهري

(2)

الأبدال قوم من الصالحين لا تخلوا الدنيا منهم قال، وقال ابن دريد الواحد بديل اهـ. وفي حديث علي رضي الله عنه

(3)

الأبدال بالشام والنجباء بمصر والعصائب بالعراق، والعصائب جمع عصابة وهم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين، قاله في التنقيح.

[قوله رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.]

(4)

أراد أن التجمع [للحروب]

(1)

النهاية في غريب الأثر (1/ 107).

(2)

لسان العرب (11/ 49).

(3)

أخرجه أحمد (896)، وفي فضائل الصحابة (1727)، ومن طريقه الضياء في المختارة (2/ 110)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 62) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن عبيد، وهو ثقة، وقد سمع من المقداد، وهو أقدم من علي. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (9/ 214) تفرد به أحمد، وفيه انقطاع، فقد نص أبو حاتم الرازي على أن شريح بن عبيد هذا لم يسمع من أبي أمامة ولا من أبي مالك الأشعري، وأن روايته عنهما مرسلة. فما ظنك بروايته عن علي بن أبي طالب، وهو أقدم وفاة منهما؟ وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2266). في السلسلة الضعيفة (2993).

(4)

حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله:(وقال في الإحياء كان كرز بن وبرة من الأبدال).

ص: 565

والفتن يكون بالعراق، وقيل أراد جماعة من الزهاد وسماهم بالعصائب لأنه قرنهم [بالأبدال] بالأبدال والنجباء. [وقال]

(1)

حماد بن زيد من الأبدال وعلامتهم أن لا يولد لهم ولد، تزوج حماد بن زيد [ستين] وقيل سبعين امرأة فلم يولد له [ولد]

(2)

. قال القزويني

(3)

مأوى الأبدال جبل لبنان لما فيه من القوت الحلال فإن فاكهته وزروعه لم يزرعها أحد من الناس، تقدم الكلام عليه في الحج مبسوطا. وقال في الإحياء

(4)

كان كرز بن وبرة من الأبدال.

4388 -

وَرُوِيَ عَن أبي ذَر رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ قد أَفْلح من أخْلص قلبه للْإيمَان وَجعل قلبه سليما وَلسَانه صَادِقا وَنَفسه مطمئنة وخليقته مُسْتَقِيمَة الحَدِيث. رواه أحمد

(5)

والبيهقي

(6)

، وتقدم بتمامه في الإخلاص.

(1)

هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل:(وكان).

(2)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(3)

آثار البلاد وأخبار العباد (ص 82) لزكريا بن محمد بن محمود القزويني (المتوفى: 682 هـ).

(4)

قوت القلوب (1/ 59).

(5)

مسند أحمد (21310)، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (1141)، وأبو نعيم في الحلية (5/ 216)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (101)، وقال أبو نعيم عقبه: غريب من حديث خالد تفرد به بحير عنه.

(6)

البيهقي في الشعب (108)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 232): رواه أحمد، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4075)، والضعيفة (4985)، وضعيف الترغيب والترهيب (1731).

ص: 566

قوله: وعن أبي ذر هو بتشديد الراء، ويقال أبا الذر هو الصحابي الجليل جندب بن جنادة بضم الجيم القرشي الغفاري، وغفار بكسر الغين المعجمة قبيلة من كنانة، الصحابي الكبير أسلم قديما، كان رابع أربعة أو خامس خمسة أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاده بإذن النبي صلى الله عليه وسلم[ثم قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم] وصحبه حتى توفي صلى الله عليه وسلم وحديث إسلامه وإقامته عند زمزم مشهور، سيَّره عثمان إلى الربذة فتوفي بها سنة اثنين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود ودفنه بها ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام بها عشرة أيام وتوفي أيضا. والربذة موضع قريب من المدينة منزل من منازل حاج العراق اهـ. قاله الكرماني

(1)

.

قول صلى الله عليه وسلم: قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان فذكر الحديث إلى أن قال وخليقته مستقيمة تقدم [الكلام على]

(2)

هذا الحديث في الإخلاص. وتقدم الكلام على الإخلاص. والخليقة والخلق بمعنى واحد وهو الطبع والجبلة قاله الأصبهاني في شرح الأحاديث الودعانية والله أعلم.

(1)

الكواكب الدراري (1/ 139).

(2)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

ص: 567