المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الترغيب في إفشاء السلام وما جاء في فضله وترهيب المرء من حب القيام له] - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ١١

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌[الترغيب في الخلق الحسن وفضله والترهيب من الخلق السيئ وذمه]

- ‌[الترغيب في الرفق والأناة والحلم]

- ‌[الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام وغير ذلك مما يذكر]

- ‌[الترغيب في إفشاء السلام وما جاء في فضله وترهيب المرء من حب القيام له]

- ‌فصل

- ‌[الترغيب في المصافحة والترهيب من الإشارة في السلام وما جاء في السلام على الكفار]

- ‌[الترهيب أن يطلع الإنسان في دار قبل أن يستأذن]

- ‌[الترهيب أن يتسمع حديث قوم يكرهون أن يسمعه]

- ‌[الترغيب في العزلة لمن لا يأمن على نفسه عند الاختلاط]

- ‌[الترهيب من الغضب والترغيب في دفعه وكظمه وما يفعل عند الغضب]

- ‌[الترهيب من التهاجر والتشاحن والتدابر]

- ‌[الترهيب من قوله لمسلم يا كافر]

- ‌[الترهيب من السباب واللعن لا سيما لمعين آدميا كان أو دابة وغيرهما وبعض ما جاء في النهي عن سب الديك والبرغوث والريح والترهيب من قذف المحصنة والمملوك]

- ‌الترهيب من السباب واللعن لاسيما لمعين آدميًّا كان أو دابةً وغيرهما، وبعض ما جاء في النهي عن سب الديك والبرغوث والريح، والترهيب من قذف المحصنة والمملوك

- ‌[الترهيب من سبّ الدهر]

- ‌الترهيب من ترويع المسلم ومن الإشارة إليه بسلاح ونحوه

- ‌[النهى عن حمل السلاح على المسلم]

- ‌الترغيب في الإصلاح بين الناس

- ‌الترهيب من النميمة

- ‌الترهيب من الغيبة والبهت وبيانهما والترغيب في تركهما

- ‌الترغيب في الصمت إلا عن خير والترهيب من كثرة الكلام

- ‌التَّرْهِيب من الْحَسَد وَفضل سَلامَة الصَّدْر

- ‌الترغيب في التواضع والترهيب من الكبر والعُجْب والافتخار

- ‌الترهيب من القول للفاسق والمبتدع يا سيدي ونحوها من الكلمات الدالة على التعظيم

- ‌الترغيب في الصدق والترهيب من الكذب

- ‌ترهيب ذي الوجهين واللسانين

- ‌[الترهيب من الحلف بغير الله سبحانه وتعالى سيما بالأمانة ومن قوله أنا بريء من الإسلام أو كافر أو نحو ذلك]

- ‌الترهيب من احتقار المسلم وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى

- ‌الترغيب في إماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك مما يذكر

الفصل: ‌[الترغيب في إفشاء السلام وما جاء في فضله وترهيب المرء من حب القيام له]

[الترغيب في إفشاء السلام وما جاء في فضله وترهيب المرء من حب القيام له]

4082 -

عَن عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ رضي الله عنهما أَن رجلا سَأَلَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَي الْإِسْلَام خير قَالَ تطعم الطَّعَام وتقرأ السَّلَام على من عرفت وَمن لم تعرف رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه

(1)

.

قوله: عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، تقدم.

قوله: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" الحديث، وفي حديث آخر "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" وفي لفظ آخر: أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" الحديث.

قوله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" معناه: من لم يؤذ مسلما بقول ولا فعل، وخص اليد بالذكر لأن معظم الأفعال بها، وقد جاء القرآن العزيز بإضافة الاكتساب والأفعال لها لأن معظم الأفعال بها، قال اللَّه تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)}

(2)

فقوله "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" قالوا معناه

(1)

أخرجه البخاري (12) و (28) و (6236)، ومسلم (63 - 39)، وأبو داود (5194)، والنسائي في المجتبى 7/ 531 (5044)، وابن ماجه (3253).

(2)

سورة الشورى، الآية:30.

ص: 96

المسلم الكامل وليس المراد نفي أصل الإسلام عن من لم يكن بهذه الصفة بل هذا كما يقال العلم ما نفع أو العالم زيد أي الكامل أو المحبوب وكما يقال الناس العرب والمال الإبل فكله على التفضيل لا للحصر ويدل على ما ذكرناه من معنى الحديث قوله أي المسلمين خير قال من سلم المسلمون من لسانه ويده ثم إن كمال الإسلام والمسلم متعلق بخصال أخر كثيرة وإنما خص ما ذكر لما ذكرناه من الحاجة الخاصة وقال أيضًا: قال العلماء رحمهم الله قوله أي الإسلام خير معناه أي خصاله وأموره وأحواله قالوا وإنما وقع اختلاف الجواب في خير المسلمين لاختلاف حال السائل والحاضرين فكان في أحد الموضعين الحاجة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهم لما حصل من إهمالهما والتساهل في أمورهما ونحو ذلك وفي الموضع الآخر إلى الكف عن إيذاء المسلمين فلا تعارض بين هذه الأحاديث لأنه صلى الله عليه وسلم أجاب كل واحد بما هو الأصلح له قوله: "الإسلام" وعن بعض السلف قال: الإسلام الإقرار بالعبودية والانقياد للقرآن والتسليم للسنة والتذلل للطاعة فقوله أي الإسلام خير قال النووي

(1)

: قال العلماء رضى اللَّه عنهم معناه أي خصاله وأموره وأحواله فحذف المضاف وهو كثير واسع حتى حذف مكررا نحو قوله: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}

(2)

أي: من تراب حافر فرس الرسول.

قوله: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" الحديث

(1)

شرح النووي على مسلم (2/ 10).

(2)

سورة طه، الآية:97.

ص: 97

وتقرأ السلام بفتح أوله أي تسلم على كل من لقيته عرفته أم لم تعرفه أي لا يخص به أحدا كما يفعل بعض الناس تكبرًا أو تهاونًا ولا يكون مصانعةً ولا ملقًا بل مراعاةً لأخوة الإسلام وتعظيمًا لشعار الشريعة وإذا كان خالصًا للَّه تعالى لا يختص بأحد دون أحد، ولا ينبغي أن تكون المعاداة وغيرها مانعة من السلام، أ. هـ قاله الكرماني في شرحه

(1)

ثم إن هذا العموم مخصوص بالمسلمين فلا يسلم ابتداء على كافر وفي هذا الحديث حمل من العلم ففيه الحث على إطعام الطعام والجود والاعتناء بنفع المسلمين والكف عما يؤذيهم بقول أو فعل بمباشرة أو تسبب والامساك عن احتقارهم وفيه الحث على تآلف قلوب المسلمين واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك، قال القاضي عياض: والألفة احدى فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام، قال: وفي بذل السلام لمن عرفت ومن لم تعوف إخلاص العمل فيه للَّه تعالى لا مصانعة ولا ملقى وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة زادها اللَّه شرفا واللَّه أعلم

(2)

.

4083 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لَا تدخلون الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا أَلا أدلكم على شَيْء إِذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السَّلَام بَيْنكُم رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه

(3)

.

(1)

الكواكب الدرارى (1/ 93).

(2)

شرح النووي على مسلم (2/ 10 - 11).

(3)

أخرجه مسلم (93 - 54)، وأبو داود (5193)، والترمذي (2688)، وابن ماجه (68) و (3692).

ص: 98

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا" الحديث كذا في جميع الأصول والروايات "ولا تؤمنوا" بحذف النون في آخره وهي لغة معروفة صحيحة ومعنى الحديث: لا يكمل إيمانكم ولا يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب.

وقوله: "لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا" فهو على ظاهره وإطلاقه فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا وإن لم يكن كامل الإيمان فهذا هو الظاهر من الحديث، وقال [الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: معنى الحديث لا يكمل إيمانكم إلا بالتحاب ولا تدخلوا الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك قال النووي

(1)

: وهذا الذي قاله محتمل واللَّه أعلم، وقال القرطبي

(2)

: الإيمان الأول من قوله "لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا": هو: التصديق الشرعي المذكور في حديث جبريل صلى الله عليه وسلم، والإيمان المذكور ثانيا هو: الإيمان العملي المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون بابا، ولو كان الثاني هو الأولى، للزم منه ألا يدخل الجنة من أبغض أحدا من المؤمنين، وذلك باطل قطعا؛ فتعين التأويل الذي ذكرناه قاله في الديباجة.

قوله: "أفشوا السلام بينكم" هو بقطع الهمزة المفتوحة وهو إظهاره وإشاعته وإبرازه على المعروف وغير المعروف لأن السلام هو الجالب

(1)

شرح النووي على مسلم (2/ 36).

(2)

المفهم (2/ 8).

ص: 99

للمحبة الدينية والألفة الشرعية

(1)

وفيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف كما تقدم في الحديث الآخر والسلام أول أسباب التألف ومفتاح استجلاب المودة وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين واللَّه أعلم وقد ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الاقتار والاقتار الافتقار يقال أقتر الرجل أي افتقر قال أبو الزناد جمع عمار في هذه الألفاظ الخير كله لأنك إذا أنصفت من نفسك فقد بلغت الغاية بينك وبين خالقك وبينك وبين الناس ولم تضيع شيئًا مما للَّه وللناس عليك وأما بذل السلام للعالم فهو لقوله: صلى الله عليه وسلم (وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) وهذا حض على مكارم الأخلاق واستئلاف النفوس وأما (الإنفاق من الإقتار) فهو الغاية في الكرم وقد مدح اللَّه من هذه صفته بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

(2)

وهذا عام في نفقة الرجل على عياله وأضيافه وكل نفقة في طاعة اللَّه تعالى وفيه أن نفقة المعسر على عياله أعظم أجرًا من نفقة الموسر وأقول هذه الكلمات جامعة لخصال الإيمان كلها لأنها إما مالية أو بدنية والإنفاق إشارة

(1)

المصدر السابق (2/ 8 - 9).

(2)

سورة الحشر، الآية:9.

ص: 100

إلى المالية المتضمنة للوثوق باللَّه تعالى والزهادة في الدنيا. والبدنية أما مع اللَّه تعالى أي التعظيم لأمر اللَّه وهو الانصاف أو مع الناس أي الشفقة على خلق اللَّه تعالى وهو بذل السلام

(1)

وفي هذه الأحاديث جمل من العلم ففيها الحث على إطعام الطعام والجود والاعتناء بنفع المسلمين والكف عما يؤذيهم بقول أو فعل مباشرة أو سبب والإمساك عن احتقارهم وفيها الحث على] تآلف قلوب المسلمين واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك، قال القاضي عياض: والألفة احدى فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام، قال: وفي بذل السلام لمن عرفت ومن لم تعرف إخلاص العمل فيه للَّه تعالى لا مصانعة ولا ملقى وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة زادها اللَّه شرفا واللَّه أعلم

(2)

.

وفيها لطيفة أخرى وهي أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والتشاجر وفساد ذات البين التي هي الحالقة أي المهلكة المستأصلة كما تحلق الموسى أصول الشعر

(3)

، أ. هـ.

4084 -

وَعَن ابْن الزبير رضي الله عنهما أَن رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْبغضَاء والحسد والبغضاء هِيَ الحالقة لَيْسَ حالقة الشّعْر وَلَكِن حالقة الدّين وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تدخلون الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا

(1)

الكواكب الدرارى (1/ 133).

(2)

شرح النووي على مسلم (2/ 10 - 11).

(3)

شرح النووي على مسلم (2/ 36).

ص: 101

أَلا أنبئكم بِمَا يثبت لكم ذَلِك أفشوا السَّلَام بَيْنكُم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد

(1)

.

قوله: وعن ابن الزبير رضي الله عنهما، ابن الزبير اسمه [عبد اللَّه بن الزبير بن العوام أبو بكر، ويقال: أبو خُبيب، بضم الخاء المعجمة، ويقال: أبو بكير القريشى الأسدي المكي المدني الصحابي ابن الصحابي، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، وأبوه الزبير أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وحوارى النبي صلى الله عليه وسلم، وأمه بنت أبي بكر، وجدته لأبيه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ورضى عنها، أسلمت وهاجرت كما ذكرناه في ترجمة ابنها الزبير، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وخالته عائشة أم المؤمنين، وهو أول مولود ولد للمهاجرين إلى المدينة بعد الهجرة، وفرح المسلمون بولادته فرحا شديدا؛ لأن اليهود كانوا يقولون: قد سحرناهم فلا يولد لهم، فأكذبهم اللَّه تعالى فحنكه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بتمرة لاكها، فكان ريق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أول شيء نزل في جوفه، وسماه عبد اللَّه، وكناه أبا بكر بكنية جده أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وسماه باسمه، قاله ابن عبد البر. وولد

(1)

أخرجه أحمد 1/ 164 (1412) و 1/ 167 (1430) و (1431) و (1432)، والبزار (2232)، وأبو يعلى (669)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (65 و 66)، والبيهقي في الكبرى (10/ 393 رقم 21065 و 21066)، والضياء في المختارة 3/ 81 - 82 (889 و 890). قال البزار: وهذا الحديث خالف موسى بن خلف في إسناده هشام صاحب الدستوائي. فرواه هشام، عن يحيى، عن يعيش بن الوليد، عن مولى الزبير، عن الزبير، وقال موسى: عن يحيى، عن يعيش مولى ابن الزبير، عن ابن الزبير، وهشام أحفظ. قال الضياء: إسناده منقطع. وقال الهيثمي في المجمع 8/ 30: رواه البزار وإسناده جيد. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2695).

ص: 102

بعد عشرين شهرا من الهجرة، وقيل: في السنة الأولى، وكان صواما، قواما، طويل الصلاة، وصولا للرحم، عظيم الشجاعة ولما مات يزيد بن معاوية منتصف شهر ربيع الأول سنة أربع وستين بويع لعبد اللَّه ابن الزبير بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان، وجدد عمارة الكعبة، وبقى في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بن يوسف بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين، وحج الحجاج بالناس ولم يزل يحاصره إلى أن قتله يوم الثلاثاء سابع عشر في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، هكذا نقله ابن سعد عن أهل العلم، ونقله غيره، وقيل: بل قتل في نصف جمادى الآخرة. وحكى البخاري عن حمزة أنه قتل سنة ثنتين وسبعين، والمشهور الأول، وكان أطلس لا لحية له، روى له عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون حديثا، اتفقا على ستة، وانفرد مسلم بحديثين، روى عنه أخوه عروة، وابن أبي مليكة، وعباس بن سهل، وثابت البناني، وعطاء، وعبيدة السلماني، وخلائق آخرون

(1)

].

قوله صلى الله عليه وسلم: "دب إليكم داء الأمم قبلكم البغضاء والحسد والبغضاء هي الحالقة" الحديث، الحالقة الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما تستأصل الموسى الشعر وقيل هي قطيعة الرحم والتظالم قاله في النهاية

(2)

وقال في النهاية أيضًا: فنقل الداء من الأجسام إلى

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 266 - 267 ترجمة 297).

(2)

النهاية (1/ 428).

ص: 103

المعاني ومن أمر الدنيا إلى أمر الآخرة وقال: وليست بدواء وإن كان فيها دواء من بعض الأمراض على التغليب والمبالغة في الذم، وهذا كما نقل الرقوب والمفلس والصرعة وغيرها لضرب من التمثيل والتخييل

(1)

، أ. هـ وكل هذا إنما هو في معنى ضرب المثل وإن لم يكن داء في البدن ولا سقما في الجسم

(2)

.

قوله في آخر الحديث: "أفشوا السلام بينكم" الحديث، وأما إفشاء السلام فهو إشاعته وإكثاره وأن يبذله لكل مسلم كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر:"وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" وتقدم الكلام عليه في الحديث قبله.

تنبيه: وأما رد السلام فهو فرض بالإجماع فإن كان السلام على واحد كان الرد فرض عين عليه وإن كان على جماعة كان فرض كفاية في حقهم إذا رده أحدهم سقط الحرج عن الباقين واللَّه أعلم

(3)

.

4085 -

وَرُوِيَ عَن شيبَة الحَجبي عَن عَمه رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثَلَاث يصفين لَك ود أَخِيك تسلم عَلَيْهِ إِذا لَقيته وَتوسع لَهُ فِي الْمجْلس وَتَدْعُوهُ بِأحب أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط

(4)

.

(1)

النهاية (2/ 142 - 143).

(2)

معالم السنن (4/ 223).

(3)

شرح النووي على مسلم (14/ 32).

(4)

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (7/ 352)، والطبراني في الأوسط (4/ 16 رقم 3496) و (8/ 192 رقم 8369)، وابن جميع الصيداوي في معجم شيوخه (ص 246 - 247)، =

ص: 104

قوله: وعن شيبة الحجبي عن عمه رضي الله عنه[هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة عبد اللَّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة، له صحبة وهو ابن عم شيبة بن عثمان الحجبي، وأمه سلافة الصغرى بنت سعد بن الشهيد الأنصارية. ويقال: أرنب بنت مزينة، أسلم في الهدنة، وهاجر مع خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ثم سكن مكة إلى أن مات بها، وقيل: إنه قتل بأجنادين من أرض الشام روى عنه: ابن عمه شيبة بن عثمان الحجبي، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وعروة بن الزبير

(1)

].

قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث يصفين لك ود أخيك" الحديث، أي: ثلاث خصال تسلم

= والحاكم في المستدرك (3/ 429)، وتمام في الفوائد (374 و 375)، والبيهقي في الآداب (191) والشعب (11/ 196 رقم 8397). قال أبو حاتم في العلل (2279): هذا حديث منكر، وموسى ضعيف الحديث. وقال الدارقطني في العلل (1194): يرويه حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير عنه (أي عن أبي شيبة)، ورواه موسى بن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، فقال: عن شيبة الحجبي، عن عمه، قاله أبو المطرف بن أبي الوزير، عن موسى بن عبد الملك فإن كان حفظه فقد وصل إسناده وأغرب به، واللَّه أعلم. وقال في أطراف الغرائب والأفراد (4/ 354): تفرد به موسى بن عبد الملك بن عمير عن أبيه عن شيبة. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه موسى بن عبد الملك بن عمير ضعفه أبو حاتم.

قال الهيثمي في المجمع 8/ 82: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه موسى بن عبد الملك بن عمير وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر الضعيفة (3442) وضعفه في ضعيف الترغيب (1619).

(1)

تهذيب الكمال (19/ الترجمة 3826).

ص: 105

عليه إذا لقيته وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه وتقدم الكلام على السلام وسيأتي الكلام على [أدب] المجالس وتقدم الكلام على أحب الأسماء.

4086 -

وَعَن الْبَراء رضي الله عنه عَن رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ أفشوا السَّلَام تسلموا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه

(1)

.

قوله: وعن البراء رضي الله عنه هو ابن عازب تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "أفشوا السلام تسلموا" يريد تسلموا من العداوة كما قال عليه السلام: "تحية لملتنا وأمان لذمتنا" أ. هـ.

4087 -

وَعَن أبي يُوسُف عبد اللَّه بن سَلام رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُول يَا أَيهَا النَّاس أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح

(2)

.

(1)

أخرجه أحمد 4/ 286 (18530)، والبخاري في الأدب المفرد (787) و (979) و (1266)، وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة (186)، وأبو يعلى في المسند (1687) والمعجم (299)، وابن حبان (491). وقال الهيثمي في المجمع 8/ 29: رواه أحمد وأبو يعلى وقال: قال أبو معاوية: الأشرة يعني: كثرة الغيث، ورجاله ثقات. قال الألباني: حسن - "الصحيحة"(1493)، "الإرواء"(777) وصحيح الترغيب (2696).

(2)

أخرجه أحمد 5/ 451 (23784)، والدارمي (1501) و (2674)، وابن ماجه (1334) و (3251)، والترمذي (2653)، والحاكم (3/ 13). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (569) وصحيح الترغيب (616) و (949) و (2697).

ص: 106

4088 -

وَعَن عبد اللَّه بن عَمْرو رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم اعبدوا الرَّحْمَن وأفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام تدْخلُوا الْجنان رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ الْحَافِظ وَتقدم غير مَا حَدِيث من هَذَا النَّوْع فِي إطْعَام الطَّعَام وَغَيره

(1)

.

4089 -

وَعَن أبي شُرَيْح رضي الله عنه أَنه قَالَ يَا رَسُول اللَّه أَخْبرنِي بِشَيْء يُوجب لي الْجنَّة قَالَ طيب الْكَلَام وبذل السَّلَام وإطعام الطَّعَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث وَالْحَاكِم وَصَححهُ

(2)

.

4090 -

وَتقدم فِي رِوَايَة جَيِّدَة للطبراني قَالَ قلت يَا رَسُول اللَّه دلَّنِي على عمل يدخلني الْجنَّة قَالَ إِن من مُوجبَات الْمَغْفِرَة بذل السَّلَام وَحسن الْكَلَام

(3)

.

(1)

أخرجه أحمد (6587) و (6848)، وعبد بن حميد (355)، والدارمي (2126)، والبخاري في الأدب المفرد (981)، والترمذي (1855)، وابن ماجه (3694)، والبزار (2402)، وابن حبان (489) و (507)، والحاكم 3/ 13 و 4/ 159 - 160. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في "الصحيحة"(571)، "الإرواء"(3/ 239)، صحيح الترغيب (945) و (2698).

(2)

أخرجه الطبراني في الكبير (22/ 180 رقم 467 و 468 و 470) والمكارم (158)، وابن حبان (490) و (504)، وأبو أحمد الحاكم (5/ 148 - 149)، والحاكم (1/ 23). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (1939) وصحيح الترغيب (2690) والإرواء (2615).

(3)

أخرجه الطبراني في الكبير (22/ 180 رقم 469 و 470) والمكارم (158)، وأبو أحمد الحاكم (5/ 148 - 149)، والحاكم (1/ 23). وصححه الألباني في الصحيحة (1939) وصحيح الترغيب (2690) والإرواء (2615).

ص: 107

قوله: وعن أبي يوسف عبد اللَّه بن سلام رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام" الحديث، تقدم وكذلك حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الذي بعده وكذلك حديث أبي شريح بعده.

4091 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ حق الْمُسلم على الْمُسلم خمس رد السَّلَام وعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَإجَابَة الدعْوَة وتشميت الْعَاطِس رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَلمُسلم حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل وَمَا هن يَا رَسُول اللَّه قَالَ إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ وَإِذا دعَاك فأجبه وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ وَإِذا عطس فَحَمدَ اللَّه فشمته وَإِذا مرض فعده وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِ هَذَا

(1)

.

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "حق المسلم على المسلم خمس" أي: خمس خصال، والمراد من الحق فرض كفاية، وفي رواية لمسلم:"ست: رد السلام وعيادة المريض" وعد منها "وإذا استنصحك فانصح له" معناه طلب منك النصيحة فعليك أن تنصحه ولا تداهنه ولا تغشه ولا تمسك عن بيان النصيحة، أ. هـ، وأما نصيحة

(1)

أخرجه البخاري (1240)، ومسلم (4 و 5 - 2162)، وأبو داود (5030)، والترمذي (2737)، وابن ماجه (1435)، والنسائي في المجتبى 4/ 86 (1954). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح ومحمد بن موسى المخزومي المديني ثقة روى عنه عبد العزيز بن محمد، وابن أبي فديك. وصححه الألباني في الصحيحة (832) وصحيح الترغيب (2700).

ص: 108

العامة فإرشادهم لمصالحهم في أخراهم ودنياهم وكف الأذى عنهم وتعليم ما جهلوا وإعانتهم على البر والتقوى وستر عوارتهم والشفقة عليهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير

(1)

، أ. هـ.

قوله: "وتشميت العاطس" قال في شرح السنة

(2)

: يريد أنه من فروض الكفايات وما قاله ليس بمذهب الشافعي بل مذهب مالك وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن تشميت العاطس سنة وأدب لقوله صلى الله عليه وسلم: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام" وذهب أهل الظاهر إلى وجوبه، وقوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم:"وإذا عطس فحمد اللَّه تعالى فشمته" الحديث، عطس بفتح الطاء يعطس بضم الطاء وكسرها، واختلف العلماء في كيفية حمد العاطس والرد عليه، فقيل: يقول الحمد للَّه وقيل يقول: الحمد للَّه رب العالمين، وقيل: يقول الحمد للَّه رب العالمين على كل حال، وقال بعض العلماء: فلو قال: الحمد للَّه رب العالمين كان أحسن ولو قال الحمد للَّه رب العالمين على كل حال كان أفضل، وقيل: هو مخير بين هذا كله، قال النووي: وهذا هو الصحيح

(3)

.

فرع: فإذا قال العاطس لفظا آخر غير الحمد للَّه لم يستحق التشميت لحديث ورد في ذلك واللَّه أعلم

(4)

.

(1)

شرح النووي على مسلم (2/ 39).

(2)

شرح السنة (12/ 307).

(3)

كشف المناهج (4/ 193).

(4)

المجموع شرح المهذب (4/ 629 - 630).

ص: 109

قوله: في رواية مسلم "فحمد اللَّه" فيه دليل على أنه إنما يستحق العاطس التشميت إذا رفع صوته بالتحميد حتى يسمع من عنده، وفي الحديث بيان أن العاطس إذا لم يحمد اللَّه لا يستحق التشميت، وأما لفظ التشميت فيتحسب لكل من سمعه أن يقول له يرحمك اللَّه والحديث الوارد يشهد له، وقيل: يقول الحمد يرحمكم اللَّه وقيل يقول: يرحمنا وإياكم وتقدم الكلام في كيفية الحمد.

بقي الكلام في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول يهيدكم اللَّه ويصلح بالكم، وقيل: يقول يغفر اللَّه لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يتخير بين هذين وكل هذا سنة ليس فيه شيء بواجب قال أصحابنا: والتشميت وهو قوله يرحمك اللَّه سنة على الكفاية لو قاله بعض الحاضرين أجزأ عنهم ولكن الأفضل أن يقول كل واحد منهم لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كان حقا على كل مسلم أن يقول له يرحمك اللَّه وهذا الذي ذكرناه من استحباب التشميت هو مذهبنا، واختلف أصحاب مالك في وجوبه فقال القاضي عبد الوهاب: هو سنة ويجزئ تشميت واحد من الجماعة كمذهبنا، قال ابن مزين: يلزم كل واحد منهم واختاره ابن العربي المالكي

(1)

.

فائدة: وقد اختلف العلماء فيمن تكرر عطاسه فقال بعضهم: يقال له في الثانيه إنه مزكوم، قيل: يقال له في الثالثة وقيل في الرابعة قال والأصح أنه يقال له في الثالثة لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال في الثالثة أنه مزكوم وإنما قال له صلى الله عليه وسلم إنه

(1)

الأذكار (ص 442 - 443).

ص: 110

مزكوم إشارة إلى أنه ليس ممن يشمت بعد هذا لأن الذي به زكام ومرض لاحقه العطاس، قال النووي: يستحب أن يدعى له بغير دعاء العطاس المشروع بل دعاء المسلم بالمسلم العافية والسلامة ونحو ذلك ولا يكون من باب التشميت واللَّه أعلم

(1)

.

فرع: التشميت يقال بالسين المهملة والمعجمة لغتان مشهورتان، قال الأزهري: قال الليث: التشميت ذكر اللَّه تعالى على كل شيء ومنه قولك للعاطس: يرحمك اللَّه، وقال ثعلب: يقال سمت العاطس وسمته إذا دعوت له بالهدى وقصد السمت المستقيم والسمت الهيئة الحسن والمعنى جعلك اللَّه عتلى سمت حسن لأن هيئته تنزعج للعاطس وبالشين المعجمة من السوامت وهي القوائم كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة اللَّه، قال: والأصل فيه السين المهملة فقلبت شينا معجمة وقال صاحب المحكم: تسميت العاطس معناه: هداك اللَّه إلى السمت، قال وذلك لما في العطاس من النزعاج والقلق، قال أبو عبيد وغيره: الشين المعجمة أعلى اللغتين، قال ابن الأنباري: يقال منه شمته وسمت عليه إذا دعوت له بخير وكل داع بالخير فهو مشمت ومسمت

(2)

.

فائدة: ذكر في نوادر الأصول أن العطاس تنفس الروح وسطوعه إلى الملكوت حنينا إلى قرب اللَّه تعالى لأنه من عنده جاء فإذا عطس المؤمن

(1)

المصدر السابق (ص 446).

(2)

شرح النووي على مسلم (14/ 31 - 32) وتهذيب الأسماء واللغات (3/ 154).

ص: 111

فإنما ذلك وقت ذكر اللَّه تعالى لعبده وتقوية الروح بما وقع فيه من الضيق، فإذا خلص إلى الروح [ازدهر و] تاق إلى موطنه فتلك الضجة منه فالمؤمن إذا رأى عظيم صنع اللَّه تعالى في جسمه فحمده على صنعه وكرامته إياه بالروح فالمبادر بالحمد أفهمهم لذلك

(1)

، أ. هـ.

فرع: روينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد اللَّه تعالى كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك اللَّه، وأنا التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان" قلت: قال العلماء: معناه أن العطاس سببه محمود وهو لخفة الجسم التي تكون لقلة الاختلاط وتخفيف الغذاء وهو أمر مندوب إليه لأنه يضعف الشهوة ويسهل الطاعة والتثاؤب بضد ذلك واللَّه أعلم

(2)

.

فرع: إذا عطس في صلاته يستحب أن يقول الحمد للَّه ويسمع نفسه هذا مذهبنا ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال أحدها هذا واختاره ابن العربي، الثاني: يحمد في نفسه، والثالث قاله سحنون: لا يحمد جهرا ولا في نفسه

(3)

.

فرع آخر: السنة إذا جاءه العطاس أن يضع يده أو ثوبه أو نحو ذلك على فمه وأن يخفض صوته لحديث ورد في ذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"إن اللَّه عز وجل يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس" رواه ابن السني عن عبد اللَّه بن

(1)

نوادر الأصول (3/ 270 - 272).

(2)

الأذكار (ص 440 - 441).

(3)

الأذكار (ص 444).

ص: 112

الزبير

(1)

[وسيأتي الكلام على عيادة المريض واتباع الجنائز، وتقدم الكلام على إجابة الدعوة في كتاب [النكاح].

4092 -

وَعَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم أفشوا السَّلَام كي تعلوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن

(2)

.

قوله: وعن الأغر أغر مزينة رضي الله عنه ومزينة اسم قبيلة.

قوله: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمر لي بجريب من تمر عند رجل من الأنصار فمطلني به، الحديث، الجريب مكيال معروف، والمطل والمماطلة التسويف من وقت إلى وقت.

قوله: فقال اغد يا أبا بكر فخذ له تمره، الحديث، الغدو الرواح، وأبو بكر هو أبو بكر الصديق واسمه عبد اللَّه بن أبي قحافة وأبو قحافة اسمه عثمان أسلم رضي الله عنه.

قوله: كنا إذا طلع الرجل من [بعيد] بادرناه بالسلام، معنى المبادرة المسابقة وسيأتي الكلام على [رد] السلام.

(1)

الأذكار (ص 444). والحديث أخرجه ابن السنى (268)، وأخرجه أبو داود (5029)، والترمذي (2745)، والحاكم (4/ 293). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

(2)

لم أعثر عليه.

وقال الهيثمي في المجمع (5/ 30): رواه الطبراني وإسناده حسن.

وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2701).

ص: 113

4093 -

وَعَن الْأَغَر أغر مزينة رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَمر لي بجريب من تمر عِنْد رجل من الْأَنْصَار فمطلني بِهِ فكلمت فِيهِ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ اغْدُ يَا أَبَا بكر فَخذ لَهُ تمره فوعدني أَبُو بكر الْمَسْجِد إِذا صلينَا الصُّبْح فَوَجَدته حَيْثُ وَعَدَني فَانْطَلَقْنَا فَكلما رأى أَبَا بكر رجل من بعيد سلم عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه أما ترى مَا يُصِيب الْقَوْم عَلَيْك من الْفضل لَا يسبقك إِلَى السَّلَام أحد فَكُنَّا إِذا طلع الرجل من بعيد بادرناه بِالسَّلَامِ قبل أَن يسلم علينا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَأحد إسنادي الْكَبِير رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح

(1)

.

قوله: وعن أبي أمامة رضي الله عنه تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس باللَّه من بدأهم بالسلام" الحديث، الابتداء بالسلام أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" فينبغي لكل من المتلاقين أن يحرص على أن يبتدئ بالسلام.

واعلم أن ابتداء السلام سنة مستحبة ليس بواجب وهو سنة على الكفاية هذا هو المشهور وهذه السنة أفضل من الرد الواجب كما في إبراء الدين فإنه ليس بواجب وهو أفضل من الصبر على المعسر مع وجوبه ولولا الحديث في أفضلية ابتداء السلام لما خالف القاعدة قاله في شرح الإلمام

(2)

فإن كان

(1)

أخرجه الطبراني في الأوسط (7/ 268 رقم 7468)، والكبير (1/ 200 رقم 879 و 880). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا محمد بن إسحاق، تفرد به: سلمة بن الفضل. قال الهيثمي في المجمع 8/ 33: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الكبير رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2702).

(2)

شرح الإلمام (2/ 61) و (2/ 274 - 275).

ص: 114

المسلم جماعة كفى عنهم تسليم واحد منهم ولو سلموا كلهم كان أفضل، وأما رد السلام فإن كان المسلم عليه واحدا تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة كان رد السلام فرض كفاية عليهم فإن رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين وإن تركوه كلهم أصموا كلهم وإن ردوا كلهم فهو النهاية في الكمال والفضيلة كذا قاله أصحابنا وهو ظاهر حسن، واتفق أصحابنا على أنه لو رد غيرهم لم يسقط عنهم الرد بل يجب عليهم أن يردوا فإن اقتصروا على رد ذلك الأجنبي أثموا واللَّه أعلم قاله النووي

(1)

.

4094 -

وَعَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم إِن أولى النَّاس بِاللَّه من بدأهم بِالسَّلَامِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَلَفظه قيل يَا رَسُول اللَّه الرّجلَانِ يَلْتَقِيَانِ أَيهمَا يبْدَأ بِالسَّلَامِ قَالَ أولاهما بِاللَّه تَعَالَى

(2)

.

4095 -

وَعَن جَابر رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسلم الرَّاكِب على الْمَاشِي والماشي على الْقَاعِد والماشيان أَيهمَا بَدَأَ فَهُوَ أفضل رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه

(3)

.

قوله: وعن جابر رضي الله عنه تقدم.

(1)

الأذكار (394 - 395).

(2)

أخرجه أبو داود (5197)، والترمذي (2889). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في الصحيحة (3382) وصحيح الترغيب (2703).

(3)

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (983)، والبزار كما في كشف الأستار (2006)، وابن حبان (498). وقال الهيثمي في المجمع 8/ 36: ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (1146)، وصحيح الترغيب (2704).

ص: 115

قوله صلى الله عليه وسلم: "يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد" الحديث، لأن السلام معناه سلامة من تسلم عليه من شرك، والظاهر أن الراجل يخاف الراكب فيسلم الراكب [على الراجل؛ ليزيل] الخوف من الراجل

(1)

، وقال بعضهم: أما تسليم الراكب على الماشي فلئلا يتكبر بركوبه عليه فأمره بالتواضع، وأما تسليم الماشي على القاعد فهو من باب الداخل على القوم فيبادر بالسلام استعجالا لإعلامهم بالسلامة وأمانهم عن شره بالدعاء له

(2)

، وأما القليل فيسلم على الكثير للأدب بتعظيم القليل الكثير والصغير الكبير، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: هذا المذكور في الحديث هو السنة فلو خالفوا فسلم الماشي على الراكب والجالس عليهما لم يكره صرح به الإمام أبو سعيد المتولي وغيره، وعلى هذا لا يكره ابتداء الكثيرين بالسلام على القليل والكبير على الصغير وهذا الأدب هو فيما إذا تلاقى الاثنان في طريق، أما إذا ورد على قعود أو قاعد فإن الوارد يبدأ بالسلام بكل حال سواء كان صغيرا أو كبيرا قليلا أو كثيرا وسمي أقضى القضاة هذا سنة، وسمي الأول أدبا وجعله دون السنة في الفضيلة

(3)

، أ. هـ.

تتمة: السنة أن يسلم على الصبيان، ففي الصحيحين من حديث أنس: لقد مر علي صبيان فسلم عليهم وقال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله"

(4)

وفي رواية لمسلم عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على غلمان فسلم عليهم، وفي كتاب ابن السني وغيره أن

(1)

المفاتيح (5/ 121).

(2)

الكواكب الدرارى (22/ 78).

(3)

الأذكار (ص 423).

(4)

أخرجه البخاري (6247)، ومسلم (14 و 15 - 2168).

ص: 116

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السلام عليكم يا صبيان"

(1)

وقال المتولي: إذا سلم على صبي لا يجب عليه الجواب لأن الصبي ليس من أهل افرض، قال النووي: وهذا الذي قاله صحيح لكن الأدب والمستحب له الجواب، وقال القاضي حسين وصاحبه المتولي: لو سلم الصبي على بالغ ففي وجوب الرد وجهان والأصح منهما وجوب الرد لقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ}

(2)

الآية، ولو سلم بالغ على جماعة فيهم صبي فرد الصبي ولم يرد منهم غيره فالأصح أن الرد لا يسقط عن البالغين بذلك لأنه ليس من أهل الفرض والرد فرض فلا يسقط عن البالغين

(3)

قاله في الديباجة.

4096 -

وَعَن عبد اللَّه يَعْنِي ابْن مَسْعُود رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ السَّلَام اسْم من أَسمَاء اللَّه تَعَالَى وَضعه فِي الأَرْض فأفشوه بَيْنكُم فَإِن الرجل الْمُسلم إِذا مر بِقوم فَسلم عَلَيْهِم فَردُّوا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ عَلَيْهِم فضل دَرَجَة بتذكيره إيَّاهُم السَّلَام فَإِن لم يردوا عَلَيْهِ رد عَلَيْهِ من هُوَ خير مِنْهُم رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَأحد إسنادي الْبَزَّار جيد قوي

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (8/ 633/ 5826)، وأحمد (3/ 183)، وأخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة المهرة (7/ 391/ 7119)، وابن السني (228)، وأبو بكر الشافعي في الفوائد (778)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (8/ 378). قال البوصيري: هذا إسناد رواته ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (2950).

(2)

سورة النساء، الآية:86.

(3)

الأذكار (ص 411).

(4)

أخرجه البزار (1770 و 1771)، وابن حبان في روضة العقلاء (ص 74)، وأبو علي الصواف في جزئه (48)، والطبراني في الكبير (10/ 182 رقم 10391 و 10392). وقال =

ص: 117

قوله: وعن عبد اللَّه يعني ابن مسعود رضي الله عنه تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى وضعه في الأرض فأفشوه" وفي الحديث: "السلام مشتق من اسم اللَّه تعالى" لسلامته من العيب والنقص، قال العلماء: فالسلام من أسماء اللَّه تعالى، قيل: سمى اللَّه تعالى نفسه سلاما بسلامته مما يلحق الخلق من العيب والفناء، قاله صاحب المغيث

(1)

.

قوله: "السلام عليك" أي: اسم السلام عليك ومعناه اسم اللَّه عليك أي أنت في حفظه كما يقال اللَّه معك واللَّه يصحبك، وقيل: السلام بمعنى السلامة أي السلامة لازمة لك، وقيل: معناه إن اللَّه مطلع عليكم فلا تغفلوا، وقيل: معناه اسم السلام عليكم، أي: اسم اللَّه عليكم إذا كان اسم اللَّه تعالى يذكر على الأعمال توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيها وانتفاء عوارض الفساد عنها

(2)

، وقال بعضهم: كأن المسلم بسلامه على غيره معلمٌ له بأنه مسالم له من ناحيته ويؤمنه من شره وغائلته كأنه يقول أنا سلم لك غير حرب وولي غير عدو

(3)

، وقيل أيضًا: إنما هو اسم من أسماء اللَّه تعالى فإذا قال المؤمن لأخيه سلام عليكم فإنما يعوذه باللَّه تعالى ويبرك عليه باسمه

= البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد موقوفا وأسنده ورقاء، وشريك، وأيوب بن جابر. وقال الدارقطني في العلل (723): والموقوف أصح. وقال الهيثمي في المجمع 8/ 29: رواه البزار بإسنادين، والطبراني بأسانيد وأحدهما رجاله رجال الصحيح عند البزار والطبراني. وصححه الألباني في الصحيحة (1607)، وصحيح الترغيب (2705).

(1)

المجموع المغيث (2/ 119).

(2)

المجموع المغيث (2/ 120)، والنهاية (2/ 393).

(3)

شأن الدعاء (ص 43)، وطرح التثريب (8/ 104).

ص: 118

تبارك وتعالى

(1)

ومنه الجنة دار السلام لأن الصائر إليها يسلم من الآفات

(2)

والسلام الصلح لأنهم يتسالمون به ويقال سلام عليكم بالتنوين إلى سلام عليكم وسلام بحذف عليكم ولم يرد في القرآن غالبا إلا منكرا لقوله: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ}

(3)

، فأما في تشهد الصلاة فيقال فيه معرفًا ومنكرًا والظاهر الأكثر من مذهب الشافعي أنه اختار التنكير وأما في السلام الذي يخرج به من الصلاة فروي الربيع عنه أنه لا يكفيه إلا معرفا فإنه قال: أقل ما يكفيه السلام عليكم فإن نقص من هذا حرفا فأعاد فسم ووجهه أن يكون أراد بالسلام اسم اللَّه تعالى فلم يجز حذف الألف واللام منه وكانوا يستحسنون أن يقولوا في الأول سلام عليكم وفي الآخر السلام عليكم ويكون الألف واللام للعهد يعني السلام الأول

(4)

، أ. هـ.

4097 -

وَعَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ كُنَّا إِذا كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَتفرق بَيْننَا شَجَرَة فَإِذا الْتَقَيْنَا يسلم بَعْضنَا على بعض رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن

(5)

.

قوله: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه تقدم.

قوله في الحديث: قال كنا إذا كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فتفرق بيننا شجرة فإذا

(1)

شأن الدعاء (ص 44).

(2)

شأن الدعاء (ص 42).

(3)

سورة الرعد، الآية:23.

(4)

النهاية (2/ 393).

(5)

أخرجه الطبراني في الأوسط (8/ 69 رقم 7987). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع 8/ 34: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (2706).

ص: 119

التقينا يسلم بعضنا على بعض، الحديث، حديث أنس هذا يقتضي الأمر بالسلام عليه وإن قربت مفارقته له يسلم عليه ثانيا وثالثًا وأكثر اتفق عليه أصحابنا

(1)

، ويدل عليه أيضًا ما رويناه في سنن أبي داود عن أبي هريرة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه"

(2)

الحديث، وروي عن ابن عمر أنه كان يخرج إلى السوق فقيل له إيش تصنع في السوق وأنت لا تبيع ولا تشتري؟ قال: إنما أخرج لأجل السلام وكان لا يمر على أحد إلا ويسلم عليه

(3)

.

ذكر عن بعض الصالحين أن رجلا من أصدقائه استقبله وقال له: كيف أصبحت؟ قال: الرجل الصالح ويحك ما هذا؟ فهلا قلت: السلام عليك تكون لك عشر حسنات فأرد عليك فتكون لك عشر حسنات فإذا اجتمعت عشرون حسنة يرجى عند ذلك نزول الرحمة واللَّه أعلم.

فائدة: قال العلماء: ولو غلب على ظنه أنه إذا سلم لا يرد عليه إما لتكبر وإهمال أو لغير ذلك فلا يتركه لهذا الظن فإن السلام مأمور به ولم يؤمر المسلم بتحصيل الرد مع أن الظن قد يخطئ ويرد ذلك السلام

(4)

. ا. هـ.

(1)

الأذكار (ص 412).

(2)

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1010)، وأبو داود (5200)، وأبو يعلى (6350). وصححه الألباني في الصحيحة (186).

(3)

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1006). وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (774/ 1006).

(4)

كشف المناهج (4/ 153).

ص: 120

4098 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم إِذا انْتهى أحدكُم إِلَى الْمجْلس فليسلم فَإِذا أَرَادَ أَن يقوم فليسلم فَلَيْسَتْ الأولى بِأَحَق من الْآخِرَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَزَاد رزين وَمن سلم على قوم حِين يقوم عَنْهُم كَانَ شريكهم فِيمَا خَاضُوا من الْخَيْر بعده

(1)

.

4099 -

وروى أَحْمد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن زبان بن فائد عَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه عَن رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ حق على من قَامَ على جمَاعَة أَن يسلم عَلَيْهِم وَحقّ على من قَامَ من مجْلِس أَن يسلم فَقَامَ رجل وَرَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يتَكَلَّم فَلم يسلم فَقَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم مَا أسْرع مَا نسي

(2)

.

4100 -

وَعَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه رضي الله عنه قَالَ يَا بني إِذا كنت فِي مجْلِس ترجو خَيره فعجلت بك حَاجَة فَقل السَّلَام عَلَيْكُم فَإنَّك شريكهم فِيمَا يصيبون فِي ذَلِك الْمجْلس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا هَكَذَا وَمَرْفُوعًا وَالْمَوْقُوف أصح

(3)

.

(1)

أخرجه أبو داود (5208)، والترمذي (2706)، والنسائي في الكبرى (10102)، وابن حبان (493) و (494) و (495) و (496). وقال الألباني: صحيح - الصحيحة (183)، وصحيح الترغيب (2707).

(2)

أخرجه أحمد 3/ 438 (15615)، والطبراني في الكبير 20/ 186 - 187 (408) و (409)، والسمعانى في أدب الإملاء والاستملاء (ص 179).

قال الهيثمي في المجمع 8/ 35: رواه أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة وزبان بن فائد، وقد ضعفا، وحسن حديثهما. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2708).

(3)

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1009)، والطبراني في الكبير (16/ 25 رقم 52)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 301) موقوفا. وقال الهيثمي في المجمع 8/ 35: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير بسطام بن مسلم وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2709).

ص: 121

قوله: وعن معاوية بن قرة [تقدم ترجمته].

قوله: يا بني إذا كنت في مجلس ترجو خيره فعجلت بك حاجة فقل السلام عليكم، الحديث، قال العلماء: وأقل السلام الذي يصير به مسلما مؤديا سنة السلام أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسلام فلا يجب عليه الرد ويكون الجواب على الفور فإن أخره ثم رد لم يعد جوابا وكان آثما بترك الرد قاله الإمام أبو محمد القاضي حسين والإمام أبو الحسن الواحدي وغيرهما من أصحابنا قاله النووي

(1)

.

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة" يستحب السلام عند الفراق لهذا الحديث، وخالف في ذلك الحنفية، والحديث حجة عليهم ويسلم الصغير على الكبير والماشي على القاعد والقليل على الكثير، كذا في الحديث وهو اللائق بالأدب، قال النووي: قلت ظاهر هذا الحديث أنه يجب على الجماعة رد السلام على هذا الذي سلم عليهم وفارقهم وقد قال الإمامان الجليلان القاضي حسين وصاحبه أبو سعيد المتولي جرت عادة بعض الناس بالسلام عند المفارقة، وذلك دعاء يستحب جوابه ولا يجب لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف هذا كلامهما، وقد أنكر الإمام أبو بكر الشاشي الأخير من أصحابنا وقال: هذا فاسد لأن السلام سنة عند الانصراف كما هو

(1)

الأذكار (ص 407).

ص: 122

سنة عند الجلوس، قال النووي: وهذا هو الصواب وفيه هذا الحديث وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب قاله النووي

(1)

.

تتمة: في السلام على النساء في كتاب ابن السني من حديث جرير بن عبد اللَّه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على نسوة فسلم عليهن

(2)

، وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: كانت فينا امرأة، وفي رواية "عجوز" تأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه إلينا

(3)

، معنى تكركره تطحنه، أ. هـ أما المرأة مع الرجل فقال المتولي: إن كافت زوجته أو أمته أو محرما له فهي معه كالرجل يستحب لكل منهما ابتداء الآخر بالسلام ويجب على الآخر الرد، وإن كانت أجنبية فإن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لم يسلم الرجل عليها ولو سلم لم يجز لها رد الجواب ولم تسلم عليه هي ابتداء فإن سلمت لم تستحق جوابا فإن أجابها كره له وإن كانت عجوزا لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرجل وعلى الرجل رد السلام عليها وأما جماعة النساء فإذا سلم عليهم الرجل أو كان الرجل جمعا كثيرا فسلموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليها ولا عليهم فتنة

(4)

، أ. هـ قاله في الديباجة.

(1)

الأذكار (ص 425).

(2)

أخرجه أبو يعلى في مسنده (7506)، وابن السنى (226). وصححه الألباني في الصحيحة (2139).

(3)

أخرجه البخاري (6248).

(4)

الأذكار (ص 417).

ص: 123

4101 -

وَعَن عمرَان بن الْحصين رضي الله عنه قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم فَرد عَلَيْهِ ثمَّ جلس فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عشر ثمَّ جَاءَ آخر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه فَرد فَجَلَسَ فَقَالَ عشرُون ثمَّ جَاءَ آخر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته فَرد فَجَلَسَ فَقَالَ ثَلَاثُونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَحسنه أَيْضًا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا من طَرِيق أبي مَرْحُوم واسْمه عبد الرَّحِيم بن مَيْمُون عَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه مَرْفُوعا بِنَحْوِهِ وَزَاد ثمَّ أَتَى آخر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته ومغفرته فَقَالَ أَرْبَعُونَ قَالَ هَكَذَا تكون الْفَضَائِل

(1)

.

قوله: وعن عمران بن الحصين رضي الله عنه.

قوله: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليكم فردَّ عليه ثم جلس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عشر". أي: ثبت له عشر حسنات.

وقوله: ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة اللَّه فرد فجلس فقال: "عشرون"، أي: ثبت بكل لفظ عشر، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم

(1)

أما حديث عمران: أخرجه أبو داود (5195)، والترمذي (2689)، والبزار (3588)، والنسائي في الكبرى (10097). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال البزار: وهذا الحديث قد روي نحو كلامه، عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه، وأحسن إسناد يروى في ذلك، عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإسناد، وإن كان قد رواه من هو أجل من عمران فإسناد عمران أحسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2710).

وأما حديث معاذ بن أنس: أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص 328)، وأبو داود (5196)، والطبراني في الكبير (20/ 182 رقم 390). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (1621).

ص: 124

ورحمة اللَّه وبركاته، فرد فجلس فقال:"ثلاثون" أي: ثبت بكل لفظ عشر أي ثبت له عشر حسنات بكل لفظ، فالسلام عليكم لفظ، ورحمت اللَّه لفظ، وبركاته لفظ، هكذا تكون الفضائل، فأقل السلام أن يقول المسلم: السلام عليكم أتناوله وملائكته، وأكمل منه أن يزيد ورحمت اللَّه، وأكمل منه أيضًا أن يزيد وبركاته، واستدل العلماء لزيادة ورحمت اللَّه وبركاته بقوله تعالى إخبارا عن سلام الملائكة بعد ذكر السلام ورحمت اللَّه وبركاته عليكم أهل البيت وتقول الملائكة كلهم في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمت اللَّه وبركاته، وفي الموطأ: أن رجلا سلم على ابن عمر فقال: السلام عليكم ورحمت اللَّه وبركاته والغاديات والرائحات، فقال: وعليك ألفا كأنه كره ذلك، ويكره القيام له، ولا يسلم على أهل الأهواء ولعبة الشطرنج ونحوهم ردعا لهم ولا على المصلي ومستمع الخطبة ولا الآكل ولا في الحمام وقاضي الحاجة وكذا المؤذن والغازي ولا يجب الجواب إلا في الأخيرتين على الأصح

(1)

.

تتمة: المبتدع ومن اقترف ذنبا عظيما ولم يتب منه ينبغي أن لا يسلم عليهم ولا يرد عليهم السلام كذا قاله البخاري في صحيحه، وقال فيه أيضًا: قال عبد اللَّه بن عمر ولا تسلموا على شربة الخمر، قال النووي: فإن اضطر إلى السلام على الظلمة بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما أن لم يسلم عليهم سلم قال الإمام أبو بكر بن العربي: قال

(1)

الأذكار (ص 415 - 416).

ص: 125

العلماء: يسلم وينوي أن السلام اسم من الأسماء اللَّه تعالى المعنى أن اللَّه عليكم رقيب

(1)

، أ. هـ، ويكره أن يقول المبتدئ عليكم السلام فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور وقيل لا يستحقه وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى"

(2)

قاله النووي

(3)

.

4102 -

وَرُوِيَ عَن سهل بن حنيف رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم من قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم كتبت لَهُ عشر حَسَنَات وَمن قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه كتبت لَهُ عشرُون حَسَنَة وَمن قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته كتبت لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ

(4)

.

قوله: وروي عن سهل بن حنيف رضي الله عنه تقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من قال السلام عليكم كتبت له عشر حسنات" الحديث.

(1)

الأذكار (ص 422).

(2)

أخرجه أبو داود (4084)، والترمذي (2721). وصححه الألباني في الصحيحة (2846).

(3)

المصدر السابق (ص 413).

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (56) وعنه عبد بن حميد (470) وابن السني في اليوم والليلة (231) وابن شاهين في الفضائل (491)، وإسحاق كما في المطالب (2691/ 1) والاتحاف (5272/ 1)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1978)، والطبراني في الكبير (6/ 75 رقم 5563) و (19/ 259 رقم 574). وقال الهيثمي في المجمع 8/ 31: رواه الطبراني، وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف. قال البوصيري: مدار الإسناد على موسى بن عبيدة وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2711).

ص: 126

اعمل أن الأفضل أن يقول المسلم السلام عليكم ورحمت وبركاته فيأتي بالألف واللام في السلام فلو قال: سلام عليكم أجزأه بخلاف السلام في الصلاة فإنه لا يجزئه على الأصح ويأتي أيضًا بضمير الجمع في عليكم وإن كان المسلم عليه واحدا وممن نص على ذلك الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه الحاوي والإمام أبو سعيد المتولي من أصحابنا، فإن قال المبتدئ سلام عليكم أو السلام عليكم فقال المجيب: مثله سلام عليكم أو السلام عليكم كان جوابا وأجزأه، قال اللَّه تعالى:{قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ}

(1)

ولكن بالألف واللام أفضل، وأما صفة الرد فالأفضل والأكمل أن يقول وعليكم السلام ورحمت اللَّه وبركاته فيأتي بالواو فلو حذفها جزا وكان تاركا للأفضل فإن حذف الواو فقال عليكم السلام أجزأه ذلك وكان جوابا هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه إمامنا الشافعي رحمه الله في الأم وقال جمهور أصحابنا: وجزم أبو سعيد المتولي من أصحابنا في كتابه التتمة بأنه لا يجزئه ولا يكون جوابا وهذا ضعيف وغلط وهو مخالف للكتاب والسنة ونص إمامنا الشافعي، أما الكتاب فقال اللَّه تعالى:{قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} وتقدم وافق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب عليكم لم يكن جوابا فلو قال وعليكم بالواو فهل يكون جوابا فيه وجهان لأصحابنا قاله النووي

(2)

.

(1)

سورة هود، الآية:69.

(2)

الأذكار (ص 404 - 405).

ص: 127

فائدة: وأما السلام على النساء فإن كن جمعا سلم عليهن وإن كانت واحدة سلم عليها النساء وزوجها وسيدها ومحرمها سواء كانت جميلة أو غيرها وأما الأجنبي فإن كانت عجوزا لا تشتهي استحب له السلام عليها واستحب لها السلام عليه، ومن سلم منهما لزم الآخر رد السلام وإن كانت شابة أو عجوز تشتهي لم يسلم عليها الأجنبي ولم تسلم عليه ومن سلم منهما لم يستحق جوابا ويكره رد جوابه هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال الكوفيون: لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن فيهن محرم والمحرم هو كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها فقولنا على التأبيد احترازا من أخت امرأته وعمتها وخالتها ونحوهن من بنتها قبل الدخول بالأم وقولنا: بسبب مباح احترازا من أم الموطوءة بشبهة وبنتها فإنهما حرام على التأبيد ولكن لا سبب مباح فإن وطئ الشبهة لا يوصف بإنه مباح ولا محرم ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة لأنه ليس فعل مكلف، وقولنا لحرمتها احتراز من الملاعنة فإنها حرام على التأبيد لا لحرمتها بل تغليظا عليها

(1)

.

تتمة: عن أبي سلمة أن عائشة حدثته أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لها: إن جبريل يقرأ عليك السلام قالت: وعليكم السلام ورحمت اللَّه، رواه الجماعة إلا النسائي، وفي بعض روايات الصحيحين:"وعليه السلام ورحمت اللَّه وبركاته" وفي بعضها بحذفها وزيادة الثقة مقبولة، وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لعائشة

(1)

شرح النووي على مسلم (14/ 149)، والأذكار (ص 405).

ص: 128

رضي اللَّه عنها، وفيه استحباب بعث السلام وبعث الرسول بتبليغه وفيه بعث الأجنبي السلام إلى الأجنبية الصالحة إذا لم يخف ترتب مفسدة، وأن من أتاه سلام غائب مع رسول أو في ورقة وجب عليه الرد على الفور وكذا لو بلغه سلام في ورقة غائب لزمه أن يرد عليه السلام باللفظ على الفور إذا أقرأه، وفيه أنه يستحب في الرد أن يقول: وعليكم السلام بالواو فلو قال عليك أو عليكم بغير واو أجزأه على الصحيح وكان تاركا للأفضل، وقال المتولي من أصحابنا لا يكفيه وهو شاذ ترده الأحاديث الصحيحة

(1)

.

قوله: "يقرأ عليك السلام" بفتح أوله أي يسلم عليك يقال قرأت على فلان السلام فإن لم يذكر على كان رباعيا تقول اقرأته السلام وهو يقرئك السلام فتضم ياء المضارعة منه، قال القاضي عياض وقيل هما لغتان قاله العراقي

(2)

.

فرع: إذا مر على جماعة فيهم مسلمون أو مسلم وكفار فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم واللَّه أعلم

(3)

.

فائدة: من البدع أن المرأة إذا أوقدت السراج تسلم على الحاضرين وهذا السلام بدعة ليس له محل ولا شرعه اللَّه ورسوله لأن السلام المشروع إنما هو إذا غاب الإنسان عن صاحبه غيبة ولو غيبة يسيرة ثم لقيه فإذا ذاك يشرع

(1)

المصدر السابق (15/ 211).

(2)

طرح التثريب (8/ 108).

(3)

الأذكار (ص 420).

ص: 129

له السلام، وأما أنه يكون جالسا مع رفيقه فيوقد السراج أو الشمعة فيسله فليس من الدين في شيء، أ. هـ قاله ابن النحاس في تنبيهه

(1)

.

4103 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رجلا مر على رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي مجْلِس فَقَالَ سَلام عَلَيْكُم فَقَالَ عشر حَسَنَات ثمَّ مر آخر فَقَالَ سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه فَقَالَ عشرُون حَسَنَة ثمَّ مر آخر فَقَالَ سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته فَقَالَ ثَلَاثُونَ حَسَنَة فَقَامَ رجل من الْمجْلس وَلم يسلم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَا أوشك مَا نسي صَاحبكُم إِذا جَاءَ أحدكُم إِلَى الْمجْلس فليسلم فَإِن بدا لَهُ أَن يجلس فليجلس وَإِن قَامَ فليسلم فَلَيْسَتْ الأولى بِأَحَق من الْآخِرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مَا أوشك أَي مَا أسْرع

(2)

.

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله: أن رجلا.

4104 -

وَعَن ابْن عمرو رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ أَرْبَعُونَ خصْلَة أعلاهن منيحة العنز مَا من عَامل يعْمل بخصلة مِنْهَا رَجَاء ثَوَابهَا وتصديق موعودها إِلَّا أدخلهُ اللَّه بهَا الْجنَّة قَالَ حسان فعددنا مَا دون منيحة العنز من رد السَّلَام وتشميت الْعَاطِس وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وَنَحْوه فَمَا استطعنا أَن تبلغ خمس عشرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره

(3)

.

(1)

تنبيه الغافلين (ص 508).

(2)

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (986)، وابن حبان (493). وصححه الألباني في "الصحيحة"(183) وصحيح الترغيب (2712).

(3)

أخرجه البخاري (2631)، وأبو داود (1683)، وابن حبان (5095).

ص: 130

قوله: وعن ابن عمر رضي الله عنه تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز" الحديث، وفي آخره قال حسان بن عطية الراوي عن أبي كبشة: فعددنا ما دون العشرة منيحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه فما استطعنا أن نصل إلى خمس عشرة خصلة، العنز: الأنثى من ولد المعز والجمع أعنز وعنوز، قال ابن بطال

(1)

: لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الخصال في الحديث، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بها لا محالة إلا أنه لم يذكرها إلا لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها وذلك واللَّه أعلم خشية أن يكون التعيين لها زاهدا في غيرها من أبواب المعروف وسبل الخير وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم من الحض على أبواب من الخير والبر ما لا يحصى كثرة، قال: وبلغني عن بعض أهل عصرنا أنه تتبعها في الأحاديث فوجدها تزيد على أربعين خصلة ثم ذكرها إلى آخرها.

وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم العنز دون سائر الغنم، قلت: وقد روى صاحب الترغيب والترهيب في باب قضاء حوائج المسلمين عن علي قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "للمسلم على أخيه المسلم ثلاثون حقا لا براءة له منها إلا بالأداء أو العفو يغفر زلته ويرحم عبرته ويستر عورته ويقيل عثرته ويقبل معذرته ويرد غيبته ويديم نصيحته ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويعود مرضته ويشهد منيته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر نعمته ويحسن نصرته ويحفظ حليلته ويقضي حاجته ويشفع مسألته ويقبل شفاعته ولا يخيب

(1)

شرح الصحيح (7/ 151 - 154).

ص: 131

مقصده ويشمت عطسته وينشد ضالته ويرد سلامه ويطيب كلامه ويزيد إنعامه ويصدق أقسامه وينصره ظالما أو مظلوما، أما نصره ظالما فيرده عن ظلمه، وأما نصره مظلوما فيعينه على أخذ حقه، ويواليه ولا يعاديه ويسلمه ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه ثم قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة" ثم قال: "على أن أحدكم ليدع تشمي أخيه إذا عطس فيطالبه به يوم القيامة فيقضي له عليه" فهذه مع ما عده حسان بن عطية يجتمع منها أكثر من أربعين خصلة

(1)

.

وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم العنز دون سائر الغنم لأن العنز إنما تشام العنز ثم تفارقها وليس كنطاح الكباش وغيرها روى ابن دريرد قال: لما قتل عثمان لا ينتطح فيها عنزان فلما كان يوم الجمل فقئت عينه فقيل له لا ينتطح في قتل عثمان عنزان فقال بلى تفقأ عيون كثيرة كذا ذكر هذا الحديث ابن إسحاق والرشاطي وغيرها.

قوله: "لا ينتطح فيها عنزان" أي لا يلتقي فيها "اثنان ضعفا" لأن النطاح من شأن التيوس والكباش لا العنوز انتهى قاله في حياة الحيوان

(2)

.

4105 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعجز النَّاس من عجز فِي الدُّعَاء وأبخل النَّاس من بخل بِالسَّلَامِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط

(1)

حياة الحيوان (2/ 217 - 218).

(2)

حياة الحيوان (2/ 220).

ص: 132

وَقَالَ لَا يرْوى عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ وَهُوَ إِسْنَاد جيد قوي

(1)

.

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم.

قوله: "أعجز الناس من عجز في الدعاء وأبخل الناس من بخل بالسلام"[فالباديء بالسلام بين حسنتين إحداهما تفضيل اللَّه عز وجل إياه على المسلم عليه بفضل درجه لتذكيره إياهم بالسلام وبين رد الملائكة عليه عند غفلتهم عن الرد وإنما سماه بخيلا؛ لأن مثل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا استوهب من مثله كان واجبا عليه أن يبذل روحه بل الدنيا وما فيها على أن أذى أخيه المسلم من العظائم أيضًا، وفيه حث على بذل السلام وإفشائه وأن الإمساك عنه من أخنى الأفعال الرديئة].

4106 -

وَعَن عبد اللَّه بن مُغفل رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم أسرق النَّاس الَّذِي يسرق صلَاته قيل يَا رَسُول اللَّه وَكيف يسرق صلَاته قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها وأبخل النَّاس من بخل بِالسَّلَامِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد

(2)

.

(1)

أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص 337)، والطبراني في الأوسط (5/ 371 - 372 رقم 5591) والدعاء (60)، وأبو عمرو السلمي في جزئه (968)، وأبو الشيخ في الأمثال (247). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلا حفص، تفرد به: مسروق، ولا يروى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع 8/ 31: رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد، ورجاله رجال الصحيح غير مسروق ابن المرزبان، وهو ثقة. وحسنه الألباني في الصحيحة (601)، وقال في صحيح الترغيب (2714): حسن صحيح.

(2)

أخرجه الطبراني في الأوسط (3/ 355 رقم 3392) والصغير (1/ 209 رقم 335) وفي =

ص: 133

قوله: وعن عبد اللَّه بن مُغفل رضي الله عنه تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "أسرق الناس الذي يسرق صلاته" فكر الحديث، إلى أن قال "وأبخل الناس من بخل بالسلام" تقدم هذا الحديث في الصلاة.

4107 -

وَعَن جَابر رضي الله عنه أَن رجلا أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِن لفُلَان فِي حائطي عذقا وَإنَّهُ قد آذَانِي وشق عَليّ مَكَان عذقه فَأرْسل إِلَيْهِ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ بِعني عذقك الَّذِي فِي حَائِط فلَان قَالَ لَا قَالَ فهبه لي قَالَ لَا قَالَ فبعنيه بعذق فِي الْجنَّة قَالَ لَا فَقَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم مَا رَأَيْت الَّذِي هُوَ أبخل مِنْك إِلَّا الَّذِي يبخل بِالسَّلَامِ رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَإسْنَاد أَحْمد لَا بَأْس بِهِ قَالَ الْحَافِظ وَتقدم فِيمَا يَقُول إِذا دخل بَيته أَحَادِيث من السَّلَام فأغنى عَن إِعَادَتهَا هُنَا

(1)

.

قوله: وعن جابر رضي الله عنه تقدم.

= الدعاء (61)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (2/ 902). قال الطبراني: لم يروه عن عوف إلا عثمان بن الهيثم، تفرد به زيد بن الحريش، ولا يروى عن عبد اللَّه بن المغفل إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع 2/ 120: رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (525) و (2715).

(1)

أخرجه أحمد 3/ 328 (14517)، وعبد بن حميد (1037)، والبزار كما في كشف الأستار (2000)، والحاكم 2/ 20، والبيهقي في الكبرى (6/ 260 رقم 11884) والشعب (11/ 195 - 196 رقم 8396).

قال الهيثمي في المجمع 3/ 127: رواه أحمد، والبزار، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وفيه كلام وقد وثق. وقال في المجمع 8/ 32: رواه أحمد والبزار، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (3383) وصحيح الترغيب (2716).

ص: 134

قوله: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لفلان في حائطي عذقا، الحديث، العذق [بالفتح النخلة بنفسها وبالكسر العرجون].

وروي البيهقي عن سعيد بن المسيب أنه قال: أول شيء عتب فيه النبي صلى الله عليه وسلم علي أبي لبابة بن عبد اللَّه بن المنذر أنه خاصم يتيما له في عذق نخلة فقضى رسول اللَّه لأبي لبابة بالعذق [فضج] اليتيم، واشتكي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"لا في لبابة هب لي هذا العذق يا أبا لبابة" لكي يرده إلى اليتيم ولك مثله في الجنة فأبي أبو لبابة أن يعطيه فقال رجل من الأنصار أن ابتعت هذا العذق فأعطيته اليتيم لي مثله في الجنة فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فانطلق الأنصاري وهو ابن الدحداحة حتى لقي أبا لبابة فقال: يا أبا لبابة ابتاع منك هذا العذق بحديقتي وكانت له حديقة نخل فقال: أبو لبابة نعم فابتاعه منه بحديقته فلم يلبث ابن الدحداح إلا يسيرا حتى جاء كفار قريش يوم أحد فخرج مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقاتلهم فقتل شهيدا فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لرب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة

(1)

، أ. هـ.

(1)

أخرجه البيهقي في الكبرى (6/ 260 - 261 رقم 11885)، والخرائطي في المكارم (659).

ص: 135