المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌271 - باب متى يقصر المسافر - فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود - جـ ١٣

[ياسر فتحي]

فهرس الكتاب

- ‌271 - باب متى يقصر المسافر

- ‌272 - باب الأذان في السفر

- ‌273 - باب المسافر يصلى وهو يشكُّ في الوقت

- ‌274 - باب الجمع بين الصلاتين

- ‌275 - باب قصر قراءة الصلاة في السفر

- ‌276 - باب التطوع في السفر

- ‌277 - باب التطوع على الراحلة والوتر

- ‌278 - باب الفريضة على الراحلة من غير عذر

- ‌279 - باب متى يتم المسافر

- ‌280 - باب إذا أقام بأرض العدو يقصر

- ‌مسألة: صلاة المسافر إذا ائتم بالمقيم، وصلاة المقيم إذا ائتم بالمسافر

- ‌281 - باب صلاة الخوف

- ‌282 - باب من قال: يقوم صفٌّ مع الإمام وصفٌّ وِجاهَ العدو

- ‌283 - باب من قال: إذا صلى ركعةً وثبت قائمًا أتموا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا، ثم انصرفوا فكانوا وِجاه العدو، واختلف في السلام

- ‌284 - باب من قال: يكبرون جميعًا وإن كانوا مستدبري القبلة

- ‌285 - باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ثم يسلم فيقوم كل صف فيصلون لأنفسهم ركعة

- ‌286 - باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ثم يسلم فيقوم الذين خلفه فيصلون ركعة، ثم يجيء الآخرون إلى مقام هؤلاء فيصلون ركعة

- ‌(2/ 579)].***287 -باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ولا يقضون

- ‌288 - باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين

- ‌ ومما روي فيما يتعلق بصلاة الخوف:

- ‌ التبكير والتغليس بصلاة الصبح إذا أراد الإغارة والحرب:

- ‌289 - باب صلاة الطالب

- ‌ ومما روي في الصلاة على الدواب:

- ‌ الصفة الأولى:

- ‌ الصفة الثانية:

- ‌ الصفة الثالثة:

- ‌ الصفة الرابعة:

- ‌ الصفة الخامسة:

- ‌ الصفة السادسة:

- ‌ الصفة السابعة:

- ‌ وأما الصلاة حال شدة الخوف:

- ‌290 - باب تفريع أبواب التطوع وركعات السُّنَّة

- ‌291 - باب ركعتي الفجر

- ‌292 - باب في تخفيفهما

- ‌ ومن شواهده في تخفيف الركعتين:

- ‌293 - باب الاضطجاع بعدها

- ‌294 - باب إذا أدرك الإمام ولم يصلي ركعتي الفجر

الفصل: ‌271 - باب متى يقصر المسافر

‌271 - باب متى يقصر المسافر

1201 -

. . . شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال أنس: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة شك- يصلي ركعتين.

* حديث صحيح

أخرجه مسلم (691)، وأبو عوانة (2/ 74/ 2368)، وابن حبان (6/ 453/ 2745)، وأحمد (3/ 129)، وابن أبي شيبة (2/ 201/ 8123)، وأبو يعلى (7/ 206/ 4198)، وابن حزم في المحلى (5/ 8)، والبيهقي (3/ 146)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (2/ 63/ 919).

رواه عن شعبة: غندر محمد بن جعفر [واللفظ له]، وأبو داود الطيالسي [عند أبي عوانة، بمثل لفظ غندر].

ولفظ غندر [عند أحمد]: عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ قال: كنت أخرج إلى الكوفة فأصلي ركعتين حتى أرجع، وقال أنس: كان رسول صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين.

° ترجم له ابن حبان بقوله: "ذكر الخبر الدال على أن الناوي سفرًا يكون نهاية قصده ما وصفنا [يعني: ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمية]، له قصرُ الصلاة إذا خلَّف دور البلدة وراءه".

لكن حمله الخطابي على ظاهره، فقال في المعالم (1/ 261):"إن ثبت هذا الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حدًا فيما يقصر اليه الصلاة؛ إلا أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء يقول به".

قلت: لكن يمكن أن يقال: إن في النص قرينة تدل على أنه جعله حدًا لما تقصر إليه الصلاة، حيث قال أنس: كنت أخرج إلى الكوفة فأصلي ركعتين حتى أرجع؛ يعني: إذا سافر من البصرة إلى الكوفة صلى ركعتين، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر إذا سافر مسيرة ثلاثة فراسخ.

لا سيما وقد كان الأوزاعي يقول: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا [هكذا علقه ابن المنذر في الأوسط (4/ 351) بغير إسناد، وكذلك الخطابي في المعالم (1/ 262)، وابن بطال في شرحه على البخاري (3/ 78)، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في المجموع (24/ 131)، وجماعة غيرهم]، ولكن ذلك لا يثبت عندي؛ لأني لم أقف له على إسناد ثابت متصل، فقد علقه ابن حزم في المحلى (3/ 4) و (5/ 7)، عن وكيع عن حماد بن زيد عن أنس بن سيرين عن أنس، ولم

ص: 5

يسنده، وقد رواه ابن أبي شيبة (2/ 68/ 6561)، والطبراني في الكبير (1/ 243/ 681)، من طرق صحيحة عن حماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وحماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين، أنه خرج مع أنس بن مالك إلى أرض بني سيرين في سفينة، فصلى بهم فيها جلوسًا، وفي بعض طرقه: خرجت مع أنس إلى بني سيرين في سفينة عظيمة، قال: فأمنا فصلى بنا فيها جلوسًا ركعتين، ثم صلى بنا ركعتين أخراوين؛ فهو ثابت عن أنس بدون تقدير المسافة.

• نرجع مرة أخرى إلى حديث أنس والاحتجاج به على أقل مسافة القصر، قال ابن حجر في الفتح (2/ 567):"وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه [يعني: أقل مسافة القصر]، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل"، ثم أورد القرينة السابق إيرادها في النص، ثم قال:"فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه".

وفي شرح الزرقاني (1/ 425)[نقلًا عن الفتح]: "ورده القرطبي [ذكره في تفسيره (5/ 354)] بأنه مشكوك فيه، فلا يحتج به؛ فإن أراد لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلَّم، لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ، فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها؛ فيؤخذ بالأكثر احتياطًا.

قلت: الرد على الاحتجاج بحديث أنس هذا على أقل مسافة القصر من وجوه:

الأول: القرينة المذكورة في النص لا تساعد على صحة الدعوى؛ وذلك لأن المسافة بين البصرة والكوفة تقرب من (445) كيلو مترًا؛ يعني: أنها تزيد على المسافة فيما بين مكة والمدينة (436) بما يقرب من عشر كيلو مترات، وهذه المسافة اتفق العلماء على قصر الصلاة فيها، قال ابن المنذر في الأوسط (4/ 346):"أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرًا تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة أن يقصر الصلاة؛ إذا كان خروجه فيما تقدم وصفنا له"؛ يعني: لمن كان سفره في حج أو عمرة أو جهاد، والجمهور على إباحة القصر فيمن خرج إلى ما أبيح له، كتجارة ونحوها.

والشاهد أن أنسًا بيَّن للسائل مراده في مسافة القصر، وهو أنه يقصر في مثل ما بين مكة والمدينة، مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم في قصره الصلاة في حجة الوداع منذ أن خرج من المدينة إلى أن رجع إليها، ثم زاده على ذلك مسألة أخرى: وهي أن له أن يقصر الصلاة بمجرد خروجه وبروزه من البنيان، مثلما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقصر إذا خرج من المدينة قاصدًا مكة، فيبتدئ قصره من ذي الحليفة، وهذه المسافة المذكورة في حديث أنس هذا [الثلاثة الفراسخ] تقرب من المسافة فيما بين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبين ذي الحليفة، والتي قصر بها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فصلاها ركعتين.

الثاني: أن رواية يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس إنما هي تفسير لما رواه ثلاثة من أصحاب أنس:

ص: 6

فقد روى محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، وأبو قلابة عبد اللَّه بن زيد الجرير، عن أنس بن مالك؛ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين.

وهو حديث متفق عليه، وهو الحديث الآتي عند أبي داود، والمقصود: أن روايتهم لم تحدد فيها المسافة بالأميال أو الفراسخ، بل حددت بالأماكن المعروفة، ثم جاءت رواية الهنائي لكي تفسرها بتحديد المسافات؛ يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم الصلاة بالمدينة، فلما خرج وسار قرابة ثلاثة فراسخ، وبلغ ذا الحليفة، صلى بها العصر ركعتين.

قال ابن قدامة في المغني (2/ 48): "يحتمل أنه أراد به: إذا سافر سفرًا طويلًا قصر إذا بلغ ثلاثة أميال؛ كما قال في لفظه الآخر: إن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين".

وقال النووي في المجموع (4/ 277): "وأما حديث أنس: فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال، بل معناه أنه كان إذا سافر سفرًا طويلًا فتباعد ثلاثة أميال قصر، وليس التقييد بالثلاثة لكونه لا يجوز القصر عند مفارقة البلد، بل لأنه ما كان يحتاج إلى القصر إلا إذا تباعد هذا القدر؛ لأن: الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يسافر عند دخول وقت الصلاة إلا بعد أن يصليها، فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد عن المدينة، وأما حديث شرحبيل وقوله: إن عمر رضي الله عنه صلى بذي الحليفة ركعتين؛ فمحمول على ما ذكرناه في حديث أنس، وهو أنه كان مسافرًا إلى مكة أو غيرها فمر بذي الحليفة، وأدركته الصلاة فصلى ركعتين، لا أن ذا الحليفة غاية سفره".

الثالث: أن مسلمًا لما أخرج رواية الثلاثة المذكورين عن أنس، أعقبها برواية الهنائي، كالمفسرة لها، في بيان المسافة التي يبتدئ المسافر القصر منها، ثم أتبعها بحديث عمر [تقدم في شواهد الحديث السابق برقم (1200)] وهو بنفس المعنى، وفيه: عن جبير بن نفير، قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلًا، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يفعل، وفي زيادة صحيحة عند ابن أبي شيبة: كأنه يريد مكة، يعني: أن عمر إنما ابتدأ قصر الصلاة لما بلغ تلك المسافة، وهي قريبة من ثلاثة فراسخ.

وتصرف أبي داود في هذا الباب يدل على نفس المعنى، حيث ترجم للباب بقوله:"باب متى يقصر المسافر"، يعني: متى يبتدئ المسافر في قصر الصلاة بعد خروجه من بلده، ثم بدأ بحديث الهنائي هذا، ثم أتبعه بحديث ابن المنكدر وابن ميسرة عن أنس في أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ قصره من ذي الحليفة، وهي تبعد من مسجده قرابة ثلاثة فراسخ، فاتفق الحديثان في معناهما، وكذلك فعل البيهقي، واللَّه أعلم.

الرابع: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى قباء وإلى العوالي، ولا يقصر، كما ينزل

ص: 7

سكان العوالي وقباء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا يقصرون، ولم يكن ذلك يسمى في عرفهم سفرًا [والشواهد على ذلك كثيرة، انظر منها مثلًا: حديث سهل بن سعد الساعدي المتفق عليه، والمتقدم برقم (941)، وفي بعض ألفاظه: كان قتالٌ بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأتاهم ليُصلِحَ بينهم بعد الظهر، وفي بعضها: بلغ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم أن بني عمرو بن عوف بقُباء كان بينهم شيء، فخرج يصلح بينهم في أناس من أصحابه، وفي رواية: فذهب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم، وفي رواية: فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ليصلح بينهم، وفي رواية: "اذهبوا بنا نصلح بينهم"، وليس في شيء منها أنه سافر اليهم، ولا أنه قصر عندهم صلاة العصر]، واللَّه أعلم.

الخامس: نقل ابنُ جرير الطبري في تهذيب الآثار (2/ 897 و 911 - مسند عمر) الإجماعَ على أن قصر الصلاة غير جائز في مثل هذه المسافة بين المدينة وذي الحليفة، وكان مما قال:"مسافةُ ما بين المدينة وذي الحليفة أقل من أربعة فراسخ،. . .، ولا أحد ممن روي عنه قصر الصلاة في قدر ما ذكرتُ يرى جواز قصرها فيما بين المدينة وذي الحليفة، أو في قدر ذلك من المسافة".

وقال الخطابي في المعالم (1/ 261): "إن ثبت هذا الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حدًا فيما يقصر إليه الصلاة؛ إلا أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء يقول به".

قلت: قد ثبت الحديث؛ لكنه محمول على أن الناوي سفرًا تقصر في مثله الصلاة؛ له قصرُ الصلاة إذا خلَّف دور البلدة وراءه، واللَّه أعلم.

• وأما قول ابن عبد البر في يحيى الهنائي: "ليس هو ممن يوثق به في ضبط مثل هذا الأصل"[الاستذكار (2/ 240)، المحرر في الحديث (401)]، فلا يسلم له لأمور:

أولًا: أن الهنائي روى عنه جماعة من أئمة الحديث مثل: شعبة، وابن علية، وهما بصريان بلديان للهنائي، وأعلم به وبحاله، وفي هذا تقوية له.

ثانيًا: لو كان ما رواه عن أنس منكرًا، لما قال فيه أبو حاتم:"شيخ"، ولما قال فيه ابن معين:"صويلح"، ولما ذكره ابن حبان في ثقاته [التهذيب (4/ 400)، ضعفاء العقيلي (4/ 436)، ولم يورد له العقيلي حديثًا واحدًا انتقده عليه].

ثالثًا: قد صحح حديثه هذا: مسلم، وأبو عوانة، وابن حبان.

رابعًا: هو إسناد بصري، سأل فيه الهنائي أنسًا فأجابه عن سؤاله، ومثل هذا أدعى لضبط الرواية، حيث إنه سأل عما يحتاج اليه، ولم تكن مجرد رواية وقعت له فتحملها، كأن سمع أنسًا يتحدث بذلك، وإنما جاءه الهنائي سائلًا مسترشدًا طالبًا بيان ما أشكل عليه في قصر الصلاة.

خامسًا: أن حديث الهنائي كالمفسر لحديث الثلاثة عن أنس في بيان مقدار المسافة التي يبتدئ المسافر منها قصر الصلاة، واللَّه أعلم.

ص: 8

* وقد روي خلاف ذلك مرفوعًا، ولا يصح:

رواه هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، وعلي بن عاصم [الواسطي: صدوق، كثير الغلط]:

عن أبي هارون، عن أبي سعيد؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فرسخًا قصر الصلاة. وفي رواية: إذا سار فرسخًا نزل يقصر الصلاة. وفي رواية علي بن عاصم: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فكان إذا سار فرسخًا تجوَّز في الصلاة.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 529/ 4318)، وابن أبي شيبة (2/ 200/ 8113)، وعبد بن حميد (947)، وابن عدي في الكامل (5/ 79)، وابن عبد البر في الاستذكار (2/ 238).

وإسناده واهٍ بمرة؛ أبو هارون عمارة بن جوين العبدي البصري: متروك، كذبه جماعة [التهذيب (3/ 207)].

* وأقل ما احتج به البخاري في باب أقل مسافة القصر: مسيرة يوم وليلة، وهو اليوم التام، وذلك مسافة أربعة برد بالسير القوي، ولا يثبت ما روي بلفظ البريد.

° قال البخاري في صحيحه:

"وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يومًا وليلةً سفرًا.

وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يَقصُران ويُفطِران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا".

وهي أقصى مسافة يمكن قطعها في اليوم والليلة بالسير القوي، ولو كان اسم السفر يطلق على ما هو أقل من مسيرة يوم وليلة لأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنه أراد منع المرأة من السفر بغير محرم، فاستعمل أقل مدة زمنية يمكن أن يطلق عليها اسم السفر:

• فقد روى سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم [وليلة] إلا مع ذي محرم".

أخرجه البخاري (1088)، ومسلم (1339)، ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء اللَّه تعالى، برقم (1723).

وما روي في ذلك بلفظ اليوم فقط، أو بلفظ الليلة فقط، فهو محمول على إطلاق الجزء على الكل، والعرب قد تطلق جزء الشيء وتريده كله، أعني هنا: اليوم التام، يوم بليلته، قال البيهقي في السنن (3/ 139):"وهذه الروايات عن أبي هريرة كلها متفقة في متن الحديث؛ لأن من قال: يومًا أراد به بليلته، ومن قال: ليلة أراد بيومها"، وأما البريد فلا تثبت الرواية فيه، وهي لفظة شاذة تفرد بها سهيل بن أبي صالح، دون ثلاثة من الحفاظ من أصحاب المقبري، وهم: مالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب [ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء اللَّه تعالى، برقم (1725)]، واللَّه أعلم.

• قال الأوزاعي: "وعامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام"، قال ابن المنذر:"وبهذا نأخذ"[الأوسط (4/ 351)، الصيام لجعفر الفريابي (118)، الاستذكار (2/ 242)].

* وأما ما رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه،

ص: 9

وعطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس؛ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد؛ من مكة إلى عسفان".

أخرجه الطبراني في الكبير (11/ 96/ 11162)، والدارقطني (1/ 387)، والبيهقي في السنن (3/ 137)، وفي المعرفة (2/ 421/ 1586)، وعزاه بعضهم لابن خزيمة [ولم أجده فيه، ولم يعزه إليه ابن حجر في الإتحاف (7/ 413/ 8088)، ولا السيوطي في الدر المنثور (2/ 658)].

قال البيهقي: "وهذا حديث ضعيف؛ إسماعيل بن عياش: لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد: ضعيف بمرة، والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس".

وقال النووي في المجموع (4/ 277): "هو حديث ضعيف جدًا؛ لأن عبد الوهاب مجمع على شدة ضعفه، وإسماعيل أيضًا ضعيف، لا سيما في روايته عن غير الشاميين".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "باطل بلا شك عند أئمة أهل الحديث"[المجموع (24/ 39)].

وقال في موضع آخر (24/ 127): "وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هو من كلام ابن عباس".

قلت: هو حديث باطل، عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر: متروك، كذبه الثوري، ولم يسمع من أبيه [التهذيب (2/ 640)]، ورواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين ضعيفة، وهذه منها.

* وإنما يُعرف هذا موقوفًا على ابن عباس بإسناد صحيح:

فقد روى سفيان بن عيينة، وأيوب السختياني، وشعبة:

عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس؛ أنه سئل: أنقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف [فإن قدمت على أهلِ لك أو ماشيةٍ فأتم الصلاة]. واللفظ لابن عيينة.

أخرجه الشافعي في الأم (1/ 183) و (7/ 187)، وفي المسند (25 و 388)، وعبد الرزاق (2/ 524/ 4297)، وابن أبي شيبة (2/ 202/ 8140)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (2/ 905/ 1271 - مسند عمر) و (2/ 906/ 1273 - مسند عمر)، والبيهقي في السنن (3/ 137)، وفي المعرفة (2/ 418/ 1579).

وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح على شرط الشيخين.

وله أسانيد أخرى عن ابن عباس، تركتها اختصار، وإنما أردت بيان بطلان المرفوع.

قال الشافعي: "وأقرب هذا من مكة ستة وأربعون ميلًا بالأميال الهاشمية، وهي مسيرة ليلتين قاصدتين، دبيب الأقدام وسير الثَّقَل".

قلت: وأما بالسير القوي فيعادل مسيرة يوم وليلة.

قلت: وقد قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: تقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد،

ص: 10

محتجين في ذلك بما ثبت عن ابن عمر وابن عباس موقوفًا عليهما [انظر مثلًا: المدونة (1/ 119 و 120)، الموطأ (392 - 399)، الأم (1/ 182) و (7/ 187)، مسائل عبد اللَّه (420 و 425 و 428 و 781 و 858 و 861 و 937)، مسائل صالح (26 و 1176)، مسائل أبي داود (514)، مسائل الكوسج (309 - 311 و 431)، مصنف عبد الرزاق (4300 و 4301)، تهذيب الآثار للطبري (2/ 899/ 1255 - مسند عمر)، الأوسط لابن المنذر (4/ 346)، سنن البيهقي (3/ 136)].

وقال أحمد: "مسيرة اليوم التام، مسيرة البغل أربعة برد"، وقال أيضًا:"مسيرة أربعة برد، ستة عشر فرسخًا، في مسيرة اليوم التام"[مسائل ابن هانئ (402 و 404)].

قلت: فوافق بذلك حديث أبي هريرة المتفق عليه في أقل مسافة سميت في السُّنَّة الصحيحة سفرًا، وهي اليوم التام، يُقطع فيه أربعة برد بالسير القوي، وهي: ثمانية وأربعون ميلًا بالهاشمية، وهي تزيد في زماننا هذا على ثمانين كيلو مترًا، واللَّه أعلم.

* * *

1202 -

. . . ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، سمعا أنس بن مالك، يقول: صليتُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، والعصرَ بذي الحليفة ركعتين.

* حديث متفق على صحته

أخرجه مسلم (690/ 11)، وأبو عوانة (2/ 76/ 2376)، والترمذي (546)، وقال:"هذا حديث صحيح"، والنسائي في المجتبى (1/ 235/ 469)، وفي الكبرى (1/ 217/ 351)، والدارمي (1/ 424/ 1508)، وابن الجارود (145)، وأحمد (3/ 110 و 111 - 112)، والشافعي في الأم (1/ 180)، وفي المسند (25)، وعبد الرزاق (2/ 529/ 4317)، والحميدي (1191 و 1193)، وابن أبي شيبة (2/ 200/ 8115)، وسعدان بن نصر في جزئه (51)، وعلي بن حرب الطائي في الأول من حديث ابن عيينة (73 و 95)، وأبو يعلى (6/ 315/ 3633) و (6/ 338/ 3665)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (2/ 912/ 1286 - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (1413)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (1668)، والبيهقي في السنن (3/ 145)، وفي المعرفة (2/ 430/ 1598 و 1599)، وابن عبد البر في التمهيد (22/ 287).

رواه عن سفيان بن عيينة: أحمد بن حنبل، والشافعي، والحميدي، وسعيد بن منصور، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن خشرم، وعبد الرزاق بن همام، وسعدان بن نصر، وعلي بن حرب الطائي، وعثمان بن محمد بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح، وصالح بن مسمار المروزي [وهم ثقات]، وغيرهم.

ص: 11

وفي رواية أحمد لم يعين الصلاتين: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين.

* تابع ابن عيينة عليه:

أ - سفيان الثوري [وعنه: عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن يوسف الفريابي، وعبد الرزاق بن همام، ومؤمل بن إسماعيل، وعلي بن قادم]، عن محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس بن مالك؛ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين.

أخرجه البخاري (1089)، والدارمي (1/ 424/ 1507)، وأبو عوانة (2/ 76/ 2374 و 2375)، وابن حبان (6/ 455/ 2748)، وأحمد (3/ 177)، وعبد الرزاق (2/ 529/ 4316)، وابن أبي شيبة (2/ 200/ 8116)، والبزار (12/ 348/ 6239)، وأبو يعلى (6/ 316/ 3635)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 222/ 345 - 347 - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (1415)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (1670 و 1671)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 341/ 2248)، والطحاوي (1/ 418)، وأبو نعيم في الحلية (7/ 107)، وفي تاريخ أصبهان (2/ 238)، وابن عبد البر في التمهيد (16/ 301).

ب - ابن جريج: حدثنا محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم[الظهر] بالمدينة أربعًا، و [صلى العصر] بذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلَّ.

أخرجه البخاري (1546)، وأبو داود (1773)، وأحمد (3/ 378)، وعبد الرزاق (2/ 529 - 530/ 4320)، والبزار (12/ 349/ 6242)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 221/ 343 - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (1416)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (1672)، والطحاوي (1/ 417 - 418) و (2/ 122)، والبيهقي (5/ 38)، وابن عبد البر في التمهيد (22/ 288)، وفي الاستذكار (4/ 48).

هكذا رواه عن ابن جريج جماعة من ثقات أصحابه: هشام بن يوسف الصنعاني [عند البخاري، وفيه إثبات سماع ابن جريج من ابن المنكدر]، ومحمد بن بكر البرساني [عند أبي داود وأحمد والبزار والسراج]، وعبد الرزاق [وفيه إثبات سماع ابن جريج من ابن المنكدر]، وابن وهب [عند الطبري، وفيه إثبات السماع]، ومكي بن إبراهيم [عند الطحاوي، وصرح بالسماع].

• خالفهم: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد [ثقة ثبت، من أصحاب ابن جريج]، فرواه عن ابن جريج، قال: أخبرت عن محمد بن المنكدر أو حُدِّثت، عن أنس، قال:. . . فذكره.

أخرجه البزار (12/ 349/ 6241)، قال: وناه محمد بن معمر [هو: ابن ربعي القيسي البحراني، وهو: صدوق]: نا أبو عاصم به.

ص: 12

وهذا الإسناد لم أجده إلا عند البزار، فإن كان تفرد به؛ فلا يثبت، كيف! وقد ثبت السماع من طرق صحيحة ثابتة! لاسيما في صحيح البخاري!؟ فقد يكون الوهم فيه من البزار نفسه، فإن البزار أحمد بن عمرو بن عبد الخالق: قال فيه الدارقطني: "ثقة، يخطئ كثيرًا، ويتكل على حفظه"، وقال أيضًا:"يخطئ في الإسناد والمتن، حدث بالمسند بمصر حفظًا، ينظر في كتب الناس ويحدث من حفظه، ولم تكن معه كتب، فأخطأ في أحاديث كثيرة، يتكلمون فيه، جرحه أبو عبد الرحمن النسائي"[سؤالات السهمي (116)، سؤالات الحاكم (23)]، وقد أثنى عليه جماعة [انظر: اللسان (1/ 257)].

* وخالفهم جميعًا فسلك فيه الجادة والطريق السهل:

عيسى بن يونس [كوفي، ثقة مأمون]، فرواه عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، قال: صليت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها، فلما استوت به راحلته لبي. وفي رواية: ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته واستوت به أهلَّ.

أخرجه الطحاوي (2/ 122)، والطبراني في الأوسط (8/ 136/ 8200).

قال ابن أبي حاتم في العلل (1/ 297/ 893): "سمعت أبي يقول: لا أعلم روى هذا الحديث غير عيسى بن يونس وشعيب بن إسحاق، ولا أدري ابن جريج من أين جاء به؟ والناس يروونه عن إبراهيم بن ميسرة عن أنس".

قلت: بل الناس يروونه عن ابن جريج، عن ابن المنكدر، عن أنس، وهو المحفوظ عن ابن جريج، حيث رواه عنه به ثقات أصحابه، وأكثر الناس عنه رواية.

وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا ابن جريج، تفرد به: عيسى بن يونس، ورواه غير عيسى عن ابن جريج عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة عن أنس".

وقال الدارقطني في العلل (12/ 213/ 2631): "ووهم في ذكر الزهري، وإنما رواه ابن جريج عن ابن المنكدر".

وقال ابن حجر في الفتح (3/ 407): "كذا رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه، وخالفهم عيسى بن يونس، فقال: عن ابن جريج عن الزهري عن أنس، وهي رواية شاذة".

(ج - و) - ورواه عمرو بن الحارث [ثقة حافظ]، وعبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون [ثقة فقيه، وعنه: صالح بن مالك الخوارزمي، وهو: ثقة. الجرح والتعديل (4/ 416)، الثقات (8/ 318)، تاريخ بغداد (9/ 316)]، وأبو بكر مرزوق مولى طلحة بن عبد الرحمن الباهلي [صدوق]، وأسامة بن زيد:

عن محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك، قال: صليت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربع ركعات، ثم خرج إلى بعض أسفاره فصلى لنا عند الشجرة ركعتين. لفظ عمرو [عند ابن حبان]، ولفظ أسامة بنحو لفظ الجماعة.

ص: 13

ولفظ الماجشون [عند أبي يعلى]: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، وهو مسافر إلى مكة.

أخرجه ابن حبان (6/ 454/ 2746)، والبزار (12/ 349/ 6240)، وأبو يعلى (6/ 315/ 3634)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 221/ 342 - 344 - مسند عمر) و (13/ 92/ 1287)، وأبو العباس السراج في مسنده (1414 و 1417)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (1669 و 1673)، والطحاوي (1/ 417 - 418)، والطبراني في الأوسط (6/ 267/ 6375).

تنبيه: وقع في رواية لأسامة عند البزار: وصلى العصر بالعقيق ركعتين، وهي شاذة، وقد رواه أصحاب أسامة عنه كالجماعة، وفي آخر رواية مولى طلحة: وهي ستة أميال، ولعلها من تفسير الراوي.

• ويبدو أن أسامة بن زيد كان يهم في إسناده، فكان مرة يرويه عن ابن المنكدر وحده، ومرة يرويه عن الزهري وحده، ومرة يجمعهما في الإسناد، وهكذا سلك فيه الجادة ولزم الطريق السهل؛ حيث رواه عن الزهري عن أنس؛ ولا يُعرف من حديث الزهري، إنما هو حديث ابن المنكدر عن أنس.

• أخرجه من طريق أسامة عن الزهري عن أنس: ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 222/ 348 - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (1421)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (1679)، وأبو نعيم في الحلية (3/ 158).

قال أبو نعيم: "صحيح ثابت متفق عليه من حديث ابن المنكدر عن أنس، ورواه الثوري وابن جريج عنه وعن إبراهيم بن ميسرة عن أنس، وحديث الزهرى وابن المنكدر لم نكتبه مجموعًا إلا من حديث ابن وهب عن أسامة".

قلت: أسامة بن زيد الليثي مولاهم: صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ إذا حدث من حفظه، وقد أنكروا عليه أحاديث [تقدمت ترجمته مفصلة عند الحديث رقم (394 و 600 و 619)].

ز - محمد بن إسحاق [صدوق]، قال: حدثني محمد بن المنكدر التيمي، عن أنس بن مالك الأنصاري، قال: صلى بنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات، ثم صلى بنا العصر بذي الحليفة ركعتين، آمنًا لا يخاف، في حجة الوداع.

أخرجه أحمد (3/ 237).

• وروي من حديث شعبة عن ابن المنكدر عن أنس؛ وليس من حديث شعبة قطعًا [أخرجه ابن المظفر في غرائب شعبة (208)، والخطيب في تاريخ بغداد (3/ 405)][وهو حديث باطل من حديث شعبة، تفرد به عنه المعلى بن عبد الرحمن الواسطي: رمي بالوضع، وكذبه غير واحد. التهذيب (4/ 122)، الميزان (4/ 148)].

° هكذا روى هذا الحديث عن ابن المنكدر على معنى واحد، ولفظ متقارب: سفيان

ص: 14

الثوري، وسفيان بن عيينة، وعمرو بن الحارث، وعبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون، ومحمد بن إسحاق، وأبو بكر مرزوق مولى طلحة بن عبد الرحمن الباهلي، وأسامة بن زيد الليثي.

وانفرد عنهم ابن جريج، فزاد فيه: ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلَّ.

وقد احتج البخاري في صحيحه بهذه الزيادة، واعتبرها صحيحة، حيث ترجم لها بقوله:"باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح".

لكن قال الدارقطني في العلل (12/ 212/ 2631): "وهذه الزيادة ليست محفوظة عن ابن المنكدر، ولم يذكرها غير ابن جريج، وقال يحيى القطان: إنه وهمٌ،. . .، والصحيح: رواية الثوري وابن عيينة ومن تابعهما".

قلت: الصواب مع البخاري، فإن ابن جريج من كبار الحفاظ، وزيادته مقبولة، ولم يتفرد بها من حديث أنس، فقد رواه أبو قلابة عن أنس بهذه الزيادة.

* وله طرق أخرى عن أنس:

أ - رواه حماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ووهيب بن خالد، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد:

عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، لفظ ابن علية [عند البخاري (1715)، ومسلم. وأحمد]، وابن عيينة [عند الحميدي]، والثقفي [عند البخاري (1547)، وزاد في آخره، -قال: وأحسبه بات بها حتى أصبح-.

ولفظ حماد: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا [الحج والعمرة][البخاري (1548 و 2951)، ومسلم (690)]، وفي رواية لأبي يعلى بإسناد صحيح: فسمعتهم يصرخون بهما صراخًا؛ بالحج والعمرة.

ورواه وهيب بن خالد: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس رضي الله عنه، قال: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء؛ حمد اللَّه وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدِمنا أمر الناس فحلُّوا، حتى كان يوم التروية أهلُّوا بالحج، قال: ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بدناتٍ بيده قيامًا [وفي رواية: ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بيده سبعَ بُدنٍ قيامًا]، وذبح [وفي رواية: وضحى] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة كبشين [أقرنين] أملحين [البخاري (1551 و 1714)].

وفي رواية لوهيب [عند أحمد وغيره]:. . . فلما صلى الصبح ركب راحلته، فلما انبعثت به سبح وكبر حتى استوت به على البيداء، ثم جمع بينهما،. . .

ص: 15

أخرجه البخاري (1547 و 1548 و 1551 و 1714 و 1715 و 2951)، ومسلم (690/ 10)، وأبو عوانة (2/ 76/ 2377 و 2378)، وأبو داود (1796 و 2793)، والنسائي في المجتبى (1/ 237/ 477)، وفي الكبرى (1/ 213/ 340)، وابن خزيمة (4/ 285/ 2894)، وابن حبان (6/ 452/ 2743) و (6/ 453/ 2744) و (6/ 455/ 2747) و (9/ 328/ 4019)، والضياء في المختارة (6/ 235/ 2252)، وأحمد (3/ 111 و 186 و 268)، والشافعي في الأم (1/ 180)، وفي السنن (14)، وفي المسند (25)، وعبد الرزاق (2/ 529/ 4315)، والحميدي (1192)، وابن سعد في الطبقات (2/ 175)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (3/ 137)، والبزار (13/ 249/ 6763)، وأبو يعلى (5/ 181/ 2794) و (5/ 193/ 2811) و (5/ 194/ 2812) و (5/ 203/ 2821) و (5/ 204/ 2822)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (2/ 913/ 1288 و 1290 - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (1408 - 1412)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (1662 - 1667)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 418) و (2/ 193)، وفي المشكل (6/ 228/ 2440)، وفي أحكام القرآن (2/ 72/ 1263)، وابن حزم في المحلى (7/ 100)، وفي حجة الوداع (10 و 309 و 370 و 481 و 525)، والبيهقي في السنن (3/ 146) و (5/ 10 و 40)، وفي المعرفة (2/ 430/ 1600 و 1601)، وابن عبد البر في التمهيد (16/ 301)، وفي الاستذكار (2/ 240)، والخطيب في المدرج (1/ 517 - 519)، والبغوي في شرح السُّنَّة (7/ 71/ 1879)، وفي الشمائل (626 و 718)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (2/ 62/ 917).

* تنبيهات:

• الأول: جاء على هامش اليونينية (2/ 171 - ط المنهاج)(2/ 472 - ط التأصيل)(1/ 454 - ط الفاريابي)[لأبي ذر عن المستملي وحده] ما نصه:

باب من نحر بيده، حدثنا سهل بن بكار: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، وذكر الحديث، قال: ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بيده سبعَ بُدنٍ قيامًا، وضحى بالمدينة كبشين أملحين أترنين. مختصرًا. [وانظر: الفتح لابن حجر (4/ 664)، وهو في الطبعات الملفقة برقم (1712)].

• الثاني: لما أخرج البخاري الحديث من طريق ابن علية عن أيوب به (1715) مقتصرًا على موضع الشاهد: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، أتبعه بقوله: وعن أيوب، عن رجل، عن أنس رضي الله عنه: ثم بات حتى أصبح، فصلى الصبح، ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحجة.

وهذا اللفظ الذي أُبهم فيه أبو قلابة، قد رواه البخاري من طريق وهيب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس، برقم (1551 و 1714)، وأشار فيه إلى رواية ابن علية هذه، والأقرب أن وهيبًا قد حفظه عن أيوب به جميعًا عن أبي قلابة، وشك فيه ابن علية، فأبهم شيخ أيوب في الحديث الثاني، وهما حديث واحد، فرقه ابن علية حديثين، ومن حفظ

ص: 16

حجة على من لم يحفظ، وقد تابع وهيبًا على بعضه: حماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي، وقد احتج البخاري برواية وهيب هذه في ثلاثة مواضع، فقال في الموضع الأول (1551):"باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة"، وقال في الموضع الثاني (1712):"باب من نحر بيده"، وقال في الموضع الثالث (1714):"باب نحر البدن قائمة"[انظر: الفتح لابن حجر (4/ 440 و 667)، الفصل للوصل المدرج في النقل (1/ 517 - 519)، التغليق (3/ 55)].

• الثالث: انفرد وهيب بن خالد عن أيوب في هذا السياق ببعض الألفاظ لم يتابع عليها:

الأولى: ثم ركب حتى استوت به على البيداء؛ حمد اللَّه وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وفي رواية: فلما صلى الصبح ركب راحلته، فلما انبعثت به سبح وكبر حتى استوت به على البيداء، ثم جمع بينهما.

قال أبو داود: "الذي تفرد به -يعني: أنسًا- من هذا الحديث: أنه بدأ بالحمد والتسبيح والتكبير، ثم أهل بالحج".

قلت: إذا ثبت الحديث لزم العمل به، وقد ثبت بإسناد صحيح، ووهيب: ثقة ثبت حافظ، من كبار حفاظ البصرة، ومن أصحاب أيوب السختياني المكثرين عنه، فلا غرو أن ينفرد عنه دون بقية أصحابه، لاسيما وقد اختلف الأئمة فيمن يقدَّم في أصحاب أيوب عند الاختلاف: إسماعيل بن علية، أو وهيب بن خالد، فقدم عبد الرحمن بن مهدي وهيبًا على ابن علية، وقدَّم يحيى القطانُ ابنَ علية [التهذيب (4/ 333)]، وهذا مما يدل على اختصاص وهيب بأيوب، وأنه من المكثرين عنه، والمقدمين فيه، وممن يحتمل تفرده عنه، ولذلك فقد احتج البخاري بما تفرد به عن أيوب هنا في ثلاثة مواضع، تقدم بيانها قريبًا، منها قوله:"باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة".

الثانية: ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بيده سبعَ بُدنٍ قيامًا.

وفي هذا مخالفة لحديث جابر [عند مسلم (1218)] حين قال: فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًا، فنحر ما غبر، والجمع بينهما ممكن، وقد ذكر ابن حزم في حجة الوداع (300) ثلاثة أوجه للجمع بينهما، أقواها: أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره صلى الله عليه وسلم سبعًا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره صلى الله عليه وسلم للباقي، فأخبر كل واحد منهما بما رأى وشهد، ثم قال:"فتصح جميع الأخبار، ويُنفى عنها كل التعارض، واللَّه أعلم أيَّ ذلك كان؛ إلا أنهم رضي الله عنهم كلهم صادق في ما حكى، وباللَّه تعالى التوفيق"[وانظر: زاد المعاد (2/ 260)].

وقال ابن خزيمة (4/ 285): "لا يكون نفيًا عما زاد على ذلك العدد، وليس في قول أنس: نحر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدنات؛ أنه لم ينحر بيده أكثر من سبع بدنات؛ لأن: جابرًا قد أعلم: أنه قد نحر بيده ثلاثة وستين من بدنة".

ص: 17

وكذلك فقد احتج البخاري بهذه اللفظة في موضعين، وترجم لها بقوله:"باب من نحر بيده"، وقال أيضًا:"باب نحر البدن قائمة".

والثالثة: وذبح [وفي رواية: وضحى] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة كبشين أقرنين أملحين.

وهذه اللفظة توهم بظاهرها أن ذلك كان في ذي الحجة من نفس السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يخالف:

ما رواه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس؛ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين، فذبحهما بيده.

أخرجه البخاري (5554).

قال البخاري: "تابعه وهيب عن أيوب".

قلت: يعني على أصل حديثه، وإلا فإن سياق رواية وهيب إنما هو في حجة الوداع، فأشعر بأن النبي صلى الله عليه وسلم وكَّل من يضحي عنه بالمدينة، ورواية الثقفي هذه تدل على أنه ذبحهما بالمدينة بنفسه، لا بالوكالة، لقوله: فذبحهما بيده، يعني: أنه كان بالمدينة حين ذبحهما، وهذا يخالف ظاهر رواية وهيب؛ إلا إذا حملنا رواية وهيب على ذكر ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم من عادته في الأضحية قبل حجة الوداع، فلما حج نحر بيده سبع بدنات، خلافًا لما اعتاده في المدينة من تضحيته بكبشين.

فلما كان الجمع بين ظاهر هاتين الروايتين ممتنع إذا قلنا بأنهما وقعا في زمان واحد، وأنهما واقعة واحدة، لاختلاف المكان وتباعده، فدل على أن وهيبًا أدخل حديثًا في حديث، لاتحادهما في السند، فأوهم معنى جديدًا، والصواب: رواية الثقفي، ومن ثم فلم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى في حجة الوداع، واللَّه أعلم.

* ومن المتابعات لرواية وهيب المطولة غير ما تقدم ذكره:

أ - روى عبد الوهاب الثقفي: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس رضي الله عنه، قال: كنت رديف أبي طلحة، وإنهم ليصرخون بهما جميعًا؛ الحج والعمرة.

أخرجه البخاري (2986)، والبغوي في شرح السُّنَّة (7/ 72/ 1880).

ب - ورواه معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة [وحميد بن هلال]، عن أنس؛ قال: كنت رديف أبي طلحة، وهو يساير النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن رجلي لتمس غرز النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يلبي بالحج والعمرة معًا.

أخرجه أحمد (3/ 164)، والدارقطني في الأفراد (1/ 183/ 819 - أطرافه)، وابن حزم في حجة الوداع (482).

ومعمر بن راشد وإن كان ثقة في الزهري وابن طاووس؛ إلا أنه كان يُضعَّف حديثه عن أهل العراق خاصة، وحديثه عن أهل البصرة فيه ضعف، وأيوب بصري [انظر: تاريخ دمشق (59/ 414)، شرح علل الترمذي (2/ 774)].

ج - ورواه عبيد اللَّه بن عمرو الرقي [ثقة، وليس بالثبت في أيوب]، عن أيوب، عن

ص: 18

أبي قلابة وحميد بن هلال، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت رديف أبي طلحة، وركبتي تمس ركبة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزالوا يصرخون بهما جميعًا بالحج والعمرة.

أخرجه أبو يعلى (7/ 202/ 4191)، وأبو عوانة (1/ 670/ 1057 - إتحاف المهرة)، والطحاوي (2/ 153)، والطبراني في الأوسط (1/ 248/ 814).

قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أيوب عن حميد بن هلال إلا عبيد اللَّه بن عمرو".

د - وروى أبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، ويونس بن محمد المؤدب، وسريج بن النعمان [وهم ثقات]:

حدثنا فليح، عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن أنس بن مالك أنه أخبره؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة صلى الظهر بالشجرة سجدتين.

وهو حديث صحيح، أصله في صحيح البخاري (904)، وتقدم تخريجه برقم (1084).

وهذا الحديث يخالف حديث محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، وأبي قلابة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين.

ويوافق حديث أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن الحسن، عن أنس بن مالك؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر، ثم ركب راحلته فلما علا على جبل البيداء أهلَّ.

أخرجه أبو داود (1774)، ويأتي تخريجه في موضعه.

ويوافق حديث قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج.

أخرجه مسلم (1243)، ويأتي تخريجه عند أبي داود برقم (1752).

ويمكن الجمع بينها بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم انطلق إلى ذي الحليفة فأدرك العصر بها، وصلاها ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم مكث بها حتى صلى الظهر، ثم أشعر بدنته، وأهل بالحج والعمرة، وارتحل متجهًا إلى مكة.

ولا يعارض ذلك رواية وهيب المتقدمة المشعرة بأنه ارتحل بعد صلاة الصبح، فلعله تهيأ لذلك ثم عرض له عارض فأخر الارتحال حتى صلى الظهر، ثم ارتحل، واللَّه أعلم.

• ولحديث أنس طريق أخرى في غاية الوهاء [أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (1/ 139)][وفي إسناده: يوسف بن خالد السمتي، وهو: متروك، كذبه ابن معين والفلاس وأبو داود، ورماه ابن حبان بالوضع. انظر: التهذيب (4/ 454)، وابنه: خالد بن يوسف، وهو: ضعيف. انظر: الثقات (8/ 226)، الكامل (3/ 45)، الميزان (1/ 648)، اللسان (3/ 350)].

ص: 19

• وحديث أنس هذا له طرق أخرى ليس هذا موضع ذكرها، وإنما أذكر متابعات لحديث أنس في صلاته بذي الحليفة ركعتين، أو متابعات لحديث أيوب عن أبي قلابة عن أنس بطوله، واللَّه أعلم.

° قال أبو بكر ابن المنذر في الأوسط (4/ 354): "يلزم المقيم ما دام مقيمًا إتمام الصلاة، فإذا عزم على السفر وخرج من منزله ولم يبرز عن قريته؛ واختلفوا في أمره؛ فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يبرز عن بيوت القرية، فإذا برز عنها قصر إذا كان سفره يُقصر في مثله الصلاة، إذ لا أعلم أحدًا يمنعه من ذلك، ولا نعلم النبي صلى الله عليه وسلم قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة، فأما ما روي عن مجاهد فقد تكلم في إسناده، والسُّنَّة تدل على خلافه، صلى النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة ركعتين، وليس بينها وبين المدينة يوم ولا نصف يوم"، قلت: بل أقل من نصف يوم يقينًا، فإنه صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم أدرك العصر بذي الحليفة فصلاها ركعتين، ويقع ذلك يقينًا في أقل من نصف النهار؛ فإن نصف النهار ينقضي بزوال الشمس ودخول وقت الظهر [وكان حينها يدخل في قرابة الساعة (12: 36)]، ثم إدراكه صلى الله عليه وسلم العصر بذي الحليفة يقتضي أنه صلاها في وقتها وقبل اصفرار الشمس [وكان وقت العصر حينها يدخل في قرابة الساعة (3: 53)]، فيكون ذلك قبل انقضاء النصف الثاني من النهار بساعة أو أكثر على اختلاف الفصول [حيث إن الشمس تغرب في هذا الوقت من السنة قريبًا من الساعة (6: 21)]، لاسيما لو قلنا بأن ذلك كان في الخامس والعشرين من ذي القعدة تقريبًا [قالت عائشة: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة. البخاري (1709 و 1720 و 2952)، مسلم (1211/ 125)]، وذلك يوافق (22/ 2/ 632) الثاني والعشرين من شهر فبراير لسنة (632) ميلادية؛ يعني: أن ذلك كان في فصل الربيع، وبناء على ذلك فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قطع هذه المسافة فيما بين أربع وخمس ساعات، فإذا ضاعفنا هذا الزمن ليكتمل اليوم التام، وضربنا نفس العامل في طول المسافة بين المسجد النبوي وذي الحليفة، أمكننا الحصول على المسافة المقطوعة في اليوم التام، واللَّه أعلم.

* وفي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة ركعتين أحاديث، منها:

1 -

حديث عمر بن الخطاب:

رواه شعبة، عن يزيد بن خمير الهمداني، قال: سمعت حبيب بن عبيد، يحدث عن جبير بن نفير، عن ابن السمط، قال: رأيت عمر بن الخطاب يصلي بذي الحليفة ركعتين [وفي رواية: كأنه يريد مكة]، فسألته عن ذلك، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يفعل.

وفي رواية: عن جبير بن نفير، قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلًا، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يفعل.

ص: 20